فكر وثقافة

النزعة العلموية وسلامة العلوم الإنسانية

  • أوستن هيونز *
  • ترجمة: ليان الفارس
  • تحرير: محمود سيّد

وصل الجدل المستمر حول تطبيق الأساليب العلمية خارج مجالاتها المناسبة إلى جمهور أوسع هذا العام، وذلك مع انتشار مقال عالِم النفس في جامعة هارڤرد: ستيڤن بينكر بعنوان “العلم ليس عدوّك” في صحيفة (The New Republic).  تصدّى بينكر للانتقادات الواردة حول العلموية (Scientism) بروحٍ دفاعية عن العلم، مما جعله يغفل عما ترمي إليه هذه الانتقادات.

وبالطبع؛ بالنسبة لأي شخص يأخذ المنافع التي نستقيها من العلم كأمرٍ مسلَّم به؛ فإن تذكيرًا ببركاته العديدة دائمًا ما يكون في محله.

ولكن على حد علمي، لا تنتقد أيٌّ من هذه المقالات التي تناقش العلموية والتي يستشهد بها بينكر -بما في ذلك مقالتي المعنونة بـ”حماقة العلموية” المنشورة على (New Atlantis 2012)- العلومَ بهذا الشكل.

يذكر بينكر بدقة أن هذه المقالات الأخرى ترفض العلموية؛ إلا أن فشله في تقديم وصف دقيق لماهية العلموية، وعجزه عن الانخراط بشكل وثيق مع مُنتقديه، ومن ثَمّ تحصينه للعلم بدلًا من العلموية، يُظهِر أنه أساء فهم المسألة تمامًا.

أشار بينكر إلى أن العلموية هي كلمة “فضفاضة” وتحمل معنى غير واضح بالنسبة له؛ ولكن يمكن أخذ بعض التعريفات الدقيقة جدًّا من كلام العلماء الذين ناصروا ما يسميه النقاد “العلموية”. يمكن القول بأن ادّعاء الكيميائي بيتر أتكينز أن للعلم الطبيعي “كفاءة عالمية” يُعَدّ بمثابة تعريف موجز للعلموية.

بشكل أعمّ؛ العلموية هي الفكرة القائلة بانعدام المعرفة الإنسانية خارج إطار العلوم الطبيعية. 

وكما يقول الفيلسوف التحليلي ألڤين بلانتنغا، فإن معادلة جميع المعارف بالعلوم الطبيعية هي معادلة في موضع غير مترابط منطقيًّا؛ لأن العلم نفسه لا يستطيع أن يقدِّم لنا أيَّ سبب للاعتقاد بأن هذا العلم صحيح. بشكل أدقّ؛ عبارة “المعارف كلها (أو يُحتمل أن تكون) علمية -نتاج الأساليب العلمية-” هي بحد ذاتها ليست عبارة علمية؛ إنها بنفسها تُبطِل دعواها العالمية. يجب علينا أن نذهب خارج العلم الطبيعي، وننظر في مجال الفلسفة حتى نُنشئ الأساس النظري للمعرفة العلمية. يتضمّن هذا الأساس -على سبيل المثال- فكرة أن الكون هو نظام متّسق ومفهوم، وهي فكرة لها جذورها في اللاهوت اليهودي المسيحي والفلسفة اليونانية. وهو ليس اكتشافًا للعلم؛ بل هو الأساس النظري الذي يجعل العلم ممكنًا، وفي ضوئه يسعى العلماء إلى إيجاد حلول للفصل بين النتائج والنظريات المتضاربة.

يحاول بينكر التشويش على التمييز بين العلم و الفلسفة، وذلك عندما يدّعي أن الشخصيات المؤسِّسة لحركة التنوير -مثل: ديكارت، لوك،  كانط-  كانوا “علماء” لا “فلاسفة”. بلا شك أن بعض نشاطاتهم وإسهاماتهم كانت مما نَعُدّه اليوم “علمًا”، ولكن معظم ما أنجزوه كان تحت مظلة ما نسميه الآن “الفلسفة”. مثلًا: ساهمَ ديكارت في الرياضيات والفيزياء والأحياء والفلسفة، ومع ذلك؛ إسهاماته في الفيزياء والأحياء أغلبها كانت خاطئة، ولو كانت هذه إسهاماته الوحيدة في الفضاء الفكري؛ لكان من المشكوك فيه أن نتذكّره اليوم؛ إن مساهماته في الرياضيات -و قبل كل شيء إنجازاته في الميتافيزيقا والإبستمولوجيا- هي ما ضمنَ شهرته الدائمة.

في الحقيقة؛ ساعدتْ جهود ديكارت الفلسفية في إرساء أساس العلم الحديث. كان السؤال الذي طرحه في أطروحته (تأملات في الفلسفة الأولى)، هو كيف يمكننا من خلال عملية الشك المنهجي -والتي تُعَدّ الآن سمةً مميَّزةً للمنهجية العلمية- أن نقول بأننا نعرف كل شيء تمامًا. كانت إجابته هي البحث في الميتافيزيقا، وتحديدًا في عدم ‏الشك في وجودنا وفي الوجود الخاص لعالَم مفهوم، وهو أساس متين لمعرفتنا ومن ثَمّ للعلم الطبيعي كذلك.

رفضَ مفكرون لاحقون حل ديكارت الخاص بهذه المُعضلة، مثل: لوك  وكانط،  وعلى الرغم من ذلك فقد وافقوه بأن المشكلة تتعلَّق بالميتافيزيقا، وليس بالعلم الطبيعي. ومن جانب آخر؛ فإن العلموية تتخلى عن تراثنا التنويري من خلال إنكارها أن يتطلَّب العلم الطبيعي أيَّة أسس فلسفية خارج العلم نفسه.

 

العلم والأخلاق

يذكر بينكر أن “النظرة العالمية التي توجِّه القِيَم الأخلاقية والروحية للشخص المتعلِّم اليوم، هي النظرة العالمية التي منحنا إياها العلم”، ويذكر قبل ذلك أن “النظرة العالمية الأخلاقية لأي شخص مثقف علميًّا -وهو ليس ممن تشبَّعَ بالأصولية والتعصب- تتطلَّب انفصالًا جذريًّا عن المفاهيم الدينية للمعنى والقيمة”. و بصفتي كاتبًا لأكثر من ثلاثمائة منشور علمي حكَّمها النظراء، فأنا أفترض بأنني مؤهل لأُوصَف كـ”شخص مثقف علميًّا”؛ ولكن العلم هو آخر مكان أودّ البحث فيه عن القِيَم الأخلاقية والروحية.

في الحقيقة؛ سيكون من الصعب عليّ أن أتخيل بأي شكل من الأشكال إمكانية أن يقدِّم العلم بمفرده جوابًا لأسئلة أخلاقية، وحتى البسيطة منها؛  كأن يُجيب عما إذا كان من الخطأ الكذب بشأن العائد الضريبي، أو ما إذا كان مبرَّرًا أن نستخدم العنف في سبيل الدفاع عن النفس.

بالتأكيد؛ أتفق مع بينكر على قدرة الاكتشافات العلمية في الإفصاح عن عجائب غير متوقعة في الكون،  لن أنسى أبداً -على سبيل المثال- حينما كنت طالبًا جامعيًّا عندما شرَّحتُ لأول مرة (خنفساء النمر) تحت مجهر التشريح، لقد فتح لي هذا المنظر عالمًا جديدًا من الجمال لم أكن أعيه، كانت تجربةً لعبت دورًا مهمًّا في اختياري لمهنة في علم الأحياء؛ لكن لم يكن العلم هو مَن أن أخبرني بأن ما كنت أُعاينه كان جميلًا. إن استجابتي لجمال الطبيعة لم تتشكَّل من خلال الكتب العلمية الدراسية، وإنما شكَّلها الشعراء كأمثال ويليام كولين براينت وجون كلير ومجموعة الأعمال الأدبية لستيفن فرانسيس.

يدّعي بينكر أن الاكتشافات العلمية قد أفقدت مصداقية بعض المعتقدات الدينية المؤكَّدة المتعلقة بمسائل الحقائق العلمية، كمسألة عُمر الكون؛ وبالتالي فإن العلم قد قوَّضَ وأضعفَ -بطريقةٍ مّا- السلطةَ الأخلاقيةَ للتعاليم الدينية أيضًا. ولكن لا يوجد بالضرورة ارتباط منطقي بين الأمرين. إن معرفة حقيقة الادّعاءات العلمية لا يُكسب المرء سلطةً أخلاقيةً عمومًا، أعرف الكثير من العلماء الأكفاء الذين لم يتمكنوا من تقديم حجة أخلاقية متماسكة لإنقاذ أرواحهم. في المقابل؛ لا يوجد سبب يدعو للشك في أن شخصًا لا يفقه العلم -أو يحمل بعض المفاهيم الخاطئة تمامًا حول مسائل الحقائق العلمية- قد يكون قادرًا على صياغة حجة أخلاقية سليمة.

لكن بينكر يريدنا أن نؤمن بأن “الحقائق العلمية تُكافِح من أجل الأخلاق التي يمكن الدفاع عنها، وخصوصًا الالتزام بالمبادئ التي تزيد من ازدهار البشر والكائنات الأخرى إلى الحد الأقصى”.  ولكنه لم يقدِّم أي معلومات بشأن أي حقائق علمية هي التي قد تكون تقوم بهذا الكفاح، ثم إن فكرة وجوب امتلاكنا لـ”أخلاق يمكن الدفاع عنها” تعتبر غامضةً إلى حد كبير جدًّا.

أضِف إلى ذلك؛ أنه لا يمكن تمييز أخلاقية “زيادة … الازدهار” التي يُدافع عنها بينكر عن النفعية التقليدية -و هي نظرية أخلاقية ترتبط أكثر بفلاسفة القرن التاسع عشر، ولكنها ذات جذور فكرية يمكن أن تُنسَب لليونان القديمة-. نظرًا لأن النفعية قد طُوِّرت جيدًا قبل أن نعرف التطور، والحمض النووي (DNA)، وعمر الكون، والنشاط الإشعاعي، والنسبية، وميكانيكا الكم؛ فمن الصعب معرفة كيف يمكن النظر إليها على أنها نتيجة للعلم الحديث.

بالإضافة إلى ذلك -و كما هو الحال مع أي أخلاق نفعية-؛ فإن نقطة ضعف نظرية بينكر الأخلاقية تكمن في أنها تترك مفردة “الازدهار” بلا تعريف. بالطبع سيكون لكل فرد فكرته الخاصة حول ما يُعَدّ ازدهارًا، و قد تتعارض هذه التعريفات معظم الأحيان. لا تقدِّم الأخلاق النفعية أسسًا لتسوية القضايا التي لا يمكن فيها تحقيق مفهوم الازدهار للفرد إلا على حساب شخص آخر.

 

نسبة الفضل إلى غير أهله

في حماسه للعلم، ينسب بينكر العلم إلى كل شيء يجده جميلًا في العالم الحديث: “تُشير الأرقام إلى أنه بعد آلاف السنين من الفقر شبه العالمي؛ تنجو نسبة متزايدة من البشرية في السنة الأولى من الحياة، وتذهب إلى المدرسة، وتصوِّت في الديمقراطيات، وتعيش في سلام، وتتواصل باستخدام الهواتف المحمولة، وتستمتع بالكماليات الصغيرة، وتبقى على قيد الحياة حتى الشيخوخة”. عصيٌّ على الفهم أن يكون العلم مسؤولًا عن كل هذه المنافع؛ بخلاف تلك التي ترتبط مباشرةً بالصحة والتقنية. فيما يتعلَّق بالتعليم العام والسلام والديمقراطية؛ فإن العلاقة السببية من المحتمل أن تكون عكس ما يفترضه بينكر. يخلق النظام السياسي السلمي والديمقراطي والشعب المتعلم الظروفَ التي يمكن أن يتطور فيها العلم؛ بدلًا من أن تكون نتائج مترتبةً على العلم .

كما ينسب بينكر الفضل إلى العلم في وضع حد لمختلف مآثم الماضي التي يُلحقها بالدين: “التضحية البشرية، ومطاردة الساحرات[1]، والعلاج بالإيمان، والمحاكمة بالتعذيب، واضطهاد الزنادقة”. في الواقع؛ كانت كل الحجج الفكرية والخطوات العملية الحاسمة التي وَضعت حدًّا لهذه الممارسات في المجتمع الغربي دينية إلى حد كبير، مسيحية تحديدًا. أولئك الذين يسعون إلى إدانة الشرور والمآثم التي وقعت تحت مسمى الأديان يصبحون أكثر مصداقيةً عندما يعترفون بالخير أيضًا.

يشجِّع أحد أكثر أهداف بينكر طموحًا في المقالة -كما يُشير العنوان الفرعي “نداء عاطفي للروائيين المهمَلين، والأساتذة المحاصرين، والمؤرخين المثبّتين”- تطبيقَ الأفكار العلمية على مجالات العلوم الإنسانية كالنقد الأدبي. وكعالِم؛ ربما عليّ أن لا أتحدّث نيابةً عن زملائي في الفنون الحرة[2]، و لكنني أشك بأن العديد منهم سيتساءلون عن مقدرة العلم على تقديم رُؤى وتوضيحات مفيدة عن المنح الدراسية في العلوم الإنسانية. في واقع الأمر؛ لطالما اعتمدت العلوم الإنسانية على مجالات المعرفة الأخرى ومن ضمنها العلوم الطبيعية.  يرى بينكر أن “اللغويات” يمكن أن تسلِّط الضوء على مصادر القواعد والخطاب التي تسمح للمؤلفين بالتلاعب بالخبرة الوهمية للقارئ. بالكاد يكون هذا أمرًا جديدًا على لونجينوس، المؤلف اليوناني القديم الذي تناقش أطروحتُه (On the Sublime) الآثارَ العاطفيةَ للغة. لكن مدى استفادة العلوم الإنسانية من مناهج العلوم الطبيعية -وليس مجرد المعرفة المكتسبة- هو أمر مشكوك فيه. إن الكيفية التي يساعد بها الأسلوب العلمي في تفسير النصوص، وفي النقد الفني، أو في تسوية نزاع حول الميتافيزيقا التقليدية؛ أبعد ما تكون عن الوضوح.

وبدقة أكثر؛ فإن الزعم المغلوط عن العلموية لا يكمن في أن العلم مفيد في العلوم الإنسانية، وإنما في كون العلم قادرًا على أن يحلّ محل العلوم الإنسانية. إنه الزعم الأخير الذي يحتاج أن يُقاوَم إذا كنا نأمل في الحفاظ على سلامة العناصر الإنسانية والعلمية لتراثنا الغربي الفكري.


  • أوستن ل. هيوز (Austin L. Hughes) أستاذ العلوم البيولوجية بجامعة كارولينا الجنوبية

[1] (Witch Hunts) هي عملية بدأت في أواخر القرن الخامس عشر واستمرت إلى بدايات القرن الثامن عشر في أوروبا الغربية، تهدف إلى ملاحقة وتعذيب الأشخاص الذين يملكون قوى سحرية أو يُشتبه في كونهم سحرة من قِبَل الكنيسة الكاثوليكية، و غالبًا ما ينتهي بهم الحال إلى الإعدام دون محاكمة واستجواب. (المترجم)

[2] الفنون الحرة هي إحدى مجالات الدراسة التي تشمل مجالات العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة (الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا) والعلوم الإنسانية. (المترجم)

أعجبني المقال

المصدر
thenewatlantis

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى