الفلسفة

ما دور التعليم العام والإعلام التقليدي في الغباء المجتمعي؟

  • Academy of ideas
  • ترجمة: عبدالملك البلادي
  • تحرير: المها العصفور

 

حذّر الشاعر العظيم والت وايتمان أتباعَه الأمريكان في ديوانه ’أوراق العشب‘ قائلاً: ” قاومي بشدة وأطيعي قليلاً، فإنك لو أطعتِ طاعةً عمياء مرة واحدة، ستقعين تحت الاستعباد، ولو حدث ذلك فلا يمكن لأُمةٍ أو ولايةٍ أو مدينةٍ على هذه الأرض أن تستعيد حريتها.”

كما أقرّ وايتمان بأن المجتمع الحر والمزدهر يقوم على سواعد الرجالِ والنساءِ الشغوفين بالسؤال ومقاومة السُلطة متى دعت الحاجة. ولكن في وقتنا الحاضر قلةٌ هم من يتبنون أفكار وايتمان، فيما أصبحت الطاعة العمياء هي النمط السائد، إذ أصبحنا كقطيع الأغنام نُساق نحو قيود الاستبداد بسهولة. ولكن ما الذي دعا الغرب لتجاهل نصيحة وايتمان؟ سنناقش في هذا الشريط المرئي دور مؤسستين لعبتا دوراً أساسياً في تفاقم المواطنة السلبية، واللتان تتمثلان في كلٍ من النظام التعليمي الحكومي الذي تديره الدولة – والمعروف في أمريكا الشمالية بنظام التعليم العام – ووسائل الإعلام التقليدية.

يُنظر إلى التعليم العام على أنه الجانب المضيء للعالم الغربي الحديث، فمن الذي سيشكك في قيم تلك المؤسسة التي تقدّم تعليمًا مجانيًا وإلزاميًا للجميع؟ وكغيرها من المؤسسات في وقتنا الحاضر، هناك تباين شاسع بين الكيفية التي ينبغي على المؤسسة أن تعمل بها وتلك المعمول بها في الواقع. فإن علّم منسوبو التعليم العام الطلابَ كيف يفكرون، وعززوا لديهم الفضولَ الفكري مما يؤدي إلى تخريج مواطنين أسوياء جسديًا وعقليًا، حينها لن يشكك في قيمة المؤسسة التعليمية إلا القلة. ولكن خلف هذه الصورة اللامعة التي يعرضها المسؤولون يكمن الواقع المر.

أو كما ذكر المعلّم السابق جون تايلور غاتو والذي يُعد أعظم ناقد للتعليم العام، في كتابه Dumbing us Down: “تهدف المدارس لتخريج مواطنين على نمطٍ واحد يمكن التنبؤ بسلوكياتهم والسيطرة عليها، وقد نجحوا في مساعيهم إلى حدٍ كبير. ولكن وفقًا للمقياس الوطني يتصف الناجحون بالاستقلالية والاعتماد على النفس والثقة بالنفس إضافة إلى الفردية. في حين أن مخرجات التعليم العام -حتى أفضلهم تعليمًا- لا يتصفون بتلك الصفات. صحيح أن باستطاعتهم بيع الأفلام أو شفرات الحلاقة أو إنهاء المعاملات الورقية أو الحديث على الهاتف أو الاكتفاء فقط بالجلوس أمام ومضات أجهزة الحاسوب؛ ولكن باعتبارهم بشرًا فهم عديمو النفع للآخرين بل وحتى لأنفسهم”. (Dumbing us Down)

وقد نحى نعوم تشومسكي هذا المنحى في كتابه فهم السلطة إذ قال: “وبالنظر إلى هيكل السلطة الخارجي للمجتمع الذين يوظفون الدور المؤسسي للمدارس في تهيئة الطلاب للانقياد طواعية ومن غير جدال. إضافة إلى جعلهم قابلين للتحكم ومُلقَنين.” (Understanding Power)

وقد يبدو هذا للبعض نوعًا من الهرطقة، إلا أن دراسة التاريخ تكشف وبجلاء أن هذا المنحى لم يكن مخططاً له من البداية. إذ أنه عندما أنشأت الحكومة نظام المدارس في الغرب، جعلته على غرار النظام التعليمي للمصانع والذي رأى النور في بروسيا في بدايات عام 1770م. وقد قال جون تايلور غاتو في كتابه (أسلحة التعليم الشامل):

“تتمثل الصدمة في أننا تلقفنا بشغف أحد أسوأ عناصر الحضارة البروسية والذي يتمثل في النظام التعليمي الذي صُمم عمداً لعدة أسباب منها: تخريج طلاب متدني التفكير، والسيطرة على مفاصل حياتهم الشخصية، وتحجيم مهاراتهم القيادية القديرة، إضافة إلى التأكد من خضوعهم وحصولهم على مواطنة ناقصة. وكل ذلك في سبيل جعل العامة خاضعين.”

ألبرت أينشتاين، الرجل الذي بلغ أوج العبقرية في حالة يندر مثلها، لم يعز نموه الفكري إلى التعليم العام. وبالعودة إلى سنين دراسته ذكر أينشتاين أنه بعد أن انتهى من اختباراته النهائية فقد جذوة شغفه في الحقل الذي آل به المطاف لإحداث ثورة فيه في مستقبل أيامه؛ إذ دوّن فقال: “خلال عامٍ كامل تبين لي أن البحث في المشكلات العلمية أمرٌ غير محببٍ لي”. ويرى أينشتاين أن من أبرز المآخذ على النظام التعليمي الحكومي هو استعمال الأسلوب القسري في التعليم.

وقد قال في كتابه (ألبرت أينشتاين .. العالم الفيلسوف): “إنه لمن الإعجاز أن الطرق التعليمية الحديثة لم تُحكِم الخناق بعد على الفضول المقدس، واعتقاد أن تطوير متعة المشاهدة والبحث عن طريق الإكراه والإلزام يُعد خطأً جسيمًا”.

وبعد ما يزيد على العقد من التلقين المُتّبع في النظام التعليمي، ظهر البعض ممن لديهم اللهفة للمعرفة ويتملكهم الفضول تجاه الغموض الذي يلف العالم، واللذان يولدان بمجرد تخرج الطالب. وكما قال بروس ليفين في كتابه (مقاومة السلطة غير الشرعية) Resisting Illegitimate Authority: “إن كان المرء نكرة، ويُقاد من قِبل الآخرين، ويتعامل بجدية مع المكافآت والعقوبات الصادرة من السلطة، ويتظاهر بالاهتمام بأمور لا يأبهون بها، حينها سيكون المرء عاجزاً عن تغيير واقعه المر.”

ولكن إن كنا نرى أن التعليم لدينا لا يمكن الاعتماد عليه في سبيل إعمال التفكير الناقد والعقل الفضولي عند الأفراد، واللذان نحتاجهما لحماية المجتمع من أفاعيل السلطة الفاسدة، فهل باستطاعة الإعلام التقليدي تقمص هذا الدور؟ منذ زمن بعيد والناس يشعرون بالكراهية وانعدام الثقة تجاه مؤسسة الإعلام التقليدي، وقد تزايدت الشكوك تجاهه في السنوات القليلة الماضية. قال توماس جيفرسون: “لقد انصرفتُ عن قراءة الصحف إلى القراءة لتاسيتوس وثوسيديديس ونيوتن وإقليدس، وأصبحت أسعد مما كنت عليه”.

ولم يكن نيتشه بدوره معجباً بالإعلام التقليدي. نيتشه، والذي يعد أكثر المفكرين فضولاً وتحررًا على مر التاريخ، قال في كتابه المسمى (هكذا تكلم زرادشت) : “فقط الحمقى هم الذين يتقيؤون دائمًا ويسمون قيئَهم صُحفًا”.

ويرى ريتشارد ويفر، والذي عمل بروفيسورًا في جامعة شيكاغو في النصف الأول من القرن المنصرم، أنه من المثير للسخرية في الوقت الذي تحررت فيه ذواتنا من فكرة مركزية الأرض، إلا أننا غرقنا في عالم الوهم الذي يصنعه الإعلام التقليدي. ولأن الصحف كانت هي المهيمنة في زمنه، انصبّ جُل تركيزه عليها في النص المقتبس من كتابه (للأفكار عواقب)، حيث قال:

“إن وجهة النظر الناتجة عن حقيقة أن الرجل العصري لم يعد يشاهد تلك القبة الدائرية فوقه ذات النجوم الثابتة صحيحة إلى حدٍ كبير، ولكنه بات يرى أشياء شبيهة بها حين يقرأ الصحف اليومية. إن الصحفَ كونٌ صنعه الإنسان عن طريق عالم من الأحداث المحيطة بنا في حينها، فهي تخلق لدى القارئ العادي مجموعة من التصورات والتي لا يفكر بالتحقق من صحتها أكثر مما فعل أسلافه المتدينون في القرن الثالث عشر…فكّروا في التشكيك في الكونيات”.

ولكن يبقى السؤال لماذا يعمد الإعلام التقليدي إلى التزييف بدلاً من الحقيقة؟ اقترح نعوم تشومسكي في كتابه (السيطرة على الإعلام) أن الإعلام التقليدي مثله كمثل بعض السياسيين، يُدار من قِبل أشخاص يؤمنون بالنخبوية.

وقد جسّد والتر ليبمان – الصحفي الأمريكي الذي نشط في القرن المنصرم – هذا الرأي بتسمية العامة بـ “القطيع الحائر”، وأشار أيضًا إلى أن أحد أهم وظائف الإعلام هو وضع هذا القطيع في المكان الملائم كمشاهدين سلبيين، بمعنى أنهم لا يساهمون مساهمة فاعلة في منظومة المجتمع. أو كما فنّد تشومسكي، النخبوية مبنية على مفهوم أن: “العامة أغبياء جدًا لفهم الأشياء. فإن حاولوا إدارة شؤونهم الخاصة فسيسببون المتاعب. لذلك من غير الأخلاقي ولا المناسب السماح لهم بفعل ذلك. إذ يجب علينا ترويض القطيع التائه، وعدم السماح لهم بالغضب وسحق الأشياء وتدميرها.”

وبالنسبة للبعض منا ممن لا ينتمون إلى النخبة التي نصبت نفسها، فإن السؤال الذي ينشأ هو عما إن كان الهدف من السيطرة على القطيع هو تعزيز ازدهار المجتمع؟ أو ليحافظ على التركيبة المؤسسية والتي يفضلها النخبة لإلحاق الضرر بالمجتمع بأسره؟ يعزز هذا السؤال المفتوح من الحاجة إلى التشكيك في رموز السلطة الحاليين. وبعبارة أخرى فإننا بحاجة إلى المزيد من مقاومي الاستبداد. ويجب التأكيد على أن مقاوم الاستبداد ليس شخصًا يقبل السلطة بسلبية ويتبنى رفضًا سلبيًا لكل صور السلطة، فلدى بعض المؤسسات وأفراد السلطة مقاصد حميدة، مما يستلزم قبولها. ولكن مكافحيّ الاستبداد يدركون أن الإجماع لايمثل الواقع، وأن السلطة تُفسد، وأن أصحاب السُلطة يكذبون، وأن بعض المؤسسات على حد تعبير تشومسكي في كتابه (On Anarchism) لا تمتلك مسوغات أخلاقية، “إذ أن مسعاهم يتمثل في الحفاظ على تنظيمات معيّنة للسلطة والسيطرة”. وباستحضار هذه الحقائق التي لا مراء فيها، فإن مكافحي الاستبداد يميلون إلى النظر إلى جميع أفراد السلطة نظرة شك محمود، وفوق هذا، ربما يصل الأمر إلى عصيان أوامرهم إن أصرّت السُلطة على إفساد سلامة المجتمع وإيذائها. أو كما كتب هنري ديفيد ثورو في كتابه (العصيان المدني): “إن كانت قوانين الحكومة بطبيعتها تتطلب منك أن تظلم أحدهم، فإني سأقول لك حينها: خالف القانون”.

ويظل السؤال: هل ينبغي علينا الخوف من عالم يوجد به العديد من مكافحي السلطة؟ وُلدت الطاعة معنا في المدارس، وتُعَزَّز هذه الطاعة العمياء عن طريق رموز الإعلام التقليدي والذي بدوره جعل البعض يرى مكافحي السلطة خطرًا يهدد استقرار المجتمع. لكن لا شيء أبعد عن الحقيقة. يعد مكافحو السلطة عنصرًا أساسيًا لأي مجتمع مزدهر. وكما ذكر سي بي سنو في كتابه (شؤون العامة 1971): “حين تفكر في الماضي التعيس الذي عاشه الإنسان ستجد جرائم أبشع اُرتكبت باسم الطاعة أكثر من تلك التي اُرتكبت باسم التمرد”.

ولأن الاستبداد فرع عن اقتران السلطة الفاسدة بالمواطنة غير الفاعلة، يجدر الترحيب بمكافحي السلطة بدلاً من الخوف منهم ونبذهم، كونهم من يدق ناقوس الخطر ويوقظون العامة الغارقة في سباتها للانتباه لوجود السلطة الفاسدة. إن مجتمعًا يفتقر إلى عدد صحي من مكافحي السلطة أو مجتمعًا يُهمش ويُنبذ فيه مكافحو السلطة هو مجتمع اختار الراحة عوضاً عن السعي وراء الحقيقة؛ وبذلك يمهد المجتمع الطريق لتدمير نفسه. وكما حذر فولتير، الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن الثامن عشر للميلاد: “طالما أن الناس لا يمارسون حرياتهم، فإن من يتمنى السيطرة عليهم سيظفر بذلك، إذ أن الطغاة النشطين والمتقدين سيكرسون أنفسهم باسم عدد لامتناهي من الآلهة والأديان أو غير ذلك لوضع الأغلال في أيدي النائمين”.

اقرأ ايضاً: دراسة الإنسان: ضبط العمال على الآلات

المصدر

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى