عام

سلامة القس بين الرافعي وباكثير

تحرير: لطيفة الخريف

كتبَ حجَّة البيان مصطفى صادق الرَّافعي عن قصةِ الجارية “سلَّامة المغنية”، وعبدالرحمن بن أبي عمار، المُلقب بالقس؛ لعبادته وزهده وتقواه..

ثم وقفتُ على نفسِ القصَّة من إنشاءِ وصناعةِ الأديبِ الكبير علي أحمد باكثير.. كتبها كل واحد منهما بأسلوبٍ فريد، وكان قصدهما وغايتهما عند كتابتهما قصَّة سلامة والقس ابن أبي عمار يخرجُ من مشكاةٍ واحدة.

والقصة مفادها أنَّ عبدالرحمن بن أبي عمار الملقب بالقس؛ لعبادته ونسكه وشبهه من عطاء بن أبي رباح، كانَ صديقًا لرجلٍ يُقالُ له سهيل بن عبدالرحمن، وكان رجلًا سريًّا فاضلًا، يملكُ جاريةً فاتنة ماهرةً بالغناء، كأنَّ الملائكة تتلو المزاميرَ من خلالها، وكان ابن أبي عمار في طريقه يومًا من أمامِ بيتِ سهيل، فسمعَ سلامة تشدو بصوتها، وتغني غناءً لم يسمع بمثله من قبل، فوقفَ يستمعُ بقلبه وجوارحه، فعلم سهيلٌ بذلك،  فأدخله داره بعدَ أن ألحَّ واحتالَ عليه، وخرجت سلامة إليه خروجَ القمر، فما أن رآها حتى علقت بقلبه، وسبحَ طويلًا طويلًا، وأمَّا سلامة فما إن رأته حتى رأت الجنَّة والملائكة، وماتت في لحظتها عن الدَّنيا وانتقلت إليه وحده. ثم جرى بينهما خبرٌ طويل، وأحداثٌ تشقِّقُ القلب، وتسبلُ الدَّمع من العين.

فقد شغف عبدالرحمن بسلامة، كان يراها منه بمنزلةِ الحزن من الشِّعر. بمنزلةِ النَّدى من الصَّباح، بمنزلةِ الرَّصيف من شاعرٍ مهمل، بمنزلة الحبِّ من المشي تحت المطر. فكان يحلمُ بها ليله ونهاره، ويتسللُ طيفها إليه حتى في صلاته وقيامه، وقامت بين نفسه الزاهدة النَّاسكة وبينَ نفسه المتفتحة للحياةِ حربٌ عوان صلي بنارها، وكانَ وقودها من روحه وجسمه، وشقي بها شقاءً لم يشقَ قبله مثله، كما سعدَ بها سعادةً لم يجد لها من قبلُ مثيلًا.

أصل القصة ما أورده الأصفهاني في كتابه الأغاني، في بضعةِ أسطر.. ثم توسَّع فيها الرافعي وباكثير.. وأعملوا فيها الخيال، وأضفوا إليها جمالًا من بديع الأدبِ الخالد، لتكونَ من أجملِ ما كتبه الأديبان.

أوردها الرافعي في كتابه العظيم “وحي القلم”، وسماها “سمو الحب”، وذكرها باكثير بعنوان: “سلَّامة القس”.

ولو تأملنا عنوان الرَّافعي لاتضح لنا أنه أثبتَ الثَّمرة والمقصد الذي ارتجاه من هذه القصة وجعله عنوانًا؛ ليوحي للقرَّاء كيف يسمو الحب ويتعالى عن السُّفول والانحدار، ويصحح رأي النَّاس في تصورهم للحب، ويكون منه لشبابِ الجيل درسٌ وموعظة، بينما جعلَ باكثير عنوانَ القصَّة بأسماءِ أبطالها..

استهلَّ الرَّافعي قصته “سمو الحب”، بالحديثِ عن الإمام عطاء بن أبي رباح، وحديثه عن الحب، وكانَ من أجمل ما كتبَه الرافعي وصفه عطاء بن أبي رباح، قال فيه على لسانِ عبدالرحمن بن أبي عمار: “فنظرتُ إليه فإذا هو في مجلسه كأنه غرابٌ أسود، إذ كانَ ابن أَمَةٍ سوداء، ورأيتُه مع سواده أعور أفطس أشل أعرج مفلفل الشعر، لا يتأملُ المرء منه طائلًا، ولكنكَ تسمعه يتكلمُ فتظن منه ومن سواده – والله – أنَّ هذه قطعةُ ليل تسطعُ فيها النُّجوم وتصعد من حولها الملائكةُ وتنزل”.

ثم أجرى الرَّافعي على لسانِ عطاء حديثًا عذبًا حولَ قول الله تعالى: “ولقد همَّت به وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه”. ما كَتَبَ مثله قبلَ الرَّافعي أحد.

أما باكثير فقد استهلَّ بآيةِ البرهان في سورةِ يوسف، لكنه لم يعرج عليها كما فعلَ الرافعي، ولم تكن بدايته كما بدأ الرافعي، حولَ الحديثِ عن عطاء، وإنما تكلَّمَ عن ابن أبي عمار وقد تسمَّى بالقس، بينما جعل الرَّافعي القصَّة تدورُ حول تأثر ابن أبي عمار بعطاء بسببِ ما سمعه من حديثه عن سورةِ يوسف، فقرَّر يومها أن يلزمَ الإمام، يقول ابن أبي عمار: “ولزمتُ الإمام بعد ذلك وأجمعتُ أن أتشبه به وأسلك في طريقه من الزهد والمعرفة، ثم رجعتُ إلى المدينة وقد حفظتُ الرجل في نفسي كما أحفظُ الكلام، وجعلتُ شعاري في كل نزعةٍ من نزعاتِ النفس هذه الكلمة (رأى برهانَ ربه)”.

وكأنَّ الأديب باكثير بنى على ما كتبَه الرافعي، وانطلق في حديثه عن ابن أبي عمار وهو الرجلُ المعروف بصلاحه وزهده، وليسَ ذاك الشَّاب الذي كان يجدُ في نفسه من اللهو ما يجده الشبابُ عادة ويبحث عنه كما يفعل غيره..

وقد اختزلَ الرافعي قصة “سلامة القس” وجعلها في قصةٍ قصيرة تحملُ معاني سامية، وتزخر بلغةٍ عالية في السُّمو، بينما جعلها باكثير روايةً متعددة الفصول، وقد أضفى عليها خيالًا عذبًا، فنالت شهرةً عظيمة، وكانت الرواية -لمعالجتها الواقعية للقصة الرومانسية التي دارت بين سلامة والقس- وراء اختيار إخراجها للسينما في فيلمٍ غنائي يحملُ عنوان “سلامة”، طارت شهرته في الأرجاء.

وقد نوه لهذا التأثر الدكتور وليد كسَّاب، في بيانِ الأثر الذي تركه الرَّافعي على من أتى بعده من الأدباء والكتَّاب: “يعتبر باكثير من الأدباءِ الذين تأثروا بالرَّافعي في أعمالهم التَّاريخية الإسلامية لا سيما رواية “واسلاماه”. وقد بلغ تأثر باكثير بالرافعي أنه استمد موضوع روايته “سلامة القس” من نصِّ الرافعي “سمو الحب”.

وقد أجاد الرافعي في توظيف التَّاريخ مستخدمًا عناصر الإبهار والتشويق التي أضفت على النَّص جمالًا أخاذًا يأخذ بالعقولِ والألباب، فلو اكتفى بالسَّرد الذي تستخدمه كتبُ التَّاريخ لفقدت القصَّة طلاوتها، ولجعلها مجردَ أحداثٍ قد يعرف آخرها من مطالعةِ أولها دونَ الانتظار حتى النهاية”.

أبدع الأديبان في توظيفِ التَّاريخ الإسلامي واتخاذه مرجعيةً لقصصهم التَّاريخية، وإن لم يرتبطوا بتفاصيل الحدث الدقيقة أو يتقيدوا بها، ولكنهم أضفوا على الحدث من أسلوبيهما ما أخرجه من حيِّز التاريخ إلى فضاءِ الإبداع.

وفي ظني أنَّ ما حمل الرَّافعي وباكثير على الكتابةِ حول هذه القصَّة الهامشية التي أوردها صاحبُ الأغاني، عدة أمور:

– قصصُ الحب الحسي التي انتشرت حينها، وكانت نتائجها وخيمة على جيلٍ من الشَّباب، لم ينظر إلى الحب إلا نظرةً قاصرة يشوبها تشوه كبير.

– معالجة ثنائية التَّدين والحب، وكيف يجتمع الدِّين والمروءة والحب في قلبِ الإنسان.. والاعتراف بضعفه وبشريته، والصِّراع الذي يعيشه الإنسان للحصول على الكرامة التي كرَّمه الله بها.

– إظهار صورة من أجمل وأنقى صور التاريخ صفاءً لما يُسمَّى بالحب العذري العفيف، وكلاهما صدَّرا القصة بآيةِ البرهان في سورةِ يوسف، للحثِّ على الترفع عن كل ما يشوبُ الإنسان من سقوط، والاعتصام ببرهان الله الذي يتعدد بتعددِ المواقف والابتلاءات، والتنبيه لمن أحالوا الحب إلى جريمةٍ ودنس ترفضه النَّفس الإنسانية السوية.

حريٌّ بهذا الجيل أن يرجعَ إلى ما كتبه الرَّافعي وباكثير.. يستشف منه الخلود الأدبي، وسمو الحب، والعلو الهادر لمن جعلَ البرهانَ نصبَ عينيه.. وفيهما شفاء لمن أمضَّه وجع الحب.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. استمتعت بالمقال ومعلومة ثريه فشكرا لمن كتبه مع التقدير والاحترام لاثاره وجزا الله المحسنين خيرا فاني اعتبر الترجمه والنشر للعامة احسانا في زمن شح فيه اسلوب العلم للعلم والمنفعة اسال الله ان يبارك جهود القائمين علي اثارة والساام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق