عام

روحٌ ترتع في الجنة

جواهر الشلوي

قبل أن يطرق بابي زائر، أتأهب له، وأُجهز له مكانًا في الروح، أُعيد ترتيبها وتجميلها. فغيابه يطول كثيرًا، والروح في غيابه يعتلجها الشوق، وتستوحش الحياة حتى يبين فيها بعض الذبول، فيعود في موعده، ويطرقُ بابها، وتستقبلهُ بوجهٍ مشرقاً بنوره، مستبشراً بعودته كما تستبشرُ الأرض الجافة بقطرات المطر، مُعانقتُهُ عناقًا تودُّ لو يبقى أبد الدهر، ولكنه عجولٌ جدًا، يأتي ويحُلُّ بها وبالمكان والزمان، ومع تلك البهجة التي استقبلته بها إلا أنه يُدرك أنها ليست الروح التي ودّعَها قبل عام، تبدّل حالها، ما بها؟!
هذا ما يسألها في ساعته الأولى، ثم يشرعُ في أيامه المعدودة التي يسكنها.
أن يُعين عليها يجبر ويصلح، وينفض الغبار عن المكان الذي غفلت عنه، ويمسح عنها همومها ثم يُحمّمُها ويعطّرُها بعطرٍ تفوحُ منه الطمأنينة والسكينة.

ثم إذا انتهى من كل ذلك، أخذ يمسح عليها، ويستمع لأسئلتها، ويأخذُ على محمل الجدِّ
أفكارها وتأملاتها التي لا تقف! يُجيب عليها أو يلهمها الطريق للجواب، فكانت له عدة
طُرق يوصلها إليها. إما الصلاة وكان قد زاد على صلاتها المعتادة؛ التراويح وأمرها
بطول القيام والدُعاء الذي أطال ساعات استجابته، فكان اليوم كُله موضِعًا للإجابة،
أو بالصيام لله في ساعات النهار كاملةً طول مدة زيارته، أو بإطالة التدبر في القران وقراءته فكانت هذه بعض طرقه.
ولأني بتُّ أُدرك حسن صُنعه بالروح طوال مدة سكَنِهِ بها، أصبح ديدني من ثلاث
سنوات؛ فصل الروح عن كل مجريات الحياة من حولها، فقطعت عنها استخدام مواقع التشتت الروحي؛ أقصد التواصل الافتراضي، وطوال مدة إقامته، توقفت عن متابعة أي
برامج حتى لا تُشغلها عنه، وأنهيت كلّ أعمالي، وحاجاتي للأماكن العامة قبل مجيئه، حتى لا تخرج وتتركه ثم اتفقت مع الصديقات على العزلة معه لمدة شهر، وأخبرتهن أن لا اتصال بيننا إلا لضرورة وجمعت له بعض الأعمال التي صعُبَ على الروح عملها، إما فتورًا منها، وإما أنها أعمالٌ لا تُكْمِلها إلا بوجوده، وأعددت لهما محراباً يعتزلان به.

وأتى في ليلةِ زيارته المعتادة من كل سنة، عام ألف وأربع مئة وواحد وأربعون للهجرة.
وإذا بالروح تستقبلهُ استقبالا مختلفاً، وتعانقه عناقاً فاتراً، وإذا به يرى في وجهها شجة من حزن، وإذا بعينها التي تتلألأ فرحاً به كل عام لا تتلألأ! وإذا به يلمحُ في اتساعها بحراّ من دموع، تحاول أن تخفيها عنه، فعلم أن ما حلّ بها أمرًا لم يحلّ بها من قبل، وأن هناك أمراً غير معتاد، فأخذ بيدها فشدّت على يده، وكأنها تحاولُ كبّ بركانٍ من الهمّ سكن فيها بقبضة.
فنظر إليها وقد أطرقت برأسها، فرفعه حتى نظر بعينها وقال: ما بك أيتها الروح الطيبة الندية؟ ما عهدتك بهذا الحال، وما عهدت منك الحزن كلّما ولجتُ إليكِ وعدتُ من سفري!
ألم تبكين على رحيلي العام؟! وودعتنِي وقد كتبتِ لي كتاباً تتعهدين فيه أن تبقي مخلصةً وفيةً لي من بين الشهور كلّها، وأن تصوني الخير الذي وضعته فيكِ، لا يشوبه من الدنيا لهواً ولا لعباً، وأن تتشبثي بكل نفحات الإيمان التي تحافظ عليك من الغرق في بحر الدنيا، وأن تحافظي على كلّ عملٍ صالحٍ بنيناه معاً، وترمّمِين ما خرُب فيها حتى أعود.
نظرتْ بعينه وقد انهمرت على خديها الدموع، كما الزهرة التي يقطر عليها الندى في مطلع الصبح، وبصوت تختلط فيه الكلمات بعبرات البكاء قالت: ليس الأمر كما تظن فقد أخلصتُ، وصنتُ إيماني وعهدي ولكن! وصمتت قليلاً، وأردفت قائلة: قبل مجيئك بشهرين دبّ في الأرض وباءٌ سريع الانتشار بين الناس، يبثُّ فيهم الحُمّى، وضيق التنفس، وله فيهم أعراض أخرى تختلفُ من شخص لأخر، حاروا فيه العلماء على وجه الأرض، ولا لقاح يقي الناس شره، وراعَ البشرية جمعاء طيفُه، وهابوا حتى ذكره، وقد جاءنا من بلادِ تقعُ شرق الأرض اسُمها الصين، فضاقت علينا الأرض بما رحبت، ونادى المنادي ببيانٍ أمرَ به الحاكم أن أغلقوا المدراس والأسواق، وكلّ مكان يجتمع فيه الناس، وأوصِدِوا عليكم أبواب بيوتكم، ولا تستقبلوا بها أحدا، ولا تفتحوها لكل طارق، وأقفوا أفراحكم أو أجلوها الى حين، وإن مات أحدٌ منكم؛ لا يستقبل أهلها المعزين فيه. إنّ التباعد الاجتماعي الآن هو حَلُّنا وملجأنا بعد الله لنحتمي به.
وأما الذي شجّ الحزن بوجهي، وجعلني أستقبلك بهذا الهمّ، هو يوم قال المنادي: (صلوا في بيوتكم-صلوا في رحالكم) وأغلقت سكينةُ فؤادي، وطمأنينتُه أبوابها، وأصبحتْ خالية من المسلمين العابدين، إلا ثُلةً قليلةً ممن تعمل فيها.
أتقصدين مكة؟
نعم مكة، وإن فؤادي ليُصبح فارغاً حتى أزورها في أيامك معتمرةً أطوف حول الكعبة، وأسعى بين الصفا والمروة، وأبتهلُ لربي في المكان الذي جعله قبلة للمؤمنين، وسمع فيه دعاء إبراهيم حين قال [فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ] فهوت الأفئدة إلى مكة، وإنني لتعاد لي طمأنينتي فيها والآن موعد زيارتي لها قد اقترب، وحال بيني وبينها شبح الوباء، ولا صلاة تراويح مع الجماعة أستطع أن أصليها، ولا إفطار، ولا لقاءَ برحمي في أيامك، فستكون أيامك هذه العام مختلفة، وإني أخاف أن لا أكون لك كما أكون كل الأعوام، وأن الحزن الذي حلّ بي يجعلني أقصّر في تكريمك.
فابتسم ضاحكاً وقال: أيتها الروحُ العزيزة، إني قد عرفتك تألفين العزلة في أيامي، وهذه فرصة، حتى لا يشغلك شاغلٌ عن العبادة، وعرفتك تتأملين كثيرًا، أفلا تتأملين هذه الأيام وتتدبرين فيها صنع الله؟!
فتأملي كيف يعيش المؤمن الذي تخلو بلاده من المساجد وصلاة الجماعة، ومع ذلك يبقى قلبه رطباً بذكر الله؟!
وتأملي مؤمناً أبطن إسلامه، وجعله بينه وبين الله، في بلاد تقمع الإسلام والمسلمين، وكلما أراد عبادته؛ أغلق على نفسه الأبواب. تأملي كيف زرع الله فيه الثبات والوقار.
وتأملي كيف تهفو لمكة أفئدةٌ من الناس، تظل طوال عُمرها تجمعُ المال، وتحارب الفقر، حتى تأتي لزيارتها مرة واحدة في العمر، لتطفئ بلقاءٍ لا يتكرر شوق السنين الفائتة والقادمة.
وتأملي في أيامك هذه؛ حال عبادة الذين لا رحم لهم، أو الذين حالت بينهم وبين صلة رحمهم صروف الدهر، وكيف وضعك الله بين أحبابك ورحمك، وبارك لكم في رزقكم ومعيشتكم.
ولعل هناك الكثير من التأملات التي ستكتشفينها في أيامي، ثم ادعي، أليست ساعاتي كلها موضعاً للإجابة؟! فأكثري الدعاء لعل الله يرفع عنكم هذه الغمة، ويعيد لكم أيامكم الأول.
فابتسمت له وقد تهلل وجهها، وهدأت نفسها، وقالت -إن شاء الله تعالى-
وأخذت بما نصحها، ورتبت أيامها له.
حتى إذا ودّعها وغادر، ولبست ثوب العيد، كأنها كانت ترتع في الجنة ثم عادت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق