الدين

التكرار في قصص القرآن

الترابط الأدبي والموضوعي في قصة موسى -عليه الصلاة والسلام-

  •  فرعان الأمجير سيد*
  • ترجمة: سعد الثبيتي
  • تحرير: زينب بنت علاء الدين حنفي

الخلاصة

تُحلِّل هذه المقالة الآيات التي تكررت في قصة النبي موسى عليه السلام في القرآن لمناقشة استخدام التكرار كأداة فعّالة، ولتُثبت الترابط الأدبي والموضوعي للنص من خلال تحليل نَصِّي للنصوص المتكررة والاختلافات بينها. حيث قُدِّمت مناقشة أوّلية حول ترابط النص القرآني، بالإضافة إلى مراجعة للأعمال القديمة المكتوبة حول موضوع التكرار في القرآن، مع التركيز على كتاب محمود بن حمزة الكرماني، وهو أحد العلماء القدماء القلائل الذين ألّفوا كتابًا مخصصًا للتكرار في القرآن. إضافة إلى محمد بهادر الزركشي والذي خصّص فصلًا كاملًا في كتابه الشهير “البرهان في علوم القرآن” للحديث عن هذا الموضوع.

سيُظهر تحليل الأمثلة أن الآيات المتكررة في قصة النبي موسى عليه السلام، ليست “أخطاء تحريرية”، بل أدلة متباينة -خفية وجلية على حد سواء- سيقت لأغراض عديدة منها:

(1) التماسك الكلي للنص.

(2) التوافق الصوتي والإيقاعي.

(3) الخطاب البلاغي.

(4) التركيز الموضوعي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن تكرار الألفاظ والمواضيع لربط قصتي نبي الله موسى عليه السلام ورسالة محمد ﷺ ربطا رمزيا، يوفر سرداً مستفيضاً للجمهور وطمأنة للنبي محمد ﷺ.

المقدمة

كانت بنية القرآن ولاتزال -خاصة ما يتعلق بترابطه اللفظي- مصدراً من مصادر النقد المُثار حول طبيعته كوحي إلـٰهِيّ. ومثال ذلك النقد: ما يُقَال من أن النبي محمد ﷺ جمع القرآن بنفسه، أو أن القرآن كان نتاجًا تاريخيًا أصيلًا للأحوال الاجتماعية في أرض الحجاز في القرن السابع الميلادي.

وصف المستشرقون الغربيون القرآن في كثير من الأحيان بأنه “مُفَكَّك”، بالنظر إلى ترتيبه غير المنهجي، وبنيته غير المتسلسلة المُحيِّرة -على عكس الإنجيل-، وتكراره الدائم للموضوعات والآيات.(1) حيث ناقش (جون وانسبرو) في كتابه المشهور “دراسات قرآنية” مبررات التكرار في القرآن، وخلص في النهاية إلى أن القرآن ما هو إلا نص مجمع لعدة مؤلفين، ومأخوذٌ من روايات مختلفة تطورت خلال المناظرات بين علماء بلاد الرافدين وخصومهم اليهود والمسيحيين في القرن الثامن الميلادي. ومردُّ هذا النقد القديم يعود إلى فرضية (بِيلْ) القائلة بأن محمداً ﷺ سعى ببساطة إلى إنتاج كتاب لمجتمعه على غرار الديانتين اليهودية والمسيحية،(2) وأن التكرار في القرآن يمثل مُسوَّداته العديدة المنقحة التي بقيت فيه ولم تُحذف.(3)

بعد هذا الاتجاه التحريفي، وصفت (بارتيشيا كرون)، و(مايكل كوك) القرآن بأنه “ركيك في بنيته اللغوية ومحتواه، وغامض وغير منطقي، وسطحيّ في ربطه المواضيع المتباينة”.(4) وكانت حججهم في كتاب “الهاجرية” أن النص القرآني هو نتاج تحرير متأخر وغير كامل لمجموعة من الكتابات. (نظراً لتكرار نصوصٍ كاملة في مواضع مختلفة…).(5)

خارج العالم الإسلامي، وفي محاولة للتعامل مع التكرارات التي بدا أنه لا معنى لها في القرآن، ولجعل النص “متاحًا” للجمهور المعاصر، نشر مركز دراسة الإسلام السياسي (the Centre for the Study of Political Islam) نسخة مختصرة من القرآن الكريم. تعود جذور الحاجة إلى هذا القرآن المختصر، والمرتب زمنيا إلى مسائل مشابهة لتلك التي أثارها المستشرقون، أي ادعاء عدم وجود سياق ملائم لهذه التكرارات، وأن هناك تسلسل مشوش للمواضيع وتكرارها. ويستشهد كاتب النسخة المختصرة بقصة موسى عليه السلام التي تكررت في تسعٍ وثلاثين موضعاً في القرآن. وبذلك فإن النسخة المختصرة تزيل كل الآيات المتكررة في قصة موسى عليه السلام وتجمعها في سورة واحدة.(6) وهذا النهج، ينفي نفيًا قاطعًا أهمية التكرار كأداة بلاغية هادفة وأسلوبية ضمن النص القرآني باعتباره كتلة واحدة. وهذه الآراء، التي ترى في معظمها أن التكرار في القرآن ما هو إلا خطأ تحريريٌ، شجعت العلماء المعاصرين على إعادة التدقيق في بنية القرآن.(7) حيث قدّم هؤلاء العلماء تفسيرات أدبية وسمعية وطقوسيّة جديدة للبنية المتكررة للقرآن؛ من خلال تفكيك بنيته إلى أجزاء دقيقة، والتي كشفت بدورها عن رؤى رائعة للتطور التاريخي للنص القرآني. وهذا النقد قاد إلى أعمال حديثة تُناقش السؤال عمّا إذا كان القرآن نتاجًا تاريخيًا أصيلًا من الحجاز، وكذلك طبيعة تأليفه.(8)

فالهدف من هذا المقال إذن هو تسليط الضوء على أمثلة لمقاطع متكررة في قصة موسى عليه السلام (باعتبار أنها أكثر قصة يُكَرَّر ذكرها في القرآن) ومناقشة استخدام التكرار كأداة فعّالة تثبت الترابط الأدبي والموضوعي لآياته. سيتم إجراء ذلك من خلال تحليل نَصِّي للنصوص المتكررة وأي اختلافات -طفيفة أو ظاهرة- تتم ملاحظتها. ستُقدَّم مناقشة أوَّلية حول الجدل الدائر حول “ترابط القرآن”، تليها مراجعة للنظرات العلمية القديمة عن التكرار في القرآن، مع التركيز على أعمال محمود بن حمزة الكرماني (ت:504هـ)، وهو أحد العلماء القدماء القلائل الذين كتبوا نصًا مخصَّصًا للتكرار فقط، ومحمد بهادر الزركشي (ت:794هـ)، والذي خصص فصلًا في كتابه الشهير البرهان في علوم القرآن عن التكرار في القرآن. ستُستَخدَم الأدلّة المقدمة من هذه النصوص الأوّلية لتأييد الهدف من المقال، وستُنتَقَد هذه الأدلة أيضًا لتقديم حجّة مُقنِعة لتكرار القصص كَسِمةٍ متماسكة هادفة للقرآن.(9)

 

البلاغة والترابط النصِّي في القرآن

تكمُن طبيعة التكرار في القرآن في نقاش أوسع يتعلق ببنيته وتماسكه النصي. حيث اعتبر علماء المسلمين القُدامى أن القرآن نتاج غير مسبوق ولا يمكن أن يُضَاهَى لأنَّه وحيٌ مباشر من الله إلى النبي محمد ﷺ. إن إعجاز القرآن يشير إلى أن مبدأ المعجزة هو تحدى البلغاء الأقحاح في ذلك الوقت بالإتيان بسورةٍ من مثله (سورة البقرة [آية:2]، وسورة هود [آية:13]، وسورة يونس [آية:38]).(10)

وتقديراً لإعجاز القرآن، سعى العلماء إلى فهم أسلوبه. وبذلك، أصبح الاعتراف ببلاغته مجالًا بارزًا للمناقشة. حيث كتب أبو الحسن الرماني (ت:386هـ) في كتابه “النكت في إعجاز القرآن” باستفاضة عن البلاغة، التي عرّفها بـ “الفعالية الجمالية” (أي: نقل المعنى في أفضل الصيغ اللفظية)؛ كما ادّعى أن القرآن يعلو أي شكل من أشكال هذا الفن.(11) وبناءً على هذه النظرية، فإن أبا بكر الباقلاني يذكر في كتابه “إعجاز القرآن” أن أسلوب القرآن البلاغي لا يضاهيه أو يقاربه خطاب بشري، حتى ما أنتجه امرؤ القيس وهو من أبلغ الشعراء في فترة ما قبل الإسلام.(12)

إن النظر في تقنيات النَّظم، إلى جانب مفهوم (المقام)، كان له دور كبير في تحليل المفسرين للأسلوب الأصيل المعجز للقرآن.(13) ومثال ذلك كتاب “دلائل الإعجاز” و “أسرار البلاغة” لعبد القاهر الجرجاني (ت:470هـ)(14) الذي سار على هذا النهج. فقد حلَّلَتْ هذه الأعمالُ أسلوبَ القرآن وبلاغته، وجادلت بأن الكلمات ليست وحدها هي التي تنقل بلاغته بل أيضاً نظْمها، أي: الترتيب والنظام الذي يدل على إعجاز لغته.

وهكذا أدرك العرب عدم قدرتهم على مجاراته لما رأوا حُسن نَظْمِه.(15) وهذا أُكِّدَ على أن علم تفسير القرآن أعطى أهمية بالغة لفهم (المقام)، وبذلك كان المقام والسياق ضروريان لفهم استخدام التكرار في القرآن كما سنبين لاحقًا.(16)

كان فخر الدين الرازي من أوائل العلماء الذين بحثوا في ترتيب النص القرآني وإبراز لطائفه؛ من خلال توضيح التسلسل المتصل بين السور المتلاحقة، واستخدم هذا كحجّة لإثبات أن القرآن وحي إلهي.(17) وفي الآونة الأخيرة، حاول علماء مثل سيد قطب، وأمين أحسن إصلاحي، و(نيل روبنسون) إظهار أن كل سورة لها موضوع مركزي، في حين قدّم (مستنصر مير) أمثلة على التماسك اللفظي في سورتين مختلفتين.(18)

وقد كشفت الدراسات الحديثة التراكيب الأدبية في القرآن، مثل التركيب “العكسي” (Chiasmic)[*] في سورة يوسف عليه السلام والحلقات المركبة (ring composition) الموجودة في سورة البقرة. وخلصت هذه الدراسة إلى أن هذه السورة وهي الأطول في القرآن، قد نُظِمت بإتقان متناهٍ. (19) وهكذا يتضح وضوحًا جليًا أن تأليف القرآن يكشف عن غرض تأويليٍّ متعمّد.

 

دليل على التكرار الهادف في قصة موسى عليه السلام

يستخدم القرآن الأسلوب السردي كأداة لغوية وخطابية للتذكير بموضوعات محددة من التقاليد الدينية اليهودية والمسيحية واستكشافها. وتشكّل قصص الأنبياء هذه ربع آيات القرآن على الأقل، وغالبًا ما تُكرّر لتُؤكِّد الصِّلة بين النبي محمد ﷺ ورُسُل الله الذين سبقوه.(20) حيث يصف الله القرآن بأنه: “تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ“. لذلك، فلا غرابة أن تكون قصة موسى عليه السلام هي أكثر القصص تكرارًا في القرآن، حيث ذُكِر بالاسم 145 مرة.(21)

والنبي موسى عليه السلام هو شخصية مركزية في عدة قصص في القرآن وفي الإنجيل أيضًا. حيث يخاطبه القرآن بأنه نبي ورسول أُرسِل إلى فرعون مصر وبني إسرائيل. وسواء أكان المرء يعتقد أن قصص القرآن تاريخية أم خيالية، إلا أنها تساعد على توضيح المبادئ الأساسية لمعيار السلوك البشري في كل الأوقات، وكذلك لتُثبّت قلوب المؤمنين.(22)

ويُعد كتاب محمود بن حمزة الكرماني “البرهان في توجيه متشابه القرآن” الذي كتب في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، أحد الأعمال القديمة القليلة التي تناولت هذا الموضوع.(5) وكجزء من موضوعه، يشير العنوان إلى الطبيعة المخفية للتكرار في القرآن والغرض منه. وقد ذكَر محمود الكرماني في مقدمة كتابه، أن العلماء لم يُوَفَّقُوا في تصنيف أسباب التكرار في القرآن وشرحها في كتب التفاسير.(23)

وخلال تحليله، وثّق التكرار في القرآن في كل السور وصنّفه، وقدّم تفسيرات بأمثلة عن الآيات التي تكررت.(24) حيث يوضح أن التكرار يحدث عندما تُقدّم آيات متطابقة أو بها تغيير طفيف -بالإضافة أو الاستبدال أو إعادة الترتيب- لكلمة أو حرف في الآية.(25) كما توضح تفسيراته المتنوعة للنصوص الكثيرة المتكررة في القرآن أن فهم السياق أمر لازم لفهم التغييرات النحوية والأسلوبية في النص وأن هذه الاختلافات تخدم غرضًا وظيفيًا. وقد استخدم التّناص أداة أساسية للتحليل، لتبرير التغييرات الأسلوبية في إحدى سور من القرآن عند استخدامها في مكان آخر من النص. رغم أنه لم يُشر إلى جنوحه إلى استخدام المنهج التأويلي (الهرمنيوطيقي) في مقدمة كتابه. وكما سيتضح أدناه، فإن منهجيته تتجنب الخوض في التفسير.

وربما بسبب ذلك، تفتقر نقاشاته في بعض الأحيان إلى تعليل أدبي أو موضوعي للتكرار المذكور؛ وتأثيره الأدبي على الجمهور وكذلك أي موضوعات قرآنية شاملة قد تكون موجودة (مثل أوجه التشابه الموضوعية بين النبي موسى عليه السلام والنبي محمد ﷺ).

وعلى غرار الكرماني، يجزم محمد بهادر الزركشي، الذي ألّف عدة مؤلفات في الشريعة الإسلامية والحديث والأدب، جزما قاطعا بخطأ من يزعمون أن التكرار في القرآن لا قيمة له. حيث يصف -في كتابه “البرهان في علوم القرآن“- التكرار بأنّه: جزء من بلاغة القرآن وجمال بنيته المترابطة.(26) ويؤكد أيضًا أن تكرار العبارات والموضوعات للتأكيد عليها جزء من البلاغة العربية. وبما أن القرآن نزل بلغة العرب، فمن المناسب أن يتضمن التكرار أيضًا.

وعلاوة على ذلك، يربط الزركشي الغرض من التكرار بتحدي القرآن لمنتقديه أي أنه إذا ذُكِرَت القصة مرة واحدة، فسيقول المنتقدون ائتنا بقصة أخرى مثل هذه.(27) وهكذا فإن القرآن يكرر القصص ويستخدم أساليب متعددة للتعبير عن الشيء نفسه ولتبيين أنهم عاجزون عن الإتيان بمثله؛ مما يدل على جماله وتفوقه على أنواع الخطاب الأخرى.(28)

وقد خصّص الزركشي في كتابه فصلاً للحديث عن تكرار القصص في القرآن. ويفترض الزركشي، مثل ابن قتيبة (ت: 275هـ) قبله، أنه كان من الضروري استخدام التكرار في قصص الأنبياء منذ انتشار القرآن وإعلانه في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية في زمن محمد ﷺ، وذلك لضمان وصولها إلى كل المجتمعات (اشتراك الجميع كما سمّاه الزركشي)(29).

وبالرغم من معقولية هذه النظرية، إلا أنها تثير تساؤلاً عن سبب تكرار قصص الأنبياء خاصة على عكس أجزاء أخرى من القرآن.(30) ويمكن الاستدلال على حجة الزركشي للتكرار بالنصوص التي ذكرت قصة موسى وهارون عليهما السلام، مما يشير إلى أن المستمعين كانت لديهم معرفة حصيفة بالأحداث المذكورة. وبالمثل، فإن بعض المشاهد الموصوفة في القرآن هي تذكير بالماضي (المعروف)، كما في سورة طه [37:41] حيث تقاطع هذه النصوص السرد القصصي، من خلال تذكير المستمعين والنبي محمد ﷺ بحياة موسى عليه السلام السابقة قبل دعوته إلى النبوة. وتصف بإيجاز نعمة الله عليه أثناء انفصاله عن والدته وبعد الحادث الذي قتل فيه رجلاً. ثم يعود المشهد إلى القصة الأساسية حيث يقول الله: “وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي” و”اذهبا إلى فرعون…”. سورة طه (41، 43)

ومع ذلك، بدلاً من مجرد الحديث عن عملية (اشتراك الجميع) كما يقترح الزركشي، فإن التكرار في القرآن يشير إلى عملية ثنائية للوحي، أولاً بين الله ومحمد ﷺ، ثم بين النبي محمد ﷺ والمسلمين. هذه العملية موضحة في الشكلين (1) و(2) أدناه:

و سيقدم الجزء المتبقي من المقال تحليلًا موضوعيًا للمقتطفات السردية أو “المَشاهد” من القرآن المأخوذة من قصة موسى عليه السلام. وكما سنرى..، ستُقدَّم هذه الأمثلة أدلَّة وافرة في بيان القصد من التكرار في النص القرآني، لأسباب أدبية وموضوعية.

 

المشهد الأول

رؤية موسى عليه السلام للنار

  • إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى” [طه:10].
  • إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” [النمل:7].
  • قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” [القصص:29].

توضح هذه الآيات المتكررة اللحظة التي رأى فيها موسى عليه السلام أثناء تجواله في الصحراء مع أهله ما يبدو أنه نار. وهذا الموضوع تكرر في ثلاث سور حيث استخدمت ألفاظ مختلفة في كل منها لوصف حديث موسى عليه السلام لأهله. ففي سورة طه: طلَبَ موسى عليه السلام من أهله الانتظار لعله يأتيهم بقبسٍ من نار، أو دلالة تدلّ على الطريق الذي ضَلّوه. على النقيض من ذلك، في سورة النمل: أراد موسى عليه السلام الذهاب لتقصِّي المعلومات “الخبر” أو العودة بشُعلة من نار “شِهَابٍ قبَسٍ” ليتدفأ به أهلُه.(31) وأخيراً، في سورة القصص: سعى موسى عليه السلام لمعرفة المزيد من المعلومات “الخبر”، لكن النار المشتعلة وُصِفَت هنا بـ “جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ“.

والغريب أن شرح الكرماني لهذه التكرارات وتنوعاتها مُوغل في الإيجاز. ذكرَ الكرماني أن الألفاظ المستخدمة لوصف النار لها نفس الدلالة وأنها في الأساس “ثلاث طرق التعبير عن نفس العبارة”.(32) هنا أشار الكرماني إلى سمة أسلوبية غنية للغة القرآن، حيث تُستخدم مصطلحات متعددة لوصف نفس التعبير.(33) كما أشار الزركشي إلى نقطة مماثلة في كتابه، مستشهداً بالآية مائة وتسعة من سورة الكهف؛ ليبين أن المجتمع الإسلامي الأول كان منبهراً باستخدام التكرار والأساليب البلاغية المختلفة المستخدمة في الوحي القرآني.(34) وأشار الكرماني في حديثه عن لفظ “الهدى” في سورة الكهف إلى أن موسى عليه السلام بحث عن شيء ليريه الطريق الصحيح، لأنه تاه عن الطريق، وأنه ليس المقصود بالهدى هنا الهداية الإلهية. على الرغم من أن هذه الحُجَج للتكرار تبدو معقولة لأنها تمدُ القارئ بتجربة أدبية جمالية، إلا أنها لا تفسر سبب استخدام هذه الكلمات المعينة، وما هي الاختلافات الموضوعية -إن وجدت- التي يقترحها تكرارها؟

ولو تعمقنا في تحليل الآية العشرين من سورة يونس لوجدنا أن القرآن يستخدم كلمة “هدى” بمعنى مزدوج، مما يشير إلى كل من التوجيه العملي (حتى يظهر لموسى عليه السلام الطريق الصحيح) والإرشاد الروحي (من خلال النار يظهر الله نفسه ويحدد رسالة موسى النبوية). ولاحقًا في هذا المشهد -على عكس المقطعين الآخرين المذكورين أعلاه-، يقول موسى عليه السلام في رده على فرعون: “رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ” [طه:50]. لاحقًا في هذه السورة، في تصوير مشهد غرق فرعون، تُستخدم العبارة الإضافية “مَا هَدَى” لوصف فرعون. [طه:79]. وهذا يشير إلى الـتأكيد على موضوع الهداية تأكيداً خاصاً في هذه السورة. كما يجب التنويه أيضا إلى أن الجذر الثلاثي لكلمة “قبس” في هذه الآية يمكن استخدامه في التعبير عن “قبس الإيمان” بمعنى: اكتساب المعرفة.

وهكذا فإن موضوعات الهداية والمعرفة والنور -من النار- أُبرِزت في لغة هذه الآيات. أضف إلى ذلك، أن استخدام كلمة “الهدى” يطابق السجع في جميع آيات سورة طه، حيث تنتهي كل آية بصوت /ء/. يبرر مخطط السجع هذا أيضًا الاختلافات في التكرار في أماكن أخرى، كما يتضح من الآيات التالية: (35)

  • رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ” [الأعراف: 122]، [الشعراء: 48]
  • رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ” [طه: 70]

كما استُخدِم السجع في سورتيَ الأعراف والشعراء من خلال الصوت المنطوق من الأنف/ن/ ليكون مطابقا صوتيا مع نهاية الآيات. من ناحية أخرى، في سورة طه، وُضع اسم موسى عليه السلام في نهاية الجملة ليطابق نمط قافية طه، والسجع المبني على( /ء/) في الآيات التالية. (36) هذا الاختيار المعجمي والبِنيَوِيّ بما فيه من البلاغة وتنويع؛ يكشف أيضاً عن أسلوب جماليّ في الآيات من خلال وضع نمط قافية متناسقة. وهكذا، يُلاحظ أن التكرار، من خلال الاختلاف اللفظي المقصود، يمكن أن يُزَوِّد جمهور القرآن بوصف أعمق لنفس المشهد، وقافية مختلفة، وتركيز موضوعي إضافي لكل مشهد.

 

المشهد الثاني:

حديث الله لموسى

  • إِنِّي أَنَا رَبُّكَ” [طه: 12]
  • إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” [النمل: 9]
  • إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” [القصص: 30]

هذه الآيات تذكر حديث الله لموسى عليه السلام حيث استخدم فيها لفظين مختلفين ( الله، الرب) على الرغم من أنها اقتباس مباشر من كلام الله، أي جزء من الحوار الذي دار بينهما. لاحظ العلماء أن الدلالات المرتبطة باستخدام لفظ “الله” في القرآن قد تشمل القدرة المطلقة، أو الألوهية، أو الامتنان، أو التحذير المتعلق بأحكام شرعية إسلامية. أما لفظ “الرب”، فدلالته تشير إلى عناية الله من خلال اعتنائه بالبشر، ورعاية مصالحهم، واحتياجات أسرهم، وطعامهم، وماشيتهم. (37) يشير الكرماني -دون تقديم دليل نصّي- إلى أن لفظ (رب) استُخدِم أكثر من لفظ (الله) في القرآن عندما تُذكر (نِعم) الله. (38) حيث يمكن العثور على الأدلة التي تدعم هذا الاستخدام للفظ (رب) في سورة طه: (47، 55) في الإشارة التفصيلية إلى نِعم الله لبني إسرائيل فيما بعد في المشهد.

يظهر اختيار أوضح لكلمة “رب” في حوار موسى عليه السلام وفرعون حول تعريف هذا المصطلح لاحقًا في القصة، عندما قال فرعون: “قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ” [طه: 49].حيث يشير الجذر الثلاثي لكلمة ربّ أيضًا إلى “يُربّي/ يُنشئ / يرعى”، والتي تُشير إلى طفولة موسى عليه السلام وحماية الله له طوال حياته، كما هو مذكور في سورة طه (37، 41).(39) من ناحية أخرى، من أجل إظهار استخدام لفظ “الله” بشكل أفضل في وصف الله لنفسه في سورة القصص. يتبع المقطع مناقشة بين موسى عليه السلام وفرعون، حيث يأمر فرعونُ هامانَ ببناء برج له للوصول إلى الإله -“إله” موسى عليه السلام، باعتبار أن القوم لم يعرفوا أبدًا أي إله آخر غير فرعون- [القصص: 38]. هنا يُظهِر استخدام لفظ الإله -ليدل على الله- بدلاً من لفظ الرب اتفاقًا دلاليًا مع تقديم الله نفسه لموسى على أنه هو الله. وقد قَدّمت هذه الأمثلة دليلًا على الترابط الأدبي الواضح مقابل التكرار اللاواعي للحوار.

ووفقًا للزركشي، فإنه لا يخفَى ما في تصريف الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة من الفصاحة. (40) وهنا نشير إلى أنه يجب على المرء أن يضع في اعتباره ألّا يطبق هذا التأويل على كل أشكال التكرار في النص القرآني، لأنه يعطي الجمال البلاغي أهمية أكبر من أهمية السياق.

عندما تعرَّف الله مباشرة لموسى عليه السلام في أربع قصص مختلفة:

الأولى؛ استخدم فيها ضمير الغائب:

  • إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى” [النازعات: 16]

أما الحالات الثلاثة الأُخر؛ فكان الخطاب مباشرًا بضمير المتكلم من الله إلى موسى عليه السلام:

  • إِنِّي أَنَا رَبُّكَ” [طه:12]
  • يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين” [القصص: 30]
  • يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” [النمل: 9]

من خلال هذه الآيات المختلفة، يمكن للجمهور تجميع “لقطات” من الروايات القرآنية ورؤية مجازية متعددة الأبعاد للقصة. ومع ذلك، يجب التنويه بأهمية السياق وبلاغته. (41)

بالرغم من أن قصة موسى عليه السلام في سورة النازعات [آية: 16] قصيرة جدًا: “هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ“؛ إلا أن ذلك يشير إلى احتمالية معرفة الجمهور للقصة سلفاً، وأن أجزاء من الحوار (مثل، “إِنِّي أَنَا رَبُّكَ“) استُبعدت عمداً. علاوة على ذلك، فإن استخدام الاسم “الرب” يعكس بشكل ساخر ادعاء فرعون عندما قال:”أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ” [النازعات: 24]. كما يشير السياق إلى أن هذه الآية القصيرة -التي تُركز على فرعون وحده- مقصودة، نظرًا لأن الهدف من السورة هو تسليط الضوء على يوم القيامة وأن الآيات (25، 26) تقدم دليلاً على سبب ذكر الآية على هذه الصورة، أي لجعل فرعون عبرة للبشرية. على هذا النحو فإن تكرار تقديم تعريف الله بنفسه لموسى عليه السلام لم يُستَخدم لغرض بلاغي فقط، بل أداة بلاغية لإبراز الموضوعات المختلفة داخل هذه القصص.(42)

وهكذا فإن البلاغة وحدها -كما يقترح الزركشي- لا تكفي لفهم الآثار المتعددة للآيات المتكررة وتغييراتها الدقيقة. أما فيما يتعلق بالقرآن؛ فيجب على كل نظرية تأويلية للتفسير أن تأخذ في الاعتبار: التفاعل -الذي أحيانًا ما يكون ضمنيًا في النص- مع الجمهور الذي يستقبل آيات النبي محمد ﷺ. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار القرآن نسخة من نقاش مستمر حول (لاهوتيات) العصور القديمة المتأخرة، والتي تتجلى في المناقشات النَّصِّية، والمناظرات، والحوارات، وأنماط الأسئلة والأجوبة، وتكرار السرد. إذاً عند التساؤل عن سبب الحاجة إلى إعادة سرد قصص معينة، يبدو من الواضح أن سياق التطور التاريخي للوحي قد يوفر إجابة على ذلك. وقد تكون هذه الروايات، مثل الرواية القصيرة المذكورة في سورة النازعات قد ذُكرت بسبب التغييرات في المنظور التي تتطلبها الظروف الاجتماعية و(الأيديولوجية) الجديدة للمجتمع المسلم. (انظر الشكل 2).(43)

 

المشهد الثالث:

تحوّل عصا موسى عليه السلام

تكرّر ذكر اللقاءات بين موسى عليه السلام وفرعون في سورٍ عدة مع اختلافات دقيقة في الحوار وتفاصيل الحدث. وتُوصَف مشاهد تقديم موسى عليه السلام نفسه لفرعون في عدة سور بأنها أمر من الله “فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ” [الشعراء: 16] وفي بعض الأحيان تُحذف هذه المقدمة أو يُشار إليها بصيغة ضمير الغائب؛ مثال ذلك: “فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ” [سورة القصص آية: 36]، انظر أيضا ([سورة النمل آية: 12]، [سورة النازعات آية: 20])

ولكن في سورة الأعراف قدّم موسى عليه السلام نفسه لفرعون بضمير المتكلم “وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ“. من المفيد تصوُّر هذه السورة (الأعراف) كوحدة كاملة لا آيات منفردة لفهم هذا التنوع في السرد. فقبل هذه الآية في نفس السورة، خاطب الأنبياء (نوح، وهود، وصالح، وشعيب) أقوامهم بنفس هذا النمط أي باستخدام ضمير المتكلم حيث استخدم نوح وهود عليهما السلام نفس الأسلوب: “وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ” (سورة الأعراف 61، 67) ثم يتضح بعد ذلك أن نبلاء المجتمع “الملأ” عارضوا كل الرُّسل السابقين وتبعتهم مجتمعاتهم في ذلك الرفض حيث رفضوا رسالة الله ورُسله.

وتُظهر هذه البُنية المتكررة وموضوعاتها وحواراتها أن هذه الروايات مترابطة داخل السورة، وأن سرد قصة موسى عليه السلام مصمم تصميماً محدداً لمطابقة الروايات السابقة وموضوع السورة، وليس خطأ تحريريًا أو تبديلًا غير واعٍ لسرد الأحداث.

ثم يُوصَفُ المشهد المعروف بين موسى عليه السلام وفرعون -المُكرَّر في أربع سور مختلفة- حيث تحولت عصا موسى عليه السلام إلى ثعبان أو أفعى:

  • فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ” [الأعراف: 107]
  • فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ” [طه: 20]
  • وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ” [النمل: 10]
  • فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ” [القصص: 31]

الغريب في الأمر أن الكرماني لم يستشهد قط بهذه العبارات في كتابه، حيث ذُكرت في أربع سور مختلفة بأسماء مختلفة للإشارة إلى الثعبان. (44) أما الزركشي فقد استشهد بهذا المثال في التكرار وخلُص إلى أنه يزوِّد الجمهور بمعلومات وتفاصيل إضافية “ليس كل حيَّة ثعبان”. فاستخدام مصطلحات مختلفة لنفس المفهوم كان أسلوبًا شائعًا بين الخطباء العرب في العصور الوسطى. مع ذلك فإن الزركشي لم يتعمق في ذكر سبب استخدام هذه الكلمات تحديداً.(45)

وقد حاول بعض العلماء المعاصرين تبيين أن مفردات القرآن مختارة بدقَّة. وبالتالي، لا يمكن استبدال أي مفردة في النص بمرادف لها. مع وضع ذلك في الاعتبار، ووفقًا لما قالته (لين)؛ فيمكن وصف الحية بأنها ثعبان يُعرف بجسمه الملتوي والملفوف، وطبيعته الماكرة، وبصره الحادّ، في حين أن الثعبان معروف عمومًا بحجمه وطوله وخصائصه الناضجة. (46) وعكس ذلك، “الجانّ” الذي يعرف بصغر حجمه وسرعته. (47)

فالتبديل بين المصطلحات له أثر أدبيّ وبلاغيّ من حيث:

أولاً: وصف هذا الثعبان القوي بأنّه كبير وصغير وطويل وسريع في ذات الوقت. حيث تصف هذه الوسوم التي تبدو متناقضة ثعبانا مرعباً وتصوّر مشهدًا مُفزعاً لا يُنسى.

ثانيًا: قد يتعلق الاختلاف في المصطلحات أيضًا بإدراك موسى عليه السلام للثعبان وخوفه، حيث يرى أحيانًا أن الثعبان كبير وناضج، وفي أحيان أخرى صغير وسريع، مع أن هذا كله حدث في نفس اللحظة. يمكن وصف هذا المشهد على أفضل وجه بأنه مثال على (التصوير المَجازي)، وهو مصطلح استخدمه سيد قطب للتعبير عن عادة القرآن في استخدام الاختلافات في اللون والحركة والنغمة والصوت لتقديم صورة مؤثرة للحواس والخيال وللقلب والعقل. (48) وربما يمثل هذا التصوير أيضًا لحظة أكثر رمزية، حيث يتجلى الفرق بين المظهر والواقع في ذهن موسى عليه السلام مع (الوحي) حيث تظهر له “بيّنة” من ربه [الأعراف:105]. يمكن تبرير التفسير السابق بالعبارة الرئيسة ” كَأَنَّهَا جَانٌّ”، المستخدمة في سورتيّ [النمل:10]، و[الأعرف:105].(49) وهكذا، لا يُستخدم التكرار كأداة بلاغية فحسب، بل يضيف عمقًا فنيًا وثريًا للمشهد، حيث تُستخدم الألفاظ المختلفة لأغراض محدّدة، مما يؤدي إلى فهم أعمق للمشهد وتفسيره المحتمل.

 

المشهد الرابع

استدعاء سحرة فرعون

  • يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ” [الأعراف:112]
  • يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ” [الشعراء:37]

يشير الكرماني في كتابه “البرهان في توجيه متشابه القرآن” إلى أهمية المفهوم الأدبي لفهم الموضوع الكلِّي للنص.

من خلال النظر إلى بقية السورة التي وردت فيها الآية المكررة؛ يُلاحظ أن الاختلاف في الآيات المكررة يمكن توظيفه لمطابقة الأسلوب، أو المجال الدلالي، أو اختيار الكلمة، أو القواعد، أو السياق النصيّ. وهذا يُظهر أن الأمر لم يكن اعتباطيًا بحيث يكون الراوي قد قاله بدون روية ولا قصد.(50)

ففي الأمثلة المذكورة أعلاه، تشير كلتا العبارتين إلى مساعدي فرعون، الذين دعوا السحرة لتحدي سحر موسى وهارون عليهما السلام. ولذا فإن الكرماني يذكر أن سبب الاختلاف في استخدام الأسماء هو السياق. في هذه العبارة نفسها، تُستخدم أيضًا عبارة “ساحر عليم” لوصف موسى عليه السلام سابقًا في السورة [الأعراف:109]، وما قدّمه الكرماني ما هو إلا مثال واحد من عدة أمثلة على التكرار؛ لإثبات سبب اختيار كلمة من أجل أن تتطابق باستمرار مع حقل دلالي استخدم سابقًا. (51)

كما يذكر أيضاً الغرض الأدبي من كلمة “سحّار” وهذا المصطلح صيغة تدل على المبالغة، أي المبالغة في توصيف سحرة فرعون بغرض التأثير البلاغي.(52) وعلى الرغم من أنه لم يقدم أي تعليق إضافي على هذه الأداة البلاغية، إلا أن الغرض من استخدام صيغة المبالغة يبدو مبررًا. ففي سورة الأعراف نرى فرعون يعلن لمن حوله أن موسى يريد طردهم من أرضهم “بسحره“. وهذه المعلومة الإضافية لم تُذكر في سورة الأعراف. حيث يكشف هذا التركيز عن توتر متصاعد في المشهد، وربما يكون هذا هو السبب في مضاعفة مستشاري فرعون جهودهم للعثور على “سحّار“. والسحّار كما تُعرّفه (لين) هو الشخص الذي يمارس السحر بكثافة واستمرار.(53)

وفي الإجمال، يعد تبرير الكرماني للتكرار في القرآن من خلال استخدام الموضوع الكلي للنص أحد الجوانب المبهرة في كتابه. كما يشير إلى أرقى الاستخدامات الأسلوبية في الجمل المتكررة:

  • آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ” [الأعراف:123]
  • آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ” [طه:123]

في المثال الأول تُشير شبه الجملة “به” إلى “ربّ العالمين“، بينما تُشير شبه الجملة في المثال الثاني “له” إلى موسى عليه السلام. (54) (هنا لا يُطبّق الكرماني تحليل الموضوع الكلي للنص باستمرار في كل تفسيراته).

  • لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ” [الأعراف:124]
  • فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ” [طه:71]
  • لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ” [الشعراء:49]

رُوي في هذه الآيات الثلاثة المكررة تهديد فرعون لمن أعلنوا إيمانهم بالله بعد انتصار موسى عليه السلام على السحرة. ويعزو الكرماني التصاريف المختلفة لتهديد فرعون على أنها لغرض “مراقبة جوانب متعددة من المشهد”.(55) أضف إلى ذلك، التركيز على عبارة “فِي جُذُوعِ النَّخْلِ” والتي توضح خطورة تهديد فرعون، وهذا بدوره يزيد المشهد ثراء. ومع ذلك، فإن السبب الأهم لهذا التغيير هو إضافة العبارة “وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ“. فالكلمات المستخدمة “عذابًا” و”أبقى” تتوافق مع قافية سورة طه، وقد استخدمت قبل هذه الآية وبعدها:

(1) أثناء حوار موسى عليه السلام مع الله في سورة طه حيث يقول الله تعالى: “أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ“.

(2) في سورة طه حيث تقول حاشية فرعون بعد أن آمنوا بالله: “وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ

إن أوجه التشابه الدلالية بين السمات التي ألحقها الله بنفسه وبفرعون -حيث هناك من يعبدهما- مدهشة في هذه الأمثلة. يتبين مجال القوة الدلالي الظاهر في هذه التهديدات أيضًا في أجزاء أخرى من القرآن؛ حيث يُشار إلى فرعون على سبيل السخرية بأنه “وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ” ([ص:12]، [الفجر:10]).

قد تعني كلمة أوتاد:”أعمدة”، يُحتمل أن تعكس تهديد فرعون بصلب من آمنوا بالله، أو قد تشير إلى: “أعمدة الخيمة”، وهو تعبير مجازي لـ “الهيمنة المطلقة” أو “ثبات القوة”.(56) هناك تشابه واضح آخر، لم يذكره الكرماني أو الزركشي، ألا وهو التكرار المطابق تقريبا لهذه العبارة حيث استخدمه الله في سورة المائدة: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [المائدة:33]. ربما تُذكِّر هذه الآية أيضًا جمهور القرآن بسخرية تهديد فرعون وسقوطه اللاحق.

 

المشهد الخامس

حديث موسى عليه السلام لقومه

  • وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” [المائدة:20]
  • “وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” [إبراهيم:6]

إن إضافة مصطلح “يا قومِ” في المثال الأول يعكس -كما ذكر الكرماني- الإشارات السياقية والمتداخلة الموجودة في الآيات التي تحيط بتلك الآية، حيث تصف النعم التي حباها الله لبني إسرائيل. وبالتعمق أكثر في هذا المنهج الشمولي؛ يُلاحظ أن العديد من هذه الآيات المحيطة بدءًا من سورة المائدة الآية الخامسة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا“، استُخدمت فيها ياء النداء التي حددت أسلوب التوافق والتداخل النصّي في هذه السورة.(57)

ربما يشير الكرماني – مع أنه لم يذكر ذلك صراحة- هنا إلى الاختلافات الموضوعية في هذين المشهدين. وفي كلا المثالين، قُدمت قصة موسى عليه السلام لتسليط الضوء على “نِعم الله” غير أن كل هذه المقاطع مختلفة للغاية في أسلوبها. ففي سورة [المائدة:20] يتضح أن هناك محادثة بين موسى عليه السلام وشعبه والله، حيث عُبِّر عنها بنبرة مُطمئِنة لإقناع قومه بدخول “الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ” يبرر هذا الحوار استخدام ياء النداء للحفاظ على النبرة، وكذلك لتبيان الفئة المقصودة بهذا الحوار. لكن في الآية السادسة من سورة إبراهيم والآيات التي تليها تحدّث موسى عليه السلام بنبرة صارمة وركّز على التوبيخ والعقاب الإلهي، مما يبرر إغفال النداء في هذه الحالة.

وهكذا تُظهر مثل هذه المقاطع أن التكرار في آيات القرآن صِيغ بإتقان ليلائم المواضيع المحيطة والأساليب الأدبية، وليس مجرد إعادة سرد لنفس القصص. من التعليقات المهمة التي أدلى بها الزركشي أن تكرار القصص لا يمكن تصنيفه بشكل قاطع على أنه إعادة سرد القصص من غير تغيير، بدلالة أنه في كل مرة تكون هناك زيادة أو نقصان في المعلومات إلى جانب الاختلافات في الكلمات والجمل. على الرغم من أنه لم يتناول قصة موسى عليه السلام كاملة لتقديم أدلة شاملة على نظريته، أي أن التكرار ليس إعادة سرد للقصص من غير تغيير، إلا أن صحتها تتضح عند مقارنة الآيات المتكررة بنظرة فاحصة، وكذلك مقارنة الروايات كاملة مع بعضها البعض.(58) مع أن قصة موسى عليه السلام تكررت في عدة سورٍ مختلفة، إلا أنها لم تُبحث بشكل متساوٍ من حيث موضوع القصة أو طولها؛ وهذا يعتمد على البنية السياقية للسورة وهدفها. فعلى سبيل المثال، تكشف المقارنة بين سورة طه (39، 40) وسورة القصص (8، 13) أن كلتا السورتين تعرضان قصة دخول موسى عليه السلام إلى بيت فرعون والأحداث التي أدت إلى ذلك.

فسورة طه تقدّم ملخصًا لهذه الأحداث، بينما سورة القصص تذكر تفصيلا للحدث ومشاعر الشخصيات الرئيسة تجاه موسى، والتي تشمل فرعون وزوجته ووالدة موسى عليه السلام. رُغم أن الهدف من كلتا السورتين هو بث الطمأنينة والأمان في قلب النبي محمد ﷺ، فإن سورة القصص [آية:8](59) لها هدف إضافي يتمثل في تحذير المشركين من ارتكاب الخطيئة التي ارتكبها فرعون وهامان وجنوده. أشار (نولدكه) إلى أن كلتا السورتين نزلتا في الفترة المكية الثانية، مما قد يؤدي إلى استنتاج أن هذا ليس مثالاً على التكرار، بل هو نزول متدرج للقرآن،(60) كما يعلق الحجازي: مثل نور يضيء الفضاء تدريجياً بدقة وإعجاب، مما يملأ النفوس بالرضا. هذا الرأي يتناقض تناقضًا صارخًا مع وجهة نظر (نولدكه)، الذي يصف السور في هذه الفترة -أي المكية الثانية- بأنها تتضمن: “التكرار اللانهائي الذي أدى إلى تخويف معارضي محمد ﷺ لكن قناعاتهم لم تتغير تجاهه”.(61)

عند تحليل هذه المقاطع المتكررة، يتبادر إلى الذهن سؤال واضح -وهو سؤال بلاغي سأله الزركشي وأجاب عليه-: لماذا تكررت قصص موسى عليه السلام وتشتتت في سور مختلفة، على عكس قصة يوسف عليه السلام التي ذُكرَت مرتبة ترتيبًا زمنيًا في سورة واحدة (سورة يوسف)؟

أجاب الزركشي أن سيرة يوسف عليه السلام، على عكس القصص الأخرى في القرآن، تعطي للجمهور راحة وطمأنينة، أي: اختصّت بحصول الفرج بعد الشدة.(62) ومع ذلك، فإن جوابه هذا يتناقض مع جواب آخر له، حيث يجادل أن تكرار القصص القرآني لا يمكن أن يصنف بشكل قاطع على أنه إعادة سرد للقصص من غير تغيير. فقد ذكر الزركشي سابقا أنه إذا ما اختار المرء قصة واحدة، وقارن مراجعها المختلفة ورواياتها المتعددة، فإنه سيتمكن من تكوين قصة كاملة، كتلك التي ذُكرَت في سورة يوسف عليه السلام.(63) فإذا كان من الممكن تكوين قصة كاملة بهذه الطريقة كما اقترح الزركشي، فسيتضح أن فكرة عدم تكرار قصة يوسف عليه السلام لمجرد غرضها الشافي ليست مقنعة. وسبب عدم تكرار قصة يوسف عليه السلام بنفس الطريقة التي تكررت بها القصص القرآنية الأخرى هو موضوع لم يُتناوَل بعد ببحث رصين.

 

المشهد السادس

خوف موسى وآيات الله

  • وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” [النمل:12]
  • اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” [القصص:32]

علّق الكرماني على هذه الآيات المتكررة ليبرز الأوامر المختلفة التي استخدمها الله لتوجيه موسى عليه السلام. ووضح أنه على الرغم من أن فعلي الأمر (أدخِل واسلك) استُخدما لنفس الغرض، فإن الفعل (أدخِل)[*] في المثال الأول فعل مُتَعد، ومتعلقه هو “الآيات التسع” المذكورة في الجملة اللاحقة. أما الفعل اللازم (اسلك) في المثال الثاني ليس له مفعول، وبالتالي فهو “أكثر ملائمة” في توافقه مع بقية الآية.(64)

تكشف قراءة أقرب لهذه الآيات والسياق الذي جاءت فيه عن رؤية أعمق في هذه الاختلافات؛ فأولّا: هناك تباين واضح في عدد الآيات المشار إليها. فعبارة “تِسْعَ آيَاتٍ” ذُكرت في سورة الإسراء وفيها قال الله: “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ“، وسواء كانت هذه الآيات تشير إلى معجزات محددة أو تشير ببساطة إلى “آيات عدة” أو “بضع آيات”، فهذا أمر مُختلف فيه. (65)

ومهما كان الأمر، فإن الاستخدام المختلف للفظ “برهانان” في سورة القصص واضح جدًا. هذا الاستخدام للمثنى مهم لأن المثنى استخدم طيلة وصف القصة وأمثلة ذلك: فرعون وهامان؛ وزوجة فرعون وأخت موسى عليه السلام، ورجلان يقتتلان في المدينة، وامرأتان تحجزان قطعانهما، والفرق العددي بين ثمان سنوات وعشر، و إشارة موسى عليه السلام إلى شرطين للزواج، وتحولين (لعصا موسى ويده)؛ وموسى وهارون أخيه عليهما السلام. وبالعودة إلى مخاطبة النبي محمد ﷺ، ينتهي هذا السرد القصصي إلى رفض المشركين رسالة النبي محمد ﷺ (إضافة إلى البراهين السابقة كبراهين موسى عليه السلام) حيث زعموا:

  • قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا” [القصص:48]
  • وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ” [القصص:48]

يظهر هذا الاستخدام المتعمد للمثنى أن هذا الموضوع لم يتكرر ببساطة، ولكنه ينوّه بالحقيقة المشتركة لرسالتيّ موسى عليه السلام ومحمد ﷺ، ورفض مجتمعاتهما أن يؤمنوا برسالتهما وأنهما مجرد ساحران (انظر سور[النمل:13]، [يونس: 2]، [سبأ:43])

وهكذا يبدو تبرير الكرماني لاستخدام الأفعال المختلفة مناسبًا، لكن عدم اهتمامه بالسياق يدفعه إلى تجاهل التأثير الأدبي لاختيار الكلمات. كما يتضح في سورة القصص، فإن هذه الآية والآيات السابقة التي تتعلق بحوار موسى عليه السلام مع الله تركّز تركيزا خاصا على خوف موسى عليه السلام. وعلى هذا النحو، فإن الأفعال المستخدمة لأمر موسى عليه السلام في الآيات (31، 32) من سورة القصص تعكس لهجة مطمئنة, حيث قيل له: “أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ” تلا ذلك خوف موسى عليه السلام من القتل وكذلك خوفه من عدم القدرة على التواصل الفعّال مع فرعون -وهي مخاوف لم تذكر في سورة النمل-. قد يكون هناك أيضًا تأثير لفظي مُتعمّد في الأفعال المستخدمة، حيث أن فعل الأمر (اسلك) أخفّ ويجلب الطمأنينة أكثر من فعل الأمر(أدخل).

لم يشر الكرماني ولا الزركشي للعلاقة المتوازية بين موسى عليه السلام ومحمد ﷺ والتكرار الموضوعي في قصتيهما: “وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ” [هود:120] حيث تشير هذه الآية إلى القصد من تكرار القصص في القرآن حيث يراد به طمأنة النبي محمد ﷺ، وتذكير المجتمع بالدروس التي تحتويها تلك القصص. (66) وقد يُستخدم التكرار أيضًا كوسيلة لإظهار أوجه الشبه بين موسى عليه السلام ومحمد ﷺ بالإشارة كما في الأمثلة التالية:

  • اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ” [النازعات:17]
  • فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ” [النازعات:20]
  • مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ” [النجم:17، 18]

علّق الكرماني على تكرار عبارة “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً” [الشعراء:8] أنها استخدمت أيضًا في روايات الأنبياء الآخرين، بيد أنه لم يشر إلى ما إذا كان القصد من لفظ “آية” مجازيًا أم حرفياً. هذا الغموض يبرز عيوب منهج الكرماني. (67) ومع أنه يستشهد بهذه الحالة عند حدوث التكرار، إلا أنه في بعض الأحيان يترك القارئ في حيرة من أمره حول تفسيره، أو ما هو “السر” الذي استخدمت من أجله. هل استخدام لفظ “الآية” المتكرر مرتبط ببعضه البعض؟

من الواضح أن رواية موسى عليه السلام في سورة الأعراف ( 103-174) تتركز موضوعاتها على الموقف المتغطرس لفرعون، ثم على بني إسرائيل وتجاوزاتهم. هذه الرواية مليئة بالإشارات إلى “آياتنا“، وتنتهي بعبارة: “وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [الأعراف:175]، قبل أن يُؤمر النبي محمد ﷺ أن يروي هذه القصص لقومه. وبنفس الطريقة، كلا النبيين، أي (محمد ﷺ، وموسى عليه السلام) أُظهرَت لهم هذه (الآيات الكبرى). حيث أُظهرت لموسى عليه السلام وأنكرها فرعون (“لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى” [طه:23])، (“فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ” [النازعات:20])،كما عُرِضت على محمد ﷺ في ليلة المعراج (“لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ” [النجم:18]).(68) وهذا المثال من تكرار المواضيع والمفردات المتشابكة يربط ربطاً قويا بين الرسالتين النبويتين.

ومن الممكن أيضا ذكر التشابه والمماثلة بين خروج بني إسرائيل من مصر، وهجرة النبي محمد ﷺ وأتباعه إلى المدينة المنورة. (69) وهكذا، يمكن العثور على التكرار في القرآن ليس فقط فيما يتعلق بنفس الشخصيات والروايات، ولكن أيضًا في نفس الموضوع عبر شخصيات وروايات متعددة.(70) وباختصار، يشترك موسى عليه السلام ومحمد ﷺ في تجربتيهما ليس فقط لكونهما رسل الله، ولكن أيضًا بالتعرض للاضطهاد والانتماء إلى أقلية مهمشة مهددة بفقدان حق في العيش في أوطانهم. وصف (دي بريمير) هذا الموضوع بـ “monoprophetism”، أي: الرسالة الواحدة، حيث وصف القرآن جميع الأنبياء بأنهم يحملون نفس الرسالة، مع أن محمد ﷺ له مرتبة خاصة كـ” خاتم الأنبياء”.(71)

 

خاتمة

حيّر التكرار في القرآن المستشرقين، الذين اختلفوا مع المفسرين المسلمين القدامى حول أسلوب القرآن وبلاغته وتاريخ كتابته، حيث وصفوه بأنه “ركيك في بنيته اللغوية…، وتحرير ناقص لنصوص ومواد من تقاليد عديدة.” أما العلماء المسلمون فقد ناقشوا ظاهرة التكرار منذ أن بدأت “علوم القرآن”، حيث كانت جزءًا من الجدل الدائر حول مجال إعجاز القرآن. وقد قدّم توثيق الكرماني للتكرار في القرآن دليلا وافرا لإثبات أن المصطلحات والعبارات المتكررة داخل وعبر السور المختلفة هادفة، وأنها تختلف وفقًا للقواعد والسياق والمعنى. أما الزركشي فقد ذكر أن تكرار الروايات القرآنية هو:

(1) جزء من طبيعة القرآن الفريدة.

(2) لغرض عملي هو المساعدة في نشر الوحي.

(3) للتأكيد على جوانب وتفاصيل جديدة للقصص لجمهور القرآن المستهدف.

(4) طمأنة للنبي محمد ﷺ.

إذا فُهم التكرار على أنه أداة للتوكيد فقط، فقد أظهر هذا التحليل أن التكرار في قصة موسى عليه السلام في القرآن ليس مجرد مثال على ذلك التوكيد. فالتكرار استخدم لأغراض عدة منها:

(1) الترابط الكلي للنص.

(2) التوافق الصوتي والإيقاعي.

(3) التأثير البلاغي.

(4) التركيز الموضوعي.

كما ناقشت هذه المقالة أيضًا إثبات أن التكرار، ليس مجرد سمة عملية أو بلاغية للقرآن، بل عملية ديناميكية مستمرة للوحي بين الله ومحمد ﷺ والمجتمع (انظر الشكل 2).بالإضافة إلى ذلك، تكررت المفردات والموضوعات لتربط رمزيا بين قصة موسى عليه السلام وقصة رسالة محمد ﷺ، من خلال سرد مستفيض للشخصيات المذكورة للجمهور. ومن خلال دراسة الاختلافات في الآيات القرآنية المتكررة، يمكننا أن ندرك الغرض من هذه التغييرات الأدبية، ويمكننا أيضًا تطوير طريقة تأويلية، قائمة على التناص، والتي تسلط الضوء على طرق جديدة لفهم السرد، مثل لفت الانتباه إلى موضوع معين أو دراسة تطور الشخصيات الرئيسة في السرد.(72)

إلى جانب التحليل اللغوي و(السيميائي)، قد يؤدي المزيد من البحث، مثل النقد الأدبي لاستجابة القارئ، والذي يركز على كيفية اختبار الجمهور لوحي القرآن، إلى مناقشات جديدة حول كيفية نظرنا إلى القرآن باعتباره نتاج زمان ومكان محددين.(73) كما تُظهر مضامين هذه الدراسة قبل كل شيء كيف ننظر إلى القرآن ونقيّمه؛ كمثال للتواصل الإلهي الذي يستخدم مناهج فريدة ومعقدة للترابط بين النصوص. ومن خلال البحث وتحليل آثار القرآن مع وضع هذه النقاط في الاعتبار، يمكننا أن ننظر إليه ليس فقط على أنه “كتاب” أو نص ثابت، مليء بالتكرار والغموض، بل تجربة جمالية للمجتمع.

قال تعالى:”وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [لقمان:27]

اقرأ ايضًا: الفرق بين المشيئة والإرادة في القرآن الكريم


* حصل (فرعان الأمجير سيد) على درجة الماجستير بامتياز في الدراسات الإسلامية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، لندن، المملكة المتحدة. وعمل سابقًا في المجلس الثقافي البريطاني لإدارة العلاقات الثقافية والبرامج التعليمية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. خلال هذه الفترة، قاد أيضًا برنامج المجلس الثقافي البريطاني لزيادة تعليم وتعلم اللغة والثقافة العربية عبر المدارس في المملكة المتحدة.

[*] ملاحظة حول الترجمة. استشهد المؤلف بترجمات القرآن في هذه المقالة بالمصادر التالية: القرآن، محمد عبد الحليم؛ ترجمة جديدة (أكسفورد، المملكة المتحدة: مطبعة جامعة أكسفورد، 2004) رسالة القرآن؛ محمد أسد (لندن: مؤسسة الكتاب، 2004). دراسة القرآن: ترجمة جديدة وتعليق سيد حسين نصر وآخرون (نيويورك: هاربر وان، 2015).

[*] الفعلان أدخل واسلك كلاهما متعدٍ. (المترجم)


الهوامش

1.  Christoph Luxenberg, The Syro-Aramaic Reading of the Koran: Contribution to the Decodingof the Language of the Koran (Berlin: Hans Schiler, 2007), p. 22; Richard Bell and W. MontgomeryWatt, Bell’s Introduction to the Qur’an (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1995), p. xi.

2.  John Wansbrough, Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation (Oxford: Oxford University Press, 1977), pp. 20–21 and p. 50; Carlos A. Segovia, The Quranic Noah and the Making of the Islamic Prophet: A Study of Intertextuality and Religious Identity Formation in Late Antiquity. Judaism, Christianity, and Islam — Tension, Transmission, Transformation 4 (Berlin: De Gruyter, 2015). Herbert Berg, “The implications of, and oppo-sition to, the methods and theories of John Wansbrough,” Method & Theory in the Study of Religion, Vol. 9:1 (1991): pp. 3 – 22.

3.  Richard Bell, The Qur’ān: Translated with a Critical Rearrangement of the Sūras (Edinburgh:T. & T. Clark, 1937).

4.  Patricia Crone and Michael Cook, Hagarism: The Making of the Islamic World (Cambridge,U. K.: Cambridge University Press, 1977), p. 18.

5.  Ibid.

6.  Bill Warner and CSPI, An Abridged Koran (The Islamic Trilogy) (CSPI Publishing, May 30,2006), p. xii.

7.  See for example: Angelika Neuwirth and Michael Anthony Sells, Qurʼanic StudiesToday (New York: Routledge, 2016); Angelika Neuwirth, “Referentiality and Textuality in 72                  Journal of Islamic and Muslim Studies, Vol. 2.2Sūrat al-Ḥijr: Some Observations on the Qurʾanic ’Canonical Process’ and the Emergence of a Community,” Literary Structures of Religious Meaning in the Qurʾān, Issa J. Boulata Ed. (Richmond, Surrey U. K.: Routledge/Curzon, 2000), pp. 143–72 and n. 73; Idem, “Structure and Emergence of the Community,” Blackwell Companion to the Qurʾan, Andrew Rippin Ed. (Oxford, U. K.: Wiley-Blackwell, 2006), pp. 140–158.

8.  See for example, Behnam Sadeghi and Uwe Bergmann, “The Code of a Companion of the Prophet and the Qurʼān of the Prophet,” Arabica 57/4 (2010): pp. 343–436 and Asma Hilali, The Sanaa Palimpsest: The Transmission of the Qurʾan in the First Centuries AH (Oxford: Oxford University Press and Institute of Ismaili Studies, 2017). For an overview of discussions related to the Qur’ān’s authorship, see Behnam Sadeghi, “The Chronology of the Qurʼān: A Stylometric Research Program,” Arabica 58 (2011): pp. 210–299; Behnam Sadeghi and Mohsen Goudarzi, “Ṣanʿāʾ 1 and the Origins of the Qurʼān,” Der Islam 87 (2010): pp. 1–129.

  1. 9. أحد القيود المحتملة لتحليل ما أسميه “التكرار المتغير “هو:هل كان المجتمع المسلم، في زمن الوحي، مدرك لسبب هذه التكرارات؟ إن لم يكونوا كذلك، فقد لا يصل التحليل اللاحق إلى أكثر من تحديد الأسباب المحتملة للتكرار. وبما أن هذا المقال لا يناقش التكرار في القرآن كاملا، فإن نتائجه لا ينبغي أن تُعمَّم على جميع روايات التكرار في القرآن.

10.  H. A. R. Gibb, Islam: A Historical Survey (Oxford: Oxford University Press, 1980), p. 28; Richard C. Martin, “Inimitability,” Encyclopaedia of the Qurʾān, Jane Dammen McAuliffe, General Editor (Washington, D. C.: Georgetown University Press, 2001). Brill Reference Online accessed July 23, 2016.

11.  Abū al-Ḥasan ʿAlī ibn ‘Isā Al-Rummānī, al-Nukat fī Iʿjāz al-Qurʾān, Published in Thalātha Rasāʼil fī Iʿjāz al-Qurʾān, Muḥammad Khalafallāh Aḥmad and Muḥammad Zaghlūl Salām, Eds. (Cairo, n.d.), pp. 67–104.

12.  Abu Bakr al-Bāqillānī, I‘jāz al-Qurʼān, Aḥmad al-Saqr, Ed. (Cairo: Dār al-Ma‘ārif, 1954). وقد طعن (مستنصر مير) في هذه المقارنة، حيث قال إن انتقادات الباقلاني للشعر يمكن أن تنطبق أيضًا على القرآن نفسه. انظر (مستنصر مير)، “نقد الباقلاني لامرئ القيس،” دراسات في ثقافة وتاريخ الشرق الأدنى في ذكرى إرنست ت. عبد المسيح (آن أربور: مركز دراسات الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، جامعة ميشيغان، 1990)، ص 118 – 131.Studies in Near Eastern Culture and History in Memory of Ernest T. Abdel Masih, James Bellamy, Ed. (Ann Arbor: Center for Near Eastern and North African Studies, University of Michigan, 1990), pp. 118–131 and p. 129.

13.  M.A.S Abdel Haleem “Context and Internal Relationships: Keys to Qurʼānic Exegesis,” Approaches to the Qur’an, G.R. Hawting and Abdul-Kader A. Shareef, Eds. (London and New York: Routledge, 1993), pp. 71–98.

14.  Isa Boullata, “The Rhetorical Interpretation of the Qurʼān: Iʿjāz and Related Topics,” Approaches to The History of the Interpretation of the Qurʾān. Andrew Rippin, Ed. (Oxford, U. K.: Clarendon Press, 1988), pp. 139–57.

15.  ‘Abd al-Qāhir al-Jurjānī, Dalāʾil al-Iʿjāz, Muḥammad ‘Abduh and Muḥammad al-Shanqiṭi, Eds, annotated and published by Rashid Rida (Cairo, 1902); “Qurʼān,” Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics, Managing Editors Online Edition: Lutz Edzard, Rudolf de Jong. See also, Margaret Larkin, The Theology of Meaning: ʿAbd al-Qāhir al-Jurjānī’s Theory of Discourse. (New Haven, Connecticut: American Oriental Society, 1995), p. 13.

16.  M.A.S Abdel Haleem “Context and Internal Relationships: Keys to Qurʼānic Exegesis,” Approaches to the Qurʼan, G.R. Hawting and Abdul-Kader A. Shareef, Eds. (London and New York: Routledge, 1993), pp. 71–98 and pp. 72–

17.  Salwa M. El-Awa, Textual Relations in the Qurʼan: Relevance, Coherence and Structure (London: Routledge, 2005), p.14.

18.  Ibid, p. 1.

19.  Raymond K Farrin, “Surat al-Baqara: A Structural Analysis,” The Muslim World, 100, (2010): pp. 17–32. The “ring theory” in Sūrat al-Baqara illustrates how the second half of the sūra thematically mirrors the first half but in reverse order — e.g., A, B, C, D, C, B, A. This facilitates its use as a mnemonic aid for those who memorize the Qurʼān. This structure can also be found in certain verses, such as Āyat al-Kursi (Q 2:255).توضح “نظرية الحلقة” في سورة البقرة كيف يعكس النصف الثاني من السورة النصف الأول من الناحية الموضوعية، ولكن بترتيب عكسي – على سبيل المثال، أ، ب، ج، د، ج، ب، أ. وهذا يسهل استخدامه كمساعد للذاكرة لمن يحفظ القرآن. يمكن العثور على هذه البنية أيضًا في آيات معينة، مثل آية الكرسي [البقرة: 255].

20.  Claude Gilliot, “Narratives,” Encyclopaedia of the Qurʾān. Jane Dammen McAuliffe, General Editor (Washington, D. C.: Georgetown University Press, 2001). Brill Reference Online accessed July 3, 2016.

21.  http://corpus.quran.com/search.jsp?q=musa. Accessed July 2, 2016.

22.  M.A.S Abdel Haleem, “The Story of Joseph in the Qur’an and the Old Testament,” Islam and Christian-Muslim Relations, Vol. I, no. 2, 1990, pp.171–191; see also, Muhammad Asad, The Message of the Qurʾān, 20:44, footnote 28.

23.  Maḥmud ibn Ḥạmza al-Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, ʻAbd al-Qadir Ahmad ʻAtā,̣Ed. (Beirut: Dar al-Kutub al-ʻIlmiyya, 1986), p. 64. The earliest scholars to have examined cases of repetition in the Qurʼān include al-Farrā (d.206/822) in his grammatical com-mentary Ma‘āni al-Qurʾān; Baghawi (d. 516/1122) in his exegetical work Ma‘ālim al-Tanzil; and, Qurṭubī (d. 671/1273) in al-Jāmi‘ li-Aḥkām al-Qurʾān. The study of repetition in the Qurʼān later became a subsection within the study of ʿUlūm al-Qurʼān.

يقصد الزركشي باشتراك الجميع “أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكمون عنه ما نزل بعد صدور الأولين، وكان أكثر من آمن به مهاجرين، فلولا تكرُّر القصة لوقعت قصة موسى عليه السلام إلى قوم وقصة عيسى لآخرين، وكذلك سائر القصص فأراد الله -سبحانه وتعالى- اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة القوم وزيادة [تأكيد وتبصرة] لآخرين وهم الحاضرون وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره”.

24.  Tikrār means, “repeating a part of speech either identically or synonymously for the pur-pose of emphasis.” Ibn Manẓūr, Lisan al-ʻArab (Beirut: Dar Sādir,̣ 1955), Vol. 6, p. 450.

25.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, pp. 63–4.

26.  Andrew Rippin, “al-Zarkashī,” Encyclopedia of Islam, Second Edition. Brill Online accessed July 23, 2016.

27.  Muhammad ibn Bahādur Zarkashī, al-Burhan fī ‘Ulum al-Qur’an, Muhammad Abū al-Faḍl, Ed. (Cairo: ‘Isā al-Bābī al-Ḥalabī, 1972), Volume 3, p. 9.

28.  Ibid, p. 27.

29.  ‘Abdullāh ibn Muslim Ibn Qutayba, Taʼwīl Mushkil al-Qurʼān, Ahmad Ṣuqraṭ, Ed. (Medina:al-Maktaba al-‘Ilmīyya, 1980), p. 26.

30.  Angelika Neuwirth, Scripture, Poetry, and the Making of a Community: Reading the Qurʼan As a Literary Text. (Oxford, U. K.: Oxford University Press and The Institute of Ismaili Studies, 2014), p. 286.

31.  Fakhr al-Din Muhammad ibn ʻUmar al-Razi, Mafatiḥ ̣al-Ghayb aw al-Tafsir al-Kabir (Cairo [Bulaq Edition], 1872), vol. 20, p. 10 and vol. 27, p. 7.

32.  This is in agreement with Lane. Edward Lane, Arabic-English Lexicon (London: Willams & Norgate, 1863), pp. 2480–1.

33.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, pp. 173–

34.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘ulum al-Qur’an, p. 26.

35.  Lane, Arabic-English Lexicon, p. 2480.

36.  Hussein Abdul-Raof, Qurʾānic Stylistics: A Linguistic Analysis (Munich: Lincom Europa,2004), p. 42, p. 122.

37.  Abdul-Raof, Qurʾānic Stylistics, pp. 89–90.

38.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, p. 82.

39.  Lane, Arabic-English Lexicon, p. 1002.74      Journal of Islamic and Muslim Studies, Vol. 2.2

40.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘Ulum al-Qurʼan, p. 26.

41.  Parastoo Ghiyasvand, and Ali Bagher Taheri Nia, “Repetition of the Story of Moses & Pharaoh in the Holy Quran,” Quarterly Journal of Contemporary Literary Studies, Volume 2, Issue 5, (2010), pp. 117–132 and p. 121.

42.  Neuwirth, Scripture, Poetry, and the Making of a Community, pp. xxii–xxiii. Jane Dammen McAuliffe, “Debate and Disputation,” Encyclopaedia of the Qurʾān. Brill Reference Online accessed July 2, 2016.

43.  Neuwirth, Scripture, Poetry, and the Making of a Community, pp. xxxii and 40.

44.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘Ulum al-Qurʼān, p. 26.

45.  See for example, ʿĀʾisha ‘Abd al-Rahman, al-I`jaz al-Bayani (Cairo: 1971), pp. 198–214.

46.  Lane, Arabic-English Lexicon, p. 681; Jalāl al-Dīn al-Suyūṭī, Tafsīr Jalalayn, Feras Ḥamza, Trans. (Amman: Aal al- Bayt Institute for Islamic Thought, 2012), 7:107. The adjective used is “enormous.”

47.  al-Razi, Mafātīḥ al-Ghayb, 27:10.

48.  Sayyid Qutḅ,al-Tasẉir al-Fanni fī al-Qurʼān (Cairo: 1951?), pp. 194–5.

49.  Razi, Mafātīḥ al-Ghayb, 20:17–21 and 28:31; Asad, The Message of the Qurʾān, 20:21 and footnote 18.

50.  Abdul-Raof, Qurʾānic Stylistics: A Linguistic Analysis, p. 52.

51.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, pp. 73–74.

52.  Ibid, p. 127; al-Razi, Mafātīḥ al-Ghayb, 7:112.

53.  Lane, Arabic-English Lexicon, p. 1317.

54.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, pp. 128–9; ‘Abdullāh Ibn ‘Abbās, Tanwīr al-Miqbās min Tafīir Ibn ‘Abbās, Mokrane Guezzou, Trans. (Amman: Royal Aal al-Bayt Institute for Islamic Thought, 2007), p. 171.

55.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, p. 128.

  1. 56. تصف حاشية كتاب محمد أسد “رسالة القرآن” أن استخدام لفظ الأوتاد يعني أعمدة الخيمة البدوية، وعدد الأوتاد يبين حجم الخيمة وكذلك قوة المالك ومكانته.

57.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, p. 103.

58.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘Ulum al-Qur’an, p. 27.

59.  Ghiyasvand and Nia, “Repetition of the Story of Moses and Pharaoh in the Holy Quran,” pp. 129–130.

60.  Muḥammad Maḥmud al-Hijāzī, Al Waḥda al-Mawdūdiyya fi al-Qiṣṣa al-Qurʼāniyya (Cairo: al-Maṭba‘a al-Madanī 1970), p. 327.

61.  Theodor Nöldeke, et al. The History of the Qur’an (Leiden: E. J. Brill, 2012), pp. 97–98.

62.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘Ulum al-Qur’an, pp. 29–30.

63.  Ibid, p. 27.

64.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, p. 192.

65.  Asad, The Message of the Qurʾān, 17:101, footnote 119.

66.  Zarkashī, al-Burhan fi ‘Ulum al-Qur’an, p. 26.

67.  Kirmani, al-Burhan fi Tawjih Mutashabih al-Qurʼan, p. 189.

68.  Neuwirth, Scripture, Poetry, and the Making of a Community, p. 285.

69.  Clinton Bennett, Studying Islam: The Critical Issues, (London and New York: Continuum International Publishing Group, 2010), p. 36.

70.  Neuwirth, Scripture, Poetry, and the Making of a Community, pp. 2

71.  A.L de Prémare, “L’islam comme monoprophétisme,” in A. Laurent (Ed.), Vivre avec l’is-lam? Réflexions chrétiennes sur la religion de Mahomet (Versailles: 1997), pp. 150–62.

72.  Elizabeth Crone and Michael Cook, Hagarism: The Making of the Islamic World (Cambridge,U. K.: Cambridge University Press, 1977), p. 18.

73.  See, for example, Issa J. Boullata, Literary Structures of Religious Meaning in the Qur’an (Richmond, Surrey: Curzon Press, 2000). For an introduction to a range of literary theories that could be applied to the field of Qur’anic Studies, see Jane P. Tompkins, Reader-Response Criticism: From Formalism to Post-structuralism (Baltimore and London: Johns Hopkins University Press, 1980

0
المصدر
Journal of Islamic and Muslim Studies, Volume 2, Number 2, November 2017, pp. 53-75 (Article)

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى