الدين

الفوائد المنتخبة من أحاديث الصيام من صحيح البخاري #4

  • انتقاها: مضحي بن عبيد الشمري
انتقل الى الجزء الأولانتقل الى الجزء الثانيانتقل الى الجزء الثالث

الحديث الثالث والأربعون

عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت: كانَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يصومُ حتى نقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يصومُ، فما رأَيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – اسْتَكْمَلَ صيامَ شهرٍ إلا رمضانَ، وما رأَيتُهُ أكثرَ صياماً منهُ في شعبان. وكانَ يصومُ شعبانَ كُلَّهُ.

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: “أدومها وإن قلّ”، وكان يقول:

“خُذوا منَ العمَلِ ما تُطيقونَ، فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، سدِّدُوا وقارِبُوا وأبْشِرُوا، وَاعْلَمُوا أنْ لنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُم عَمَلُهُ الجنَّةَ”. قالوا: ولا أنْتَ يا رسُولَ الله؟ قالَ: “ولا أنا؛ إلا أنْ يَتَغَمَّدَني الله بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمةٍ”، وأَحَبُّ الصَّلاةِ إلى النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ما دُووِمَ عليهِ؛ وإنْ قَلَّتْ، وكانَ إذا صَلَّى صلاةً داومَ عليها.

 

الحديث الرابع والأربعون

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «مَا صَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ»، “وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ يَصُومُ”.

فيهما فوائد:

  • قولها: “كانَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يصومُ حتى نقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يصومُ”، قال المهلب: فيه من الفقهِ أن أعمالَ التطوعِ ليست منوطةً بأوقاتٍ معلومة، وإنما هي على قدرِ الإرادةِ لها، والنشاطِ فيها. (نقله ابن بطال في شرحه 4/115).
  • قال الإمام الترمذي: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: “هُوَ جَائِزٌ فِي كَلاَمِ العَرَبِ، إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلاَنٌ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ”، كَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَدْ رَأَى كِلاَ الحَدِيثَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ، يَقُولُ: إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ الشَّهْرِ.(جامع الترمذي 2/106).
  • قال النووي: إِنْ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ؛ فَكَيْفَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي شَعْبَانَ دُونَ الْمُحَرَّمِ؟ فَالْجَوَابُ: لَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ إِلَّا فِي آخِرِ الْحَيَاةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ صَوْمِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَعُ مِنْ إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِيهِ؛ كَسَفَرٍ، وَمَرَضٍ، وَغَيْرِهِمَا. (النووي – شرح مسلم 8/37).
  • فيه أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخَلِيَ شَهْرًا مِنْ صِيَامٍ. (النووي – شرح مسلم 8/37).
  • فيه أَنَّ صَوْمَ النَّفْلِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ السَّنَةِ صَالِحَةٌ لَهُ، إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ. (النووي – شرح مسلم 8/37).
  • قال المهلب: إنما حضّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمتَهُ على القصدِ والمداومةِ على العملِ وإن قلّ: خشيةَ الانقطاع عن العمل الكثير، فكأنه رجوعٌ في فعلِ الطاعات، وقد ذمّ الله ذلك. (نقله عنه ابن بطال 10/179).
  • سببُ محبته -صلى اللَّه عليه وسلم- الدائمَ: أن فاعِلَهُ لا ينقطعُ عن عملِ الخير، ولا ينقطعُ عنه الثوابُ والأجرُ، ويجتمعُ منه الكثير؛ وإن قلّ العملُ في الزمان الطويل، ولا تزالُ صحائفُهُ مكتوبةً بالخير، ومَصعَدُ عملِهِ معمورًا بالبرّ، ويحصلُ به مشابهةُ الملائكةِ في الدوام. (القرطبي – المفهم 2/376).
  • قال ابن الجوزي: مداومُ الْخَيْرِ ملازمٌ للْخدمَة، فَكَأَنَّهُ يتَرَدَّدُ إِلَى بَابِ الطَّاعَة كلَّ وَقت، فَلَا يُنْسَى من الْبرِّ لتردده، وَلَيْسَ كمن لَازم الْبَاب يَوْمًا دَائِما ثمَّ انْقَطع شهرًا كَامِلًا. (كشف المشكل 4/278).
  • قوله: “وَاعْلَمُوا أنْ لنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُم عَمَلُهُ الجنَّةَ” فيه أنه لو كانت أعمالُ المؤمنينَ تُدْخِلُهُم الجنةَ= لكانت توازي أَمَدًا معلومًا ثم ينقطع، فلما كانت الإحالة على رحمة الله= دَلَّ ذلك على أنهم مُخَلَّدُونَ بالرحمة، وتمتدُّ لهم فلا تُنْزَعُ منهم أبدًا. (ابن هبيرة – الإفصاح 6/250).
  • قال ابن الجوزي: إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: “لنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُم عَمَلُهُ الجنَّةَ” وَقد قَالَ: (ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ) [النَّحْل: 32] ؟ فَالْجَوَاب: من أَرْبَعَةِ أوجه: أَحدُهَا: أَنه لَوْلَا رَحْمَةُ الله السَّابِقَة الَّتِي كتب بهَا الْإِيمَانَ فِي الْقُلُوب، ووفق للطاعات= مَا نجا أحدٌ، وَلَا وَقع عملٌ تحصُلُ بِهِ النجَاةُ، فالتوفيقُ للْعَمَلِ من رَحمته أَيْضًا. وَالثَّانِي: أَن مَنَافِعَ العَبْدِ لسَيِّدِهِ، فعملُهُ مُسْتَحقٌّ لمَوْلَاهُ، فَإِن أنعمَ عَلَيْهِ بالجزاء فَذَلِك بفضله، كَالْمكَاتَبِ مَعَ الْمولى. وَالثَّالِث: أَنه قد رُوِيَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَن نفسَ دُخُولِ الْجنَّة بِالرَّحْمَةِ، واقتسامِ الدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ. وَالرَّابِع: أَن أَعمالَ الطَّاعَاتِ كَانَت فِي زمنٍ يسير، وثوابُها لَا يبيدُ أبدا، فالمقامُ الَّذِي لَا ينْفد فِي جَزَاءِ مَا نفد= بِفضلِ الله، لَا بِمُقَابلَةِ الْأَعْمَال. (كشف المشكل 3/110). وقال ابن القيم بعد أن ذكر القول الثاني: وأحسنُ من هذا أن يُقَال: الباءُ المقتضيةُ للدخول غيرُ الباء التي نُفِيَ معها الدخول؛ فالمقتضيةُ هي باءُ السببية الدالَّة على أن الأعمال سببٌ للدخول، مقتضيةٌ له؛ كاقتضاء سائر الأسباب لمُسَبَّباتها، والباءُ التي نُفِيَ بها الدخولُ هي باءُ المُعاوَضة والمقابلة، التي في نحو قولهم: اشتريتُ هذا بهذا. (مفتاح دار السعادة 1/20). قال ابن حجر بعد ذكر جميعِ الأقوال السابقة: وَيَظْهَرُ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ جَوَابٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَلٌ: لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْعَامِلُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، مَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْرُ الْقَبُولِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ لِمَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: (ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ) أَيْ: تَعْمَلُونَهُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَقْبُولِ، وَلَا يَضُرُّ بَعْدَ هَذَا أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلْإِلْصَاقِ أَوِ الْمُقَابَلَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً. (فتح الباري 11/296).

 

الحديث الخامس والأربعون

عن أَنَسٍ رضيَ الله عنهُ: دخلَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بتَمرٍ وَسَمْنٍ، قال: “أَعِيدوا سَمْنَكُمْ في سِقائِهِ، وَتَمْرَكُمْ في وعائِهِ؛ فَإنِّي صائِمٌ”. ثمّ قامَ إلى ناحِيةٍ من البيْتِ فَصلّى غيرَ المكتوبَةِ، فَدعا لأُمِّ سُلَيْمٍ وأَهْلِ بَيتِها. فقالتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يا رسولَ الله! إنَّ لي خُوَيْصةً قال: “ما هيَ؟ “. قالتْ: خادِمُكَ أَنَسٌ. فما تركَ خَيرَ آخِرَةً ولا دُنْيا إلا دعا لي بهِ: “اللَّهُمَّ ارزُقْهُ مالاً وولداً، وبارِكْ له”. فإنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصارِ مالاً، وحَدَّثَتني ابْنَتي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلبي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وعِشرُونَ ومائَةٌ.

فيه فوائد:

  • فيه حجةٌ لمالكٍ والكوفيينَ أن الصائمَ المتطوعَ= لا ينبغي له أن يفطرَ بغير عذرٍ ولا سببٍ موجبٍ للإفطار، وليس هذا الحديثُ بمعارضٍ لإفطارِ أبي الدرداءِ حين زاره سلمانُ وامتنعَ من الأكلَ إن لم يأكلْ معه، وهذه توجبُ الإفطارَ؛ لأن للضيفَ حقًا كما قال عليه السلام. (ابن بطال 4/127).
  • فيه تُحْفَةُ الزَّائِرِ بِمَا حَضَرَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ. (ابن حجر – الفتح 4/229).
  • قوله: “أعيدوا سمنَكم في سقائه” فِيهِ حِفْظُ الطَّعَامِ، وَتَرْكُ التَّفْرِيطِ فِيهِ. (ابن حجر – الفتح 4/229).
  • قال المهلب: فيه أن الصائمَ إذا دعيَ إلى طعامٍ فليدعُ لأهلِهِ بالبركة= يؤنِسُهُمْ بذلكَ ويَسُرُّهُمْ. (نقله ابن بطال – شرحه 4/128).
  • فيه دليل على جوازِ رَدِّ الهديةِ والطعامِ المبذول إذا لم يكن في ذلك سوءَ أدبٍ على باذِلِه ومُهْديه، ولا نقيصةَ عليه. (ابن بطال – شرحه 4/128).
  • فيه جوازُ أن يصليَ النافلةَ في جماعة. (ابن هبيرة – الإفصاح 5/186).
  • مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَمَامَ طَلَبِ الْحَاجَةِ. (ابن حجر – الفتح 4/229).
  • قول أمِّ سليم: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً” فيه أن تصغيرَ اسمِ الرجلِ على معنى التَّعَطُّفِ له، والترحمِ عليه، والمودةِ له، لا يُنقصُه ولا يَحُطُّه. (ابن بطال – شرحه 4/128).
  • فِيهِ إِيثَارُ الْوَلَدِ عَلَى النَّفْسِ. (ابن حجر – الفتح 4/229). قلت: وذلك في طلبِ أم سليمٍ الدعاءَ لأنس، ولم تذكر نفسها.
  • فيه جَبْرُ خَاطِرِ الْمُزَوِّرِ إِذَا لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ. (ابن حجر – الفتح 4/229).
  • بوب عليه ابن حبانَ فقال: “ذِكْرُ إِبَاحَةِ دُعَاءِ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ”. (صحيحه 3/296).
  • فيه ما يدلُّ على أن كثرةَ المالِ والولدِ= ليس بمكروهٍ على الإطلاق؛ ولكنه قد يكونُ سبيلَ خيرٍ وبركةٍ وفلاحٍ، فإن رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – لم يكن يدعو لأنسٍ إلا لما يكونُ فيه الخيرَ لدينه، ولاسيما وقد بلغَ ولدُهُ على ما يزيدُ على مئةِ مسلم، فهؤلاء يدخلُ الوالدُ بواحدٍ منهمُ الجنة. (ابن هبيرة – الإفصاح 5/185).
  • فيه أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – دعا لأنسٍ بما رآه هو -صلى الله عليه وسلم-، ولم يَكِلْهُ إلى اختيارِ غيرِه، فإنه لم يأتِ عن أمِّ سليمٍ أنها التَمَسَتِ الدعاءَ لولدِها بولدٍ ولا بمال، ولكن فَوَّضَتْ ذلك إلى اختيارِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فدعا له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدعواتٍ فيها ذلك، فكان من بركةِ دعاءِ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – أنه لم يضرَّهُ المالُ والولد. (ابن هبيرة – الإفصاح 5/186).
  • قولُ أنس: “فإنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصارِ مالاً، وحَدَّثَتْنِي ابْنَتي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلبي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ البَصْرَةَ بِضْعٌ وعِشرُونَ ومائَةٌ”، فيه وجوبُ الإخبارِ عن نِعَمِ اللهِ عندَ الإنسانَ، والإعلانِ بمواهِبِهْ، وأن لا يجحدَ نِعَمَهُ، وبذلك أَمَرَ اللهُ تعالى في كتابِهِ فقال: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). (ابن بطال – شرحه 4/128).

 

الحديث السادس والأربعون

عن عمْرانَ بن حُصَينٍ رضي الله عنهُما عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنَّهُ سَألهُ أَوْ سأَلَ رجلاً وعِمرانُ يَسْمَعُ فقال: “يا أبا فُلانٍ! أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هذا الشَّهرِ؟ “. قال: أظُنُّهُ قال: يَعني رمضانَ. قال الرَّجُلُ: لا يا رسولَ الله، قال: “فإذا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَومَينِ”.

فيه فوائد:

  • اختُلِف في الشهر المقصود؛ هل هو شعبان، أو رمضان؟ قال ابنُ حجر: نَقَلَ الْحُمَيْدِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ شَعْبَانَ أَصَحُّ، وَقِيلَ إِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذِكْرُ رَمَضَانَ هُنَا وَهَمٌ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ صَوْمُ جَمِيعه. وَكَذَا قَالَ الدَّاودِيُّ وابنُ الْجَوْزِيّ. (الفتح 4/230).
  • قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْكسَائي وَغَيره: السِّرَار: آخرُ الشَّهْر لَيْلَةَ يستسِرُّ الْهلَال. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَرُبمَا استسر لَيْلَة وَرُبمَا استسر لَيْلَتَيْنِ إِذا تمّ الشَّهْر. ثم قال: في هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَنه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن سِرارِ شعْبَانَ؛ فَلَمَّا أخبرهُ أَنه لم يصمه أمره أَن يقْضِيَ بعد الْفطرِ يَوْمَيْنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَوجهُ الحَدِيثِ عِنْدِي -وَالله أعلم- أَن هَذَا كَانَ من نذرٍ على ذَلِك الرجل فِي ذَلِك الْوَقْت، أَو تطوعٍ قد كَانَ ألزمهُ نَفسَهُ؛ فَلَمَّا فَاتَهُ أمره بِقَضَائِهِ، لَا أعرفُ للْحَدِيث وَجهًا غَيره. (غريب الحديث لأبي عبيد 2/80).
  • ظاهرُ هذا مُخالفٌ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: “لا تُقَدِّمُوا الشهرَ بِيَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْن” فيصحُّ أنْ يُحْمَلَ هذا على أن الرجلَ كان مِمَّن اعتادَ صِيَام السَّرَرِ أو نَذَر ذلك وَخَشِيَ أن يكونَ إذا صام آخرَ شعبان دخلَ في النهي، فيكونُ فيما قال له – صلى الله عليه وسلم – دليلٌ على أنه لا يدخلُ في ذلك الذي نُهِيَ عنه من تَقَدُّمِ الشهر بالصوم، وأنَّ المرادَ بالنهيِ مَن هو على غير حالته. (المازَري – المعلم 2/64).
  • بوب عليه البخاري فقال: “بَابُ الصَّوْمِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ” قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنَيِّرِ: أَطْلَقَ الشَّهْرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهْرٌ مُقَيَّدٌ وَهُوَ شَعْبَانُ، إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَعْبَانَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّدْبُ إِلَى صِيَامِ أَوَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ؛ لِيَكُونَ عَادَةً لِلْمُكَلَّفِ، فَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ. (نقله ابن حجر في الفتح 4/230).
  • فيه مَشْرُوعِيَّةُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ. (ابن حجر – الفتح 4/232).

 

الحديث السابع والأربعون

عن مُحَمدِ بنِ عَبَّادٍ قال: سَألتُ جابراً رضيَ الله عنهُ: نَهى النَّبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عن صَومِ يومِ الجُمعةِ؟ قال: نعمْ.

 

الحديث الثامن والأربعون

عن أَبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يقول: “لا يَصومَنَّ أَحَدُكمْ يومَ الجمعَةِ، إلاَّ يومَاً قَبلَهُ أَو بَعدَهُ”.

 

الحديث التاسع والأربعون

عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارثِ رضيَ الله عنها، أَنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – دخلَ عليها يومَ الجمعةِ؛ وهيَ صائمةٌ، فقالَ:”أَصُمْتِ أَمْسِ؟ “. قالتْ: لا، قالَ: “تُريدينَ أَنْ تَصومينَ غَداً؟ “. قالتْ: لا، قالَ: ” فَأَفْطِري”.

فيها فوائد:

  • قال ابن دقيق العيد: النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِهِ مُفْرَدًا، كَمَا تَبَيَّنَ فِي [هذه الأحاديث]، وَلَعَلَّ سَبَبَهُ: أَنْ لَا يُخَصَّ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ بِعِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لِمَا فِي التَّخْصِيصِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ فِي تَخْصِيصِ السَّبْتِ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إلَّا أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ لَا يَخُصُّونَ يَوْمَ السَّبْتِ بِخُصُوصِ الصَّوْمِ، فَلَا يَقْوَى التَّشَبُّهُ بِهِمْ، بَلْ تَرْكُ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَقْرَبُ إلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ النَّهْيُ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ كَرَاهَتُهُ مِنْ قَاعِدَةِ كَرَاهَةِ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ، وَمَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّخْصِيصُ لِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَقَدْ أَبْطَلَ تَخْصِيصَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَعَلَّهُ يَنْضَمُّ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى: أَنَّ الْيَوْمَ لَمَّا كَانَ فَضِيلًا جِدًّا عَلَى الْأَيَّامِ، وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، كَانَ الدَّاعِي إلَى صَوْمِهِ قَوِيًّا، فَنَهَى عَنْهُ، حِمَايَةً أَنْ يَتَتَابَعَ النَّاسُ فِي صَوْمِهِ، فَيَحْصُلُ فِيهِ التَّشَبُّهُ أَوْ مَحْذُورُ إلْحَاقِ الْعَوَامِّ إيَّاهُ بِالْوَاجِبَاتِ إذَا أُدِيمَ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى صَوْمِهِ، فَيُلْحِقُونَ بِالشَّرْعِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَهُ مُفْرَدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ. (إحكام الأحكام 2/33). وزاد ابنُ العطار فقال: قال بعضهم: يومُ الجمعةِ يومُ دعاءٍ وذكرٍ وعبادة؛ من الغسلِ والتبكيرِ إلى الصَّلاةِ، وانتظارِها، واستماعِ الخُطْبَةِ، وإكثارِ الذِّكْرِ بعدها؛ لقولِ الله – عز وجل -: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)، وغيرِ ذلك من العباداتِ في يومها، ويستحبُّ الفِطْرُ فيه؛ ليكونَ أعونَ له على هذه الوظائف، وأدائِها بنشاطٍ وانشراح لها، والتذاذٍ بها من غير مللٍ ولا سآمة، وهو نظيرُ صومِ الحاجِّ يومِ عرفةَ بعرفة؛ فإنَّ السُّنَّة فيه الفِطْر؛ لهذه الحكمة، فإن قيلَ: لو كان الأمرُ كما ذكرتم من العلَّةِ والحكمة، لم يزلِ النهيُ والكراهةُ بصومٍ قبلَهُ أو بعدَهُ؛ لبقاءِ هذا المعنى، والجوابُ أنه يحصلُ له بفضيلة الصوم الَّذي قبله أو بعده ما يجبرُ ما قد يحصُلُ من فتورٍ أو تقصيرٍ في وظائفِ يومِ الجمعةِ بسببِ صومه، فهذا هو المعتمدُ في الحكمةِ في النَّهيِ عن إفراد صوم. (العدة 2/902).
  • فِيه الِاكْتِفَاء فِي الْجَواب بنعم مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْأَمْرِ الْمُفَسَّرِ بِهَا. (ابن حجر – الفتح 4/233).

 

الحديث الخمسون

عن عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِعائشةَ رضيَ الله تعالى عنها: يا أُمَّ المؤمِنين! كيف كانَ عملُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -؟ هل كان يَخْتَصُّ من الأَيَّامِ شَيئاً؟ قالت: لا، كانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وأَيُّكُمْ يُطيق (وفي روايةٍ: يستطيعُ) ما كانَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يُطيقُ (وفي روايةٍ: يَستطيع)؟

فيه فوائد:

  • قولها: (ديمة) أي دائمًا، لا ينقطع، ولذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا يُقلع أياماً: ديمة. (أعلام الحديث 2/978).
  • قال ابن بطال: معناه: أنه كان لا يَخُصُّ شيئًا من الأيامِ دائمًا ولا راتبًا، إلا إنه قد جاء عنه عليه السلام أنه كان أكثرُ صيامِهِ في شعبان، وقد حضَّ عليه السلام على صيامِ الإثنين والخميس، ذكره عبدُ الرزاق وغيره، لكن كان صيامُهُ عليه السلام على حسبِ نشاطِهِ، فربما وافق الأيامَ التي رَغِبَ فيها، وربما لم يوافِقْهَا. (شرحه 4/132). قلتُ: صيامُ الإثنين ثابتٌ عنه صلى الله عليه وسلم لا شك فيه، أما صيام الخميس فثابتٌ عن السلف، أما ثيونه عن النبي صلى الله عليه وسلم فمحل خلاف.
  • فيه الحثُّ على القصدِ والمداومة في العمل، كما مرَّ معنا في عدة أحاديث.

 

الحديث الحادي والخمسون

عن مَيمونَةَ رضيَ الله عنها: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا في صيامِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – يومَ عَرَفَةَ؟ فَأَرْسَلَتْ إليهِ بِحِلابٍ وهو واقِفٌ في الموقِفِ، فَشَرِبَ مِنهُ والنَّاسُ يَنظُرونَ.

فيه فوائد:

  • قال الخطابي: الحِلَاب ههنا اللبنُ المحلوب، وقد يكونُ الحلابُ أيضًا الإناءَ الذي يُحْلَبُ فيه اللبن، وفيه الاستحبابُ للإفطارِ بعرفةَ لمن شَهِدَهَا، وإنما جاء الترغيبُ لمن غاب عنها. (أعلام الحديث 2/982).
  • قال المهلب: في شُربِهِ عليه السلام اللبنَ يومَ عرفة: أن العِيَانَ أقطعُ الحُجَجِ، وأنه فوقُ الخبر، وقد قال عليه السلام: “ليس الخبر كالمعاينة”. (نقله ابن بطال في شرحه 4/134).
  • فيه الْمُنَاظَرَةُ فِي الْعِلْمِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالتَّحَيُّلُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ. (ابن حجر – الفتح 4/238).
  • فيه إِبَاحَةُ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ الْمَوْثُوقِ بدينها، ولا يُشترطُ أَنْ يَسْأَلَ هَلْ هُوَ مِنْ مَالِهَا أَمْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، أَوْ أَنَّهُ أَذِنَ فِيهِ أَمْ لَا إِذَا كَانَتْ مَوْثُوقًا بِدِينِهَا. (النووي – شرح مسلم 8/2).
  • فيه ذكاءُ ميمونة رضي الله عنها، حيثُ أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا؛ لأنه لو سئل وأجاب= فمن سامعٍ ومن غيرِ سامع، لكن إذا كان على بعيرٍ وهو واقف، وشَرِبَ والناس ينظرون إليه= صار هذا أبلغ. (العثيمين – التعليق على مسلم 5/383).
  • فيه اسْتِحْبَابُ الْوُقُوفِ [في عرفة] رَاكِبًا. (النووي – شرح مسلم 8/2).
  • فيه: نظر الناس إلى فعله – عليه السلام -؛ ليتأسوا به. (ابن الملقن – التوضيح 13/502).

 

الحديث الثاني والخمسون

عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ” هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ”.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ شَهِدْتُهُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: “إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلاَثٍ”.

فيه فوائد:

  • في دليلٌ على تحريمِ الصَّومِ يومَي العيدِ بكلِّ حال، سواءٌ صامَهُمَا عن نذرٍ، أو تطوعٍ، أو كفارةٍ، أو غيرِ ذلك؛ من قضاءِ فرضٍ، أو متمتِّعٍ، وهذا كله إجماعٌ من الأئمة لا نزاعَ فيه. (ابن العطار – العدة 2/906).
  • فيه دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْخَطِيبَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي خُطْبَتِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ، كَذِكْرِ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَفِيهِ إشْعَارٌ وَتَلْوِيحٌ بِأَنَّ عِلَّةَ الْإِفْطَارِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى: الْأَكْلُ مِنْ النُّسُكِ. (ابن دقيق العيد – إحكام الأحكام 2/36).
  • فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَكْلِ مِنَ الضَّحَايَا وَسَائِرِ النُّسُكِ وَإِنْ كَانَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ إِلَّا أَنِّي أَقُولُ: الْأَكْلُ مِنَ الْهَدْيِ بِالْقُرْآنِ وَمِنَ الضَّحِيَّةِ بِالسُّنَّةِ. (ابن عبد البر – التمهيد 10/267).
  • فيه: الإيماءُ والتَّنبيهُ على عِلَلِ الأحكام، إمَّا بالتَّسميةِ اللازمةِ للوصفِ الشَّرعي، وإمَّا بما يلازِمُهُ من فعلٍ أو حال. (ابن العطار – العدة 2/908).
  • فيه دليلٌ: على أنَّ من سمعَ عِلْمًا= يجوزُ له روايته، وإن لم يأذنْ له المسموعُ منه في ذلك. (ابن العطار – العدة 2/908).
  • قول عثمان: “ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ” اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِسُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى الْعِيدَ إِذَا وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: “أَذِنْتُ لَهُ” لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ الْعَوْدِ، وَأَيْضًا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ؛ لِبُعْدِ مَنَازِلِهِمْ عَنِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ. (ابن حجر – الفتح 10/27). قلت: وفي المسألة بحثٌ يطول.
  • قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي إِجَازَةِ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثٍ وَقَبْلَ ثَلَاثٍ وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ.. لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ. (التمهيد 3/216). قلت: استدَلَّ ابنُ عبد البر بما جاء في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَن بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا مِنْ الْعَامِ الْمَاضِي؟ قَالَ كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْت أَنْ تُعِينُوا فِيهَا». لكن: ذهب جمعٌ من العلماء إلى أن هذا ليس نسخًا، وَلَكِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ لِعِلَّةٍ؛ فَلَمَّا زَالَتْ زَالَ، وَلَوْ عَادَتْ لَعَادَ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ -يعني هذا الحديث- ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا كَانَ عَامَ حَضْرَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي قَدْ أَلْجَأَتْهُمْ الْفِتْنَةُ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حِينَ جَهِدَ النَّاسُ وَدَفَّتْ الدَّافَّةُ. (طرح التثريب 5/197).

 

الحديث الثالث والخمسون

عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، – قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الِاثْنَيْنِ -، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: “أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا اليَوْمِ”. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21] لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الأَضْحَى وَالفِطْرِ، وَلاَ يَرَى صِيَامَهُمَا، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه.

فيه فوائد:

  • قال ابن بطال: لو نذرَ ناذرٌ صيامَ يومٍ بعينِهِ فوافَقَ ذلك يومَ فطرٍ أو أضحى، فأجمعوا أنه لا يصومُهُمَا، واختلفوا في قضائهما. (شرحه 4/136).
  • قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: يُحْتَمَل أَن يكونَ ابنُ عُمَرَ أَرَادَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الدَّلِيلِينَ يُعْمَلُ بِهِ؛ فَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَ يَوْمِ النَّذْرِ، وَيَتْرُكُ الصَّوْمَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَيَكُونُ فِيهِ سَلَفٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوب الْقَضَاء. وَزعم أَخُوهُ ابنُ الْمُنِيِّر فِي الْحَاشِيَة أَن أبنَ عُمَرَ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ عَامٌّ، وَالْمَنْعَ مِنْ صَوْمِ الْعِيدِ خَاصٌّ؛ فَكَأَنَّهُ أَفْهَمَهُ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَتَعَقَّبَهُ أَخُوهُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ أَيْضًا عُمُومٌ لِلْمُخَاطَبِينَ وَلِكُلِّ عِيدٍ، فَلَا يَكُونُ مِنْ حَمْلِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابنُ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى؛ وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ إِذَا الْتَقَيَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ وَالرَّاجِحُ: يُقَدَّمُ النَّهْيُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَصُمْ. (ابن حجر – الفتح 4/241).
  • فيه أن الأولى بالمفتي أن يقرنَ الحكمَ بِذِكْرِ الدليل، كما فعل ابنُ عمرَ هنا.

 

الحديث الرابع والخمسون

عن هِشامٍ قال: أخبرني أَبي: كانت عائشةُ رضيَ الله عنها تصومُ أيامَ مِنىً، وكانَ أَبوهَا يَصومُها.

 

الحديث الخامس والخمسون

عن عائشةَ وعَنِ ابنِ عُمرَ رضيَ الله عَنْهم قالا: لم يرَخَّصْ في أَيامِ التَّشريقِ أَن يُصَمْنَ؛ إلا لِمنْ لم يَجِدِ الهَدْيَ. وقالَا: الصيام لِمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمرةِ إلى الحجِّ إلى يومِ عَرَفةَ؛ فإن لم يَجد هَدْياً ولم يَصُمْ؛ صامَ أَيامَ مِنىً.

فيه فوائد:

  • أيامُ التشريقِ هيَ أيامُ مِنَى، وهي الأيامُ المعدودات، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. (ابن بطال – شرحه 4/137).
  • قَالَ أَبُو عبيد: وأمّا قَوْلهم: “أَيَّامُ التَّشْرِيق” فَإِن فِيهِ قَوْلَيْنِ: يُقَال: سميت بذلك لأَنهم كَانُوا يُشَرِّقون فِيهَا لُحُومَ الْأَضَاحِي. وَيُقَال: بل سُمِّيَتْ بذلكَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ لصَلَاةِ يَوْمِ النَّحْر. يَقُول: فَصَارَت هَذِه الْأَيَّامُ تبعًا ليَوْمِ النَّحْر، وَهَذَا أعجبُ الْقَوْلَيْنِ إليّ. (غريب الحديث لأبي عبيد 3/453).
  • قولُ عائشةَ وابنِ عمر: “لم يرَخَّصْ في أَيامِ التَّشريقِ أَن يُصَمْنَ” اسْتُدِلَّ بِه عَلَى أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ لَا يُصَامُ بِالِاتِّفَاقِ، وَصِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هِيَ الْمُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهَا وَالْمُسْتَدِلُّ بِالْجَوَازِ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ: (فمن لم يجد فصيام ثلاثةِ أيامٍ في الحج) فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ. (ابن حجر – الفتح 4/244).
  • قال ابن عبد البر: قال الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) وأجمع العلماءُ على أن الثلاثةَ الأيام: إن صامها قبلَ يومِ النحر= فقد أتى بما يلزَمُهُ من ذلك، ولهذا قال من قال من أهلِ العلمِ بتأويلِ القرآن: في قوله (ثلاثةِ أيامٍ في الحج) قال: آخرها يومُ عرفة. وكذلك أجمعوا أنه لا يجوز له ولا لغيره صيامُ يومِ النحر، واختلفوا في صيامِ أيامِ منى إذا كان قد فَرَّطَ فلم يَصُمْهَا قبلَ يومِ النحر. (الاستذكار 4/414).
  • قال ابن حجر: الرَّاجِحُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ جَوَازُهَا لِلْمُتَمَتِّعِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَي عَائِشَةَ وابنِ عُمَرَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُورِدْ غَيْرَهُما. (فتح الباري 4/242). وقال المهلب: ومن حجةِ مالكٍ -يعني على الجواز- قولُ عمرَ بنِ الخطابِ في يومِ الفِطْرِ والنحر: “إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ” فخَصَّ اليومينِ بالنهي، وبَقِيَتْ أيامُ التشريقِ مباحة، فأما قولُهُ عليه السلام: “فإنها أيامُ أكلٍ وشرب” فإنما يَخْتَصُّ بذلك من لم يكنْ عليه صومٌ واجب، فعلى هذا تتفقُ الأحاديث. (نقله عنه ابن بطال في شرحه 4/139).

 

الحديث السادس والخمسون

عن حُميدِ بنِ عَبدِ الرحمنِ، أَنَّهُ سَمع مُعاويةَ بنَ أَبي سُفيانَ رضيَ الله عَنهُما يومَ عاشوراءَ عامَ حَجَّ؛ على المِنْبَرِ يَقولُ: يا أَهْلَ المدينَةِ! أَيْنَ عُلماؤُكُمْ؟ سمعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يَقولُ: “هذا يَومُ عاشوراءَ، ولم يُكتَبْ عَليكمْ صِيامُهُ، وأَنا صائِمٌ، فَمنْ شاءَ فَليَصُمْ، ومن شاءَ فَليُفْطِرْ”.

 

الحديث السابع والخمسون

عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما قالَ: قَدِمَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – المدينةَ، فرأَى اليهودَ تَصومُ يومَ عاشوراءَ، فقالَ: “ما هذا؟ “. قالوا: هذا يومٌ صَالحٌ (وفي روايةٍ: عَظيمٌ)، هذا يَومٌ نَجَّى الله بَني إسرائِيلَ من عَدُوِّهِمْ (وفي روايةٍ: هو اليومُ الذي أَظْهر الله فيه موسى وبَني إسْرائيلَ على عدوِّهم)، فَصامَهُ مُوسى شكراً لله؛ ونحنُ نَصومُهُ تَعْظيماً لهُ، قال: “فَأَنا أَحَقُّ (وفي روايةٍ: نحن أَوْلى) بموسى مِنكُمْ”. فَصامَهُ، وأَمَرَ بِصيامِهِ (وفي أُخرى: “أَنْتُمْ أَحَقُّ بموسى مِنهمْ، فَصوموا”).

 

الحديث الثامن والخمسون

عن أَبي مُوسى رضيَ الله عنه قالَ: كانَ يومُ عاشوراءَ تَعُدُّهُ اليهودُ عيداً، (وفي روايةٍ قال: دخلَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – المدينةَ، وإذا أُناسٌ من اليهود يعظمونَ عاشوراءَ ويصومونَهُ، فقال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “نحنُ أَحَقُّ بِصومِهِ، فَصوموهُ أَنْتُمْ”.

 

الحديث التاسع والخمسون

عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قالَ: ما رأَيْتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَتَحَرَّى صِيامَ يَومٍ فَضَّلهُ على غَيرهِ إلا هذا اليومَ، يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ. يَعني شهرَ رمضانَ.

 

الحديث الستون

عَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُما قالَ: كانَ عاشوراءُ يَصومُهُ أَهلُ الجاهِليةِ، وصَامَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عَاشوراءَ، وَأَمَرَ بصيِامِه، فَلمَّا فُرِضَ رَمضانُ تُرِك، قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: “يوم عاشوراء مَنْ شاءَ صَامَهُ، ومن شَاءَ لَمْ يَصُمهُ”. قال نافع: وكانَ عَبدُ الله لا يَصومُهُ إلا أَنْ يُوافِقَ صَومَهُ.

فيها فوائد:

  • في حديث معاوية أنه صلى الله عليه وسلم قال: “وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ، فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ، فَلْيُفْطِرْ” قال ابن عبد البر: فيه دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَأَنَا صَائِمٌ” إِلَّا لِفَضْلٍ فِيهِ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ. (التمهيد 7/203). قلت: وقد جاء في فضله عدة أحاديث.
  • فيه جوازُ النسخِ في الشريعة، وبيانُ وقوعِهِ أيضًا، وهو مجمع عليه.
  • فيه نسخُ الأخفِّ بالأثقل؛ كما في نسخِ عاشوراءَ برمضان. (الفاكهاني – رياض الأفهام 2/66).
  • فيه أن الوجوبَ إذا نُسِخَ= بقي الندب. (الكرماني – الكواكب الدراري 9/149).
  • قوله: “كان عاشوراءُ يصومه أهل الجاهلية”: فيه أن أصلَ صومِهِ لم يكنْ موافقًا لأهلِ الكتاب، فيكونُ قوله: “فنحن أحقُّ بموسى منكم” توكيدًا لصومه، وبيانًا لليهود: أن الذي يفعلونه من موافقةِ موسى= نحن أيضًا نفعلُهُ، فنكونُ أولى بموسى منكم. (ابن تيمية – الاقتضاء 1/466). وقال أبو الوليد الباجي: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ تَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ تَرَكَ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَاجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى – عَلَيْهِ السَّلَامُ – صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ نَسَخَ وُجُوبَهُ. (المنتقى 2/58).
  • قوله: “كان عاشوراءُ يصومه أهل الجاهلية” قال القرطبي: لعلهم كانوا يستندونَ في صومه: إلى أنه من شريعة إبراهيمَ وإسماعيلَ صلواتُ الله وسلامُه عليهما؛ فإنهم كانوا ينتسبونَ إليهما، ويستندون في كثيرٍ من أحكامِ الحج وغيرِهِ إليهما. (المفهم 3/191).
  • قوله: “فكان عبد الله لا يصومه” يعني ابنَ عمر. قال ابن عبدالبر: خَفِيَ عَلَيْهِ مَا نَدَبَ إليه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صِيَامِهِ. ثم قال: وَكَانَ طَاوُسٌ لَا يَصُومُهُ، لِأَنَّهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لَمْ يَبْلُغْهُ مَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ، وَلَيْسَ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ عَلَى مَا عَلِمَهُ غَيْرُهُ حُجَّةٌ. (التمهيد 7/208).
  • قال ابن رجب: وكان طائفةٌ من السلف يصومون عاشوراءَ في السفر، منهم: ابنُ عباس، وأبو إسحاق، والزهري، وقال: رمضان له عدةٌ من أيامٍ أُخّرَ، وعاشوراءُ يفوت. ونص أحمدُ على أنْ يُصامَ عاشوراءُ في السفر. (لطائف المعارف ص52).
  • ذكر ابنُ تيميةَ شيئًا من بدع الروافض وغيرهم في عاشوراء؛ ثم قال: وَلَمْ يَسُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لَا شَعَائِرِ الْحُزْنِ وَالتَّرَحِ، وَلَا شَعَائِرِ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ. ثم قال: وإنما كان صلى الله عليه وسلم يصومه، فَهَذَا الَّذِي سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا سَائِر الْأُمُورِ: مِثْلُ اتِّخَاذِ طَعَامٍ خَارِجٍ عَنْ الْعَادَةِ، إمَّا حُبُوبٍ وَإِمَّا غَيْرِ حُبُوبٍ، أَوْ فِي تَجْدِيدِ لِبَاسٍ، أَوْ تَوْسِيعِ نَفَقَةٍ، أَوْ اشْتِرَاءِ حَوَائِجِ الْعَامِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، أَوْ فِعْلُ عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ؛ كَصَلَاةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ، أَوْ قَصْدُ الذَّبْحِ، أَوْ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ لِيَطْبُخَ بِهَا الْحُبُوبَ، أَوْ الِاكْتِحَالُ، أَوْ الِاخْتِضَابُ، أَوْ الِاغْتِسَالُ، أَوْ التَّصَافُحُ، أَوْ التَّزَاوُرُ، أَوْ زِيَارَةُ الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَمْ يَسُنُّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ، وَلَا اسْتَحِبَّهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. (مجموع الفتاوى 25/312).
  • قولُ حُميدِ بنِ عَبدِ الرحمنِ، أَنَّهُ سَمع مُعاويةَ بنَ أَبي سُفيانَ رضيَ الله عَنهُما يومَ عاشوراءَ عامَ حَجَّ؛ على المِنْبَرِ يَقولُ: “يا أَهْلَ المدينَةِ! أَيْنَ عُلماؤُكُمْ”. فيه مِنَ الْفِقْهِ صُعُودُ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ، وَتَنَاوُلُهُ فِي الْخُطْبَةِ الشَّيْءَ يَرَاهُ إِذَا كَانَ فِي تَنَاوُلِهِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ لِيُعَلِّمَهُ مَنْ جَهِلَهُ. (ابن عبد البر – التمهيد 7/216).
  • قَوْلُهُ: “يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ” يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اسْتِدْعَاءَهُمْ لِيَسْمَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ، وَيُبَلِّغُوهُ عَنْهُ، وَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ عِلْمٌ فَيُوَافِقُوهُ وَيُبَلِّغُوهُ إلَى النَّاسِ مَعَهُ. (ابن عبد البر – التمهيد 2/58). وقال القاضي عياض: استدعاؤه العلماءَ: تنبيهٌ لهم على هذا الحكم، أو استعانةٌ بما عندهم منه، أو توبيخٌ إن كان رأى ما أَنْكَرَهُ ولم يبينوه وينكروه. (إكمال المعلم 4/83).
  • قال النووي: قولُ مُعَاوِيَةَ “أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ” إِلَى آخِرِهِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ أَوْ يَكْرَهُهُ فَأَرَادَ إِعْلَامَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ. (شرح مسلم 8/8).
  • اختُلِف في حكم عاشوراء قبل نسخه، هل كان على الوجوبِ أو الاستحباب، وقد أجاد وأطال ابن القيم في تبيين ذلك في (زاد المعاد 2/66)، فليُرجَعْ إليه.
  • قول عبدِ اللهِ بنِ عباس: ” ما رأَيْتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَتَحَرَّى صِيامَ يَومٍ فَضَّلهُ على غَيرهِ إلا هذا اليومَ، يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ. يَعني شهرَ رمضانَ”. قال ابن حجر: أَسْنَدَ ابنُ عباسٍ ذَلِكَ إِلَى عِلْمِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَرُدُّ عِلْمَ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: “إِنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ” وَظَاهِرُهُ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَنْسُوبٌ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ. (الفتح 4/249).

 

الحديث الحادي والستون

عن عبدِ الرحمن بن عبدٍ القارِيِّ، أَنَّهُ قالَ: خَرَجتُ معَ عُمَرَ بن الخطَّابِ رضيَ الله عنهُ لَيلةً في رمضانَ إلى المسجدِ، فإذا النَّاسُ أَوزاعٌ مُتَفَرِّقُونَ؛ يُصلِّي الرَّجُلُ لِنَفسِهِ، ويُصلي الرّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهَ الرَّهْطُ، فقالَ عُمرُ: إنِّي أَرى لَوْ جَمَعتُ هؤلاءِ على قارىءٍ واحِدٍ لكانَ أَمْثَلَ، ثمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعهُ لَيلَةً أُخرى، والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصلاةِ قَارِئِهِمْ، قالَ عُمَرُ: نِعْمَ البِدْعَةُ هذهِ، والتي يَنامُونَ عَنها أَفْضَلُ مِنَ الَّتي يَقومُونَ. يُريدُ آخِرَ اللَّيلِ، وكانَ النَّاسُ يَقومُونَ أَوَّلَهُ.

فيه فوائد:

  • في جمعِ عمرَ للناسِ على قارئٍ واحدٍ دليلٌ على نظرِ الإمامِ لرعيتِهِ في جمعِ كلمتهم وصلاحِ دينهم. (ابن بطال – شرحه 4/146).
  • فيه أن الجماعةَ المُتَّفِقَةَ في عملِ الطاعةِ مرجوٌّ بركتُها، إذ دعاءُ كلِّ واحدٍ منهم يشملُ جماعَتَهُمْ، فلذلك صارت صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة. (ابن بطال – شرحه 4/146).
  • فيه استحبابُ صلاةِ التراويحِ جماعة. (ابن هبيرة – الإفصاح 6/187).
  • فيه أن قيامَ رمضانَ سنةٌ، لأن عمرَ لم يَسُنَّ منه إلا ما كانَ رسولُ اللهِ يُحِبُّه، وقد أخبرَ عليه السلام بالعلةِ التي منعتهُ من الخروجِ إليهم، وهي خشيةُ أن يُفترضَ عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فلما أَمِنَ عمرُ أن تُفْتَرَضَ عليهم في زمانه لانقطاع الوحي= أقامَ هذه السنةَ وأحياها. (ابن بطال – شرحه 4/146).
  • قال المهلب: وفيه أن الأعمال إذا تُرِكَتْ لعلَّةٍ، وزالتِ العلة: أنه لا بأس بإعادة العمل، كما أعادَ عمرُ صلاةَ الليلِ في رمضانَ بالجماعة. (نقله ابن بطال في شرحه 4/147).
  • قال ابن تيمية: هذا الاجتماعُ العام= لَمَّا لم يكنْ قد فُعِلَ سماه بدعة، لأن ما فُعِلَ ابتداءً يُسَمَّى بدعةً في اللغة، وليس ذلك بدعةٌ شرعية؛ فإن البدعةَ الشرعيةَ التي هي ضلالة: هي ما فُعِلَ بغيرِ دليلٍ شرعي؛ كاستحبابِ ما لم يُحِبُّهُ الله، وإيجابِ ما لم يوجِبْهُ الله، وتحريمِ ما لم يُحَرِّمْهُ الله، فلا بد مع الفعلِ من اعتقادٍ يخالف الشريعة، وإلا فلو عمل الإنسانُ فعلًا محرمًا يعتقدُ تحريمَهُ= لم يُقَلْ إنه فعل بدعة. (منهاج السنة 8/307) وبقية كلامه في هذا نفيس، فليُرْجَعْ إليه.
  • قوله: “والتي ينامون عنها أفضل” تنبيهٌ منه على أن صلاةَ التراويحِ آخرَ الليلِ أفضل، وقد أخذ بذلك أهلُ مكةَ؛ فإنه يصلونها بعد أن يناموا. (الطيبي – الكاشف 4/1237).
  • قال ابن حجر: لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي بِهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهَا إِحْدَى عَشْرَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخر وَزَاد فِيهِ وَكَانُوا يقرؤون بِالْمِائَتَيْنِ وَيَقُومُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَرَوَى مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْوِتْرِ وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ أَدْرَكْتُهُمْ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَثَلَاثَ رَكَعَاتِ الْوِتْرَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفِهَا فَحَيْثُ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ تَقِلُّ الرَّكَعَاتُ وَبِالْعَكْسِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ. ثم قال: وَعَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَأَيْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِالْمَدِينَةِ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَبِمَكَّةَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ضِيقٌ وَعَنْهُ قَالَ إِنْ أَطَالُوا الْقِيَامَ وَأَقَلُّوا السُّجُودَ فَحَسَنٌ وَإِنْ أَكْثَرُوا السُّجُودَ وَأَخَفُّوا الْقِرَاءَةَ فَحَسَنٌ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ. (فتح الباري 4/254).

 

الحديث الثاني والستون

عن عَائِشةَ قالتْ: كانَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأَواخِرِ من رمضانَ، ويَقولُ: “تَحَرَّوْا (وفي روايةٍ: التَمِسوا) لَيلَة القدرِ في الوترِ؛ من العَشرِ الأَواخِرِ من رمضانَ”. ثم اعتكف أزواجه من بعده.

 

الحديث الثالث والستون

عَنِ ابنِ عَباسٍ رضيَ الله عنهُما أَنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: “التَمِسوهَا في العَشرِ الأَواخِرِ من رمضانَ، لَيلَةَ القَدرِ؛ في تاسِعَةٍ تَبقَى، في سابعةٍ تَبقى، في خامِسةٍ تَبقى”.

فيهما فوائد:

  • قوله: “تَحَرَّوْا لَيلَةَ القدرِ في الوترِ؛ من العَشرِ الأَواخِرِ من رمضانَ ” فيه دليلٌ على طلبِ ليلةِ القدرِ في ليالي الوترِ من العشر الأواخر، مع دلالَتِهِ على ترجيحِ انحصارِهَا فيه. (ابن العطار – العدة 2/918).
  • قال ابن بطال: قال مالكٌ في قوله عليه السلام: “التمسوها في تاسعةٍ تبقى” هي ليلةُ إحدى وعشرين، و “سابعةٍ تبقى” ليلةُ ثلاثٍ وعشرين، و”خامسةٍ تبقى” ليلةُ خمسٍ وعشرين. ثم قال ابن بطال: وإنما يصحُّ معناه وتوافق ليلةَ القدر وترًا من الليالي على ما ذُكِرَ في الحديث إذا كان الشهرُ ناقصًا، فأما إن كان كاملاً فإنها لا تكون إلا في شفعٍ؛ فتكونُ التاسعةُ الباقيةُ ليلةَ ثنتينِ وعشرين، والخامسةُ الباقيةُ ليلةَ ستٍّ وعشرين، والسابعةُ الباقيةُ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ على ما ذكره البخاريُّ عن ابنِ عباس، فلا تصادفُ واحدة منهن وترًا، وهذا يدل على انتقال ليلةِ القدرِ كلَّ سنةٍ في العشرِ الأواخر من وِتْرٍ إلى شفع، ومن شفعٍ إلى وتر؛ لأن النبيَّ عليه السلام لم يأمرْ أمَّتَهُ بالتماسِهَا في شهرٍ كاملٍ دونَ ناقص، بل أطلق طَلَبَهَا في جميعِ شهورِ رمضانَ التي قد رتبها اللهُ مرةً على التمام، ومرةً على النقصان، فثبت انتقالُهَا في العشرِ الأواخرِ كُلِّهَا على ما قاله أبو قلابة. (شرحه 4/156). وقال ابنُ دقيق العيد: وَالْقَوْلُ بِتَنَقُّلِهَا حَسَنٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَحَثًّا عَلَى إحْيَاءِ جَمِيعِ تِلْكَ اللَّيَالِي. (إحكام الأحكام 2/40).

 

الحديث الرابع والستون

عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – إذا دخَلَ العَشْرُ، شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.

فيه فوائد:

  • قال ابن بطال: إنما فعلَ ذلك عليه السلام؛ لأنه أُخْبِرَ أن ليلةَ القدرِ في العشر الأواخر، فَسَنَّ لأمته الأخذَ بالأحوطِ في طلبها في العشرِ كله؛ لئلا تفوت، إذ يمكنُ أن يكونَ الشهرُ ناقصًا، وأن يكونَ كاملًا، فمن أحيا ليالِ العشرِ كلِّها لم يَفُتْهُ منها شفعٌ ولا وتر، ولو أعلمَ اللهُ عبادَهُ أن في ليالي السنةِ كلِّها مثلَ هذه الليلة= لوجب عليهم أن يُحْيُوا اللياليَ كُلَّهَا في طلبِهَا، فذلك يسيرٌ في جنبِ طلبِ غفرانه، والنجاةِ من عذابِه، فَرَفِقَ تعالى بعبادِهِ وجَعَلَ هذه الليلةَ الشريفةَ موجودةً في عشرِ ليال؛ ليدرِكَهَا أهلُ الضعفِ وأهلُ الفتور في العمل، مَنًّا من الله ورحمة. (شرحه 4/159).
  • “شدَّ مئزره”؛ أي: إزاره، وهو كنايةٌ عن تَرْكِ الجِمَاع، أو عن الاستعدادِ للعبادةِ، والاجتهادِ لها زائدًا على ما هو عادتُه، أو عنهما معًا، ولا يُنافي شَدَّ المِئْزَرِ حقيقةً. (البرماوي – اللامع 6/491).
  • قوله: “أحيا ليله” فيه وجهان: أحدهما أنه راجعٌ إلى العابدِ، لأنه إذ ترك النومَ الذي هو أخو الموتِ للعبادة؛ فكأنه أحيا نفسه، وثانيهما أنه عائدٌ إلى الليل، فإن لَيْلَهُ لَمَّا قام فيه= فكأنما أحياه بالطاعة؛ كقوله تعالى: (كيف يحيي الأرض بعد موتها). (الكرماني – الكواكب 9/162).
  • في قوله: “أيقظ أهله” من الفقه: أن للرجلِ أن يَحُضَّ أهلَهُ على عملِ النوافل، ويأمُرُهُمْ بغيرِ الفرائضِ من أعمالِ البر، ويحمِلُهُم عليها. (ابن بطال – شرحه 4/159).
  • الْحِرْصُ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْقِيَامِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَجْوِيدِ الْخَاتِمَةِ. (ابن حجر – الفتح 4/270).

 

الحديث الخامس والستون

عن عبدِ الله بنِ عُمرَ رضيَ الله عنهما قالَ: كان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يَعتكفُ العَشْرَ الأَواخِرَ من رمضانَ.

فيه فوائد:

  • قال القاضي عياض: معناهُ: اللُّزُومُ والإقامة، ولما كان المعتكفُ مُلازِمًا للعملِ بالطاعةِ مدةَ اعتكافِهِ لَزِمَهُ هذا الاسم، وهو في عرف الشرع: اللزومُ على طاعةٍ مخصوصة، ويسمى أيضًا: جواراً. (إكمال المعلم 4/150).
  • هل الاعتكاف هو المجاورة؟ قال ولي الدين العراقي: حَكَى وَالِدِي – رَحِمَهُ اللَّهُ – فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ الِاعْتِكَافُ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: “وَالْجِوَارُ وَالِاعْتِكَافُ وَاحِدٌ”، وَسُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَرَأَيْتَ الْجِوَارَ وَالِاعْتِكَافَ؛ أَمُخْتَلِفَانِ هُمَا أَمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ قَالَ بَلْ هُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ كَانَتْ بُيُوتُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا اعْتَكَفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَرَجَ مِنْ بُيُوتِهِ إلَى بَطْنِ الْمَسْجِدِ فَاعْتَكَفَ فِيهِ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ إنْسَانٌ: عَلَيَّ اعْتِكَافُ أَيَّامٍ؛ فَفِي جَوْفِهِ لَا بُدَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ جِوَارُ أَيَّامٍ فَبَابُهُ أَوْ فِي جَوْفِهِ إنْ شَاءَ؛ كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْهُمَا. قَالَ وَالِدِي: وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ. (طرح التثريب 4/166).
  • فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. (ولي الدين العراقي – طرح التثريب 4/167).
  • روى ابنُ المنذرِ عن ابنِ شهابٍ أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين؛ تركوا الاعتكاف، وإن النبيَّ عليه السلام لم يتركه منذ دخل المدينة كُلَّ عامٍ في العشر الأواخر حتى قبضه الله. (شرح ابن بطال 4/181).
  • فيه مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وبوب على ذلك ابنُ حبانَ فقال: “ذِكْرُ مُدَاوَمَةِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ”. (صحيح ابن حبان 8/423).
  • الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ هِيَ اللَّيَالِيُ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ الْأَيَّامَ مَعَهَا أَيْضًا، فَلَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ عَلَى اعْتِكَافِ اللَّيَالِيِ؛ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي التَّأْرِيخِ بِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ مَحَلَّ الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ اعْتَكَفَ عَشْرًا أَوْ شَهْرًا وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ.. ثم ذكر العراقيُّ القولَ الثاني ثم قال: وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ” وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَانْقَطَعَ فِيهِ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ الصُّبْحَ، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْلِ الْمَغْرِبِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ: انْفَرَدَ. (ولي الدين العراقي 4/168).
  • من شرط [الاعتكاف] أن يكونَ في مسجدٍ تُقامُ فيه الجماعة، لئلا يعتكفَ في مسجدٍ لا تُقامُ فيه الجماعة= فيفوتُهُ من فضيلةِ الجماعةِ ما لا يُجْبَرُ بالاعتكاف. (ابن هبيرة – الإفصاح 4/167).
  • قال ابن حجر عن مدة الاعتكاف: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّهِ، فَمَنْ شَرَطَ فِيهِ الصِّيَامَ قَالَ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ مَعَ شَرْطِ الصِّيَامِ فِي دُونِ الْيَوْم، حَكَاهُ ابنُ قُدَامَةَ، وَعَنْ مَالِكٍ: يُشْتَرَطُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَعَنْهُ: يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصَّوْمَ قَالُوا أَقَلُّهُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ لُبْثٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقُعُودُ، وَقِيلَ يَكْفِي الْمُرُورُ مَعَ النِّيَّةِ؛ كَوُقُوفِ عَرَفَةَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمِّيَّةَ الصَّحَابِيِّ: إِنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ السَّاعَةَ وَمَا أَمْكُثُ إِلَّا لِأَعْتَكِفَ. (الفتح 4/272).
  • قال ابن هبيرة: وينبغي للمعتكفِ أن يفهمَ معنى الاعتكاف؛ وهو أن يكونَ كما يَكُفُّ قَدَمَهُ عن السعيِ في غيرِ قُرْبَة؛ فكذلك يَكُفُّ قَلْبَهُ وخاطِرَهُ عن الفكرِ في غيرِ قُرْبَة. (الإفصاح 4/167).

 

الحديث السادس والستون

عنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ الله عنهُما أَنَّ عُمَرَ لمَّا قَفَلْنا من حُنين، سألَ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – (وفي روايةٍ: عنه عن عمر بن الخطاب أَنه) قالَ: يا رسولَ الله! إنِّي كُنتُ نَذَرْتُ في الجاهِليةِ أَنْ أَعتكِفَ لَيَلةً في المسجد الحرامِ؟ قالَ: “أَوْفِ بنَذْرِكَ. فَاعتكفَ لَيلَةً.

فيه فوائد:

  • فيه دليلٌ على أن الاعتكافَ يصِحُّ فِي اللَّيْلِ وَحدَه. (ابن الجوزي – كشف المشكل 1/54). قلت: وبوب عليه البخاري فقال: “بابُ الاعتكافِ ليلًا”.
  • فيه دليلٌ على أن الاعتكاف جائزٌ لغير الصوم. (الخطابي – أعلام الحديث 2/990). قلت: وقد بوب عليه البخاري بقوله: “بابُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ صَوْمًا إِذَا اعْتَكَفَ”، قال ابن دقيق العيد: لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ. (إحكام الأحكام 2/44).
  • قال ابن الملقن: روى أبو داودَ أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: لعمر: “اعتكفْ وصمْ” لكن تفردَ بها عبدُ اللهِ بنُ بُدَيل، كما قاله ابنُ عديٍّ والدارقطنيُّ وضعفاه، وَوَهِمَ ابنُ حزم فادعى جهالته؛ وهو غريب، فهو معروفُ العينِ والحالِ، وقد أخرج له البخاري تعليقاً، ووثقه ابنُ معينٍ وابنُ شاهينَ وابنُ حبانَ، ثم وهم أخرى أفظعَ من هذه؛ فقال: لا يُعْرَفُ هذا الخبرُ من مسندِ عمرو بن دينارٍ أصلاً، وما يُعْرَفُ لعمرو بنِ دينارٍ عن ابنِ عمرَ حديثاً مسنداً، إلاَّ ثلاثة ليس هذا منها. قال -يعني ابنَ حزم-: فسقط الخبر لبطلان سنده. قلت -والقائل ابن الملقن-: لعمرو بن دينارٍ في الصحيحِ عن ابنِ عمرَ: نحوَ عَشَرَةِ أحاديث، فما هذا الكلام؟! (الإعلام 5/447).
  • قولُ ابنِ عمر: “أن عمر سأل النبيَّ لمَّا قفلنا من حنين” قال ابن حجر: يُسْتَفَادُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اعْتِكَافَ عُمَرَ كَانَ قَبْلَ الْمَنْعِ مِنَ الصِّيَامِ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ. (الفتح 4/274).
  • فيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام= كان معمولا به. (الخطابي – أعلام الحديث 2/990).
  • قال ابن هبيرة: قال الوزيرُ يحيى بنُ محمدٍ عفا الله عنه: والذي أراه أن النذرَ بالإسلامِ يتأكد؛ لأنه نَذَرَ لله عز وجل في الجاهليةِ وهو لا يعرفه؛ فلأن يفي له إذا عرفه وأمر به، أولى وآكد! (الإفصاح 1/108).
  • قال المهلب: وفيه دليلٌ على تأكيدِ الوفاءِ بالوعد؛ ألا ترى أنه أمره بالوفاءِ به وقد خرجَ من حالِ الجاهليةِ إلى حالة الإسلام؟! (نقله عنه ابن بطال في شرحه 4/168).
  • فيه رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: “أَقَلُّ الِاعْتِكَافِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ”، أَوْ “أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ”. (ابن حجر 4/275).

 

الحديث السابع والستون

عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يَعتَكِفُ في العشرِ الأَواخِرِ من رمضانَ، فَكُنتُ أَضْرِبُ لَهُ خباءً، فَيُصَلِّي الصُّبحَ، ثُمَّ يَدْخُلُهُ، قالَ: فاسْتَأْذَنَتْهُ عائشةُ أَنْ تعتكفَ؟ فَأَذِنَ لها، فَضَرَبَتْ فيه قُبَّةً، فسمعتْ بها حفصةُ، فاستأذَنَتْ عائشة أن تضرب خباءً؟ فأذنت لها، فَضرَبتْ خِباءً (وفي روايةٍ: قبةً). فَلمَّا رَأَتْه زَيْنبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِباءً آخَرَ، فَلمَّا أَصْبَحَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – رَأَى الأَخْبيةَ (وفي روايةٍ: أَبصرَ أَربعَ قِبابٍ)، فقالَ: ما هذا؟ فَأُخْبرَ خَبرَهُنَّ، فقال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “ما حَمَلَهُنَّ على هذا؟ آلبِرَّ تُرَوْنَ (وفي روايةٍ: تقولون) بِهِنَّ؟ ما أَنا بمعتكفٍ”. فَتَرَكَ الاعتكافَ ذلك الشهرَ، ثُمَّ اعتكفَ عشراً (وفي روايةٍ: في آخِرِ العَشرِ) من شوال.

فيه فوائد:

  • قال ابن عبد البر: هَذَا الْحَدِيثُ أَدْخَلَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي بَابِ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ فِقْهِهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي -وَاللَّهُ أَعْلَمْ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ نَوَى اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ؛ فَلَمَّا رَأَى مَا كَرِهَهُ مِنْ تَنَافُسِ زَيْنَبَ وَحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ وَخَشِيَ عَلَيْهِنَّ أَنْ تَدْخُلَ نِيَّتَهُنَّ دَاخِلَةٌ وَمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ= فَانْصَرَفَ، ثُمَّ وَفَى اللَّهَ بِمَا نَوَاهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ؛ فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. (التمهيد 11/193).
  • فيه إباحة اعتكاف النساء؛ لأنه عليه السلام أَذِنَ لعائشةَ وحفصةَ في ذلك. (ابن المنذر – نقله عنه ابن بطال في شرحه 4/170).
  • فيه: دليلٌ أن المرأةَ إذا أرادت اعتكافًا= لم تعتكفْ حتى تستأذنَ زوجَهَا. (ابن بطال – شرحه 4/170).
  • فيه بَيَانُ مَرْتَبَةِ عَائِشَةَ فِي كَوْنِ حَفْصَةَ لَمْ تَسْتَأْذِنْ إِلَّا بِوَاسِطَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ كَوْنَهُ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة فِي بَيت عَائِشَة. (ابن حجر – الفتح 4/277).
  • قال المهلب: فيه من الفقهِ أن المعتكفَ يَجِبُ أن يجعلَ لنفسِهِ في المسجدِ مكانًا لمبيته، بحيثُ لا يُضَيِّقُ على المسلمين، كما فعل الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- في المسجدِ إذ ضَرَبَ فيه خباءَه، وفيه من الفقه أن المعتكفَ إذا أرادَ أن ينامَ في المسجدِ أن يتنحى عن الناس= خوفَ أن يكونَ منه ما يؤذيهم من آفاتِ البشر. (نقله ابن بطال في شرحه 4/170).
  • قال القاضي عياض: وَسَبَبُ إِنْكَارِهِ [عليهن] أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ مُخْلِصَاتٍ فِي الِاعْتِكَافِ، بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْبَ مِنْهُ؛ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ، أَوْ لِغَيْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ، فَكَرِهَ مُلَازَمَتَهُنَّ الْمَسْجِدَ، مَعَ أَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ وَيَحْضُرُهُ الْأَعْرَابُ وَالْمُنَافِقُونَ، وَهُنَّ مُحْتَاجَاتٌ إِلَى الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ؛ لِمَا يَعْرِضْ لَهُنَّ، فَيَبْتَذِلْنَ بِذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُنَّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَارَ كَأَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ بِحُضُورِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ وَذَهَبَ الْمُهِمُّ مِنْ مَقْصُودِ الِاعْتِكَافِ وَهُوَ التَّخَلِّي عَنِ الْأَزْوَاجِ وَمُتَعَلِّقَاتِ الدُّنْيَا وَشِبْهِ ذَلِكَ، أَوْ لِأَنَّهُنَّ ضَيَّقْنَ الْمَسْجِدَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ. (إكمال المعلم 4/155).
  • فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: “فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ضَرَبَتْ مَعَهُنَّ، وَكَانَتِ امْرَأَةً غَيُورًا”. قال ابن حجر: وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ أَنَّ زَيْنَبَ اسْتَأْذَنَتْ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ مَا بَعَثَ عَلَى الْإِنْكَارِ. (الفتح 4/276). قلت: تعقبه بعضُ أهلِ العلم بما ثبت في رواية النسائي في “الكبرى” من طريقِ ابنِ عيينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ: أنَّها استأذنت.
  • فيه دليلٌ على أن الأفضلَ والأعلى للنساء لزومُ منازِلِهِنّ، وتركُ الاعتكاف مع إباحتِهِ لهُنّ؛ لأن رَدَّهُنَّ ومنعَهُنَّ منه= يدلُّ على أن لزومَ منازِلِهِنَّ أفضلُ من الاعتكاف. (ابن بطال – شرحه 4/170).
  • فِيهِ شُؤْمُ الْغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنِ الْحَسَدِ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ لِأَجْلِهِ. (ابن حجر – الفتح 4/277).
  • فِيهِ أَنَّ الْمَسْجِدَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ شُرِعَ لَهُنَّ الِاحْتِجَابُ فِي الْبُيُوتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَسْجِدُ شَرْطًا مَا وَقَعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ، وَلَاكْتُفِيَ لَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ بُيُوتهنَّ. (ابن حجر – الفتح 4/277).
  • فيه أن الاعتكافَ إذا لم يَكُنْ نَذْرًا جاز الخروجُ منه متى شاء. (الخطابي – معالم السنن 4/156).
  • فيه جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ. (ابن عبد البر – التمهيد 11/193).

 

الحديث الثامن والستون

عن صَفيَّةَ زوجِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنَّها جَاءَتْ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – تَزورُهُ في اعْتكافِهِ في المسجدِ، في العشرِ الأَواخِرِ (وفي روايةٍ: الغوابرِ) من رمضانَ، وعِندهُ أَزواجُهُ، فرُحْنَ، فَتحدَّثَتْ عندهُ سَاعةً، ثم قامَتْ تَنقَلِبُ، فقالَ لِصفيةَ بنتِ حُيَيٍّ: لا تَعجلي حتى أَنصرفَ معكِ. وكانَ بيتُها في دار أسامة ابنِ زيدٍ، فقامَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – مَعها يَقلِبُها، حتى إذا بلغتْ قريباً من بابِ المسجدِ الذي عندَ بابِ أُمِّ سَلمةَ زوجِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -؛ مَرَّ بهما رجُلانِ من الأَنْصارِ، فَسلَّما على رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -، (وفي روايةٍ: فَنظرا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم أَجَازا، وفي أُخرى: أسْرعا)، فقالَ لهما النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “على رِسْلِكُما، تَعاليا؛ إنَّما هيَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيّ”. فَقالا: سبحانَ الله يا رسولَ الله! وَكَبُرَ عَليهِما ذلكَ. فقالَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: “إنَّ الشَّيطانَ يَبلُغُ من الإنْسانِ مَبلَغَ (وفي روايةٍ: يجري مِنِ ابنِ آدمَ مجرى) الدَّمِ، وإنِّي خَشيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلوبِكُما سُوءاً، أو قال: شيئاً”. قلتُ لسفيان: أتَتْهُ ليلاً؟ قالَ: وَهَلْ هوَ إلا ليلاً.

فيه فوائد:

  • قال ابن بطال: لا خلافَ في جوازِ خروجِ المعتكفِ فيما لا غِنَى به عنه، وإنما اختلفوا في المعتكفِ يدخُلُ لحاجتِهِ تحتَ سقف. (شرحه 4/172). قلت: وتفاصيلُ الخلافِ في كتبِ الفقه.
  • بوب عليه ابنُ حبان فقال: “ذِكْرُ جَوَازِ زِيَارَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا الْمُعْتَكِفَ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ”. (صحيحه 8/428).
  • احتج الطحاويُّ على جوازِ اشتغالِ المعتكفِ بالمباحِ من الأفعال= بشغلِهِ عليه السلام في اعتكافِهِ بمحادثةِ صفيةَ، ومَشْيِهِ معها إلى بابِ المسجد. (نقله ابن بطال – شرحه 4/173).
  • فيه أنه لا بأسَ أن يعملَ في اعتكافه بعضَ العملِ الذي ليس من الاعتكاف؛ من تشييع قاصدٍ، وبِرِّ زائرٍ، وإكرامِ مفتقرٍ، وما كان في معناهُ مما لا ينقطعُ به عن اعتكافه. (المهلب – نقله ابن بطال عنه في شرحه 4/173).
  • بوب عليه البخاري فقال: “بابٌ هل يخرجُ المعتكفُ لحوائجه إلى باب المسجد؟”، وبوب عليه ابنُ حبانَ فقال: “ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَجَّهَ صَفِيَّةَ إِلَى بَيْتِهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لَرَدِّهَا إِلَى الْبَيْتِ”. (صحيحه 10/348). قلت: وخالف بعضُ أهلِ العلم في هذا، قال ابن تيمية: الرجلان مرا به في الطريق، ولم يكن مرورُهُمَا في المسجد، فإن المسجدَ لم يكنْ طريقًا بالليل، ولو رأياه في المسجدِ لم يَحْتَجْ أن يقولَ ما قال، بل رأياه ومعه امرأةٌ خارجًا من المسجد؛ فقال ما قال. (الإخنائية ص:327). وقال السفاريني: ولا فائدة لقَلْبِهَا لبابِ المسجدِ فقط؛ لأن قَلْبَها إنما كان لبُعْدِ بيتِهَا. (كشف اللثام 4/77).
  • فِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لَيْلًا. (ابن حجر – الفتح 4/280).
  • فِيهِ تَأْنِيسُ الزَّائِرِ بِالْمَشْيِ مَعَهُ، لَا سِيَّمَا إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ كَاللَّيْلِ. (ابن دقيق العيد – إحكام الأحكام 2/45).
  • فيه استحبابُ أن يتحرَّزَ الإنسانُ من كلِّ أمرٍ من المكروهِ مما تجري به الظنون، ويخطرُ بالقلوب، وأن يطلبَ السلامةَ من الناس بإظهارِ البراءة من الرِّيَب. (الخطابي – معالم السنن 4/134).
  • قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُعَلِّمَ أُمَّتَهُ التَّبَرِّيَ مِنَ التُّهْمَةِ فِي مَحَلَهَا، لِئَلَّا يَقَعَا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أَنْ يَظُنَّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا. (تفسير ابن كثير 1/520).
  • قال ابن دقيق العيد: وَهَذَا [يعني نفيَ التُّهَمِ عن النفس] مُتَأَكَّدٌ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ ظَنَّ السُّوءِ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَخْلَصٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَسَبُّبٌ إلَى إبْطَالِ الِانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِمْ. (إحكام الأحكام 2/45). قال ابن حجر: وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ يَتَظَاهَرُ بِمَظَاهِرِ السُّوءِ، وَيَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ يُورِّي بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِهَذَا الصِّنْفِ! (الفتح 4/280).
  • قول الرجلين: “سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا”. قال ابن بطال: التكبيرُ والتسبيحُ معناهما تعظيمُ اللهِ وتنزيهُهُ من السوء، واستعماله عند التعجبِ واستعظامِ الأمورِ حسن، وفيه تمرينُ اللسانِ على ذكرِ الله، وذلك من أفضلِ الأعمال. (ابن بطال – شرحه 9/364).
  • قولها: “فسلما” فيه جوازُ التسليمِ على رجلٍ معه امرأة، بخلاف ما يقوله بعضُ الأغبياء. (قاله ابن الملقن – التوضيح 13/650).
  • فيه: جوازُ خطابِ الرجالِ الأجانبِ إذا كان مع المخاطِبِ زوجُهُ، أو أحدٌ من محارمه، خصوصًا إذا دعت إلى المخاطبةِ حاجةٌ شرعية؛ من بيانٍ حكم، أو دفعِ شرٍّ، ونحوهما، وأن ذلك، لا يكون نقصًا من المروءة. (ابن العطار – العدة 2/934).
  • قال أبو عبد الله القرطبي المفسر عند قوله تعالى: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون): في هذه الآية من الفقهِ أن كلَّ من كان على حق، وعَلِمَ أنه قد يُظَنُّ به أنه على خلافِ ما هو عليه، أو يُتَوَهَّم= أن يرفعَ التهمةَ وكلَّ ريبةٍ عن نفسه، ويصرحَ بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحدٍ مُتَكَلَّم، وقد فعل هذا نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بقوله للرجلين اللذين مرا وهو قد خرج مع صفية يقلبها من المسجد:” على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي”. (تفسيره 9/330).
  • فيه: كمالُ شفقتِهِ بأمَّته – صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنَّه لمَّا خشي عليهما شرَّ الشَيطان، بادرَ إلى دَفْعِهِ عنهما باليقين. (ابن العطار – العدة 2/934).

 

الحديث التاسع والستون

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – الْقُرْآنُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِى قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِى قُبِضَ.

فيه فوائد:

  • قال ابن بطال: يُحْتَمَلُ أن يكونَ إنما ضاعفَ اعتكافَهُ في العامِ الذي قُبِضَ فيه= من أجلِ أنه عَلِمَ بانقضاءِ أَجَلِه، فأرادَ أن يَسْتَكْثِرَ من عملِ الخير؛ ليَسُنَّ لأمتِهِ الاجتهادَ في العملِ إذا بلغوا انقضاءَ العُمُرِ؛ ليلقوا اللهَ على خيرِ أحوالهم. (شرحه 4/181)، وقال ابن المنير: الحكمةُ في تخصيصه العامَ الأخيرَ بالعشرين: أنه -عليه السلام- اعتادَ من جبريل أن يعارضه بالقرآن كلَّ رمضان مرةً واحدة، فلما عارضه في العامِ الأخيرِ مرتين، اعتكفَ -عليه السلام- مِثْلَي ما كان يعتكف. (نقله الدماميني – مصابيح الجامع 4/437). قال ابن حجر: وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا اعْتَكَفَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ عِشْرِينَ لِأَنَّهُ كَانَ في الْعَامِ الَّذِي قَبْلَهُ مُسَافِرًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ، وَأَبُو دَاوُد، وَصَححهُ ابنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَسَافَرَ عَامًا فَلَمْ يَعْتَكِفْ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ”. وَيَحْتَمِلُ تَعَدُّدَ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِتَعَدُّدِ السَّبَبِ، فَيَكُونُ مَرَّةً بِسَبَبِ تَرْكِ الِاعْتِكَافِ لِعُذْرِ السَّفَرِ، وَمَرَّةً بِسَبَبِ عَرْضِ الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ. (الفتح 4/285).
  • فيه تَعْظِيمُ شَهْرِ رَمَضَانَ لِاخْتِصَاصِهِ بِابْتِدَاءِ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهِ ثُمَّ مُعَارَضَتُهُ مَا نَزَلَ مِنْهُ فِيهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَثْرَةُ نُزُولِ جِبْرِيلَ فِيهِ، وَفِي كَثْرَةِ نُزُولِهِ مِنْ تَوَارُدِ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ مَالا يُحْصَى. (ابن حجر – الفتح 9/45).
  • فِيهِ أَنَّ مُدَاوَمَةَ التِّلَاوَةِ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْخَيْرِ. (ابن حجر – الفتح 9/45).
  • فيه مُذَاكَرَةُ الْفَاضِلِ بِالْخَيْرِ وَالْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِزِيَادَةِ التَّذْكِرَةِ وَالِاتِّعَاظِ. (ابن حجر – الفتح 9/45).
  • فيه: بركةُ مجالسةِ الصالحين، وأن فيها تذكيرًا لفِعْلِ الخير، وتنبيهًا عَلَى الازديادِ من العمل الصالح. (المهلب – نقله ابن بطال 4/22).
  • جاء في بعض الروايات في الصحيح أن عَرْضَ القرآنِ كان ليلًا، قال ابن رجب: فيه أن المدارسةَ بينه وبين جبريل كانت ليلا، وهذا يدلُّ على استحبابِ الإكثارِ من التلاوةِ في رمضان ليلًا؛ فإن الليلَ تنقطعُ فيه الشواغل، ويجتمعُ فيه الهم، ويتواطأُ فيه القلبُ واللسانُ على التدبر؛ كما قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلا). (لطائف المعارف ص: 169).

هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى