الفلسفة

قول في الأنا

  • إبراهيم سعيد

منحوتة الفلاسفة في متحف الحياة وهبها الروحانيون الروح وأخذها الروائيون إلى المقصلة، وعندما طرقها الفلاسفة تردد الصوت وعاد إليهم؛ عرفت نفسها وأعلنت عن وجودها في عالم مضطرب تسوده الفوضى والعبثية باعتبارها الحقيقة المطلقة المسؤولة عن الكون، ولأن لديها اللسان والبيان ورغبة السيطرة على الزمان والمكان، وضعت الما وراء للأمام ونصبت المحاكم للإله وحكمت عليه بالفناء أو الموت والانتهاء، فالحكم إذن حكم الأنا، وهكذا تحدث بعض الفلاسفة. ففي حين يذهب الروحانيون إلى مواجهة الحياة يذهب الروائيون إلى اليأس منها ومنهم من ذهب إلى سؤال: ما المعنى منها؟.

فـ”ماركس” الفيلسوف، ابتدع كلمة الاغتراب ليصف الإنسان الحديث في مجتمع لا يشعر بالانتماء إليه أبداً، ولأن الاغتراب انتصر على مفهوم الجماعة تفكك الأخير وتنامى مفهوم الفرد وعندها تجلت “الذاتانية” باعتبارها الأصل الذي أقام عليه الرومانسيون أفكارهم، ووجدوا في هذا المفهوم معنى أن الإنسان حر ومحرر من القيم الدينية والقواعد والتقاليد الأخلاقية. فصار الإنسان/الأنا كياناً قائماً بذاته ولذاته مرتكزًا على قراءة عبقريته الخاصة فتحول عموم المجتمع إلى ذرات متناثرة يتعذر إيجاد رابط بينها سوى ما أسماه “سترومبرج”  بـ”البلوتوقراطية” حيث أن السوق هو من ينظم العلاقات الاجتماعية.

كانت مآلات الأنا النهائية هي الموت، النتيجة الحتمية للوجود، فمن أفلاطون إلى شوبنهاور إلى مونتين، اقترنت الحكمة بتأمل الموت أو بعبارة أدق: تعليم الموت. فأخذ الروحانيون الحياة وأخذ الروائيون الموت، فـ”روندا بايرن” مؤلفة كتاب السر أخذت على عاتقها أن تصل بالأنا إلى مقام الألوهية والربوبية وكشف سر الحياة، فوحّدت الأنا ونادت بالأنا المتعالية، وفي حين كان “سترومبرج” يختزل الأديان في عبارتين: اعبد الله وكن عادلا. كانت “بايرن” تختزل الحياة في: اعبد الأنا وكن فاعلا. وقال الروائيون: لا شيء يمكن عمله ولا شيء يستحق العمل.

جاء كتاب السر محاولا انتشال الأنا التائهة، وليضع هدفاً تنتهي إليه وغاية تجعل لحياتها معنى، فالسياق الذي جاء فيه السر هو إضفاء معنى للحياة، ولأنا فقدت معناها منذ “ديوجانس الكلبي”. فالسر هو عصارة ما توصل إليه الروحانيون، وركن ركين ينطلق منه كل من يريد أن يضع الإنسان موضع الإله ويجعل الأخير “خرافة” جاثمة على عقل الإنسان. ففي السر مثلاً يُصوّر الإنسان على أنه غير محدود القدرات، والمواهب، والملكات. وتبلغ عظمته اللانهائية وقدراته اللامحدودة أن لديه: إمكانيات الله وقوته لخلق عالمه(1). وكل ما عليه هو: الضحك(1). ليجلب لنفسه مزيداً من السعادة الأبدية وحتى العلاج من كل الأمراض والآلام المستعصية.

وبين تصنيم الأنا وبث الروح فيها أخذت الرواية اليائسة الأنا إلى المقصلة، معلنة النهاية لهذه الورطة الكبيرة والعبء العظيم على الحياة. فدائما ما ارتبط الملل، السأم، الفراغ، الانزواء، الانعزال، الظلام، السواد، الاغتراب ..إلخ بأدباء اليأس وهو بطبيعة الحال يفضي إلى ما ابتدأنا قوله: النهاية الحتمية للإنسان “الموت”. وفيما يبدو أن مدرسة اليأس أو ما عنونت به كتابها “هيوستن” بـ”أساتذة اليأس” كان شعارهم هو تزيين الموت وتعبيد الطريق إليه، ولهذا وجدت الرواية اليائسة طريقها سهلاً إلى نفس الإنسان ابتداءً، ولم تتكلف عناء الوصول إلى عقله، لأنها وجدت في نفس الإنسان مستقرا طويلا ومستراحا أبديا فنظر الإنسان للعالم كما نظر إليه “دوستويفسكي” : متمرداً عن الجماعة، منعزلاً، فرديته متطرفة، وأنانيته مرضية.

ما لاحظته في الرواية اليائسة عموماً هو أن ما تؤكده وتعززه في الشطر الأخير من رؤية “دوستويفسكي” تلك، تعزيز الاعتزال فـ”سارتر” وجد أن أفضل ما يفعله المرء عندما تشرق الشمس هو أن يذهب فينام. لكن ماذا عن الليل؟ يقول إنه أفضل وقت للخروج مع الأشياء من الغموض. وهذا بوجه صريح يأخذنا إلى لا منتمي “كولن ولسون” ومباحثه في معنى أن يكون الإنسان مفارقاً للجماعة، منزوياً عنها، في حالة متوترة دائمة تجعله أكثر اقتراباً إلى ما ذهب إليه العدميون ومؤكداً حول مبدأ التمركز حول الذات أو الذاتانية. والتي عبر عنها “غوته” في آلام فيرتير بالوحدة، فقال: إنني وحيد تماما. بل أنه وجد المتعة الحقيقية عندما يكون منسجماً مع ذاته وفي مأمن من الآخر. وهذه الحالة –حالة النفور من الآخر- نجدها عند “سارتر” فيبدو الأمر كما لو أن ضجيجاً مّا في أذن من يقرأ الغثيان: إنني وحيد وسط هذه الأصوات المعقولة. إن جميع هؤلاء الأشخاص يقضون وقتهم في التعبير عن آرائهم وفي الاعتراف اعترافاً بهيجاً بأنهم يتقاسمون الرأي نفسه(2). و”كوبليز” يثير ضجيجاً آخر عندما يتحدث عن حياة الناس في الكازينو باعتبارها مجرد مصادفات تعتمد على الحوادث، فإذا لم يحدث شيء، يتوقفون عن الكينونة(3). ينقلك هذا الضجيج من تمركز “سارتر، كوبليز” حول نفسيهما أو المرآة التي ينظران منها إلى نفسيهما، إلى تمركزك حول ذاتك فتعيد تعاطيك مع الآخر باعتبارك الأنا المتعالية والمنفصلة عن كل شيء حولها. إنهم يأخذون الأنا إلى مواضع بؤسهم وقلقهم الدائم واسئلتهم الوجودية الحائرة في الأنا ومعنى الحياة وورطة الوجود. ذلك المعنى الفظيع الذي ذهب إليه “ديكارت، روسو” : أن تضع المرأة طفلاً فتقول له: انتهينا عزيزي، أهلاً بك في هذا العالم، أنت حر، مع السلامة(4).

ما يخفيه الفيلسوف يظهره الروائي اليائس على مضض، أو بصراحة تتجلى في ثنايا رواياته، وهذا ما يجعل الرواية جسر وصول لعالم متشابك يصعب فهمه لو دخله القارئ العادي من بوابته الكبيرة، كان “دوستويفسكي” يعطي للفلسفة روحاً لو نفخ فيها الفلاسفة ما أفاقت، كان يرمي بأبطاله في أتون الحياة وتعقيداتها ويضعهم في مساجلات عنيفة ومصادمات قوية أمام معترك الحياة، كان “إيفان” في الأخوة كارامازوف (عديم الحل)(5)، وهذا ما ذهب إليه النقاد، لأن فن “دوستويفسكي” تغلب على غرضه، لكن -وربما أيضاً- لأنه لم يواصل تحليل الكفر لينقضه.


  1. السر، روندا بايرن. ص: 164 – 128
  2. الغثيان، سارتر. ص: 15
  3. اللامنتمي، كولن ولسون. ص: 22
  4. أساتذة اليأس، نانسي هيوستن. ص: 38
  5. اللامنتمي، كولن ولسون. ص: 216

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى