العلم

التشابك الحرج: العلم والسياسة

لا يُجْرَى البحث العلمي في فراغ؛ بل إنه لا يتم إلا بمباركة المجتمع

  • عبادة صباغ
  • ترجمة: وائل وسام
  • تحرير: ريم الطيار

حتى الآن -ونحن في أعقاب مسيرة تقدم العلم-نرى بعض العلماء يترددون في الاعتراف بحقيقة أن العلم مُسيَّس، لكن لماذا؟ نحن نعتبر العلم المعيار الذهبي للموضوعية، ونجعله مرادفا لكلمات مثل: “غير متحيز” و”عقلاني” فاصلين إياه عن نزواتنا البشرية.

من الطبيعي تمامًا ربط هذه المفاهيم بالعلم، فبعد كل شيء سيكون من الصعب عليك العثور على طريقة أكثر موضوعية لاسكتشاف الماهية الحقيقية للطبيعة من المنهج العلمي، ولكن هناك تمييز مهم يجب القيام به بين العلم والمنهج العلمي.

نحن نستخدم المنهج العلمي لتقليل التحيز، وترجيح كفة الموضوعية، هذا ما نعنيه بقولنا إنه منطقي وغير متحيز، ومع ذلك فإن المشروع العلمي ليس كذلك، والتمسك بكونه كذلك لا يعدو كونه أسطورة محضة.

الحقيقة هي أن البحث العلمي نشاط اجتماعي وسياسي بطبيعته، تخيل للحظة أنك ستبدأ بإنشاء دولة جديدة اليوم، هناك أشياء يجب عليك فعلها: وضع القوانين على سبيل المثال؛ وتمويل العلوم ليس من ضمن الأشياء التي يجب أن تفعلها لتبني دولة، إنه قرار اتخذناه مرة واحدة كمجتمع، ونستمر في إعادة النظر فيه بينما نضع سياسات جديدة ونمرر الميزانيات.

ارتبط العلم بسياسات المجتمع منذ أن اعتقد شخص ما أن إجراء البحث فكرة جيدة، ثم أقنع الآخرين بإعطائهم الأموال للقيام بذلك.

إن البحث العلمي لا يجرى في فراغ، بل يمكن أن يتم فقط بمباركة المجتمع له، وبهذه الطريقة يكون العلم مؤسسة سياسية يحكمها المجتمع، ويدين بالفضل لإرادته السياسية.

المجتمع يتحكم في “من”

ولكن قرار القيام أو عدم القيام بالعلم ليس قرارا سياسي فقط، فقد مارس المجتمع تاريخياً أيضاً السلطة على اختيار من يتم السماح له بأن يصبح عالماً، نرى الآن العوائق الجنسية والعنصرية التي سمحت للذكور البيض بالسيطرة على العلم، بالنسبة للعديد من الأمريكيين الأفارقة الذين نشأوا في مجتمع متحيز، فإن الطريق كي تصبح عالماً هو من بين أكثر الطرق وعورة، وفي حالة النساء (العالمات) فقد كان بإمكانهم العمل فقط كأعضاء هيئة تدريس “متطوعات”، تاركين الأوسمة لنظرائهن الذكور ليجمعوها؛ وفقد العالمات الاستثنائيات – مثل: إستر ليدربيرج (عالمة في علم الأحياء الدقيقة) اكتشفت عاثية لامدا (نوع من أنواع الفيروسات التي تهاجم البكتيريا) أو ليز مايتنر (عالمة فيزياء متخصصة في الفيزياء النووية) كان لها إسهامات في فهم عمليات انشطار الذرات- كان عليهن أن يشاهدن العلماء “الذكور” المتعاونين معهم يحصلوة على جوائز نوبل بدونهن، مثال ذلك أيضا قصة روزاليند فرانكلين، بطلتي الشخصية، والتي غيرت مجال علم الأحياء بأكمله، وكان لها دور أساسي في اكتشاف البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي التي نعرفها اليوم.

لذا، دعونا نضع في الاعتبار قدرة المجتمع على التحكم فيمن يمكنه أن يصبح عالماً اليوم، لا يؤدي التحرك نحو حظر المسلمين وترحيلهم الجماعي إلى إضعاف المواهب التي يمكننا استيرادها فحسب، بل يحرم أيضاً العديد من المهاجرين من فرصة تحقيق إمكاناتهم، وأن يصبحوا المساهمين الرئيسيين في المجتمع كما كان يمكن أن يكونوا لولا ذلك، هذه الإجراءات تهدد مكانة أمريكا الرائدة في مجال البحث العلمي في جميع أنحاء العالم.

المجتمع يتحكم في “كيف”

هناك أيضاً مسألة سيطرة المجتمع على كيفية إجراء العلم؛ فالعلماء هم بشر عاديون، وعرضة للانجراف مع التيارات الثقافية لمجتمعاتهم مثل أي شخص آخر، فقد كان هناك وقت وجد فيه علماء الطبيعة والأنثروبولوجيا أن “علمهم” يبرر استعباد/إخضاع ما كان يعتبر في ذلك الوقت أعراقاً دنيا، وبالأمس مولت وكالة المخابرات المركزية دراسات التحكم في العقل، وإخضاع المرضى مجهولي الهوية لأدوية هلوسة ومواد كيميائية ضارة.

وحتى لا ننسى: أجرت خدمة الصحة العامة الأمريكية أيضاً تجربة توسكيجي لمرض الزهري، التي حرمت الرجال السود من علاج المرض من أجل دراسة آثاره عليهم، على الرغم من توافر العلاج.

لقد ظلت الطبيعة الحقيقية للتجربة طي الكتمان عن الأشخاص الذين شاركوا في التجربة، وعن الجمهور بشكل عام، واستمرت هذه التجربة لمدة 4 عقود، حيث سمح بإجراء مثل هذه الأنواع من الدراسات إلى أن قرر المجتمع -من خلال السياسة-إجراء تغيير، هذه التغييرات هي تغييرات أخلاقية ومعنوية وهي التي تضع رفاهية وسلامة الفرد فوق الحاجة للإجابة على سؤال علمي، ويجب أن تتم دائماً من خلال المحادثات التي تشمل العلماء ومشرعي القوانين.

ضع هذه النقطة في اعتبارك اليوم عندما ترى اتجاهات تكمم أفواه باحثين معينين، وتمنعهم من إيصال أبحاثهم إلى بعضهم بعضا وإلى الجمهور؛ إن العلم والسرية لا يعملان جيداً معاً.

العلم يتحكم في “ماذا”

عندما ندلي بصوتنا في الانتخابات، فإن جزءاً مما نفعله هو تحديد ما سيتم منحه الأولوية في البحث العلمي، يتحكم المسؤولون المنتخبون في أموالنا، وبالتالي يتحكمون في مساعينا العلمية.

يقرر المجتمع نوع المعرفة المسموح للعلماء بالحصول عليها ونشرها، اشتهر الفاتيكان بسجن غاليليو وإجباره على التراجع عن تأكيداته العلمية بأن الأرض تدور حول الشمس كي يتجنب حرقه على عمود، وتحت حكم ستالين دعمت الحكومة السوڨيتية علم شخص يسمي تروفيم ليسينكو، عالم من علماء العلوم الزائفة كان يرفض المبادئ الأساسية لعلم الأحياء؛ وذلك لأن نظرياته دعمت ركائز الماركسية، وهذا أدى إلى ظهور مصطلح الليسينكووية، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى التلاعب بالعملية العلمية لتحقيق الأهداف الأيديولوجية، وهذا المصطلح أكثر شيوعاً اليوم من أي وقت مضى.

بطبيعة الحال، فإن السيطرة على ما يمكن للعلماء القيام به من أبحاث ليست ظاهرة غامضة انتهت بانهيار الشيوعية، فلا زالت انتخاباتنا تقرر علمنا؛ ففي عام 2001، فرض الرئيس بوش حظراً على التمويل الحكومي للبحوث حول الخلايا الجذعية الجنينية، مما أوقف التطوير المحتمل لعلاج عشرات الأمراض، وأوضح سبب قيامه بذلك: “إن موقفي بشأن هذه القضايا تمليه عليّ معتقداتي الراسخة”. ومع ذلك فإن ميزانية المعاهد الوطنية للصحة بأكملها لم تتضرر بسبب ذلك، تم تخصيص التمويل في الغالب لمشاريع بحثية لا تتعلق بالخلايا الجذعية أو البيئة، فالأولويات تغيرها الانتخابات، وبالمثل خلال فترة ولايته، جعل الرئيس أوباما من أولوياته تخصيص الأموال لمبادراته المفضلة، مثل: العلوم المترجمة (ترجمة الكتيبات الطبية، وغيرها في المستشفيات، والمختبرات إلى أشياء عملية نستفيد منها في الحياة مثل: تطوير العلاجات وليس المقصود ترجمة العلوم من لغة إلى لغة) ومبادرة الطب الدقيق، ومبادرة برين، في الوقت نفسه لا يزال تمويل المعاهد الوطنية للصحة أقل من المطلوب من الكونجرس خلال فترة إدارته.

اليوم، قضت الانتخابات على البحث العلمي بشكل واضح، فلم يضيع الرئيس ترامب أي وقت قبل أن يبدأ في شن هجمات على أبحاث الهواء والماء النظيف، وعلوم المناخ، والبحوث الطبية الأساسية، إن ميزانيته المقترحة تعرض الصحة العامة للخطر، وتخفض المليارات من ميزانيات المعاهد الوطنية للصحة، ووكالة حماية البيئة، والمؤسسات البحثية الأخرى؛ بالطبع هذا ليس خطأ الرئيس وحده فحسب، بل الكونجرس أيضاً، حيث تحولت جلسة استماع حديثة حول المنهج العلمي وتغير المناخ إلى ممارسة عامة موغلة في المشاحنات والشتائم، وفي حوار مكثف مع عالم المناخ مايكل مان، زعم رئيس لجنة مجلس النواب للعلوم والفضاء والتكنولوجيا أن مجلة ساينس العلمية لم تكن مصدراً موضوعياً.

التشابك بين المجتمع والسياسة والعلم

في ديموقراطية مزدهرة، يشكل المجتمع السياسة، والسياسة تتحكم في العلم، والعلم يفيد كلا من السياسة والمجتمع، هذه ليست معلومات جديدة، كلنا نعرفها لكن البعض منا يرفض الاعتراف بالتفاعل الحميم بين المجتمع والسياسة والعلوم، إنها حقيقة أن العلماء ليسوا غرباء عن هذا النشاط، وهناك الكثير من السوابق الشاهدة على ذلك.

في الثلاثينيات من القرن الماضي، شكل العلماء جمعية المهنيين العلميين الأمريكيين (AAScW) بهدف دعوة العلماء لاتخاذ مواقف أخلاقية وإشراكهم مباشرة في القضايا السياسية والاجتماعية، في ذلك الوقت، وقفوا بحزم ضد الفاشية وكان لهم تأثير في تحسين جودة التقارير العلمية، في عام 1946، ألقى ألبرت أينشتاين بثقله على العنصرية في أمريكا في مقالته البليغة “مسألة الزنوج”، والتي وصف فيها العنصرية بأنها “مرض البيض”، ليس ذلك فحسب، بل شارك أيضًا في رئاسة حملة مناهضة للإعدام خارج نطاق القانون. حتى في وقت لاحق، خلال الحرب الباردة، لم يخجل العلماء جميعًا من المشاركة السياسية، حيث عارضت الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS) صراحة الحرب في فيتنام، وكان كارل ساجان صوتًا بارزًا في التنديد بمخاطر الانتشار النووي خلال عهد ريغان.

اليوم، حث جون هولدرين، كبير مستشاري العلوم للرئيس أوباما، العلماء على تخصيص عشرة بالمائة من وقتهم للخدمة العامة والنشاط، لا أتذكر آخر مرة سمعت فيها عالمًا بارزًا يدلي بمثل هذا البيان.

من نواحي كثيرة، فإن الخط الفاصل بين العلم والسياسة -إذا كان هناك شيء مثل ذلك-غير واضح بالفعل، هناك مفاهيم علمية تدعمها مجموعة قوية من البيانات الواقعية، والتي أصبحت الآن بطبيعتها مسيسة، ليس بسبب الجدل في المجتمع العلمي، ولكن لأنها تهدد أجندة أحد الأطراف، فكر في تغير المناخ أو التطور.

المنهج العلمي هي أداة رائعة للحصول على معلومات يمكن التحقق منها، وتوسيع حدود معرفتنا دائماً، وتحدي مفاهيمنا المسبقة عن ماهية الواقع، إنه تحقيق نجريه في أنفسنا، لقد قررنا تجميع أموالنا معاً وتقسيمها على النساء والرجال الذين يعملون بلا كلل في طليعة المعرفة لاكتشاف المزيد، قررنا هذا؛ لأننا أدركنا أن العلم يساعدنا على عيش حياة أطول، وأكثر صحة، وأكثر إثراءً.

اقرأ ايضاً: لمَ لا يمكننا التسليم بالمصداقية العلمية للدوريات الأكاديمية؟

0
المصدر
scientificamerican

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى