عام

الشريك المسؤول

  • د. هشام بن صالح الذكير

على يمين مكتبتي ملف خاص بالمشاريع الشخصية منذ ما يزيد على خمس عشرة سنة، ورقاتها مليئة بالأهداف، ووسائل تحقيقها. تمضي السنون والشهور وأنا أرسم أهدافاً جديدة، وليس لدي (قوائم محاسبية) بالمــُنجَز منها والمـتعثِّر!  

مضت سنون وأنا أتأمَّلُ .. أُدوِّنُ ..أقرأُ.. أجمعُ القُصَاصَاتِ في أسباب ضعف الإنجاز حتى تكوَّنت عندي ورقات لا بأس بها؛ إلا أنّ الأهداف تتعثَّر – حسبما أراه – ولا تسل عن عملية الزِّحف بين المهام حتى يكون الصدام !

مازلتُ في تلك الدوامة، سيما وأن الملامةَ – دائماً – تنصَبُّ على الذات، ثم التوصيةَ برفع مستوى (الجِّديَّة)!

ظننتُ بادئ الأمر أن المشكلة الكبرى هي الوظيفة؛ انتقلتُ إلى عملٍ آخر، ومازالت المشكلة قائمة!

مقال (تشتيت العزَمَات) للشيخ/ سليمان العبودي (وفقه الله) جعلني أُفكِّر في (آليات تركيز العزمات)، بعدها أهدى إليَّ أحد الأصحاب كتاباً رائعاً اسمه: (الشيء الوحيد the one thing) ففتح أُفُقَاً جديداً للإنجاز من الناحية النظرية، باعتبار أن الكتاب يُنمي ملكة (إدارة الأولويات)؛ حينها بدأتُ بكتابة الأهداف بلغةِ (الشيء الوحيد)، مما حَدَا بي إلى مراجعة بعض فصول الكتاب أثناء تحديد الأهداف، بل أمسيتُ أبحث عن كتب تطوير الذات؛ ومتابعة عددٍ من قنوات (اليوتيوب)، مع سلسلة من الكتب المصاحبة مثل: كتاب (كيف تقول لا) لكورين سويت، و(نقطة تركيز لبراين ترايسي) وكتابه الآخر (قوة الانضباط)، وكتابه الثالث (التهم هذا الضفدع)، وكتاب (أنجز الأمر) لجونز لوفين.

 

ومازلت أشعرُ بمشكلة!

كثيراً ما كنت أناقش أحد الزملاء عن مشكلة (عدم الإنجاز = الانتاجية) فأوصاني بقراءَة الكتاب الرائع (الماجَرَيات)، فقرأت أول ثمانين صفحة (المتعلقة بضعف الانجاز) إلا أنَّ المؤلِّف وصف المشكلة بوصفٍ بديع، وبرأيي أنه لم يلتفت إلى مربع [كيف سبيل الإنجاز = الانتاجية؟].

قبل خمس سنواتٍ ونيِّف شدَّتني عبارة كررها أحد المختصين بالتخطيط، أستأذنه في صياغة مضمونها: ” لابد من استشعار الرضا والطموح أثناء العمل، السعادة لا تؤجَّل”!

صدى هذه العبارة أعادني سنين عديدة، وقفزت بي الذكريات إلا ذلك التحسُّر والقلق الذي كان مرافقاً لي عند صياغة الأهداف، فضلاً عن البدء بتنفيذها.

يقول صاحب كتاب (الشيء الوحيد ص184): “من أسرع طرق إدخال المسئولية إلى حياتك العثور على شريك مسؤول، المسؤولية تأتي من مرشد، أو نظير، أو من مدرب في أعلى صورها … فمن الضروري اكتساب علاقة قائمة على المسؤولية أن تسمح لشريكك بالتصريح بالحقيقة الصريحة … شريك المسؤولية يمدك بتقييم صريح وموضوعي على أدائك “ا.هـ. (الشريك المسؤول) مثل المحاسب القانوني للشركات، وبقدر ما تعطيه من صلاحيات، يمدك بالتقييم والملحوظات.

مع الشريك المسؤول يتلمس الطَّمُوح مواقع الخلل في طريقة رسم الهدف ابتداءً، ثم طريقة تحقيقه؛ حتى تتكشَّف أمامه الأسباب وراء ضعف الانتاجية، بَلْهَ المهارة في كتابة الهدف نفسه، ثم المتابعة بتنفيذه، ذلك أنَّ صياغة الهدف كثيراً ما تحتاج إلى مُكنَة، ولهذا فالمناقشة مع أستاذٍ أو شيخٍ أو صاحب له أثر كبيرٌ في رسم أهدافك وتطبيقها.

الشريك المسؤول يقودك إلى (تركيز العزمات)، حيث يراقبك في تحقيق هدفك (صياغةً وتنفيذاً وتقويماً)،

ومع الدُّربة والارتياض ستمطي خيل الإنجاز، وستنجز مشاريعك بالطرق المختصرة.

إنَّ الأهمية الكبرى للإنتاجية تظهر إذا استشعر وأيقن الإنسان بأنَّ حياته محدودة، (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وإذا كانت أعمار أمة محمد ﷺ بين الستين والسبعين[1]، فإن متوسط حصيلة السنوات محل الحرث عشرون سنة فقط.

هذه العشرون محل الحرث في الدنيا، كيف سيكون حصادها في الآخرة؟ وهل من سبيل لزيادة الانتاجية؟ سؤال يستحق التفكير.

مع بداية عام 1442هـ ارسم مشروعك الوحيد، وركِّز عزماتِك، ولا تُشتِّت نفسك، واجعل لك (مشاركاً مسؤولاً) يحمل معك الهم، ويعينك على الإنجاز، ومهما كانت ظروفك والأحداث من حولك، فإنَّ الإنجاز لا ينتظر صفو الحياة من الأكدار.

اللهم يَسِّر وأعن، واجعلني – ومعشر القراء – مباركين. والحمد لله أولاً وآخراً.


[1] أخرجه الحاكم في “مستدركه” (2 / 427) برقم: (3619)، والترمذي في “جامعه” (4 / 157) برقم: (2331)، (5 / 517) برقم: (3550) وابن ماجه في “سننه” (5 / 311) برقم: (4236)، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (11/243).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال -بسطوره القليلة- اوصل رسالة مهمة الى الطموحين واصحاب الهمم عن حقيقة هذه الحياة ليعيشوها ويستمتعوا بها ويدعوا عنهم القلق، مع اهمية التخطيط ورسم الاهداف.
    يعكس هذا المقال سعة الافق ونهم هذا الكاتب بالاطلاع وفقنا الله وإياك د هشام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى