الدين

معايير صحيح البخاري: مقاربة إبستمولوجية

  • د.عصام عيدو ومحمد تيسير صافي
  • ترجمة: زينب بنت عبد المطلب

مقدمة

يُدرس مجال الدراسات الحديثية عادةً باعتباره مسعىً تاريخيا بحتا، كجزء من التراث الفكري الإسلامي الأوسع. بيد أنّ الأسس الفلسفية لهذا المجال، والتي تعتبر مهمة للغاية بحد ذاتها، ظلت غير مدروسة إلى حد كبير. تتوافق الدراسة المعاصرة لإبستمولوجيا الشهادة/المعرفة النقلية، ضمن التراث الفلسفي التحليلي الأوسع، بشكل كبير مع بعض التساؤلات الفلسفية المُشار إليها أعلاه. الكثير مما هو موجود في أوائل المؤلفات حول الشهادة كمعرفة نقلية يوجد في بواكير مؤلفات التراث الفكري الإسلامي. إلا أنه توجد مسائل أخرى لم تُدرس بسبب طغيان السجالات الأكثر إلحاحًا عليها عادة ضمن التراث الفكري الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر دواوين الأحاديث واحدة من أكبر جمل المؤلفات في العالم التي تهتم بدراسة المعرفة النقلية والنقل. على الرغم من أن تركيز المجموعات الحديثية  لا ينصب على النقليات عمومًا، بل على أحاديث النبي محمد (ﷺ) وتلك المتصلة به، إلا أنها تتداخل بشكل كبير، وهي جديرة بأن تكون محل دراسة من قبل الدارسين لإبستمولوجيا المعرفة النقلية. يمتلك مجالي الحديث والمعرفة النقلية قدر كبير من المنفعة المتبادلة. تمثل هذه الدراسة محاولة لوضع المجالين في محادثة مع بعضهما البعض.

تعتبر مسألة الاختزال أو الرد reductionism هي المسألة التي تلقت القدر الأكبر من الاهتمام في مجال المعرفة النقلية. يتلخص الجدال بشكل أساسي في ما إذا كان لدى السامع حجة لتصديق ما يسمعه لمجرد حقيقة أنّ المعرفة النقلية نفسها هي مصدر مستقل للمعرفة، أو ما إذا كان يجب رد هذه المعرفة النقلية إلى مصادر أخرى للمعرفة، مثل الإدراك الحسي. أولئك الذين يعتقدون أن تصديق السامع لما يسمعه غير مُبرّر دون وجود نوع ما من الحجة غير الشهادة ينتسبون إلى الاتجاه الردي، أما الذين يرون أن السامع لا يحتاج إلى حجة غير نقلية ينتسبون إلى الاتجاه غير الردي.

يحاجج غير الرديين بأنه عندما نثق بمصدر حقيقي للمعرفة، فإننا لسنا مطالبين بتقديم حجة إضافية سوى ثقتنا هذه لاعتبار معرفتنا صادقة. بالنظر إلى هذا المبدأ، ينبغي معاملة المعرفة النقلية بالمثل. على سبيل المثال، إذا رأى شخص ما شيئًا بأم عينه، فإننا لا نطلب حجة سوى هذا الإدراك الحسي لاعتبار تصديقه أنه قد رآه معقولاً. يعتقد غير الرديين أنّ المعرفة النقلية مثلها مثل الإدراك الحسي والاستدلال والذاكرة في هذا السياق، فهي مصدر معرفة حقيقي ومستقل بذاته.

في المقابل، يؤكد الردّيون أن المعرفة النقلية ليست مصدر معرفة مستقل بذاته. ونظرًا إلى أنها ليست مصدرًا مستقلاً للمعرفة، يجب ردها، وإرجاعها إلى مصادر معرفة حقيقية أخرى مثل الإدراك الحسي أو الاستنباط حتى يتم اعتبار تلك المعرفة أو الاعتقاد صادقة أو معقولة. ما تلك الحجة؟ وكيف تعمل؟ هو جزء من السجال.

في هذه الدراسة، سلطنا الضوء على دَور ما نسميه، الحكم المسبق، في سجال الرد. نسعى إلى تحليل مدى استخدام المنهجيات المختلفة مثل الحكم المسبق المستند إلى أصول منطقية أو أدلة أخرى غير عقلانية من أجل دراسة المعرفة النقلية.

كلما زاد اعتمادهم على الحكم المسبق المستند إلى مصادر غير نقلية، قلّ اعتبارهم كغير رديين. حتى لو قبلوا المعرفة النقلية كمصدر مستقل للمعرفة نظريًا، فإنّ اعتمادهم على المعرفة غير النقلية كنوع من التحقق ينفي ادعائهم. أو على الأقل؛ يربك موقفهم لأنه يخلق نوعًا ما من التسلسل الهرمي بين مصادر المعرفة عند التعارض. نظريًا، يجب ألا تتعارض أي من مصادر المعرفة مع بعضها البعض إذا كانت مستقلة وحقيقية. لكن، من خلال هذا الحكم المسبق، خفّضت بعض الجماعات أساسيًا المعرفة النقلية من كونها مستقلة وصحيحة إلى كونها مستقلة وصحيحة إذا توافقت مع مصادر المعرفة الأخرى غير النقلية.

بعيدًا عن مسألة الرد هذه، هناك العديد من المسائل الأخرى التي تتداخل وتعتبر مركزية في السجال. مسائل الداخلانية والخارجانية[1] الحجة العالمية مقابل المحلية[2]، الإثباتية مقابل الوثوقية[3]، والتي تتداخل جميعها مع مسألة الرد/الاختزال. بالإضافة إلى هذه التداخلات، يُعتمد على عدد من الأصول في السجال، مثل مبادئ الصحة، والسذاجة، القبول، وكذلك الأطروحة الافتراضية الصحيحة.

للتعمق أكثر في الأمر، فإنّ بعض الحلول المعرفية للغموض -مثل نظام التقييم الخلفي، الحلقة التوضيحية الإيجابية للوثوقية، ودراسة المسببات- تضفي عمقًا على مسألة الرد.  لذلك، لا يتسق كل شيء بدقة في قال الاتجاهين الردي وغير الردي، بل إن نفس الاتجاهين يتدرجان في طرح صيغ أكثر اعتدالًا من كل منهما بالإضافة إلى النظريات الهجينة بين الاتجاهين، والتي دار الجدل حولها. من بين أكثر النماذج الهجينة شهرةً هو النهج الثنائي لـ (Lackey)[4]، ونموذج المسارين لـ (Thagards)،[5] بالإضافة إلى فكرة الضمان لـ (Faulkner).[6] كل هذه المسائل الثانوية ضرورية لفهم السجال الأساسي حول الرد في المعرفة النقلية.

توظف هذه الدراسة عمومًا مفهوم الهجين على أنه منزلة أكثر من مجرد وسط بين الردية وعدم الردية. لأغراض هذه الدراسة، يتم استخدام الهجين كمصطلح لوصف منهج متطور ومتعددالأوجه يوظفه السامع. كلما كانت المنهجية أكثر تطورًا وتعددًا للأوجه، قل احتمال وصفها بأنها مجرد ردية أو غير ردية، بل تُعرّف على أنها هجينة.

الهدف من هذه الدراسة هو تناول مسألة الرد الفلسفية في مجال المعرفة النقلية من منظور التراث الفكري الإسلامي. نهدف إلى تحقيق ذلك من خلال مجموعة الدراسات الحديثية في المقام الأول، وبشكل أكثر تحديدًا من خلال كتاب مجموعة الأحاديث الأهم في التراث، صحيح البخاري. يوجد في التراث الفكري الإسلامي بالفعل تقليد غني لتحليل الأدوات التي يستخدمها البخاري كأدلة وحجج لتخريج شهادات نبوية معينة دون غيرها. ألقى هذا التحليل الضوء على بعض السمات الفريدة لأدوات البخاري.

ستستغرق الدراسة في منهج البخاري النقدي، الذي يشار إليه غالبًا بـ “شروط” البخاري، من خلال تحليل شخصيته باعتباره راويًا – ناقدًا، ومعنى عنوان كتابه المعجمي، وبإشراك ما كُتب عن منهجه. من خلال تحليل نصوصه الخاصة حول هذا الموضوع وكذلك نصوص الآخرين التي استخلصت المعايير التطبيقية والاستقرائية من عمله، يمكننا من الوصول إلى فهم أفضل لما كانت عليه طرائق ومعايير البخاري. عندها فقط يمكننا أن نحاول تحليل الأسس المعرفية للمعايير المذكورة وعندها فقط يمكننا رؤية العلاقة بين هذه المعايير وكثير مما يُبحث فيه في المجال المعاصر لنظرية المعرفة النقلية المعرفية.

باختصار، الغرض وراء هذه الدراسة هو وضع طريقتين في محادثة مع بعضهما البعض إذ تنشغل كلتيهما بمسائل معرفية متشابهة. نتطلع إلى تحقيق ذلك من خلال السؤال الأكثر مركزية في مجال المعرفة النقلية، سجال الردية والمسائل التي تتقاطع معه. ونأمل أن نفعل ذلك أيضًا من خلال موضعة كتاب أهم عالم إسلامي في هذا المجال، البخاري، ضمن تلك المحادثة، مبرزين بشكل خاص ما يجعله فريدًا مقارنة بأعمال علماء الحديث الآخرين.

 

الدراسات الحديثية والمعرفة النقلية

المشهد المعرفي في بواكير الإسلام

كما ذكرنا في المقدمة، بُني المجال المعرفي للشهادة/المعرفة النقلية على القضية الرئيسة المتعلقة بطبيعة الحجة التي يملكها المرء لتصديق أي رواية نقلية (حديث أو خبر).[7] من ناحية أخرى، فإن السؤال الجوهري الذي شغل أذهان علماء الحديث المتقدمين، وخاصة الذين تعاملوا مع الروايات النبوية وبشكل أعم أولئك الذين تعاملوا مع الروايات التاريخية، كان هو: معنى الصحة[8] والخطأ. حيث تحاججوا حول المعنى الدقيق للادعاء بأنّ روايةً معينةً صحيحة، بالإضافة إلى التحقق من صحة هذه الرواية.

قبل مناقشة هذا السجال الفكري المبكر المهم والتوسع فيه، يجب أن نعرض أولاً أهم الاتجاهات المعرفية التي تتوافق جوهريًا مع ثلاث مدارس مختلفة وجدت في بواكير التاريخ الإسلامي: أهل الحديث، والمعتزلة، والحنفية.[9] بعد عرض هذه التشعبات الثلاثة، يمكننا أن ننتقل إلى تحليل الآراء المحددة للبخاري في ضوء السياق الفكري الذي نشط فيه.

 

النهج العام: أهل الحديث

يتبع علماء الحديث نهجاً رئيساً في دراسة صحة رواية معينة من خلال معرفة صدق أو كذب الراوي. مما يعني أن علماء الحديث حددوا المجال الأساسي للبحث باعتباره الراوي (المتحدث) نفسه، على النقيض من الرواية (الحديث) أو السامع.[10] يمكن وصف طريقتهم بأنها غير ردية أساسًا لأنها لا تتطلب حجة إضافية من السامع ليثبت صحة الرواية. مما يؤكد هذا التوصيف أيضًا رؤيتهم بأنه يمكن اعتبار الحديث مصدرًا مستقلًا للاحتجاج على أي اعتقاد أو معرفة معينة. لم يستلزموا أن تُعضد الرواية بالقرآن أو ضرورات العقل كشرط في المرحلة المبكرة من التاريخ الإسلامي، على الأقل ليس في القرون الثلاثة الأولى.[11]

يرجع التعداد المبكر لشروط معينة لقبول رواية ما على أنها صحيحة إلى مجموعة من النصوص رواها نقاد حديث مختلفون من القرن الثاني للهجرة. تغطي هذه النصوص خصائص محددة ولا تعطي صورة أكثر شمولية للإطار المعرفي للمصنٍّفين المعنيين. لكن إذا جُمعت هذه النصوص معًا، فإنها تعطي صورة أوسع للمنهج المعرفي الذي تتبعه مدرسة أهل الحديث فيما يتعلق بنقد الروايات.

ربما يمثل مقطع من رسالة الشافعي النص الأشمل الذي يمكن الاعتماد عليه لتتبع التعريف الجينيالوجي، الذي قدمه ابن الصلاح للأحاديث الصحيحة.[12] نص آخر مهم في هذا الصدد يعود إلى عبد الله الحميدى، يذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية.[13] يستند تعريف ابن الصلاح إلى خمسة شروط، ترتبط جميعها بشخصية المتحدث من حيث أهليته الفكرية وصفاته الخُلُقية وصورة اتصال سلسلة الإسناد.

لكن العامل الأهم هو البعد الأخلاقي، والذي يطلق عليه على نطاق واسع مصداقيته[14](ثقة) ويتعلق بشكل أكثر تحديدًا باستقامته (عدالة). بمعنى آخر، إذا اجتاز الراوي اختبار العدالة، تدخل رواياته في نطاق القبول والاحتجاج. يتمثل أحد الاستثناءات المهمة لقبول روايات الرواة العدول فيما إذا تبين أن قدرات الراوي العقلية المتعلقة بالذاكرة والدقة خاطئة كلياً أو جزئيًا أو إذا اتضح أن سلسلة الإسناد منقطعة. اعتبر الجهاز النقدي لعلماء الحديث أن الراوي الذي لديه ذاكرة خاطئة في الغالب هو راوي شديد الضعف ويمكن أن يؤدي ذلك إلى استبعاده من فئة العدول تمامًا. إذاً، تُركّز غالبية الصنعة المعرفية لأهل الحديث على الراوي ومدى تحقق الموثوقية فيه.

لا ينبغي أن تصرف هذه الطريقة المنهجية العامة نظرنا عن التفاصيل التي حدثت خلف الكواليس والتي يمكن وصفها كنوع من نظام خلفي للتقييم.[15] لكي نعرف ما إذا كان راو معين ثقة بالفعل، استخدم علماء هذه الطريقة ما يمكن تسميته دائرة التوثيق الكاشفة يمكن فهم ذلك بشكل أكبر على النحو التالي:

يجب أن يخضع الناقد نفسه الذي نتلقى منه الحكم على راو معين إلى إجراء نقدي من قِبل نقاد آخرين ويجب أن يخضع هؤلاء النقاد الآخرين تبعًا لوظيفتهم أيضًا إلى نوع من النقد الذي هو بدوره خاضع للنقد.

يمكننا تصنيف الأفراد المشاركين في رواية الأحاديث إلى ثلاثة أنواع: أفراد رواة، أفراد نقاد، وآخرون رواة-نقاد.

الفرد الذي يروي فقط هو موضوع المعرفة؛ يخضع شخصه لأحكام مختلفة من نقاد آخرين.

في المقابل، الفرد الناقد فقط، هو الفاعل الذي يقوم بالمعرفة وينقد الآخرين.

أما الفرد الذي يجمع بين الرواية والنقد، فهو موضوع المعرفة بالإضافة إلى كونه الفاعل الذي يقوم بالمعرفة. مما يعني أنه بمجرد نقل الراوي للرواية ندخل في دائرة التوثيق الكاشفة، أعلى مستوى فيها هو التوصل إلى إجماع على حكم فرد معين يكون هو نفسه ناقدًا. في حالة تحقيق هذا الفرد الناقد الإجماع أو قبولات أكثر من نقاد آخرين، فإنه يرتقي إلى مستوى يصعب فيه معارضة أحكامه.

أما أدنى مستوى من الموثوقية، فهو عندما يتم رفض حكم الفرد الناقد في رواية معينة. إذا رُفضت أحكامه أكثر من مرة في روايات أخرى، يعتبر نقده وأحكامه مرفوضة. يمثل نظام التقييم الخلفي دليلاً على أن علماء الحديث لم يكتفوا بقبول أي معرفة يمكن أن يدّعيها متحدث ما مُحتجّين فقط باعتقادهم أنّ المعرفة النقلية مصدر مستقل للمعرفة.

بل إنهم بذلوا جهودًا لضمان صحة الرواية. على هذا النحو، فإنّ السذاجة التي تُنسب أحيانًا إلى الاتجاه غير الردي من قبل أولئك الموجودين على الجانب الآخر من السجال لا تنطبق على مدرسة أهل الحديث.

جملة القول، يمكننا تلخيص منهجية علماء الحديث من زاويتين مختلفتين: منهجهم من الناحية النظرية غير ردي، ومن الناحية التطبيقية، منهجهم هجين.

يتعلق كل ذلك بتحقيق الرواية نفسها. أما بالنسبة إلى معنى الصحة، فإنّ التعريف المقبول عمومًا لدى أهل الحديث يُقيّد الصحة بـ: موافقة الرواية للواقع[*] سواء أكانت تلك الرواية توافق اعتقاد الراوي أم لا.[16] لذلك، لكي يتم وصف رواية بأنها صحيحة، يجب ألا تتوافق فقط مع اعتقاد المتحدث، بل يجب أيضًا أن توافق الواقع نفسه. بمعنى آخر، لا يمكن أن يكون هناك تناقض بين ضرورة الواقع ومضمون الرواية. على سبيل المثال، إذا نقل شخص ما أن الأرض فوقه، مع اعتقاده حقًا أنّ الأمر كذلك، فإنه لا يزال ينقل باطلاً لأن روايته تتعارض مع الواقع. نظرًا إلى أن هذا الرأي يشترط أن تتوافق الرواية مع الواقع بغض النظر عما إذا كانت توافق اعتقاد المتحدث أم لا، فإنه يتطلب شيئًا أكثر من مجرد قبول بسيط للمعرفة النقلية. من وجهة النظر هذه، يمكن وصف منهج علماء الحديث بأنه هجين.

 

فِرق خاصة: المعتزلة والأحناف

تعود السجالات المبكرة حول نقد الحديث إلى المناظرات التي جرت بين المعتزلة والحنفية، سواء التي جرت بين بعضهم البعض أو مع مدرسة أهل الحديث. ربما كان أكثر المواضيع الجدلية بروزًا في التاريخ الإسلامي المبكر هو القوة البرهانية أو الموثوقية (حُجيَّة) لخبر الواحد. سيساعدنا هذا السجال المحدد بشكل كبير في فهم الشروط المعرفية التي تتطلبها كل مجموعة.

كما سنناقش أدناه، فإنّ المنهجية الدقيقة للمعتزلة المتعلقة بالروايات قابلة للتأويل. إلا أنّه من خلال قراءة نصوص معارضيهم، نصل إلى تصور معين لما كان عليه منهجهم. بذلك يكون من المفيد أن نبدأ من هناك. نجد في النصوص الأولى لأهل الحديث التوصيف العام لمنهج المعتزلة من حيث قبولهم أو رفضهم للروايات، حيث يستندون إلى فكرة: أنّ الراوي الواحد غير كافٍ لقبول الروايات.

لقبول الرواية، يجب أن يوجد ما لا يقل عن راويين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو عشرين.[17] بغض النظر عن العدد، تتفق هذه النصوص في توصيفها لمنهج المعتزلة بأنه نهج يشكك في الروايات، أو على الأقل يشكك في الراوي الواحد. يعني هذا على نطاق أوسع أنه لقبول المعرفة النقلية كمصدر مستقل للمعرفة، يجب أن يعضدها راوي آخر.

أحد مجالات الغموض التي ظهرت هو: ما المقصود بالضبط من اشتراط راوي آخر. ظهر تأويلان محتملان:

  • التأويل الأول: المحتمل هو أنه في كل طبقة من سلسلة الإسناد يوجد على الأقل راويان. بمعنى آخر، يوجد راويان في الطبقة الأولى ويسمع راو واحد من كل من هذين الراويين الراوية وينقلها.
  • يرى التأويل الآخر المحتمل أن المقصود هو متوالية هندسية (متسلسلة)، بحيث أنه في كل طبقة من سلسلة الإسناد، يجب أن يسمع شخصان الرواية من كل راو وهكذا دواليك. مما يعني أنه في الطبقة الثانية هناك أربعة رواة وفي الطبقة الثالثة ثمانية رواة وهلم جراً. لا يوجد نص واضح من المعتزلة أنفسهم أو من أهل الحديث يدل على أحد التأويلين المحتملين كشرط لقبول الروايات.

على أي حال، فإنّ الشرط الأساسي للمعتزلة، بناءً على نصوص أهل الحديث ونصوص الحنفية (أهل الرأي)، هو تعدد الرواة. يمكن وصف هذا الموقف المعرفي للمعتزلة بأنه هجين فيما يتعلق بمسألة الرد. هم لا يكتفون براو واحد لقبول الرواية، بل يلزمون السامع بأن يطلب نفس الرواية من مصدر آخر. باعتبار هذا الطريق الثاني أيضًا نفسه رواية، فإنهم يتفقون مع أهل الحديث في اعتبارهم المعرفة النقلية مصدرًا مستقلًا للمعرفة أو المعتقد. وبالتالي، فإنّ السامع محق في الإستناد إلى المعرفة النقلية فقط وليس ملزماً بطلب حجة غير نقلية. إلا أنهم مع ذلك يطلبون من السامع شيئًا أكثر من مجرد قبول الرواية من خلال اشتراط راوِ ثانٍ على الأقل. يتطابق هذا الجهد الإضافي والتعقيد مع ما أطلقنا عليه وصف هجين.

لكن إذا درسنا نصوص المعتزلة أنفسهم، سنجد أنّ هذا الشرط جزءٌ من نظام أكثر تعقيدًا. السياق الخلفي هو أنّ خبر الواحد، حتى عندما يكون مدعومًا برواية أخرى، لا يمكن قبوله كمصدر مستقل للمعرفة إذا تعارض مع الأصول الجامعة الأولى لعلم الكلام.[18] لتوضيح هذه النقطة بشكل أكبر، إذا تعارض حديث الآحاد مع أي من الأصول الجامعة الأولى لعلم الكلام: التوحيد والعدل، فلا يُعتبر هذا الحديث حجة حتى لو كان مدعومًا برواية أخرى. حتى لو وصل الحديث إلى مستوى من النقل الجماعي (التواتر)، فإنّ المعتزلة يوظفون حينئذ تفسيرًا مجازيًا بحيث يتوافق مع كل من أصليهم الأولين. لذلك، يتضح من نصوصهم أنهم لا يهتمون بعدد الروايات كما هو مذكور في كتب خصومهم بقدر اهتمامهم بمتن الروايات التي لا تتعارض مع أصولهم اللاهوتية.

بالنسبة إلى المعتزلة، يتمثل دور الروايات في زيادة التأكيد على معنى الأصلين. بالتالي، يمكن التحقق من الرواية النبوية الصحيحة بعرضها على هذين الأصلين. لذلك، إذا تعارضت رواية ما مع تلك الأصول الأساسية الأولى، فلا يمكن قبولها لأن حجيتها مشروطة بعدم تعارضها مع الدليل الأقوى، أي الأصول العقلانية الأولى المذكورة.

عنصر آخر مهم متعلق بمنهجية تحقق المعتزلة هو افتراضهم سوء الظن بالرواة عمومًا.[19] على سبيل المثال، كتب المعتزلي أبو القاسم البلخي في مقدمة كتابه: قبول الأخبار ومعرفة الرجال، “… خفت عليك أن تجاوز الحد في حسن الظن بأخبار كثير من المنتسبين إلى الحديث”، ويختتم الفقرة بقوله: “… وتعلم أن من الواجب اللازم التثبت، وتقديم سوء الظن”.[20] يوضح في المقدمة أنه ألف هذا الكتاب كأداة لمن ينتسبون إلى مدرسته اللاهوتية. جمع بداخله معلومات يمكن أن يستخدمها هؤلاء المنتسبين ضد بعض أهم علماء الحديث في الجانب الآخر من الطيف اللاهوتي.

بينما يعتقد المعتزلة أن الإدراك الحسي والعقل هما مصدران مستقلان للمعرفة، فإنّ رؤيتهم لوظيفة الرواية هي أنها تُستخدم في دعم الحجج المنطقية المستخدمة في علم الكلام. باختصار، منهج المعتزلة مبني على أسلوب الشك في الروايات، وسوء الظن بالرواة، والحكم المعرفي المسبق على المتن الذي سيقبل، فضلًا عن تفضيل البراهين العقلية الإثباتية على الرواية. بناءً على هذه النتيجة، يمكن وصف مدرستهم على أنها ردية وليست هجينة، على النقيض مما وجدنا عليه وصف مدرستهم في كتب السنة.[**]

بالإضافة إلى الاختلافات المذكورة أعلاه، فإن معنى الكذب في نصوص المعتزلة يختلف أيضًا عن فهم أهل الحديث لأنهم اعتبروه متعلقًا فقط باعتقاد المتحدث فقط على النقيض من موافقته للواقع.[21] بذلك، تعتبر الرواية منكرة/خاطئة/كاذبة إذا كان ما يرويه الراوي يتعارض مع اعتقاده. وبحسبهم، إذا روى شيئًا يتعارض مع الواقع ولكنه يوافق معتقده، فإن روايته لا تزال تقع في نطاق الصحة. في هذه الحالة، سيتم وصفها بأنها خطأ وليس تصنيفها على أنها كذب. فمثلاً إذا روى أن الأرض فوقه وهو يؤمن بذلك فعلاً، فإن روايته يمكن أن تنتج علمًا عند السامع، ولا يلزم السامع أن يبذل جهدًا إضافيًا للتأكد من أنّ الخبر يوافق للواقع.

من خلال نصوص الحنفيين نجد أن الفترة التي أعقبت تلاميذ الإمام أبي حنيفة يمكن تصنيفها إلى مجموعتين: الأولى هي المجموعة التي اتّبعت أبي الحسن الكرخي، ويمكن اعتبار أنها تتبع أهل الحديث عمومًا، فيما يتعلق بالتناول المعرفي للروايات. أحد المحاذير المهمة هي أنهم طلبوا خطوة إضافية للاحتجاج: التأكد من أن شهادة الراوي الثقة لا تتعارض مع نص القرآن. إذا تعارضت، فإن النتيجة بالنسبة لهم هي رفض الرواية.[22] هذه الخطوة الإضافية، على الرغم من أنها تتطلب مزيدًا من الأدلة، لا تُقصي المنهجية من الاتجاه غير الردي نظرًا لعدم وجود شرط لتحقيق المعرفة أو الاعتقاد بأي شيء خارج نطاق الرواية نفسها. في الواقع، إضافة هذا الشرط هو بمثابة دفاع ضد أي اتهامات بأنها صيغة ساذجة أو بسيطة من عدم الردية لأنها تعتبر الروايات ثانوية بالنسبة للقرآن الذي وصلنا بالتواتر. يستلزم هذا أن التواتر هو المصدر المعرفي الأساسي الذي تعتمد عليه هذه المجموعة وأن روايات الآحاد لها حجيّة إذا لم تتعارض مع النص المنقول بالتواتر. مثل المعتزلة، وضعوا شرطًا أو ضابطًا لرواية الآحاد، مقارنتها بمصدر آخر للمعرفة. في الحالة السابقة كان هذا المصدر مبادئهم اللاهوتية وبالنسبة لهذا القسم الفرعي من الحنفية، فهو تواتر القرآن. بذلك، يمكننا وصف هذه المجموعة بأنها هجينة لأنها لا تعتبر نصوص الحديث قوية بما يكفي لتُنتج معرفة بمفردها دون اجتياز هذا الاختبار المقارن أولاً.

أما المجموعة الثانية من الحنفيين، فتبعوا عيسى بن أبان تلميذ محمد بن الحسن الشيباني. اعتبرت هذه المجموعة روايات الآحاد فقط كمصدر مستقل ومنفصل للمعرفة في الفقه إذا كان الراوي فقيهًا عدلاً.[23] ومن ثم يعتمد أسلوبهم المعرفي على جزأين: متن الرواية ومعرفة الراوي فيما يتعلق بمتن الرواية. لكن إذا روى الراوي العدل غير الفقيه متناً يتعلق بمضمون فقهي يتعارض مع القياس الفقهي، ولم يكن هناك مجال للتفسير المجازي، يُرفض المتن.[24]

لا يمكن وصف هذه الطريقة بأنها غير ردية لأنها لا تكتفي برواية الراوي كمصدر أساسي مستقل للمعرفة، بل إنها تضيف شرطًا آخر؛ أن يعرف الراوي متن الرواية. بعبارة أخرى، هذا رأي هجين يرى أن الرواية قادرة من حيث المبدأ على إنتاج المعرفة بشكل مستقل. لكن المعرفة الفقهية لهذه المجموعة لا تقتصر في جوهرها على الرواية، بل هي عملية تشمل العقل والقياس. النتيجة هي أن الأفضلية تعطى للدليل المستند إلى العقل وليس ذاك المبني على الرواية فقط. لذلك يمكن وصف منهج ابن أبان بأنه منهج ردي معتدل لأنه يقبل رواية الراوي الذي يعرف متن الرواية ولكنه يشك في رواية الراوي الذي لا يعرف متن الرواية إذا كانت تتعارض مع القياس الفقهي.

 

البخاري

لا نملك نصاً كاملاً وواضحاً من البخاري يبسط فيه معاييره المعرفية لقبول الرواية. لكن يمكننا تتبع واستخلاص منهجه من خلال الروايات التي رواها، وكذلك من خلال قبول نقاد حديث آخرين لمتنه، ومن خلال النصوص الجزئية التي وصلتنا عنه كما سنرى فيما بعد. القصد من وراء ذكر البخاري في هذا القسم من الدراسة هو موضعته ضمن السجالات المعرفية الأوسع التي دارت في بواكير التاريخ الإسلامي. سنبحث في معاييره التفصيلية فيما بعد في الدراسة.

يحظى البخاري بالقبول على نطاق واسع كناقد وجامع للروايات الصحيحة باتباع منهج أهل الحديث. لذلك، تماشياً مع منهجهم العام، فإن العنصر الأساسي في منهجه هو عدالة الراوي بدلاً من عدد الرواة. علاوة على ذلك، ينصب التركيز على الراوي بغض النظر عن متن الرواية، حتى لو كانت الرواية ذات طبيعة لاهوتية أو فقهية. مما يعني أيضًا أنه لا يستلزم الشروط الأخرى المذكورة سابقًا، مثلاً أن لا تتعارض الرواية مع روايات أخرى، سواء كانت قرآنية أو من المجموعة الحديثية الواسعة. ولا يشترط ألا تتعارض الرواية مع المعرفة الفقهية أو اللاهوتية. إذاً، فإنّ نظامه المعرفي غير ردي بطبيعته لأنه يرى الرواية كمصدر منفصل ومستقل للمعرفة يمكننا من خلالها تحقيق المعرفة. لسنا ملزمين بالبحث عن أدلة سوى الرواية مثل البراهين العقلانية أو الإدراك الحسي كشرط لتحقيق المعرفة.

إلا أن هذا التوصيف الأولي لمنهجه سيتغير تدريجيًا إذا فطنا إلى مجموعة من العوامل، أهمها شخصية البخاري نفسه. لم يكن البخاري مجرد راوي لبعض روايات الآحاد، بل روى كتبًا كاملة تغطي موضوعات واسعة ومتكاملة مثل صحيح البخاري (محور هذه الدراسة)، أو كتابه الأدب المفرَد، بالإضافة إلى تأليف كتب أخرى تناولت مواضيع محددة ومتنوعة. كان البخاري ناقدًا أيضًا، فقد ضمّن آرائه في العديد من المؤلفات ذات الأحجام المختلفة كما نجدها على سبيل المثال في كتابه التواريخ، وكلها تتضمن نقد الرواة. إذاً، يمكن وصف البخاري بأنه راوي – ناقد لأنه روى الروايات واستخدمها في جمع أعمال واسعة ومتكاملة مثل الصحيح وقام بنقد الرواة كذلك. سمع من بعض هؤلاء الرواة مباشرة ولم يسمع من بعضهم الآخر بشكل مباشر. أدخل بعضهم في صحيحه وآخرين كانوا أسماء ذكرهم في كتب أخرى. يستلزم كل هذا أن البخاري كشخصية يشكل جزءاً من دائرة التوثيق الكاشفة التي تؤكد أحكامه وانتقاداته تأكيدًا قويًا للغاية. بكونه جزءًا من هذه الحلقة الإيجابية، فضلاً عن قبوله نظام التقييم الخلفي، نجد أنّ منهجه مع كونه غير ردي عمومًا، إلا أنه هجين فيما يتعلق بالتطبيق لأنه يتطلب تحققًا إضافيًا. هذا التحقق الإضافي يذب عنه الاتهامات بالسذاجة التي غالباً ما ترتبط بعدم الردية المتطرفة.

 

البخاري: معاييره والأسس المعرفية للروايات

الغرض من هذا القسم هو تحليل معايير البخاري معرفيًا، ومن ثم تقييم موضع منهجه في النطاق الذي قدمته نظرية المعرفة النقلية المعرفية. علاوة على ذلك، فإن الهدف هو تقييم ما وصفه البعض بالضعف في منهجه وتقييم الإضافات المعرفية الدقيقة التي وظفها منهجه والتي ربما تكون قد فاقت المدارس المعرفية المختلفة الأخرى. أملاً في تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه، سيغطي هذا القسم ثلاثة أقسام فرعية: شخصية المؤلف، وعنوان الكتاب، ومعنى كلمة شرط “معايير”. فيما يتصل بمصطلح “معايير”، سنحلل مختلف النظريات المتعلقة به، وكذلك الأمثلة التطبيقية من الحديث الذي أدخله هو والذي أصبح موضع خلاف بين نقاد الحديث.

 

1: شخصية المؤلف

ذكرنا أنه في الفترة المبكرة من نقل الحديث، يمكن تصنيف الأفراد المشاركين في واحدة من ثلاث فئات: راوي، ناقد، أو راوي – ناقد. جمعت شخصية البخاري بين كونه راويًا وناقدًا. في هذين الدورين، الرواية والنقد، لم يقصر البخاري نفسه على ما هو موجود في صحيحه، بل جمع كتباً أخرى حيث عُني بالرواية والنقد، مثل كتابه، الأدب المفرد. بالإضافة إلى ذلك، شمل نقده للراوة شيوخه وشيوخ شيوخه ومن سبقهم في سلسلة الإسناد سواء وجد هؤلاء الرجال في صحيحه أو في كتب أخرى من المجموعة الحديثية. الأهم من ذلك، يعني هذا أننا نتحدث عن شخص متمكن جدًا بالدراسات الحديثية ، يتقاطع منهجه على مستويات مختلفة ومن وجهات نظر مختلفة. لذلك، من أجل فهمه ومنهجه، يجب أن نقارن ونقابل بين ما رواه في صحيحه وما رواه خارج الصحيح، وأن نقارن ونقابل نقده للرواة في الصحيح مع نقده للرواة خارج الصحيح.

بالنظر إلى هذه الخصائص المهمة للبخاري، يمكن وصف منهجه بأنه يستخدم ما أسماه (Lehrer) أولاً، “نظام تقييم خلفي”.[25] يحفظ هذا النظام الخلفي منهجه من اتهامات السذاجة والضحالة التي تقع المنهجيات غير الردية الأكثر تطرفًا ضحية لها.[26] وإنما يمكن وصف منهجه بأنه يتطلب أدلة إضافية وحجة لتحويل رواية ما إلى علم أو اعتقاد. يستخدم ما يمكن تسميته حلقة تفاعلية أو كما يصوغها (Lehrer)، “دائرة التوثيق الكاشفة”.[27]

وفقًا لـ (Lehrer)، فإنّ الموثوقية هي إجراء إضافي يتجاوز المراحل المبكرة من الطفولة حيث يقبل الطفل بسذاجة كل ما ينقل إليه. بالتالي، من خلال استلزام طلب الموثوقية، تتجنب المنهجية الاعتراضات والتوصيفات بأكثر التعبيرات الساذجة تطرفًا لغير الردية التي لا تلقي أي مسؤولية على السامع.[28] يقدم (Lehrer) عددًا من الأمثلة التي ينوي فيها المُخبر أن يكذب عن عمد بسبب علمه المسبق بأن السامع سيكذب بشأن الرواية، وبالتالي يكذب بحيث تكون النتيجة النهائية هي أن ينقل السامع بخلاف ما سمعه. نتيجة هذه الأمثلة هي أن مضمون المعرفة النقلية صحيح. السبب في تركيز المؤلف على هذه الأمثلة هو إظهار أن التركيز الفردي على المخبر، أو السامع، أو المحتوى وحده، ليس كافياً. بدلاً من ذلك، يقدم الحل الذي يأخذ بعين الاعتبار الأحداث والمسببات، وهو ما يُعرف في الدراسات الحديثة بدراسة العيوب الخفية، العِلل.

يمثل هذا الحل نتاج إجراء الموثوقية نتحقق من خلالها من عدالة الراوي. عدالته لا تعني كماله أو عصمته من الخطأ.[29] يتطلب إجراء الموثوقية شرطين:

  • أن يكون الراوي عدلاً.
  • وأن يكون الحكم المتعلق بعدالته صحيحًا.

الشرط الثاني هو جزء أساسي من أي حكم معين بما أنه يمكن لكل ناقد أن يقول إن حكمه على أي راوي معين صحيح. إن حل هذا الاعتراض هو ما يسميه (Lehrer)، اتفاق ذاتوي بيني.[30] بمعنى آخر، موافقة جملة النقاد على هذا الحكم. لا يحدث هذا إلا من خلال حلقة تفاعلية[31] تستلزم: أن تكون أحكام الناقد نفسها خاضعة للنقد من قبل نقاد آخرين، وأن يخضع نقدهم أيضًا للنقد من قِبل بعضهم البعض.

تُسفر هذه الحلقة عن مبادئ أساسية من بينها:

  • يكون الناقد عدلاً في قبوله روايات الآخرين فقط إذا كان عدلاً في تقييمه لهم.
  • يكون الناقد عدلاً في تقييمه الآخرين فقط إذا كان عدلاً في تقييمه الآخرين بناءً على تقييم الآخرين لقدرته على التقييم.[32]

باختصار، تنص نظرية الحلقة التفاعلية على أنّ الناقد لا يكون عدلاً إلا في حالة خضوعه وتقييماته للتقييم من قبل الآخرين. بهذه الحلقة يمكننا تسويغ الاعتماد على الرواية كمصدر مستقل للمعرفة. ونتفادى من خلالها اتهامات السذاجة التي غالبًا ما توجّه ضد الأشكال المتطرفة من عدم الردية. إن توصيف عدم الردية بالقبول الطفولي لجميع الروايات المطروقة على أذن السامع ينطبق فقط على الأشكال المتطرفة من عدم الردية التي لا تتطلب أي عملية إضافية من الاحتجاج أو التحقق.

يمكن أن يساعدنا نظام التقييم الخلفي على فهم أفضل لجوهر باكورة نقد الحديث على نطاق أوسع وكذلك على فهم سبب تفوق البخاري على الآخرين في الفترة المبكرة من النقل على وجه التحديد. يُعيننا على فهم سبب تفضيله على رواة ونقاد وراوة-نقاد آخرين بشكل أفضل.[33] في أي سياق معين، إذا كان الناقد سيطلق حكمًا على أي رواية معينة أو على أي ناقد معين، فيفترض أن يخضع شخصه للحلقة التفاعلية. لكن، إذا كانت هذه الحلقة غير موجودة في أي مجتمع معين، فيمكن القول بأنّ أدوات الاحتجاج المعرفي لهذا المجتمع طفولية وساذجة. أما إذا كانت الحلقة التفاعلية موجودة، فإن حجم الحلقة وعمقها هو دليل على حجم وعمق أدوات الاحتجاج المعرفي للمجتمع. الحقيقة التاريخية هي أن المكتبة النقدية للحضارة الإسلامية (كتب الرجال) تمثل على الأرجح أكبر قسم في مكتبة التاريخ الإسلامي الأوسع. نادراً ما تغفل المكتبة عن راوٍ، ناهيك عن ناقد.

تعتبر مؤلفات البخاري نفسه بمثابة أحد الأجزاء التأسيسية لهذه المكتبة الضخمة. لن نبالغ إذا ادعينا أن شخص البخاري ورواياته ونقده يشكل جزءًا كبيرًا من الحلقة التفاعلية. يتضح هذا جليًا إذا اعتبرنا أقرانه ومن عقبهم. سواء في المجموعة النقدية (كتب الرجال، الجرح والتعديل، الطبقات) أو في مجموعة الأحاديث المروية (المستدركات، المستخرجات، الجامع بين الصحيحين) أو مجموعة المصطلحات التقنية (كتب أصول الحديث) نجد أنه كفرد، دُرس بعناية شديدة ويلعب دورًا أساسيًا.

لا تهدف هذه الدراسة إلى شرح المصطلحات الخاصة التي استخدمها البخاري في نقده، مثل “سكتوا عنه” أو “تركوه” أو غيرها من مصطلحات النقد.[34] إلا أنه في ضوء إجراء الدراسة تحليلاً معرفيًا، نرجو أن تساعد في تفسير بعض الأسباب التي جعلت معايير البخاري تفوق غيرها، وكذلك مدى صحة تقييمه للروايات والنقاد الآخرين. يمكن تقييم ذلك بدقة من خلال دراسة مدى كون البخاري جزءًا من هذه الحلقة التفاعلية ومدى قبول أحكامه من قبل معاصريه ومن جاء بعده. وكذلك يمكن تقييمه بدراسة مدى قبوله لنقد الآخرين لرواياته أو لروايات الآخرين أو للرواة في أسانيده أو للرواة في أسانيد الآخرين. رفض النقاد الآخرون لأية نقد، أو رفض الشخص لتقييم الآخرين لنقده ينتج عنه إمكانية استبعاد هذا الناقد من حلقة الاتفاق الذاتوية البينية. إذا تكرر ذلك سواء من النقاد الآخرين أو من الناقد نفسه تجاه تقييمهم لنقده، فمن المؤكد أنه سيتم استبعاده من الحلقة. النتيجة هي أن أحكامه النقدية لم تعد لها أية أهمية، أو يُنظر إليها على أنه له محاذير كبيرة، أو متساهلة للغاية.[35]

هذا بالضبط ما حدث في المجموعة الإسلامية النقدية حيث نجد وصف مجموعات من النقاد بالتساهل الشديد والبعض الآخر بأن له محاذير كبيرة أو يُستبعد من الحلقة بسبب مشاكل مرتبطة بأخلاقهم أو عقيدتهم. وبالمثل، أي نقد يقبله نقاد آخرون وأي نقد يقبله ناقد من نقاد آخرين بشأن تقييمه الخاص يرفع رصيد النقاد المذكورين في حلقة التحقق. تكرار هذا القبول في الاتجاهين بين الناقد وغيره من النقاد عدة مرات ينتج عنه انتقال الناقد إلى طليعة المعنيين في هذه الحلقة وتكتسب جميع أحكامه صفة العدالة. هذا بالضبط ما حدث مع البخاري، الناقد الراوي، سواء فيما يتعلق بالصحة العامة لجميع أحكامه في النقد أو عدالة اصطلاحاته النقدية.[36] الهدف هنا ليس تقديم عدة أمثلة على هذا الإجراء، وإنما الهدف هو تحديد مكانة البخاري في هذه الحلقة، وكذلك معرفة سبب الدقة الرفيعة لشروطه معرفيًا.[37]

كمثال على ما تقدم، يمكن أن نستعرض على سبيل المثال ما قاله ثلاثة من أهم النقاد المعاصرين للبخاري عنه وعن رواياته. روى ابن حجر رواية قال فيها أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: (لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي ابن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: “والقول فيها [الأحاديث الأربعة المذكورة] قول البخاري. وهي صحيحة”.[38] يمثل هؤلاء الأفراد الثلاثة دائرة الخبراء النقديين الأدق في عصر النقل الأول، ولا سيما عصر البخاري. يعتبر كل من أحمد بن حنبل وعلي بن المديني من الراوة-النقاد الذين كانوا على دراية كبيرة بالعلل الخفية (المجال المرتبط بالمسببات). بالإضافة إلى ذلك، وضع ابن المديني أحد أهم القواعد المعرفية في الجهاز النقدي الذي يستخدمه علماء الحديث، “الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه”.[39] يمكن وصف هذا الأثر بأنه صيغة متطرفة من تحقيق المعرفة النقلية ضمن النطاق المعرفي للمعرفة النقلية لأن مناصريه لا يكتفون برواية آحاد واحدة، بل يستلزمون مقارنتها بجميع الروايات الأخرى حتى يتم الحكم عليها بأنها صحيحة وخالية من العلل الخفية.

أما يحيى بن معين، فكان ناقدًا بالدرجة الأولى. تركزت معظم مؤلفاته حول تحقيق الرواة الآخرين، ومضمون ما رووه، وتحقيق نقد النقاد الآخرين. وُصفت شخصيته بأنها صاحبة الرأي الأكثر صرامة في أحاديث الرواة العدول في القرون الثلاثة الأولى.[40] مع ذلك، ففي بعض الروايات ما يدل على أن ابن معين نفسه يتبع البخاري فيما يعرفه.[41] فضلاً عن ذلك، إذا قارنا ما رووه هؤلاء الثلاثة والأحكام النقدية التي تبنوها، مع روايات البخاري والأحكام النقدية التي تبناها، فنجد أن البخاري وصل إلى مستوى أعلى من القبول من حيث أحكامه واتساقه وعدالته.[42] بناءً على ذلك، يمكننا أن نفهم سبب تفضيل العقيلي لرأي البخاري في الأحاديث الأربعة التي ذكرها هؤلاء النقاد الثلاثة، ناهيك عن صحة كتابه.[43]

 

معنى العنوان المعجمي[44]

عنوان كتاب البخاري حسب المخطوطات المتوفرة هو، “الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه”.[45] يوجد أيضًا عنوان مختلف في مخطوطة اليونيني يتضمن الكلمات نفسها، لكن بترتيب كلمات مختلف، “الجامع الصحيح المختصر المسند”.[46] على الرغم من أن ترتيب الكلمات قد يساعدنا في تحليل معايير ومنهجية البخاري المعرفية، إلا أننا سنركز على النقطة الأكثر أهمية فيما يتعلق بالمعاني المعجمية للكلمات الواردة في العنوان.

شق البخاري طريقًا جديدًا عندما شرع بجمع صحيحه. لقد عالج الأمر بطريقة مختلفة جوهريًا عما أصبح عُرفًا في المجموعة الحديثية. في تلك المرحلة من التاريخ، سيطر على المجموعة إما كتب السنن، التي صَنفت الروايات وفقًا للفصول الفرعية للأحكام، أو كتب المسانيد، التي صنفت الروايات وفقًا لأسماء الرواة. وإنما قرر البخاري تصنيف كتابه وفقًا لجميع الأقسام الرئيسة للدين. وَصَلَنا أيضًا من سيرته الذاتية أنه جمع الكتاب على مدار 16 عامًا على فترتين. الفترة الأولى أمضاها في المدينة المنورة في المسجد النبوي والثانية توزعت على أراضٍ أخرى مختلفة.[47]

من خلال دراسة الأحاديث الموجودة في الجامع ومقارنتها مع بعضها البعض، نستنتج أن الفترة الأولى، في المدينة المنورة، كانت فترة بنائية لمؤلَّفه. خلال هذه الفترة، رسم خريطة لما سيتم إدخاله في جامعه من حيث الأجزاء الأساسية للدين. توصل إلى تضمين العقائد والأحكام والآداب والتاريخ والمناقب والفتن كل في فصل خاص، ثم قسمهم إلى فصول فرعية مختلفة مع المحافظة على اتصال بالهدف النهائي لجامعه.

بعد المرحلة الأولى من تحديد الفصول الأساسية والفرعية، أخذ البخاري يملأ الأحاديث المختلفة، كل حديث في مكانه المناسب وفقًا لمضمون المتن. كان في بعض الأحيان يوزع الحديث على عدة فصول، وأحيانًا يقصر الحديث، وأحيانًا يعرضه بالكامل. كما أنه في أحيان أخرى كان يكرر حديثًا من أجل لفت الانتباه إلى نقطة مهمة في سلسلته الإسنادية أو في مضمون الرواية نفسها. دُرس كل ذلك في الكتب المختلفة التي تحلل المنهجية التي وظفها البخاري في صحيحه.[48] يساعدنا هذا التصور للإطار الزمني والمنهج الذي استخدمه البخاري على فهم بعض نقاط الخلاف التي تم تداولها فيما يتعلق بالجامع. على سبيل المثال، بعض عناوين الفصول لا يندرج تحتها أية حديث. حتى أن هذا النوع من الإشكالات دفع بعض الكَتَبة الذين يعملون على المخطوطات إلى الاعتقاد بأن هناك شيئًا ما مفقودًا وبدأوا يملأونه بأنفسهم[***] وفقًا لما ذكره ابن حجر.[49]

إذا كان هذا التصور لصنيع البخاري في جمعه الكتاب صحيحًا، فإن منهجه يتميز بعنصر ردِّي، لأنه ينطوي على درجة ما من الحكم المسبق. لقد تصور البخاري بالفعل ما يجب أن يكون عليه محتوى الكتاب، ويتوافق هذا المحتوى مع مفهومه الخاص للدين. لذلك، لعبت نظرة البخاري إلى العقيدة والفقه في الدين دورًا في جمعه للأحاديث الموجودة في كتابه. وهذا ما يُشار إليه أحيانًا في الأثر المشهور: “فقه البخاري في تراجمه”.[50]

لم يُدخل البخاري جميع الروايات التي سمعها في جامعه، بل شمل الروايات التي يتوافق مضمونها مع تصوره واتجاهه الفكري.[51] يدعم ذلك أيضًا استخدامه لكلمة “مختصر” في العنوان. كما تؤكد هذه النقطة أيضًا روايات نُقلت عنه تشير إلى اختياره روايات معينة من ضمن عدد أكبر بكثير من الروايات التي حفظها وكذلك اختياره روايات من ضمن عدد أكبر من الروايات التي كانت مشهورة ومصححة في عصره وزمنه.[52] لا يكفي كل هذا لوصف منهج البخاري بالرد فعلاً لعدم وجود أي نص واضح نُقل عنه حيث يرفض حديثًا لتعارضه مع تصوره الفقهي كما نجد في مدرسة ابن أبان. ولا يوجد نص واضح نُقل عنه يرفض فيه نصًا لتعارضه مع عقيدته كما رأينا عند المعتزلة. إنما الشيء الوحيد الذي يمكننا قوله هو أنه اختار من مجموعة الروايات الصحيحة ما يناسب عناوين فصوله.[53] بناءً على هذه المعلومات يمكننا وصف منهجه على أنه مزيج بين الاتجاهين بما أنه اختار ما يوافق عناوين الفصول المحددة مسبقًا بينما لا يزال يعتقد بأن الرواية هي مصدر مستقل للمعرفة والاعتقاد.[****]

يشير المصطلح الثاني في العنوان إلى أن البخاري اختار من مجموعة أحاديث عصره الأحاديث المسندة فقط. بعبارة أخرى، فإن مجموعة الأحاديث حتى عصره تضمنت أحاديث مرفوعة إلى رسول الله ﷺ وغير مرفوعة. في حين أنه لا يزال السجال مستمر حول إدخاله الروايات غير المسندة في صحيحه، مثل المعلقات (الروايات المعلقة)، والموقوفات (روايات الصحابي)، والمراسيل (روايات سقط منها الصحابي)، إلا أن هذا لا يؤدي إلى وصف منهج البخاري بكونه ردي في طبيعته. لأن البحث عن سلسلة الإسناد لا يعتبر عنصراً أساسيا في سجال الرد وعدم وعدم الرد. إنما يمكن وصفه بأنه إجراء إيجابي إضافي يتضح من خلاله ارتباط الراوي بمضمون الرواية عبر الإدراك الحسي. لذلك، فإن منهج البخاري هو نموذج هجين على عكس بعض المدارس الإسلامية الأخرى التي قبلت تمامًا الروايات المرسلة والمنقطعة.

[54] في الواقع، يرجع إدخال البخاري للروايات غير المسندة في صحيحه لأسباب مختلفة ذكرها النقاد الذين درسوا الكتاب. تتضمن بعض الأسباب المذكورة ما يلي: لإبراز علة خفية، ظهور الرواية بعنوان يناقض المحتوى الأساسي للباب، أو استخدامها فقط للإشارة إلى صيغة مركزية وردت في مكان آخر.[55] على هذا النحو، يجب تناول تحليل إدراج البخاري للروايات غير المسندة من منظور المجال الفرعي للعلل الخفية[56] وليس من منظور احتمال تعارض مثل هذا الإدراج للروايات مع منهجه المعرفي. بالتالي، يمكننا تصنيف الروايات الموجودة في الصحيح على أنها تلك التي أدخلها البخاري من منطلق منهجه المعرفي كراوي، والتي أضافها من منطلق منهجه المعرفي كناقد.

يوضح المصطلح الثالث في العنوان منهجه – كما رأينا سابقًا – أنه اختار روايات من مجموعة الحديث. استند اختياره إلى جزأين أساسيين: روايات مسندة وصحيحة. كان اختياره للروايات الصحيحة من منظورين: الأول: روايات صحيحة مشهورة في عصره. المنظور الثاني: روايات صحيحة حفظها البخاري بنفسه. مما يعني أنه يمكننا أن نجد روايات صحيحة خارج صحيح البخاري في كتبه الأخرى أو في كتب أخرى تتبع إلى جامعي السنة الآخرين المختلفين.[57] الأهم من ذلك، أن اختياره لبعض الروايات الصحيحة يشير إلى غرض معين وتمييز للروايات المذكورة بما يستند إلى منهجه المعرفي.

يُفهم المصطلح الرابع والأخير في العنوان، المختصر، من المصطلحات الثلاثة الأخرى التي سبق دراستها، وهي: الجامع، والمسند، والصحيح. الخطوة التالية هي تحليل منهجه المعرفي في ضوء كل ما تم ذكره.

 

معنى مصطلح (شرط) واستخداماته:[58]

لم تقصر الدراسات الحديثية، سواء في الفترة المبكرة أو اللاحقة، استخدام مصطح شرط على معنى واحد حتى يمكن التعبير عنه بعد ذلك بتعريف محدد. إلا أن نقاد الحديث استخدموا هذا المصطلح، وخاصة في الفترة اللاحقة. لعل أدق تعريف للمصطلح من حيث معناه اللغوي والهدف من استخدامه، هو ما نجده في كتب الأصول: ما يعتمد عليه الحكم في العدم وليس في الوجود. بعبارة أخرى، ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.[59] إذاً، من حيث محور اهتمام هذه الدراسة، فإنّ شرط أي ناقد معين، سواء كان صريحًا أو ضمنيًا، إذا لم يكن محققًا في رواية معينة، فلا يجب إدخالها. لكن هذا لا يعني أن جميع الروايات التي ينطبق عليها الشرط يجب أن تدخل بالضرورة في جامعه.[60] هذا يعني أن منطق الاستدراك في الشروط لا يسري في حين أن منطق التتابع يسري لأنه يُسفر عن تناقض بين الرواية والشرط.[61]

أهم الأعمال من الكتب التي درست شروط مختلف نقاد الحديث بطريقة مباشرة: شروط الأئمة الستة، لمحمد بن طاهر المقدسي، وشروط الأئمة الخمسة، لأبي بكر الحازمي.[62] وهذان الكتابان عمدة كتب الشروط. لكن سبقهما عدد من الأعمال المتعلقة بمسألة الشروط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. من الأمثلة على الأعمال التي سبقت هذين الكتابين الأساسيين: مقدمة الكتب الجامعة، أو الرسائل المكتوبة حول تلك الجوامع، أو الكتب نفسها، أو الكتب الأخرى التي اتبعت خطى هؤلاء المؤلفين في منهجهم وتطبيقاتهم مثل كتب المستخرجات، المستدركات، الإلزامات، أو التتبعات.

إذاً، يمكن فهم شرط مؤلف معين بواحدة من ثلاث طرق: الأولى هي الشروط النظرية. وهي المعايير التي يبسطها المؤلف في مقدمة كتابه كما في مثال مسلم في صحيحه وابن حبان في صحيحه. أو ربما يُبين المؤلف معاييره على وجه التحديد في رسائل تتعلق بكتابه كما نجد على سبيل المثال في علل الترمذي الصغير و رسالة أبي داود إلى أهل مكة. الثانية هي المعايير التطبيقية. وهي المعايير التي يمكن فهمها واستخلاصها من جامع المؤلَّف نفسه. معظم المعايير الموجودة في مجموعة الحديث من هذا النوع. من الأمثلة على ذلك: الموطأ لمالك، وصحيح البخاري، والسنن لابن ماجة، والسنن للنسائي، وغيرها.[63] النوع الثالث والأخير هو المعايير التي تُدرك بالاستقراء. نجد هذا النوع في أعمال النقاد الذين تتبعوا عصر النقل الأول، سواء كان ذلك في نصوص الذين انشغلوا بكتاب واحد معين أو بالعديد من الكتب. من الأمثلة على هذا النوع مؤلفات الدارقطني، وأبو علي الجيّاني، وأبو مسعود الدمشقي، كلها تُعنى بالصحيح[64] أو كتاب الحاكم المدخل والمعرفة، أو من خلال كتب الشروط مثل مؤلفات الحازمي والمقدسي، أو من خلال مؤلفات مصطلح الحديث. بما أننا لا نملك نصًا صريحًا وكاملاً عن البخاري بخصوص شروطه في صحيحه، فعلينا إذًا أن نلجأ إلى تحليل شروطه بناءً على الشروط المطبقة والاستقراء بالإضافة إلى النصوص والأقوال التي نقلت إلينا عنه أو التي ضمّنها في كتابه.

تختلف المعايير النظرية عن التطبيقية والاستقرائية في أن المعايير النظرية لها نص واضح يمكننا الرجوع إليه للتحكيم. من خلال هذه النصوص يمكننا أن نعرف، بطريقة إيجابية ومن خلال تحليل معرفي، ما إذا كان المؤلف قد التزم بالمعايير المذكورة أم لا. من الأمثلة على ذلك طبقات الرواة الثلاثة المذكورة في مقدمة صحيح مسلم، أو المعنى الدقيق للحسن المذكور في الترمذي. بالنسبة إلى المعايير التطبيقية أو الاستقرائية، فإن معظم العمل الذي يمكن القيام به سلبي بخلاف الإيجابي. بمعنى، يمكننا القول أنّ شيئًا ما ليس من معاييره على النقيض من قولنا أنّ شيئًا ما يدخل فيها. الأهم من ذلك، أننا لا نستطيع أن نُحمّل المؤلف بالضرورة المسؤولية عما لم يقله، أو ما لم يقدمه بوضوح كمعيار. لكن، يمكننا، بناءً على ما نستقرأه مما هو واضح، أن نستنبط من مثل هذه الحالات. يمكن تسمية هذا النوع من التحليل بأنه سلبي بخلاف الإيجابي. عندما يتعلق الأمر بشروط البخاري، فمعظمها سلبية وليست إيجابية. وهكذا تصاغ جميع الشروط على النحو التالي: معاييره ليست هذه، على النقيض من قولنا أن معاييره هي تلك.[65]

 

أقوال البخاري

يمكننا إيجاد أقوال البخاري نفسه المتعلقة بمنهجه من خلال البحث في عنوان عمله، وما قاله عن سبب جمعه الكتاب، والرؤى التي أشار إليها بخصوص عمله، وما قاله بشكل خاص عن كتابه واستبعاد من كان يؤمن بعقيدة الإرجاء اللاهوتية. قد درسنا معاني العنوان باستثناء معنى مصطلح صحيح. دُعمت هذه المعاني أكثر بما وردنا عنه من روايات. من هذه الروايات أن البخاري قال: “كنا عند إسحق بن راهويه فقال: “لو جمعتم كتابًا مختصراً لصحيح سنة رسول الله ﷺ”. قال [البخاري]: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.[66] تتضمن هذه الرواية ثلاثة مصطلحات موجودة في عنوان كتابه أيضاً، “الصحيح، المختصر، والجامع”.

يوجد روايات أخرى تدل على قصده من اختصار كتابه، مثل قول البخاري: “جمعت الصحيح من 600,000 حديث.” وقوله: “لم أخرج في كتابي الجامع إلا ما صح. وما تركت من الصحيح أكثر.” وقوله: “ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صحّ، وتركت من الصحيح حتى لا يطول.”[67] مما يعني أن كلمة اختصار – كما ذُكر سابقًا – وردت من منظورين: من حفظه ومن مجموعة أحاديث عصره. اختار البخاري 9،280 حديثًا (بما في ذلك التكرار) وفقًا لإحصاء ابن حجر.[68] إذا اعتبرنا أن الرقم الأصلي، “600.000 حديث” يمثل مجموع الأحاديث، فإن صحيح البخاري يمثل حوالي 1.5٪ من هذا المجموع. إذًا، هذا يعني أنه لا يمكن وصف البخاري بأنه غير ردي في اختياره.[69] إنما وظف عملية اختيار معقدة أدت إلى اختياره هذه الروايات المحددة. لكن هل يمكن وصف هذا النوع من الاختيار الصارم بأنه ردي؟

هناك ثلاث حقائق تساعدنا على فهم منهج البخاري المعرفي بشكل أفضل:

أولاً: الغرض من اختياره لبعض الروايات لم يكن فقط بسبب معاييره المعرفية، بل لتجنب جعل الجامع طويلاً جدًا أيضًا كما صرح هو بنفسه.[70]

ثانياً: قال البخاري في رؤيا رآها: “رأيت النبي ﷺ وكأنني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبّرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب.”[71] يمكننا أن نفهم من هذا أن مسألة الكذب هي الهدف الرئيسي وراء جمع الصحيح. يعد هذا الأمر أيضًا القضية المركزية التي انشغل بها علماء الحديث[72] وكذلك العلماء الذين يعملون في نظرية المعرفة النقلية المعرفية. ناقشنا فيما سبق في الدراسة معنى كلمة الكذب عند كل من المحدثين والمعتزلة. بما أن البخاري، باتفاق جميع المؤرخين، ينتمي إلى أهل الحديث، فإن ذلك يعني أنه اتبعهم ليس فقط في منهجهم الهجين ولكن أيضًا باشتراط أن تتوافق الرواية مع الواقع بغض النظر عما إذا كانت توافق اعتقاد المتحدث أو لا.

ثالثاً: عدم وجود دليل نصي من البخاري على رفضه لعدد من الأحاديث المبنية على مصدر معرفي غير شهادي كالعقل أو الإدراك الحسي. يمكننا أن نستنتج من هذا أنه وفقًا للبخاري، فإن الرواية هي مصدر مستقل للمعرفة تتحقق المعرفة من خلالها.

على الرغم من ذلك، فقد وصلنا عن البخاري قولان واضحان يتعلقان بمصادر رواياته، حيث يقول: “كتبت عن 1080 رجلاً ليس فيهم إلا صاحب حديث.” إضافة إلى قوله: “لم أكتب إلا عمّن قال: “الإيمان قول وعمل”.[73] يمكننا من هذين القولين تصوّر معايير البخاري المعرفية من منطلق إيجابي. بمعنى آخر، إذا وجدنا في جامعه راويًا واحدًا لا يُعتبر صاحب حديث أو لم يكن ممن يعتقدون أن “الإيمان قول وعمل”، فإن ذلك يتعارض مع معاييره المعرفية. ووفقًا لعلماء الكلام، فإن الذين عرفوا بمخالفة اعتقاد أن “الإيمان قول وعمل” هم المرجئة.[74] نجد في كتاب البخاري 11 راوياً من هذه الطائفة.[75] لكن بتحليل جميع الشخصيات الـ 11 نجد أنّ جميعهم معروفون بأنهم ممن روى الحديث أو طلبه، أو ممن وثق بهم غالبية أهل الحديث، أو ظهر حديثهم فقط في الأجزاء الثانوية من الكتاب التي كانت مساندة بطبيعتها (سواء من نفس الصحابي أو من غيره) أو من مجموعة المعلقات، أو كانوا من شيوخ البخاري نفسه الذين تلقوهم جامعي السنن قبله بالقبول كرواة في كتبهم.[76]

يقودنا هذا إلى استنتاج أن الأصل عند البخاري هو أنه من ينكر أن “الإيمان قول وعمل” يمكن الاستناد إليه كدليل إذا كان من المشتغلين بالحديث. إلا أن هذا المعيار يستلزم أيضًا أن البخاري لم يدخل في كتابه حديثًا يتناقض صراحة مع الاعتقاد بأن الإيمان قول وعمل. إذًا، يمكن وصف منهج البخاري بأنه ردي خاصة عندما يتعلق الأمر بقبول الروايات المتعلقة بمسألة الإرجاء. هنا، يشبه البخاري المعتزلة من حيث رفضهم روايات تخالف أصليهم في التوحيد أو العدل وكذلك منهج ابن أبان من حيث رفضه روايات الراوي العدل ممن هو ليس بفقيه إذا خالف أصول القياس.

على الرغم من ترك البخاري للرواة الذين خالفوا اعتقاد أن “الإيمان قول وعمل”، فقد أدخل في كتابه عددًا من الرواة الذين اتُّهموا بالاعتقاد بمذاهب تخالف مذاهب أهل الحديث مثل الشيعة، والرافضة، والقدريون، والجهمية، والناصبة، والخوارج، والإباضية، والقعدية، والواقفية.[77] لكن جميعهم عُرفوا برواية الحديث وطلبه. إن الطريقة الصحيحة لفهم إدخال هؤلاء الرواة في كتابه هي من منطلق الشرط السلبي. فنقول إن عدم النقل عن الراوي المتبع لإحدى هذه المذاهب ليس من شروط البخاري. وكذلك، فإن عدم نقل رواية تؤيد أحد هذه الآراء ليس من شروط البخاري. يمكن وصف منهجه من هذا المنظور بأنه غير ردي، ولكن هذا لا يعطي الصورة الكاملة إذا اعتبرنا ثلاث نقاط أخرى:

  1. نظام التقييم الخلفي أو الحلقة التفاعلية التي كان البخاري جزءًا منها.
  2. طبيعة كتابه المنقسم إلى جزأين: الروايات التأسيسية والرئيسة، والروايات المساندة كما سنوضح بعد قليل.
  3. شخصية البخاري بوصفه راويًا – ناقدًا. لذلك، فإن إدراج أي راوٍ مُتّهم ببدعة عقدية معينة في كتابه راجع إلى كونه أحد المساندين، أو أنها أحد الروايات المدرجة لغرض النقد، أو قد يكون فردًا حكمت الحلقة التفاعلية والطبقة العلمية بقبوله وفقًا لمعايير نقاد الحديث.

 

المعايير التطبيقية والاستقرائية:

يعتبر مصطلح الصحيح أهم مصطلح معرفي في عنوان كتاب البخاري. لم يُعرَّف هذا المصطلح تعريفاً اصطلاحيًا يشمل ويستثني المراد منه، في عصر الجيل الأول، ناهيك عن زمن البخاري. إلا أنه بقراءة أعمال نقاد الأجيال الثلاثة الأولى، استنتج علماء الفترة اللاحقة المراد، وبالتالي توصلوا إلى خلاصة حول التعريف. وهو تعريف مختصر وواضح في نقل جوهر الصحة.[78] يمكن العثور على هذا التعريف مع كل مصطلحاته في فقرة طويلة من الرسالة للشافعي.[79] تُبين هذه الفقرة جوهر العدالة، الضبط، اتصال السند، العلل الخفية، الشذوذ.[80] لكن قدمت هذه الفقرة من كتاب الشافعي تحت مصطلح الحجة، وليس مصطلح الصحة. على أية حال، كانت هذه الأركان الخمسة لمصطلح “صحيح” هي المحور الذي دارت حوله جميع سجالات الأجيال السابقة واللاحقة. بناءً على هذه المبادئ الخمسة، يُقبل الحديث أو يُرد، ويُحكم على صحته أو ضعفه، ويُحكم عليه على أنه مستوفٍ للشروط أو مخالفًا لها. نجد دليلاً على ذلك في مؤلفات مصطلح الحديث، كتب الشروط، وكذلك المؤلفات التي تركز على المتابعات والمستدركات والمستخرجات على البخاري. القصد هنا ليس الغوص في الأدبيات الغنية حول هذا الموضوع أو تفصيل جميع الآراء المختلفة المطروحة، بل الهدف هو تحديد اختلافات الرأي بين النقاد التي تبرز لنا مدرسة البخاري، خاصةً بما يتعلق بنظريته المعرفية السلبية.

باختصار، هناك ثلاث مسائل يكون هذا الاختلاف فيها أكثر وضوحًا: رواته، وعدد الرواة المطلوب، واتصال الإسناد. كل مسألة من هذه المسائل تتعلق بواحد أو أكثر من المبادئ الخمسة المذكورة أعلاه والتي تشكل مصطلح، صحيح. على سبيل المثال، تتعلق مسألة الرواة مباشرة بالعدالة والذاكرة والشذوذ. يتعلق الإسناد المتصل بالمعنى الدقيق لوجود إسناد وعلل خفية. في حين أن عدد الرواة يتعلق بمعنى مصطلح الصحة نفسه.

 

رواة البخاري

كما رأينا أعلاه، تشير أقوال البخاري نفسه إلى أنه تجنب في كتابه إدخال أي راوٍ يخالف الأصل العقدي القائل بأن “الإيمان قول وعمل.” بخلاف هذه العبارة الصريحة، لا يمكن استخلاص بقية شروط البخاري إلا في تطبيقه أو عن طريق الاستقراء. من المهم الإشارة هنا إلى أن معظم الذين درسوا شروط البخاري قصروا دراستهم على رواته.[81] ثم انقسمت هذه المجموعة إلى مجموعات فرعية مختلفة. اعتقدت إحدى المجموعات أن شروط البخاري هي الرواة أنفسهم.[82] وقالت مجموعة أخرى إن معاييره هي صفات الرواة المذكورين، بحيث يمكن اعتبار كل من يحمل الصفات المذكورة من رواة البخاري.[83] واعتقدت مجموعة ثالثة أن شروطه يمكن وصفها بأنها الرواة الذين اختارهم بالترتيب الدقيق الوارد في سلاسل الإسناد المختلفة في كتابه.[84] على أية حال، اتفقت المجموعات الثلاث على أنه من أجل فهم شروط البخاري،يجب دراسة رواته.

من خلال قراءة الشروط المعروفة عن طريق الاستقراء والتي استُخلصت من كتاب البخاري، نجد أن هناك طريقتين لتحديد ما إذا كان الراوي عدلاً:

  • أحدهما: من خلال ما يعرف بالمدار (حرفياً ما يدور حوله الشيء) وأخرى تعرف من خلال الرواة أنفسهم. الطريقة الأولى هي مقارنة مختلف الرواة أنفسهم فيما يتعلق بنقلهم عن شيخهم، المعروف بالمدار، وبالتالي الوصول إلى خلاصة حول مستوى تحققهم ومعرفة من يفوق من، ذكر الحازمي هذه الطريقة في كتابه شروط الأئمة الخمسة، حيث قال: إنّ رواة البخاري يمكن تقسيمهم إلى قسمين: من أدخلهم في الروايات المركزية الرئيسة ومن أدخلهم في رواياته المساندة. الأفراد الذين نجدهم في سلاسل الروايات المركزية الرئيسة اتسموا بصفات العدالة والذاكرة والضبط، بالإضافة إلى قضاء وقت طويل مع المدار، وكانت هذه الروايات هي الهدف المركزي للبخاري. أما الأفراد الموجودون في سلاسل الروايات المساندة، فقد تميزوا بنفس صفات المجموعة الأولى إلا أنهم كانوا أقل ضبطًا ولم يتسموا بقضاء وقت طويل مع مدار السلسلة.

– أما الطريقة الثانية في تحديد ما إذا كان الراوي ثقة: فهي من خلال دراسة الراوي محل البحث بمفرده، لتعرف عدالة الراوي والعدد القليل من الأخطاء التي ارتكبها دون اللجوء إلى مقارنته بأقرانه الذين رووا عن نفس المدار. وقد أشار إلى هذا الأسلوب الحافظ ابن حجر، وأوضح أن هؤلاء الرواة على نوعين: الأول قوي بما يكفي لقبول تفرده، ومستوى آخر ليس بالقوي بما فيه الكفاية لقبول تفرده. وبالتالي، لم يُدخل هذا المستوى الثاني إلا في حالة وجود روايات أخرى تتابعه، وهو أكثر من الأول.

يتضح من هذا التحليل وجود مستويان متمايزان عموماً في صحيح البخاري: المستوى الموجود في الروايات المركزية الرئيسة ومستوى آخر موجود في الروايات المساندة.[85] مستوى الروايات المركزية الرئيسة يشبه البذرة التي حصلت على قبول الهيئة العلمية من خلال الحلقة التفاعلية والنظام الخلفي. أما مستوى الروايات المساندة فكان أقل من الأول لاختلاف نقاد الحديث حول تحقيق هؤلاء الأفراد. ولهذا السبب نجدهم في الصحيح مع روايات أخرى تدعمهم مما يقوي ضعفهم.

بلغ عدد الرواة المجروحين في الصحيح حوالي 220 راوياً من إجمالي الرواة في الكتاب.[86] تم جرح 70 منهم بسبب بدعهم العقدية.[87] لم تكن روايته عن هؤلاء كثيرة وكان معظمهم من شيوخه المباشرين الذين أتيحت له فرصة التحقق من رواياتهم بنفسه[88] وهم جميعًا معروفون بين نقاد الحديث.[89] ومن ثم، فإن هذه الحقيقة تعيدنا مرة أخرى إلى نظام التقييم الخلفي ومسألة الحكم المسبق. إذا قمنا بتقييم عمله من خلال نظام التقييم الخلفي، فسنجد أن البخاري لم يرو عمومًا عن هؤلاء الرواة المجروحين إلا في الروايات المساندة أو لنقد روايتهم والإشارة إلى علل خفية فيها. تشير روايته عن أصحاب المعتقدات المبتدعة إلى حقيقة أنه لم يكن مختزلاً في قبوله للروايات وأن المعتقدات المبتدعة لم تكن عمومًا عقبة، من الناحية المعرفية، بالنسبة له لقبول روايات الآخرين. بالتالي، يمكن اعتبار منهج البخاري عبر نظام التقييم الخلفي هذا نموذجًا هجيناً من حيث الأدوات التي وظفها. حيث إنه ، كما ذكرنا سابقًا، يمكن اعتبار منهجه ردي فيما يتعلق بتناوله للرواة المرجئة. عمومًا، هو منهج هجين فيما يتصل بالرواة الذين يؤمنون بمعتقدات مبتدعة بسبب توظيفه لنظام التقييم الخلفي.

 

عدد الرواة

لا يوجد في مؤلفات البخاري أي قول يتعلق برفضه خبر الواحد لأنه لا يحتوي على أكثر من راوي ولن نجد أي نص صريح يفيد بذلك كشرط أساسي في منهجه. في هذا الصدد، يمثل البخاري غالبية المسلمين نظريًا وتطبيقيًا. ما نعنيه بـ “نظريًا” هو الكم الهائل من المؤلفات التي كتبها جيل المتقدمين لإثبات وإظهار القوة البرهانية القابلة للتحقق لحديث الفرد (آحاديث الآحاد).[90] وما نعنيه بكلمة “تطبيقية” هو النصوص التي تشير إلى حقيقة أن جوهر الروايات فردي في طبيعته[91] وهذا يدعمه واقع الروايات الموجودة في مجموعة الأحاديث. كما ذكرنا سابقًا في هذه الدراسة، فإن شرط وجود عدد من الأفراد لنقل رواية – أقلهم اثنان – هو ادعاء ينسب إلى بعض المعتزلة. يمكن العثور على دليل ذلك في غالبية نصوص أهل السنة عند حديثهم عن الشروط المعرفية للمعتزلة.[92]

إلا أن هذا الموقف المتفق عليه دون منازع في القرون الأربعة الأولى ظهر مرة أخرى وتم انتقاده. حلل الحاكم النيسابوري عن طريق الاستقراء روايات البخاري وادعى أن شروطه تتطلب في الواقع ما لا يقل عن راويين ، وأيده البيهقي في هذا الاستنتاج.[93] ما يهمنا هنا معرفيًا هو أن هذا الشرط ميّزه عدد من العلماء على أنه موقف المعتزلة.[94] عمومًا، أُوِّل موقفهم بواحدة من طريقتين: الأولى هي أنه يجب أن يروي عن كل راوي راويان مختلفان على الأقل، عمومًا، وليس في الرواية المعنية تحديدًا.[95] والثاني أنهم طلبوا أن يكون لكل راوي في السلسلة راويان على الأقل نقلا عنه هذه الرواية المحددة.[96]

إذا كان التأويل الأول صحيحًا، فذلك يعني أن البخاري، معرفيًا، لم يكتف بنظام التقييم الخلفي لرواته المحددين، بل وسع المنهج ليشمل الرواة الذين رووا عن رواته. هذا يعني أنه احتاج إلى حلقة تفاعلية أساسية للرواة وحلقة فرعية لمن رووا عنهم. هذا يعني أن البخاري ذهب في شروطه المعرفية إلى أبعد مما ذكره (Lehrer) عندما تحدث عن نظام التقييم الخلفي. إذا كان الأمر كذلك، فيمكن وصف منهج البخاري بأنه مدرسة هجينة من حيث أدواتها. لا يمكن اعتباره اختزالي/ردي لأنه على عكس المعتزلة ما زال يؤمن بالرواية كمصدر مستقل للمعرفة.[97]

إذا كان التأويل الثاني صحيحًا، فهذا يعني أن البخاري لم يكتف معرفيًا براوٍ واحد في أي رواية معينة، لكنه طلب أن يقوَّى الراوي المذكور براو آخر يروي نفس الرواية. إلا أن هذا التفسير لا يستلزم أيضًا أن يكون منهج البخاري ردي لأنه في النهاية لا يطلب أدلة غير نقلية من أجل قبول المعرفة النقلية. لكن هذا يعني أنه اتخذ موقفًا أكثر تطرفًا بشأن قبول أي راوٍ معين، وبالتالي يمكن وصف منهجه على أنه موقف هجين أكثر تطرفاً.

لكن ما هو موقع البخاري الفعلي فيما يتعلق بعدد الرواة؟ يمكن لأولئك الذين يتبنون التفسير الأول أن يقدموا كدليل ضد التفسير الثاني عددًا من الروايات الفردية (الغريب و/أو الفرد) الموجودة في الكتاب حيث ينقل الراوي روايته بمفرده في طبقة معينة من السلسلة. هناك حوالي مائتي رواية في الكتاب تتناسب مع هذا الوصف.[98] يوجد أدلة كثيرة ضد التفسير الثاني يعرضها ابن حجر لن نذكرها للإيجاز.[99] إلا أن كل هذه الأدلة تؤكد أيضًا أن التفسير الأول هو الصحيح. كما أنه يؤكد أيضًا على ما ذكرناه سابقًا حول اعتماده المعرفي على حلقة تفاعلية ذات مستويين، أحدهما للرواة الأساسيين لرواياته والآخر نظام فرعي لمن ينقل عن رواته.

 

اتصال السند:

لا يوجد نصٌ صريحٌ عن البخاري يشير إلى شروطه في مسألة الاتصال بين الرواة[100] باستثناء استخدامه لمصطلح “مسند” في عنوان كتابه. أما في كتابه، فنجد اتجاهين:

أولاً، نجد أن البخاري يكرر أحيانًا حديثًا للتأكيد على وضوح الاتصال.[101]

ثانيًا، هناك بعض النصوص المختلفة التي تشير إلى قبوله للرواية عن طريق الكتابة (المكاتبة) أو التسليم (المناولة).[102] أيضًا، من المهم التأكيد على أنه لدينا مجموعة كبيرة من النصوص من الجيل الأول التي تؤكد على أهمية الاتصال بين الرواة أو مع محتوى الرواية نفسه. هنا، تكمن الفكرة في الاتصال في سماع أو رؤية ما يتم نقله.

يعتبر قسمًا في مقدمة الإمام مسلم لصحيحه أهم قول في هذا الأمر ويشير إلى اتفاق نقاد عصره على أن شرط الاتصال هو في الواقع فكرة أن الرواة متعاصرون مع إمكانية اللقاء. لكي نكون أكثر تحديدًا، ينطبق هذا الشرط على الرواة الذين لم يعرف عنهم أنهم كانوا من المُدلِّسين. وأشار مسلم أيضًا إلى أن بعض النقاد اختلفوا مع هذا الرأي العام لفئة المتخصصين الأكبر وطلبوا التحقق من لقاء الراوييين. بهذا يمكننا تصنيف حالات الاتصال أو عدمه إلى أربعة سيناريوهات مختلفة:

(عدم المعاصرة، العيش في نفس المنطقة مع إمكانية اللقاء، المعاصرة مع التحقق من اللقاء، التحقق من اللقاء عمومًا في حين لا يوجد دليل على اللقاء لكل رواية منقولة).

السيناريو الأول، وهو عدم المعاصرة، اتفق غالبية النقاد أنه سبب كافٍ لرفض الرواية.[103]

السيناريو الثالث، هو المطالبة بإثبات اللقاء لكل رواية، اعتبره النقاد عمومًا صعب جدًا كشرط للتمسك به وقبوله.

إذاً، دار السجال والمناظرة بين الموقفان المقبولان، الثاني والرابع. كما أوضح نص الإمام مسلم في مقدمته، فإن غالبية النقاد تبنوا الموقف الثاني، وهو اشتراط أن يكون الراويان متعاصران مع إمكانية اللقاء. لا يشير مسلم فقط إلى حقيقة أن البعض يختلفون مع ذلك، بل إنه ينتقد موقفهم بشدة.

وفقًا لدراسة أجراها الشريف حاتم العوني،[104] لم تظهر أي مشكلة نتيجة ادعاءات الإمام مسلم في كتابه إلا بعد ثلاثة أجيال تقريبًا. يعلق القاضي عياض على نص مسلم قائلاً إن النقد كان موجهًا إلى البخاري نفسه ومن اتبع منهجه.[105] اتفق بعد ذلك عددًا من نقاد الحديث مع تقييم القاضي عياض.[106] بغض النظر عن دقة نسبة هذا الرأي،[107] يمكن وصف الرأيين الثاني والرابع حول ما يُعرف عن التقاء الرواة كنموذج هجين. هذا لأن اللاردية non-reductionism لا تتطلب الاتصال بين الراوي ومضمون المتن، ولأن الردية لا تعتبر أن الرواية مصدر مستقل للمعرفة يمكننا من خلالها إثبات ما نعرفه. لذلك فإن موقف مسلم من هذه المسألة، بالرغم من تساهله في لقاء الراويين، يظل مستوفياً لأصل طبيعة الرواية كمصدر مستقل للمعرفة. إلا أنه تجاوز غير الرديين بطلبه اتصال الراوي مع مضمون الرواية من خلال افتراض إمكانية لقاء الراويين. إذا افترضنا أن استقراء القاضي عياض صحيح، فيمكن وصف موقف الإمام مسلم بأنه نموذج هجين أكثر مرونة، بينما يمكن وصف موقف البخاري بأنه نموذج هجين أكثر صرامة. في النهاية، يمكن القول أن الشرط الذي وضعه البخاري في هذا الشأن سلبي بطبيعته، أي أنه ليس من شروطه أن يثبت سماع أحدهما الآخر في كل رواية.[108] في المقابل، بالنسبة إلى مسلم، يمكننا القول أن شرطه إيجابي بطبيعته. الشرط هو أن يكون الراويان متعاصران مع إثبات إمكانية اللقاء.

لا يزال هناك نقطة أخيرة تتعلق بالعلل الخفية الموجودة في صحيح البخاري وعلاقتها  بمسألة اتصال السند. تُقابل هذه العلل الخفية صفات الرواية كالاتصال مقابل الإنقطاع، كونها رواية نبوية مرفوعة مقابل رواية صحابي موقوفة، وما ينتج عن هذه الاختلافات مثل مسألة المزيد متصل السند، وكذلك الروايات المنقطعة والمعلقة. يمكننا تحليل جميع هذه الاتجاهات في كتابه من منظور شخصية البخاري باعتباره راويًا – ناقدًا.[109] لذلك، كل النقد الموجه ضد صحيح البخاري من قبل الدارقطني في كتابه التتبعات، وأبو علي الجياني الغساني، وأبو مسعود الدمشقي، لا ينبغي أن يُدرس من منطلق أنه راوي فحسب، بل يجب دراسته من حيث أنه كان راويًا – ناقدًا. هذا النوع من الشخصية لا يرمي فقط إلى تأليف كتاب من الروايات الصحيحة، بل يهدف أيضًا إلى الإشارة إلى العلل الخفية في بعض الروايات والتنبيه إليها. من الأمثلة على ذلك تضمينه روايات مع زيادات وكذلك تلك التي فيها سقط في نفس الوقت، أو إدخاله كل من روايات نبوية وروايات الصحابة في نفس الوقت.[110] علاوة على ذلك، يوجد روايات في الصحيح دُرست من منطلق رواتها فقط مشيرين إلى أن منهج البخاري انتقائي للغاية.[111] يمكن بعد ذلك نقل هذه الانتقائية نفسها إلى منهجه الهجين فيما يتعلق بقبول أو رفض الروايات عمومًا. بمعنى آخر، لكي يقبل بعض الروايات، طلب وجود روايات أخرى تؤكد الاتصال في السلسلة. يتضح هذا على سبيل المثال في اختياره لسلاسل عن سعيد المقبوري نقل عن والده في مناسبات وأوقات معينة دون ذكر والده في السلسلة.[112] لا يمكننا تفسير هذه الانتقائية دون فهم أن البخاري اعتمد على وسائل نقدية معقدة تشمل ما يعرف بمجال العلل الخفية.

 

خاتمة

تناولت هذه الدراسة ثلاث مدارس مختلفة، المعتزلة، والحنفية، وأهل الحديث، وقارنت كل منها بالمعايير المعرفية للبخاري. كانت نتيجة هذا التحليل أنّ المعتزلة اتخذت موقفًا رديًا متطرفًا لأنهم لم يعتبروا الرواية مصدرًا مستقلًا للمعرفة أو الاعتقاد. أو على الأقل يمكن القول إنهم لازموا موقفهم اللاهوتي على أنه يحمل قيمة معرفية أقوى مقارنة بالمعرفة النقلية. بالمثل، فإن ابن أبان ومن تبعه من الحنفية اتخذوا موقفًا رديًا أيضًا فيما يتعلق بالروايات المتعلقة بالفقه. لقد احتفظوا بشرط عدم قبول الروايات إلا إذا كان الراوي خبيرًا في مضمون ما كان ينقله. موقفهم في جوهره هو نموذج هجين متوازن. أما النصف الآخر من الأحناف (الذين اتبعوا الكرخي) فيمكن وصفهم بالنموذج الهجين لأنهم وعلى الرغم من قبولهم الرواية كمصدر مستقل للمعرفة، إلا أنهم طلبوا ألا تتعارض الروايات النبوية مع القرآن. أما منهج أهل الحديث فهو غير ردي من حيث المبدأ، لكنه هجين من حيث أدواته.

سار البخاري على خطاهم إلا أن لديه بعض الميول الردية بالنسبة إلى الرواة المعتنقين للمعتقدات المرجئة. كما أنه اعتمد أيضًا على حلقة تفاعلية أكثر تعقيدًا والتي تجاوزت الحلقة الأعم المستخدمة لرواته، والتي أسميناها حلقة فرعية. من خلال هذه الحلقة وما يرتبط بها من كل من نظام التقييم الخلفي والحلقة الإيجابية للاحتجاج يتضح سبب تفضيل البخاري على الآخرين من أقرانه ودقة شروطه. بناءً على كل هذه التقييمات، توصلنا إلى استنتاج مفاده أن منهج البخاري غير ردي من حيث المبدأ لأنه آمن بطبيعة المعرفة النقلية المستقلة كمصدر للمعرفة والاعتقاد تمامًا كما يعتقد الكثيرون المثل بالنسبة للعقل والحواس. لكن لا يمكن وصف هذا الأساس غير الردي بأنه ساذج أو بسيط، بل إنه أضاف إلى منهجه عددًا من الشروط المعقدة والمفصلة. هذه الشروط التي يمكن إيجادها في مصطلحاته الخاصة أو استخلاصها بشكل استقرائي من كتابه من قبل الخبراء العاملين عليها تؤدي إلى رسم تصور لمنهجه الأكثر اختلاطاً بطبيعته. أحيانًا تكون هذه المنهجية الهجينة متطرفة، كما هو الحال في مسألة الاتصال. إلا أنه متوازن في الغالب كمثال عدد الرواة، والرواة أنفسهم، وتراجم الفصول، وطول الكتاب، ومعنى الصحة نفسها. في إحدى الحالات النادرة، كان منهجه ردي في مسألة الرواة الذين لا يؤمنون بأن “الإيمان قول وعمل”.

ناقشت الدراسة نقطتان أخريان تساعدان في التحليل الشامل للبخاري ويجب تسليط الضوء عليهما: يجب أن نأخذ على محمل الجد شخصية البخاري باعتباره راويًا – ناقدًا. هذه النقطة وحدها تحل الكثير من الاعتراضات التي وجهها بعض النقاد الأوائل والكثير من المعاصرين غير المتخصصين ضد صحيح البخاري. ثانياً، يجب الانتباه إلى ما هو صريح وما هو ضمني فيما يتعلق بالمعايير النظرية والمعايير التطبيقية والشروط التي توصلنا إليها بالاستقراء. يمكن تصنيف هذه الشروط الموجودة في المؤلفات الحديثية الواسعة إلى شروط إيجابية أو سلبية. كما رأينا أعلاه، فإن أكثر ما يمكن قوله عن شروط البخاري فيما يخص بعض أكثر القضايا إثارة للجدل هو: شروطه ليست كذا وكذا. على عكس القول، معاييره هي كذا وكذا. الاستثناء الوحيد سيكون إذا كان لدينا استقراء كامل أو تقريبي لأي مسالة معينة يدور السجال حولها.

لم يكن الهدف من هذه الدراسة الغوص في مختلف النقاشات والمناظرات والجدالات الموسعة في الدراسات الحديثة. وإنما فتح الباب أمام مجال جديد وغني أصبح نشطًا منذ حوالي عقدين أو ثلاثة عقود. يتداخل هذا المجال الجديد مع نظرية المعرفة للتراث الفكري الإسلامي. يوجد هذا التداخل في الكتابات التي تدرس الأسس الفلسفية للروايات سواء كانت في المجموعة الحديثية أو المجموعة الفقهية أو كتب أصول الكلام. ولهذا السبب رسمنا في بداية هذه الدراسة المشهد الفكري والمعرفي الأوسع للقرن الأول. لأنه إذا لم تكن لدينا صورة جيدة للمعايير والمنهجيات المختلفة التي يتم الدفاع عنها فيما يتعلق بقبول أو رفض الروايات، فقد لا نفهم العلاقة بين نظرية معرفة المعرفة النقلية وموضوع هذه الدراسة. نأمل أنه قد اتضح من خلال هذه الدراسة – التي هي مجرد بداية لمشروع كتاب أكبر – أن أوائل مدارس الفكر الإسلامي خلال ما يُعرف عادة بالفترة التكوينية ناقشت وحاججت حول بعض المسائل المعرفية نفسها التي يتم تناولها في العالم المعاصر. نأمل كذلك أن يكون قد تبين أن مؤلفات هذا العصر تستحق الدراسة وجعلها جزءًا من المحادثة وكذلك إعطائها الفرصة لتتحدث عن نفسها حتى يمكن تطوير أفكار جديدة وتكوين مبادئ جديدة. نأمل أن تساعد هذه الإضافات في دفع النقاشات حول الفلسفة، نظرية المعرفة، المعرفة النقلية في اتجاهات جديدة ومثيرة.


  • د.عصام عيدو: مدير الدراسات الجامعية – الدراسات الدينية، محاضر أول، برنامج الدراسات الإسلامية في جامعة فاندربيلت.
  • محمد تيسير صافي: مرشح لنيل درجة الدكتوراه – الدراسات الإسلامية في جامعة ابن خلدون

[*] -هذا التعبير قد يخرج عنه أحاديث الكرامات النبوية، لأنّها بظاهرها مخالفة للواقع المعتاد. -المحرر.

[**](فصّل أهل السنة في موقف المعتزلة من خبر الآحاد، وبيّنوا أنّهم قبلوه نظريا باشتراطات معينة، وخالفوه عمليا لمخالفته أصولهم، وهذا ظاهر مشهور في مدونات مذاهب الإسلاميين، ينظر كنموذج: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة) -المحرر.

[***] -[هذا التعبير فيه إشكال، فالواقع أنّ ابن حجر لم يقل إنهم ملأوه بأنفسهم، وإنما دمجوا بعض الأحاديث ببعض، فهي عملية دمج وترتيب داخلية، وليست عملية ملئ من كيسهم حتى لا يُساء الفهم، قال ابن حجر: “ومن ثمة وقع من بعض من نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب”] -المحرر.

[****]  هذا الكلام مشكل! وكأنّه يُفهم منه أنّ البخاري يمارس انتقائية وفق اختياراته! مع أنّه -على سبيل المثال- أورد حديث: (إنما الربا في النسيئة) وهو مخالفٌ لاختياره، أيضا بوب أبوبا كثيرة دون ترجيح وأورد فيها أحاديث في ظاهرها التعارض، يحسن الرجوع لمقال: تحيزات البخاري، د.معتز الخطيب فقد عالج هذه الدعوى. -المحرر.


[1] Bergmann, Michael. (1997), ‘Internalism, Externalism and the No-Defeater Condition.” Synthese, 399-419. Pritchard, D. (2004), ‘The Epistemology of testimony’, Philosophical Issues, 14, 326-48.

[2] Lackey, J. (2006), ‘Knowing from Testimony’, Philosophy Compass, 1/5, 432-448.

[3] Harman, G. (1986), Change in View. Cambridge, MA: MIT Press.

[4] Lackey, J. (2006), ‘It takes two to tango: beyond reductionism and non-reductionism in the epistemology of testimony’, in J. Lackey and E. Sosa (eds), The Epistemology of Testimony. Oxford. Oxford University Press, 169-70.

[5] Thagard, P. (2005), ‘Testimony, credibility, and explanatory coherence’, Erkenntis, 63, (3), 297.

[6] Faulkner, P. (2000), ‘The social character of testimonial knowledge’, The Journal of Philosophy, 97, (11), 581-601.

[7] المصطلحات التقنية، الحديث والخبر قابلة للتبادل عند غالبية علماء الحديث ويمكن استخدامها للإشارة إلى معنى واحد. فرّق البعض بين المصطلحين. انظر، ابن حجر العسقلاني. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، تحقيق: نور الدين عتر. (دمشق، مطبعة الصباح، ط 3، 2000) ص 41. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر. تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، تحقيق: مازن بن محمد السرساوي. (دار ابن الجوزي، ط 1، 1431 هـ) 21/1.

[8] انظر، ابن حجر العسقلاني، نزهة النظر، 51.

[9] هناك اختلافات تفصيلية وفرق أخرى في التاريخ الإسلامي المبكر. لكن الهدف من ذكر هذه الفرق المحددة هو رسم خريطة معرفية جرت حولها معظم النقاشات المتعلقة بنقد الحديث. ومن خلال هذه النقاشات تظهر أوجه الشبه والاختلاف بين الأسئلة المعرفية للدراسات الحديثية والحوار الغربي حول نظرية المعرفة النقلية المعرفية.

[10] انظر، الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله. المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، تحقيق: أحمد بن فارس السلوم. (بيروت، دار ابن حزم، ط 1، 2003): 168.

[11] لقد اعتمد منهج القرون الثلاثة الأولى حتى القرن الرابع على نقد الحديث من وجهة نظر المتحدث وليس المتن. بإلقاء نظرة خاطفة على الكتب الأطول من الفترة المبكرة مثل كتاب الضعفاء لابن عدي حيث نجد الكثير من الأحاديث التي حكم عليها بالضعف من منطلق الراوي. فمثلاً يقول فلان يروي المناكير أو الأباطيل من مصادر موثوقة، ولا يحكم عليها بأنها غير صحيحة بسبب مضمونها على الرغم من بداهة كونها موضوعة. وهذه الأحاديث نفسها في الأجيال اللاحقة أدخلت في كتب التلفيق كما في موضوعات ابن الجوزي ومن خلفه. انظر على سبيل المثال ابن عدي، أبو أحمد عبد الله. الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: أحمد عادل عبد الموجود وآخرون. (بيروت، دار الكتب العلمية)، 1 / 413-414، 431-432، 452-453، 492-493، 496-497، 499، 548، 550، 2/ 238-239. لمزيد من المعلومات حول هذا الاتجاه، انظر:

Brown, Jonathan: How We Know Early Hadith Critics Did Matn Criticism and Why It’s So Hard to Find, Islamic Law and Society 2008 143-184, 144-145, 150 Islamic Law and Society (2008): 143-184

[12] انظر، ابن الصلاح، علوم الحديث. تحقيق: نور الدين عتر. بيروت، دار الفكر المعاصر، 11-12.

[13] انظر، الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر. (مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1938)، 369-372؛ الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت. الكفاية في علم الرواية. (بيروت، دار الكتب العلمية، 1988)، 24-25.

[14] انظر، الخطيب، الكفاية، 31- 32. السيوطي، تدريب الراوي، 1/53. الجزائري طاهر. توجيه النظر إلى أصول الأثر، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة. (حلب، مكتبة المطبعة الإسلامية، ط 1، 1416 هـ، 1995)، 1/105.

[15] من أجل زيادة فهم هذا المصطلح وخصائصه، انظر:

Lehrer, Keith, Jennifer Lackey and Ernest Sosa: Testimony and Trustworthiness, the Epistemology of Testimony: 145-160

[16] انظر، الجويني، الإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله. التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله جولم النيبالي وشبير أحمد العمري. (بيروت، دار البشائر الإسلامية، ط 1، 1417 هـ 1996 م)، 2/ 277-279؛ الحازمي، أبو بكر محمد بن موسى، شروط الأئمة الخمسة، ثلاث رسائل في علم مصطلح الحديث، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، (مكتبة المطبعة الإسلامية- الطبعة الثانية، 2005)، 134؛ الزركشي، بدر الدين بن بهادر بن عبد الله. البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق: فضيلة الشيخ عبد القادر عبد الله العاني- تحقيق: سليمان الأشقر. (الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الثانية، 1413 هـ، 1992)، 4/ 221-222.

[17] ابن قتيبة الدينوري. تأويل مختلف الحديث، تحقيق: أبو أسامة سالم بن عيد الهلالي السلفي الأثري. (الرياض، دار ابن القيم والقاهرة، دار ابن عفان، الطبعة الثانية، 2009)، 149-150.

[18] الكعبي، أبو القاسم البلخي. قبول الأخبار ومعرفة الرجال، تحقيق: أبو عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم. (بيروت، دار الكتب العلمية). 17/1.

[19] المرجع السابق، 1/17

[20] المرجع السابق، 1/17

[21] انظر، الزركشي، البحر المحيط، 1/ 221-222؛ اللكناوي، محمد عبد الحي. ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني في مصطلح الحديث، تحقيق:عبدالفتاح أبو غدة. (حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1416)، ص 31-32.

[22] انظر، الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي. اللمع في أصول الفقه، تحقيق: محي الدين مستو، يوسف علي بديوي. (دمشق، دار الكلم الطيب)، 157-158؛ الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. المحصول في علم الأصول، تحقيق: طه جابر فياض العِلواني. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1412 هـ، 1992 4/ 432-433. الآمدي، علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام، شرح: عبد الرزاق العفيفي. (بيروت، دار ابن حزم، ط،1 1424 هـ، 2003 م) 2/143- 144؛ علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزداوي، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي. (بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1417 هـ، 1997) 2/ 707-708. ابن قيم الجوزية. إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: أحمد عبد السلام الزعبي. (بيروت، دار الأرقم بن أبي الأرقم، الطبعة الأولى، 1418 هـ، 1997) 1/ 27-28. الزركشي، البحر المحيط (4/343). ابن ملك، عبد اللطيف. شرح الأنوار في أصول الفقه – طبعة تركية في أسطنبول، 210-211؛ اللكنوي، ظفر الأماني 66-67.

[23] انظر، الدبوسي، أبو زيد عبيد الله عمر. تأسيس النظر ويليه رسالة الإمام أبي الحسن الكرخي في الأصول، تحقيق: مصطفى محمد القباني الدمشقي. (بيروت، دار ابن زيدون)، 156-157؛ الدبوسي، أبو زيد عبيد الله بن عمر. تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع، تحقيق: عبد الجليل عطا. (دمشق دار النعمان للعلوم، ط 1، 1426 هـ، 2005)، 1/408. السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل. أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني. (بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 1426 هـ، 2005)، 1/ 339-340. علاء الدين البخاري، كشف الأسرار 2/707؛ ابن ملك، شرح المنار (209-211). اللكناوي، ظفر الأماني 66-67.

[24] المرجع السابق.

[25] Lehrer, Testimony and Trustworthiness, 150.

[26] هذان اتهامان واعتراضان وجههما الاتجاه الردي المعارض ضد غير الرديين لأنهم لا يطلبون أن يقوم المستمع بأي عمل إضافي لتبرير قبول شهادة المُخبر. هذا لأن غير الرديين يعتقدون أن المعرفة النقلية هي مصدر مستقل للمعرفة وهذا كافٍ لتبرير قبول المعرفة النقلية دون تبرير إضافي تمامًا كما نتعامل مع العقل والحواس.

[27] Lehrer, Testimony and Trustworthiness, 145.

[28] المرجع السابق، 145.

[29] المرجع السابق، 150.

[30] المرجع السابق، 150.

[31] المرجع السابق، 150.

[32] المرجع السابق، 154.

[33] من المهم ألا ننسى النصوص العديدة التي أدرجها النقاد في كتاباتهم على مختلف مستويات النقاد، ومحتوى نقدهم، وأهدافهم، وعللهم الخفية، واللغة المستخدمة، والرموز المستخدمة.

[34] إلا أنه مهم لأنه يعبر عن عدالة شخصية الناقد الراوي في الوسط الأكبر للنقاد. انظر ابن حجر العسقلاني، هدى الساري لمقدمة فتح الباري، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرين. (دمشق، دار الرسالة، ط 1، 2013)2/ 532-533. اللكنوي، محمد عبد الحي. الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة. (القاهرة، دار السلام، الطبعة السابعة، 2000) في الهوامش: 141.

[35] انظر، اللكناوي، الرفع والتكميل، 274، 282-307.

[36] انظر، اللكناوي، الرفع والتكميل، 274، 306-307.

[37] إلا أن قصد البخاري في جمع صحيحه – كما ذكره الحازمي في كتابه شروط الأئمة الخمسة – هو تصنيف كتاب يتضمن أحاديثاً متفق على صحتها. لم يكن قصده أن يصنف كتاباً لا يضم إلا الرواة المتفق على عدالتهم. انظر الصفحات: 183-184. ومن ثم يمكن اعتبار النظام الخلفي أداة يستخدمها البخاري لتحقيق هدفه الأساسي وهو جمع كتاب يتضمن أحاديث متفق على صحتها.

[38] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 1/9.

[39] انظر: الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت. الجامع لأخلاق الراوي آداب السامع، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب. (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 4، 1996)، 2/316.

[40] انظر ابن عدي، أبي أحمد عبد الله. الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: أحمد عادل عبد الموجود وآخرون. (بيروت، دار الكتب العلمية)، 1/ 264-265.

[41] انظر، ابن حجر، هدى الساري 2/536. وبالمثل، يمكننا أن نشير إلى نقاد آخرين مهمين يتبعون آراء البخاري، مثل إسحاق بن راهويه. انظر نفس المصدر 2/538.

[42] يتطلب هذا دراسة مقارنة لهذه الشخصيات الأربع من خلال الكتب التي جاءت بعدهم. نقترح أن تكون الدراسة من خلال أحد الكتب التي أُلّفت بعد فترة وجيزة من عصرهم، مثل الكامل في الضعفاء لابن عدي.

[43] هناك قول آخر يشير إلى أن العلم الذي جمعه البخاري هو مجموع علم الرجال الثلاثة المذكورين. أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني. انظر: ابن حجر، هدى الساري، 2/536.

[44] ذكر أبو غدة هذا النوع من التحليل بناءً على عنوان الكتاب وعلاقته بشروط المؤلف في مقدمته لـ: شروط الأئمة الخمسة، ص. 58.

[45] انظر النقاش حول عنوان الصحيح وما هو الموقف الأقوى في كتاب أبو غدة، أبو غدة، عبد الفتاح. تحقيق اسمي الصحيحين واسم الجامع الترمذي. (مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط 1، 1993) ص، 12.

[46] htps://www.bukhari-pedia.net/book/matn_bukhari/1

[47] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/36، 528، 549.

[48] ابن حجر، هدى الساري، 1/11. 25-27.

[49] المرجع السابق، 1/11-23، 12.

[50] المرجع السابق، 1/22.

[51] من هذا المنطلق نستطيع فهم تسميته، الفقيه، في بعض قواميس السير بالإضافة إلى وصفه بأنه يمتلك معرفة أكثر شمولية بالدين والتاريخ والروايات. انظر ابن حجر، هدى الساري، 2/ 535-538، 540-542، 547. أشار ابن حجر إلى علمه الشامل بالروايات في هدى الساري 2/539، 547. بغض النظرعن انتقاد تلقيبه فقيهًا في قواميس السير للحنفية بطرق غير مباشرة ومباشرة. انظر الزرنوجي، برهان الإسلام. تعليم المتعلم طريق التعلم، تحقيق: مروان قباني. (بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1، 1981)، ص 86-87، وكذلك اللكناوي، محمد عبد الحي. الفوائد البهية في تراجم الحنفية، تحقيق: أحمد الزعبي. (بيروت، دار الأرقم، ط 1، 1998) ص، 39.

[52] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/549؛ السيوطي، تدريب الراوي، 1/127.

[53] نقترح إجراء دراسة شاملة لعناوين الفصول التي لا تحتوي على أي روايات مرتبطة بها حتى نتمكن من فهم منهجيته المعرفية وما إذا كان لديه أية أحكام مسبقة.

[54] مثل الحنفية والمالكية في القرن الثاني.

[55] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 1/25-26، 33-34.

[56] بعبارة أخرى، إنها حالات نادرة توجد في الكتاب لغايات تعليمية ومعرفية ونقدية محددة.

[57] ولهذا نجد أن بعض المؤلفين يقترحون بعض الأحاديث الإضافية التي كان على البخاري أن يدخلها بالضرورة وفقًا لشروطه الموجودة في هذه الروايات الأخرى التي استثناها. مثال على ذلك ما وجدناه في الإلزامات والتتبع للداراقطني.

[58] لأغراض هذه الدراسة، قمنا بترجمة كلمة شرط/ شروط كمعايير لأنها تنقل بشكل أفضل المقصود بشروط البخاري. لكن من الأفضل ترجمة الكلمة لغويًا على أنها شرط (شروط). هذا الاختيار الخاص، نظرًا إلى أنه تحليل لغوي وفلسفي، يمكن فهمه بشكل أفضل من خلال وضع الكلمة الإنجليزية، “الشروط” في الاعتبار.

[59] انظر: الكفوي، أبو البقاء. الكليات، تحقيق: عدنان درويش محمد المصري. (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1998)، 504، وكذلك ابن كمال باشا. فروق الأصول، تحقيق: محمد عبد العزيز المبارك. (دار ابن حزم) 65-67. رأى أبو غدة أن كلمة الشرط لا تعني ما ذكر أعلاه، بل تعني المنهجية التي يختار من خلالها الإمام الأحاديث التي سيدخلها مع أسانيدها في متنه وتلك التي لن يدخلها. انظر في مقدمته لكل من: المقدسي، أبو الفضل محمد بن طاهر، شروط الأئمة الستة، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. (مكتبة المطبوعات الإسلامية – ط2، 2005)؛ والحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 58. سبب اختياري لهذا التعريف هو تداخله مع نظرية المعرفة وأثرها في فهم منهجية البخاري من المنظورين الإيجابي والسلبي كما سيتضح بعد قليل.

[60] ما لم يكن هناك استقراء كامل أو شبه كامل.

[61] انظر شرح الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر. الإلزامات والتتبع، تحقيق: أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوديعي. (بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 1985)، 116.

[62] وقبلهم الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة، 395. إلا أن عمله يقتصر على شروط تلقي الرواية وروايتها. انظر شرح أبو غدة للحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 109.

[63] هذا المعنى الذي يفهم من محمد بن طاهر المقدسي في كتابه، شروط الأئمة الستة؛ أن هذا هو النوع الوحيد الموجود من الشروط. ص: 85.

[64] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/277.

[65] قارن بين هذا التحليل والتحليل الدقيق والمتقن لابن المواق الذي استشهد به السيوطي في تدريب الراوي، 1/208. يقول في النهاية: “ليس من الإنصاف أن نحاول أن نحملهم على هذا الشرط – أي نقل اثنين من الرواة عن راو واحد – دون التحقق من ذلك منهم بالنظر إلى أننا نجدهم ينقلون دون هذا الشرط. بما أنه يجب تأكيد ذلك، فإن نقلهم دون التمسك بهذه الشرط سيحسب ضدهم.

[66] ابن حجر، هدى الساري، 1/8.

[67] ابن حجر، هدى الساري، 1/9. قال البخاري عن حفظه: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح). انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/546.

[68] بحسب إحصاء ابن الصلاح والنووي 7275 حديثاً (بما في ذلك التكرار). انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/ 503-511.

[69] قد يُعترض على هذا بما أن ما يدخله في متنه ليس تعبيراً عما يعتقد صحته. في حين أن هذا هو الحال تمامًا، فإن الفكرة هنا هي توضيح أن البخاري عَلم ذلك وبينه. لا يفهم الكثير ممن يدرسون متنه أن المُصنِّف لديه مجموعة من المتغيرات التي يستخدمها عند اختيار الأحاديث المراد إدخالها أو عدم إدخالها. هذا التوصيف البسيط والساذج والغرّ لعمله هو ما يتم تحديه هنا.

[70] انظر، الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 163.

[71] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 1/8.

[72] انظر كمثال مقدمة ابن عدي لكتابه الكامل في الضعفاء، وستجد أن جوهره يدور حول معنى الصدق.

[73] انظر، ابن حجر، هدى الساري، 2/529.

[74] انظر، الرفع والتكميل، 352-370.

[75] انظر ابن حجر، هدى الساري، 2/ 490-494، وهم: إبراهيم بن طهمان، ص. 351، أيوب بن عائذ الطائي، ص. 359، ذرُّ بن عبد الله المُرهبي، ص. 377، شبَابَةُ بن سَوًّار، ص. 391، عبد الحميد بن عبد الرحمن أبو يحيى الحِمّاني، ص. 405، عثمان بن غياث البصري، ص. 420، عمر بن ذرّ، ص. 433، عمرو بن مرَّة، ص. 436، محمد بن خازم أبو معاوية الضَّرير، ص. 448، ورقاء بن عمر اليشكُري، ص. 469، يحيى بن صالح الوحاظي، ص. 473.

[76] انظر سيرهم، ابن حجر، هدى الساري، المجلد الثاني، القسم التاسع.

[77] الذين توقفوا، امتنعوا عن إبداء رأيهم، في الجدل حول خلق القرآن. انظر ابن حجر، هدى الساري، 2/490.

[78] هذا هو تعريف ابن الصلاح في مقدمته 11-12: ” الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معللاً”.

[79] المرجع السابق، 369-352.

[80] يمكنك أن تجد مقارنة بين تعريف ابن الصلاح والشافعي في دراسة كتبتها تبحث في معنى المصطلح، صحيح، وكذلك تكوينه وتطوره في كتاب نشرته مطبعة جامعة أكسفورد، بعنوان: The Oxford Handbook of Hadith. عنوان المقالة هو، Towards the Systematization of the Science of Authentication and Ḥadīth Classifcation: Authors and Their Works..

[81] انظر السيوطي، تدريب الراوي، 1/ 206-213، ومقدمة أبو غدة للحازمي، شروط الأئمة الستة، 59، 62.

[82] المرجع السابق، 1/209-210.

[83] المرجع السابق، 2/210-211.

[84] المرجع السابق، 1/211. لتلافي هذا الخلاف وما سينتج عنه لم يستخدم كثير من المتأخرين عبارة: “حديث صحيح”. بل يقولون: “رواته رواة الصحيح” كما فعل نور الدين الهيثمي في أحكامه في مجمع الزوائد.

[85] انظر هوامش أبو غدة في كتاب الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 155.

[86] هم حوالي 2000 راوي. انظر: الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله. المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، تحقيق: أحمد بن فارس السلوم. (بيروت، دار ابن حزم، ط 1، 2003)، 123؛ الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 157؛ وانظر ابن حجر، هدى الساري، 346-483.

[87] انظر ابن حجر، هدى الساري، 494-490.

[88] انظر السيوطي في في تدريب الراوي، 1/ 159-160.

[89] انظر ابن حجر، هدى الساري، 344.

[90] على سبيل المثال نص الشافعي في كتابه الرسالة، ص. 369-370 ونص أبو بكر الجصاص الذي نقله عن الأجيال الأولى من الحنفيين في كتابه الفصول في الأصول، 1/،541 ونص السرخسي في الأصول، 1/331- 332

[91] انظر، صحيح ابن حبان، 1/156، وشروط الأئمة الخمسة، ص. 133

[92] انظر، ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، 149-150؛ المعتمد عن أبو الحسين البصري 2/183. الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 113، 156-157، وانظر تعليقات أبو غدة عليها وكذلك ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزري. جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط. (دار الفكر، 1390 هـ، 1971)، 1/70. وكذلك ابن حجر، نزهة النظر، 48؛ ابن حجر العسقلاني. النكت على كتاب ابن الصلاح، طبعتان، ط1، تحقيق: مسعود عبد الحميد السعدني، محمد فارس. (بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، ربيع بن هادي عمير)، 42-43؛ السيوطي في تدريب الراوي، 1/ 125-126.

[93] أما بالنسبة لنص الحاكم: انظر المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، 73-107؛ وابن الصلاح معرفة علوم الحديث، 62؛ وكذلك الحاكم النيسابوري. سؤالات مسعود بن علي السجزي مع أسئلة البغدادين عن أحوال الرواة، تحقيق: موفق عبد الله بن عبد الوادر. (بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988)، 209 عدد 267. أما نص البيهقي فتجده في كتابه السنن، 4/105.

[94] انظر الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 157؛ ومقدمة ابن الأثير، جامع الأصول، 70؛ والعراقي الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين. فتح المغيث شرح ألفية الحديث، تحقيق: الشيخ أحمد شاكر. (بيروت، عالم الكتب، ط 2، 1408 هـ، 1988 م)، 8؛ والسيوطي، تدريب الراوي، 1/ 125-126.

[95] تبنى أبو علي الغساني هذه التفسيرات ونقلها عن القاضي عياض في مقدمته لإكمال المعلم بفوائد مسلم، 83؛ وكذلك الحافظ ابن مندة الذي نقله عن المقدسي في شروط الأئمة الستة، 99-100؛ وابن الأثير الجزائري في مقدمته لجامع الأصول، 70؛ وابن حجر في نكاته، 42.

[96] المقدسي في شروط الأئمة الستة يتبنى هذا الموقف، 86، 96؛ وكذلك الحازمي في شروط الأئمة الخمسة، 113-122؛ وابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن جعفر. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، تحقيق: د. نور الدين بن شكري بن علي بوسيلار. (الرياض، أضواء السلف، ط 1، 1418 هـ، 1997)، 1/ 11-13؛ والنووي، محيي الدين يحيى بن شرف في مقدمته. المنهاج شرح الجامع الصحيح، تحقيق: د.مصطفى ديب البغا. (دمشق، دار العلوم الإنسانية، ط 1، 1418 هـ، 1997)، 32.

[97] قد يكون من المفيد هنا إلقاء نظرة على نص لابن حجر ضمنه في هدى الساري رداً على من يتهمه بالغيبة على الناس: “إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا”، حتى عندما يتعلق الأمر بهذه الحلقة الفرعية فهو لا يزال يعمل ضمن إطار المعرفة النقلية. ابن حجر، هدى الساري، 2/532.

[98] انظر، ابن حجر، النكت، 110. وهو يشير إلى أن الحافظ ضياء الدين المقدسي جمع هذه الروايات في مجلد واحد.

[99] لمزيد من المعلومات عن النصوص والبراهين المقدمة وقوة البراهين انظر: عيدو، محمد عصام. منهج قبول الأخبار عند المحدثين. (بيروت، دار المقتبس، ط 1، 2017)، 1/ 347-362.

[100] العوني، الشريف حاتم. إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين. (مكة، دار عالم الفوائد، ط 1، 1421)، 34.

[101] على سبيل المثال في تكراره حديث معنعن بألفاظ مختلفة تعبر عن سماعه مباشرة. ومع ذلك، لم تتكرر كل الأحاديث المعنعنة. في الواقع، هناك الكثير منهم في الصحيح لا يملكون سلسلة بديلة مع تصريح بالسماع المباشر كما أشار المزي. انظر السيوطي، تدريب الراوي، 1/195.

[102] انظر الدارقطني، الإلزامات والتتبع، 261، 291، 304-305.

[103] بحيث يُنظر إلى أولئك الذين قبلوا الأحاديث المرسلة في القرن الثاني للحنفية والمالكية على أنهم استثناء.

[104] عنوانها: إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.

[105] انظر العوني، إجماع المحدثين، 9، 35- 36.

[106] مثل ابن رشد وابن كثير وابن رجب والبلقيني وابن حجر وغيرهم. انظر: العوني، إجماع المحدثين، 36.

[107] لمعرفة المزيد عن الآراء المختلفة والجدل المطول، انظر، دراسة العوني “إجماع المحدثين”، 15؛ وانظر الطبعة النقدية لأبو غدة في كتاب الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، 175-177.

[108] وهذا ما أكده المزي عندما سأله السبكي: “هل في سلسلة كل حديث رووه (البخاري ومسلم) بسلسلة معنعنة طرق أخرى توضح أن هؤلاء الرواة سمعوا الحديث بأنفسهم؟” قال: “في كثير من الحالات لا يوجد، لذلك ليس لدينا ما نقوله سوى حسن الظن”. انظر السيوطي، تدريب الراوي، 1/195. وهذا يساعد معرفيًا اختيار العوني في عنوانه استخدام صيغة النفي، إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع. انظر استخدام العوني للنفي في تحليله في أكثر من موضع في كتابه: 50-51، 65، 101.

[109] قارن هذا التحليل بما ذكره السيوطي تحت عنوان: “فائدة: المراد بصحيح البخاري عند الإطلاق مع ما فيه من المسند دون غيره” في كتابه تدريب الراوي، 1/203.

[110] انظر، الإلزامات والتتبع للداراقطني، ص. 308، رقم الحديث: 156، وكذلك ص. 246-248 رقم الحديث 107و 108. انظر المثال الرابع لابن حجر في هدى الساري، 1/33.

[111] انظر الحديث رقم 94 في كتاب التتبع، ص 227-230، ويؤكِّد الدارقطني فيه اختيار البخاري لأفضل طريق في سياق يشتمل على الكثير من الإضطراب في الحديث.

[112] انظر الدارقطني، الإلزامات والتتبع، 131، رقم الحديث 9. انظر أيضًا، ص. 136 رقم الحديث 15، وص: 206، رقم الحديث 75.


المراجع العربية

  • أبو الحسين البصري. المعتمد في أصول الفقه. تحقيق: الشيخ خليل الميس. بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1426، 2005.
  • أبو غدة، عبد الفتاح. تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي، ط1، 1993.
  • علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري. كشف الأسرار: عن أصول فخر الاسلام البزدوي. تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي. بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1417ه، 1997.
  • الآمدي، علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام، شرح: عبد الرزاق العفيفي. بيروت، دار ابن حزم، ط، 1 1424 هـ، 2003م.
  • العوني، الشريف حاتم. إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين. مكة، دار عالم الفوائد، ط1، 1421.
  • البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين. السنن الكبرى. بيروت، دار المعرفة.
  • الدبوسي، أبو زيد عبيد الله عمر. تأسيس النظر ويليه رسالة الإمام أبي الحسن الكرخي في الأصول. تحقيق: مصطفى محمد القباني الدمشقي، بيروت، دار ابن زيدون.
  • الدبوسي، أبو زيد عبيد الله بن عمر. تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع. تحقيق: عبد الجليل عطا، دمشق، دار النعمان للعلوم، ط1، 1426 ه، 2005
  • الدارقطني، الإمام أبو الحسن علي بن عمر. الإلزامات والتتبع. تحقيق: عبد الرحمن مقبل بن هادي الوداعي. بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1985.
  • عيدو، محمد عصام. منهج قبول الأخبار عند المحدثين. بيروت، دار المقتبس، ط1، 2017.
  • الحاكم النيسبوري. سؤالات مسعود بن علي السجزي مع أسئلة البغداديين عن أحوال الرواة. تحقيق: موفق عبد الله بن عبد الله بن عبد القادر. بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988
  • الحاكم النيسبوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل. تحقيق: أحمد بن فارس السلوم، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 2003
  • الحاكم النيسبوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله. معرفة علوم الحديث. تحقيق: د. معظم حسين. بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1397 ه، 1997
  • ابن عدي، أبو أحمد عبد الله. الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق: أحمد عادل عبد الموجود وغيره. بيروت، دار الكتب العلمية
  • ابن الأثير، المبارك بن محمد الجزري. جامع الأصول في أحاديث الرسول. تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط. دار الفكر، 1390 ه، 1971.
  • الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن جعفر. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات. تحقيق: د.نور الدين بن شكري بن علي بوياجيلار. الرياض، أضواء السلف، ط1، 1418 ه، 1997.
  • ابن بلبان، علي بن بلبان الفارسي. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. تحقيق: شعيب الأنراؤوط. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1414 ه، 1993.
  • ابن حجر العسقلاني. نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. تحقيق: نور الدين عتر. دمشق، مطبعة الصباح، ط3، 2000
  • ابن حجر العسقلاني، النكت على كتاب ابن الصلاح، طبعتان، ط1، تحقيق: مسعود عبد الحميد السعدني، محمد فارس. بيروت، دار الكتب العلمية. ط2، تحقيق: ربيع بن هادي عمري. السعودية، الجامعة الإسلامية في المدينة، ط1، 1404ه، 1984
  • ابن حجر العسقلاني. هدى الساري لمقدمة فتح الباري. تحقيق: شعيب الأرناؤوط وغيره. دمشق، دار الرسالة، ط1، 2013.
  • ابن كمال باشا. فروق الأصول. تحقيق: محمد عبد العزيز المبارك. دار ابن حزم.
  • ابن الملك، عبد اللطيف. شرح الأنوار في أصول الفقه. نسخة تركية في إسطنبول.
  • ابن الصلاح. علوم الحديث. تحقيق: نور الدين العتر. بيروت، دار الفكر المعاصر.
  • ابن القيم الجوزية. إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق: أحمد عبد السلام الزعبي. بيروت، دار الأرقم بن أبي الأرقم، ط1، 1418ه، 1997.
  • ابن قتيبة الدينوري. تأويل مختلف الحديث، تحقيق: أبو أسامة سالم بن عيد الهلالي السلفي الأثري. الرياض، دار ابن القيم والقاهرة، دار ابن عفان، الطبعة الثانية، 2009.
  • العراقي، الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحمن بن الحسين. فتح المغيث شرح ألفية الحديث، تحقيق: الشيخ أحمد شاكر. بيروت، عالم الكتب الطبعة الثانية 1408 هـ، 1988.
  • الجصاص، أبو بكر الرازي. الفصول في الأصول، تحقيق: محمد محمد تامر. بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 2010.
  • الجويني، الإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله. التلخيص في أصول الفقه، تحقيق: عبد الله جولم النيبالي وشبير أحمد العمري. بيروت، دار البشائر الإسلامية، ط 1 1417 هـ، 1996.
  • الكعبي، أبو القاسم البلخي. قبول الأخبار ومعرفة الرجال، تحقيق: أبو عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم. بيروت، دار الكتب العلمية.
  • الكفوي، أبو البقاء. الكليات، تحقيق: عدنان درويش محمد المصري. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1998.
  • الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 4، 1996.
  • الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت. الكفاية في علم الرواية. بيروت، دار الكتب العلمية، 1988.
  • اللكنوي، محمد عبد الحي. الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. القاهرة، دار السلام الطبعة السابعة، 2000.
  • اللكنوي، محمد عبد الحي. ظفر الاماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني في مصطلح الحديث. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. حلب، مكتبة المطبوعات الإسلامية، ط 3، 1416.
  • اللكنوي، محمد عبد الحي. الفوائد البهية في تراجم الحنفية، تحقيق: أحمد الزعبي. بيروت، دار الارقم، ط 1، 1998.
  • النووي، محيي الدين يحيى بن شرف. المنهاج شرح الجامع الصحيح، تحقيق: د.مصطفى ديب البغا. دمشق، دار العلوم الإنسانية، ط 1، 1418 هـ، 1997.
  • القاضي عياض، أبو الفضل بن موسى بن عياض. إكمال المعلم بفوائد مسلم، تحقيق: يحيى إسماعيل. المنصورة، مصرـ دار الوفاء ـ ط 1 ـ 1419 هـ، 1998.
  • الرازي، فخر الدين محمد بن عمر. المحصول في علم الأصول، تحقيق: طه جابر فياض العلواني. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1412 هـ، 1992.
  • السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل. أصول السرخسي، أد. أبو الوفاء الأفغاني. بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 1426 هـ، 2005.
  • الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة، تحقيق: أحمد محمد شاكر. مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1938.
  • الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي. اللمع في أصول الفقه، تحقيق: محي الدين مستو، يوسف علي بديوي. دمشق، دار الكلم الطيب.
  • السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر. تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، تحقيق: مازن بن محمد السرساوي. دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى 1431 هـ.
  • طاهر الجزائري. توجيه النظر إلى أصول الأثر، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. حلب، مكتب المطبعة الإسلامية، ط 1، 1416 هـ، 1995 م.
  • ثلاث رسائل في علم مصطلح الحديث وتشمل: شروط الأئمة الستة، المقدسي أبو الفضل محمد بن طاهر، وشروط الأئمة الخمسة، الحازمي أبو بكر محمد بن موسى، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبعات الإسلامية – الطبعة الثانية، 2005.
  • الزركشي، بدر الدين بن بهادر بن عبد الله. البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق: الشيخ عبد القادر عبد الله العاني – تحقيق: سليمان الأشقر. الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الطبعة الثانية، 1413 هـ، 1992
  • الزرنوجي، برهان الإسلام. تعليم المتعلم طريق التعلم، تحقيق: مروان قباني. بيروت: المكتب الإسلامي، ط،1 1981
  • https://www.bukhari-pedia.net/book/matn_bukhari/1

المراجع الإنجليزية:

  • Bergmann, Michael. (1997), “Internalism, Externalism and the No-Defeater Condition,” Synthese, 399-417.
  • Brown, Jonathan: How We Know Early Hadith Critics Did Matn Criticism and Why It’s So Hard to Find, Islamic Law and Society 2008, 143-184.
  • Faulkner, P. (2000), ‘The social character of testimonial knowledge’, The Journal of Philosophy, 97, (11), 581-601.
  • Fricker, E. (1995), ‘Telling and trusting: reductionism and anti-reductionism in the epistemology of testimony’ (Critical notice of Coady 1992), Mind, 104, (414) 393-411.
  • Harman, G. (1986), Change in View. Cambridge, MA: MIT Press.
  • Lackey, J. (2006), ‘It takes two to tango: beyond reductionism and non-reductionism in the epistemology of testimony’, in J. Lackey and E. Sosa (eds), The Epistemology of Testimony. Oxford. Oxford University Press, pp. 160-189.
  • Lackey, J. (2006), ‘Knowing from Testimony’, Philosophy Compass, 1/5, 432-448.
  • Lehrer, Keith: Testimony and Trustworthiness, the Epistemology of Testimony, ed. Jennifer Lackey and Ernest Sosa 145-160.
  • Mackie, J.L. (1969), ‘The possibility of innate knowledge’, Proceedings of the Aristotelian Society, 70, 245-57, 257.
  • Thagard, P. (2005), ‘Testimony, credibility, and explanatory coherence’, Erkenntis, 63, (3), 295-316.

أعجبني المقال

المصدر
academia

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى