الفلسفة

اللغة وقواعدها والواقع

تأملات جورج ريزلي عن أفكار فيتجنشتاين حول اللغة وعلاقتها بالواقع

  • جورج ريزلي
  • ترجمة: يوسف داود
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: أمل عربي عبد الوهاب

ثمة سؤالان؛ من بين الأسئلة الدائمة للفلسفة التحليلية في القرن العشرين، تمحورا حول مقدرتنا على أن نقول أو نعني أي شيء باستخدام الإشارات والحروف والأصوات وماذا تعنى تلك الإشارات، الحروف، والأصوات تحديدًا. لكن ما الذي وجه اهتمام الفلاسفة نحو اللغة والمعنى؟ لبيان ذلك سأذكر اثنين من الأسباب العامة.

أما السبب الأول: فهو أن عددًا لا بأس به من المسائل يحتك به الفيلسوف إذا ما فكر في اللغة وقد يتسبب هذا الاحتكاك في اكتساب بعض المدارك ذات الثقل والأهمية في الفلسفة.                                                         

أما ثاني الأسباب: فهو التأثير الملحوظ الذي خلفه بعض الفلاسفة الذين كانت للغة نصيبًا من اهتماماتهم والذي ورثه كثير ممن يشتغل بالفلسفة لاسيما البريطانيون منهم والأمريكيون.

ودعني أحدثك عن السبب الأول في البدء. يستعصي عليّ بيان الأهمية والمكانة التي يحتلها إيمانويل كانط في الفلسفة الحديثة على نحو كافً، فمن اجتهاداته الفلسفية توجه اهتمام الفلسفة إلى العلاقة بين العقل والعالم، أي الصلة بين الوعي الذاتي والعالم المتجرد الخارج عن الوعي. وشرح كيف كانت العلاقة بين العقل والعالم شرحًا جوهريًا في إطار ما أسماه بالمقولات، أو السمات المفاهيمية التي يتعين علينا تملكها حتى يتسنى لنا خوض تجارب ذات معنى في العالم.

إلا أن كانط لم يتناول تلك السمات والمفاهيم من منظور لغوي، إذ أن تلك السمات تسبق وجود اللغة. وبتقادم الزمن، ركز من خلفه من الفلاسفة على المفاهيم التي تمدنا بها اللغة بدلا من السمات التي تنبع من العقل. وشرع الفلاسفة يتفكرون في دور اللغة في الصلة بين العقل والعالم وكذلك قيامها بدور الوسيط في تجربتنا مع العالم. وبعيدًا عن كانط، فإن أحد البواعث التي حولت انتباه فلسفة القرن العشرين إلى اللغة، حقيقة أننا سنتمكن من حل شتى المعضلات الفلسفية المثيرة، أوقد يتضح لنا أنها ليست بمعضلات حقيقية= إذا ما تمكنا من تبيين منطق اللغة، وإذا حللنا ما نقوله بحيث لا ندع فرصة لقواعد اللغة أن تضللنا.

وأما فيما يتعلق بالسبب الثاني لتركيز الفلسفة على اللغة: فإن العقول التي رسمت خارطة الطريق للفلسفة التحليلية في القرن العشرين من أمثال فريجه ورسل ومور وفيتجنشتاين قد ركزوا على صنف من التحليل الفلسفي للغتنا. وبسبب تأثيرهم على الجيل الذي تبعهم من الفلاسفة الذي ضم كوَين وبتنام ودافيدسون فقد بذل هؤلاء جل وقتهم، باحثين في جوانب متباينة في اللغة ومسائل تتعلق بالمعنى والحقيقة.

وللغة دور في منتهى الأهمية فيما يخص تفاعلنا مع الآخرين ومع العالم. فمن شأننا استخدام كلمات مختلفة ومفاهيم متفاوتة للتكلم عن الأشياء مثل الطاولة والزهور، والصفات مثل الألوان والأشكال، والعلاقات مثل أن نقول “الزهرة على الطاولة” أو أن نقول “ذراعي تؤلمني”. فنحن نعبر عن المشاعر ونطرح الأسئلة ونملي الأوامر ونقول النكات ونحكي القصص ونغني الأغاني وهلم جرًا.

ولنعد الآن لغرة أسئلتنا: كيف يمكننا أن نقوم بكل ذلك من خلال اللغة؟ كيف أمكن لمجموعة من العلامات والحروف وأصوات معينة أن يكون لها معنى؟ وما معناهم تحديدًا؟ هل كلمة “قطة” لها معنى بسبب ما تشير إليه؟ أي تلك الحيوانات الأليفة ذات الفرو وأصوات المواء التي نربيها في بيوتنا؟ هل يقتصر معنى كلمة قطة على تلك الحيوانات وحدها؟ هل يحدد العالم مفاهيمنا؟ أي هل نستخدم اللغة بكل بساطة لعكس صورة ما يوجد من أشياء وسمات وعلاقات؟ أم أن العالم يتسع لصياغته بمفاهيم غير تلك التي نستعملها؟

كان من شأن تلك الأسئلة وأمثالها إزعاج فيتجنشتاين، وقد حاول أن يجيب على تلك الأسئلة في كتابه “رسالة فلسفية منطقية” ولكنه رصد لاحقًا بعض المآخذ في الإجابات التي أوردها في ذلك الكتاب، وعرض ما تغير من أفكاره في تدوينات عدة وكتابات لم يتسنى له أن ينهيها والتي نُشرت في العقود التي لحقت وفاته. وأوسع أعماله شهرة هو كتاب “تحقيقات فلسفية” والذي كان يحضر لنشره قبيل وفاته في عام 1951، إلا أنني سأستند في هذه المقالة على أواخر كتاباته.

 

معيارية اللغة وقواعدها

يعد المعنى اللغوي معياريًا على نحو واسع، أي أننا لا نقول الكلام جزافًا بل نقوله عن دراية بالصواب والخطأ من طرق الحديث. إذ لو قلنا الكلمات على النحو الخطأ فلن نتمكن من قول أي شيء ذي معنى. وعلى سبيل المثال، إذا قلت “كانت الشرفة كلبًا” فإما أنني استخدمت “الشرفة” أو “كلبًا” على نحو مخل يجعلنني أبدو كأنني أهذي. وللمعيارية دور بارز في آراء فيتجنشتاين المتأخرة حول اللغة.

وربط فيتجنشتاين فكرة المعنى اللغوي بفكرة استخدامنا للغة. وتعد طبيعة العلاقة بين المعنى والاستخدام التي حددها بدقة مظانًا للجدالات المتأججة إلا أنني سأحاول أن أجعل مدار كلامي هو الحاجة لحل مثل تلك المشاكل التوضيحية. وأقل ما يمكننا استخلاصه هو أنه في نظر فيتجنشتاين ثمة علاقة بين استخدامنا للغة – أي ما نفعله بها ومتى وأين نقول ما نقوله- وبين معنى الأصوات التي نصدرها والحروف التي نكتبها.

وفي رأي فيتجنشتاين، فإن استخدامنا للغة مقيدٌ على نفس النحو الذي تقيد به قوانين لعبة الشطرنج حركات إحدى قطع اللعبة مثل الملك. ويميل فيتجنشتاين في آواخر فلسفته لفكرة القاعدة اللغوية أوما يسميه على نحو مشوش حكم القواعد اللغوية. والقواعد اللغوية هي المعايير التي نقيم من خلالها ما إذا كلامنا له معنى أو لا. إلا أن ذلك التقييم لا ينبغي أن يفصح عن علله. فطالما تعلمنا نفس اللغة وننتمي لنفس مجموعة المتحدثين فأنا أُقيِّم استخدامك للغة على أساس فهمي أو عدمه لما تقول، وإنْ أنت حركت قطعة القلعة في لعبة الشطرنج بما يتفق مع قواعد اللعبة فسأفهم تحريكك لها. إلا أن القواعد ليست حاضرة لكنها موجودة في خلفية معرفتنا. وإن حركت قطعة القلعة على نحو مائل فسنستحضر القواعد ونذكرها. وعلى نحو مماثل، إن أنت أخطأت في الحديث فإما أن أصحح لك خطأك أو أن أسألك عما تعنيه، وقد تتضمن إجابتك استحضار قواعد اللغة. ولكن ما الذي يعنيه فيتجنشتاين تحديدًا بقواعد اللغة؟ إنه يستخدم “قواعد النحو” بالمعنى المعروف لكن المثال الذي أورده ليس كتلك الأمثلة التي تجدها في كتاب عادي لقواعد اللغة. بعض أمثلته على قواعد اللغة كانت “4 أمتار هو طول” و”الأريكة أطول من الكرسي” و”هذا أحمر” عندما يشير لشيء أحمر اللون و”الإيمان لا يساوي التفكير”. جزء من الفكرة هنا هو أن قواعد اللغة هو ما نخبره لبعضنا عندما نحاول أن نشرح معنى كلمة. فنحن إن تكلمنا مع طفلة وأخبرناها أن شيئًا ما أربعة أمتار فسألت إن كان الأربعة أمتار شيئًا ثقيلًا فسنشرح لها أن أربعة أمتار هي طول. وإن أردنا أن نوضح ما نقصده بـ “الإيمان” بشيء فسنلاحظ أن ثمة اختلاف بين الإيمان بشيء والتفكير فيه وبالفعل ثمة اختلاف بينهما. فقد يؤمن المرء بشيء ولا يفكر فيه وقد يفكر في شيء ولا يؤمن به. وبالنسبة لفيتجنشتاين فقواعد اللغة تقيد ما نعنيه بالكلمات والتعبيرات تقييدًا معياريًا. وتعد قواعد اللغة شرطًا للمعنى اللغوي.

ويتصل جانب آخر بقواعد اللغة وهو أهمية قواعد النحو للمعنى في توفيره للشروط التي يمكن التكلم من خلالها بشكل عقلاني عن العالم. وكما يقول فيتجنشتاين: تعمل القواعد اللغوية كقنوات يجري فيها كلامنا عن العالم على نفس النحو الذي تنظم به ضفةُ النهر جريانَ الماء. وكما يقول في كتابه “القواعد النحوية الفلسفية” الذي كتبه بين عامي 1930 و1933: جزء من الفكرة هنا أن القواعد اللغوية لا تحدد حقيقة أو زيف ما نقوله عن العالم، وإنما دور القواعد النحوية هو أن توفر الشروط التي يتسنى لنا بها مقارنة أفكارنا التجريبية بالحقيقية لنقرر إذا ما كانت حقيقية أم لا.

وعلينا أن ننتبه لعدة أمور حتى نتجنب التشوش: أولها أن اتباع قواعد النحو والتكلم بكلام ذي معنى لا يتطلب معرفة القواعد كافة، ولا يقتضي الكلام أن نحدد كل القواعد التي تخصه، لأنه أولًا ليس من المنطق أن تعرف القواعد النحوية كافة إذ أن المعنى اللغوي ليس مقيدًا، بل له حالات وسياقات متعددة، والكثير من الكلمات معرض لأن يُستخدم بمعانٍ أخرى في السياقات المستقبلية. مثلًا، عندما تتعلم طفلة أسماء الألوان المختلفة فربما تسأل “ما هو اللون الأحمر؟” وحينها يمكن أن نجد شيئًا لونه أحمر ونشير إليه قائلين “هذه الزهرة لونها أحمر”، في هذه الحالة قد أخبرناها بقاعدة نحوية، لكن إذا كنا نتحدث مع شخص لا يميز بين اللونين الأحمر والأخضر وسألنا ما لون هذا القميص فقلنا له “هذا القميص أحمر” ففي هذا الحالة لم نطلعه على قاعدة نحوية بل أخبرناه بفكرة تجريبية، أي فكرة تصف بعض سمات العالم الذي نختبره.

ثالثًا: إن فكرة ألعاب اللغة تلعب دورًا مهمًا في فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة. وما يعنيه بألعاب اللغة هو الطريقة الاعتيادية التي يستخدم بها الناس الكلمات والعبارات والإيماءات وتعبيرات الوجه والحركات الأخرى ليتواصلوا في مواقف معينة. وإن تابعت التطور الذي لحق بكتابات فيتجنشتاين التي أتت بعد كتاب رسالة فلسفية منطقية فسيتبين لك أن تركيزه تحول من القواعد اللغوية لألعاب اللغة، في حال مناقشة القضايا المتعلقة بالمعنى، إلا أن الباعث الذي جذب فيتجنشتاين نحو ألعاب اللغة هو استيعابه لمعيارية اللغة وأهمية القواعد اللغوية. لذلك، لا يعد تحول التركيز عن القواعد اللغوية ليكون على ألعاب اللغة نبذًا للقواعد النحوية، بل يرى أن القواعد اللغوية هي عماد قوام ألعاب اللغة. ويعد هذا تحولًا نحو منظور يتسع لأهداف أكبر بشأن استخدامات اللغة. وهو تحول يتضمن استيعاب أن كلماتنا ذات معنى حتى إن لم تكن مقيدة بالقواعد تقييدًا كاملًا.

 

اعتباطية قواعد النحو ودور الواقع

كان لربط فيتجنشتاين المعنى بالاستخدام تبعات جليلة. وقد سبق وطرحت السؤال عن إذا ما كانت كلمة “قطة”   تعطي معنى لأنها تشير لذلك المخلوق الأليف الذي نحبه، وقد يكون هذا المنظور مغريًا لأن اللغة تتصف بالتمثيلية، أي أنها تدور حول الأشياء لذلك تكون الأشياء مثل القطط والطاولات، والأفكار والمشاعر هي ما تقوم عليه اللغة وتعطيها معنى. أما فيتجنشتاين فيرفض هذا المنظور السابق، فنحن نتكلم عن جمهرة من الأشياء ونشير لكثير منها إلا أن اللغة ليست ذات معنى بسبب الأشياء التي تتحدث عنها، والحق أن اللغة ذات معنى بسبب الطرق التي نستعمل بها الكلمات في سياقات مختلفة ولأن الطرق التي نقول بها الكلمات والتعابير منها ما هو صواب ومنها ما هو خطأ. وأكرر أن اللغة مقيدة بقواعد النحو تقييدًا معياريًا، وهذا التقييد هو مما اصطلح عليه المجتمع، مثل اتفاقهم على قواعد لعبة ما.

ومن هذا المنظور إلى اللغة والمعنى نكتسب عددًا من المدارك المثيرة. إحداها تركيز فيتجنشتاين على طبيعة اللغة بين العامة، وذلك أن قدرًا كبيرًا من المعيارية التي تخدم المعنى مستمدة من التوجيهات والسؤال عن التوضيحات والتصحيحات التي يلقيها الآخرون عند تحدثنا معهم ولاسيما في حال تعلمنا لغة ما. بالإضافة إلى حقيقة أن مقدارًا كبيرا من لغتنا بات ذا معنى بسبب استخدامه بين العامة لا غير، فنحن لا نعرف إذا ما كان سلوك طرح أسئلة على أنفسنا وإعطاء الأوامر سلوكًا ذا معنى أم لا. وثمة سؤال له صلة بهذا الشأن وهو هل من الممكن استحداث لغة خاصة تتضمن التفكير بما نعنيه عندما نتحدث عن الإحساسات التي نختبرها؟ والأمر الذي أود أن أصب انتباهي عليه هو أن اللغة لا تفسر الواقع المجرد ولا تعكسه، أي كما قال فيتجنشتاين: “قواعد اللغة اعتباطية، واللغة مستقلة بذاتها عن الحقيقية”.

عندما يقرر فيتجنشتاين أن قواعد اللغة اعتباطية فإنه يقصد عدة أشياء، وسأقتصر على فكرة أن قواعد النحو والمعنى لا يفسران الواقع ولا يعكسانه، فلو أخبرتني أنك رأيت نمرًا لبني اللون ولم أصدقك فأتيتني بنمر لبني اللون وأشرت له مقررًا أنه نمر لبني اللون فأنت بذلك تبرر قولك بأن ثمة نمر لبني اللون. في رأي فيتجنشتاين، لا يسعنا أن نبرر قواعد النحو بالطريقة التي نبرر بها وجود نمر لبني اللون، فماذا يعني بذلك ولماذا يهمنا ذلك؟

بالاستعانة بمثال قواعد اللغة الممل “الأريكة أطول من الكرسي” الذي يبين قدرا مما تعنيه بقولك “أريكة”، كيف يمكن أن تفسر تلك القاعدة؟ قد تحاول أن تشرح لي ماهية الأريكة وماهية الكرسي، وقد يتضمن هذا الشرح حقيقة أنه يمكن أن تستلقي على أريكة ولكن لا يمكن ذلك على كرسي، وبناء على ذلك فالأريكة أطول من الكرسي. ويمكنك أيضًا أن تريني كلًا من الكرسي والأريكة لأتبين أن الأريكة أطول من الكرسي بحق، إلا أن تلك الطرق لشرح الأمر معلولة بنفس المشكلة؛ فلو كانت الكلمات التي تقولها أو الإيماءات التي تشير بها ذات معنى لكانت قواعد اللغة التي تحدد العلاقة بين الأريكة والكرسي ذات فائدة أو سارية. وجدير بالذكر هنا أن بالنسبة لفيتجنشتاين فقواعد النحو تمدنا بالشروط التي يمكن وفقها الكلام عن بشيء ذا معنى. فلو لم تكن القواعد اللغوية قيد العمل وسارية= لما كان ثمة كلام ذو معنى، ولما أمكن شرح ماهية الكرسي والأريكة شرحًا ذا معنى. والفكرة هنا أنه إذا كانت القواعد تمكننا من استخدام “ذي معنى” للغة فلا حاجة لنا لشرح ما نعنيه بالواقع، وكيف يمكن ذلك بالأساس؟

لنلقي النظر مجددًا على سيناريو الإشارة للأريكة والكرسي والادعاء بأن ذلك يفترض ضمنيًا أن قواعد اللغة قيد العمل. تعد هذه الإشارة نوعا من التعريف التمثيلي: أي أنك تعرف الكلمة أو التعبير بالإشارة لما يمثله، فتشير مثلًا للأريكة وتقول: هذه أريكة. ويعالج فيتجنشتاين فكرة التعريفات التمثيلية على نطاق واسع. ومن بين الأمور التي يتفق عليها مفسرو كتابات فيتجنشتاين: هو أنه أراد أن يذكرنا بأن التعريف بالإشارة لا يكون ذا معنى سوى في سياق ألعاب اللغة، أي أنه لكي نشير على سبيل المثال لشكل شيء بدلًا من لونه على المرء أن يدرك أشياء معينة عن الألوان والأشكال، إذ يتحتم على المرء أن يدرك ماهية اللون والشكل فالإشارة وحدها تتصف بالغموض. فعندما تشير لكرة على منضدة فثمة احتمالات عديدة لما تشير إليه: فقد تُفهم إشارتك على أنها إشارة للكرة نفسها أو الكرة والمنضدة سويًا أو المساحة التي يشغلانها أو قماش الكرة أو شكل الكرة… وهكذا. ولتجنب هذا الغموض ولتبيين أن إشارتك هي لشكل الكرة وليس للونها يتعين على اللغة أن تكون قيد العمل. لذلك، في حالة الأريكة والكرسي، يتحتم على القواعد اللغوية التي لها شأن بالأريكة والكرسي أن تكون قيد العمل كي لا تكون الإشارة لهما غامضة.

لذلك فاللغة مستقلة بذاتها عن الحقيقة لأنها لا تفسر الواقع. ولكن كيف يعني ذلك أن قواعد اللغة اعتباطية؟ من المهم التأكيد أن ذلك لا يعني أن القواعد النحوية والمعنى لها صفات متقلبة وأنهما ليسا مقيدين بأي شيء؛ وإنما يعني أن الواقع المجرد غير الإنساني لا يحدد مفاهيمنا ولا طرق تحدثنا. وبأخذ تركيبنا الفسيولوجي في الاعتبار مع علاقتنا بعالمنا المعقد وعلاقتنا بالآخرين= نجد أن لدينا احتياجات ورغبات معينة تساعدنا على تشكيل لغتنا والمفاهيم التي نصيغها حتى يتسنى لنا الكلام عن العالم وعن أنفسنا. ولو اختلفت جوانب بعينها من حياتنا الاجتماعية والبدنية لاستخدمنا مفاهيم أخرى.

إننا نتكلم عن الصخور والطاولات والكراسي والكتب والمشاعر والحكومات، إلخ. ونقسم العالم لأجزاء مختلفة، وقد يتراءى لنا أن ثمة من الطرق ما هو صواب وما هو خطأ حسب تقسيمه. فبالفعل ثمة قطط وثمة كلاب والكلاب تختلف عن القطط، وثمة ذرات وشموس ونجوم، فنحن نستعمل تلك المفاهيم لأن من خلالها يمكن أن نمثل العالم كما هو. هذه النظرة هي جزء مما يرفضه فيتجنشتاين، فالعالم لا ينحت نفسه ويبينها على هيئة أشياء، فقواعد اللغة اعتباطية لأنها ليست مقيدة سوى باحتياجاتنا ورغباتنا والطريقة التي نستوعب بها الحقائق الأولية فيما يتعلق بالبيئة حولنا ومكاننا فيها. فلو اختلفت احتياجاتنا أو تغيرت حقائق معينة عن مكاننا في العالم أو تغيرت طريقة استيعابنا له لاختلف تقسيمنا للعالم.

يضعنا هذا الفهم لاعتباطية قواعد اللغة في وضع حرج من عدة نواحي؛ فمن ناحية، يعارض هذا الفهم ما نسميه بغاية العلم: التساؤل عن الطبيعة الموضوعية للواقع والانتهاء بوضع نظرية تفسر ذلك الواقع تفسيرًا صحيحًا. فعلى سبيل المثال، اكتشفنا أن جزيء الماء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، وذلك هو الماء حقًا بغض النظر عن كيف نتكلم عنه. ومن ناحية أخرى: يتخلل هذه النظرة اعتبارات فلسفية أساسية أخرى.

كتب فيتجنشتاين في الفصل 373 في كتابه تحقيقات فلسفية أن: “قواعد اللغة هي التي تحدد لنا ماهية الأشياء”. فلا يسعنا أن نحدد مدى اعتباطية اللغة في هذا السياق وإلى أي مدى نقوم نحن – وليس العالم- بتحديد ماهية الأشياء. أيعني ذلك أن الموجودات تعتمد على وجود اللغة وأنه إذا لم نوجد ولم توجد لغتنا فلن يكون للعالم ماهية؟ ذلك ليس واردًا، فهذا يؤدي إلى أن قواعد اللغة نفسها يحددها العالم من خلال حقائق أساسية بعينها تتعلق بتركيبنا الفسيولوجي واحتياجاتنا والبيئة حولنا، فلو تطلب وجود كل تلك الأشياء وجود قواعد اللغة فلن يكون بمقدورهم تكوين قواعد اللغة. أيعني ذلك إذا أن ثمة عالم مستقل عن اللغة وعنا ومتقلب بحيث يتسع لطرق مختلفة لتشكله؟ لا يتضح ما المقصود بمتقلب هنا، فلو أن وجود العالم متقدم على وجود لغتنا فيتحتم عليه إذا أن يختص بطبيعة محددة سلفًا على نحو مستقل. ماذا يعني إذا أن تكون تلك الطبيعة المحددة سلفًا متقلبة؟

وفي محاولاتنا لفهم ما كان يشغل بال فيتجنشتاين بشأن حديثه عن اعتباطية قواعد اللغة وأهميتها للمعنى أجد أننا قد نتوه لو طلبنا منه أن يوضح على أي نحو يتصل الواقع بلغتنا. والحق أن هذا السؤال في غاية الأهمية، إلا أن فيتجنشتاين – على الأقل في بعض الأحيان- لا يريد حل هذه المسائل الفلسفية. وإنما قد يبين أنها مشاكل تقوم على سوء فهم سببُه اللغة. وبالنسبة له، فهناك دروس أهم يمكن استخلاصها من اعتباطية قواعد اللغة. فعلى سبيل المثال، اللغة ليست ذات معنى لأنها تعكس الواقع، فالمعنى ليس نتيجة لما تشير إليه اللغة من أشياء. وإنما اللغة ذات معنى بسبب كيفية وحيثيات استخدامنا لها وفقا لقواعد اللغة وأيضًا نتيجة للمواقف اليومية المختلفة التي نجد أنفسنا فيها. وثمة أسباب أخرى تتمثل في أننا من نحدد ماهية الأشياء من خلال استخدامنا للغة. فحينما نريد أن نستكشف تلك الأشياء وخواصها مثل المفاهيم الفلسفية الهامة مثل التفكير والمعنى والمعرفة والإيمان علينا أن نلاحظ استخدامنا للغة. فلا يمكننا عزل الأشياء ونصيغ خصائصهم بمنأى عن اللغة.

اقرأ ايضاً: هل من الممكن وجود اعتقاد دون لغة؟

أعجبني المقال

المصدر
philosophynow

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى