الدين

القدر الإلهي والإرادة البشرية عند المسلمين

  • جاستن پاروت*
  • ترجمة: بيان إبراهيم
  • تحرير: محمود سيّد

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

أقضّت فكرة “القدر الإلهي” مضجع علماء اللاهوت والفلاسفة لقرون والتي تعرف أيضا ب”المشيئة الإلهية” أو “القضاء الإلهي السابق”، أي أن كل شيء قد حدث من قبل فهو مسبوق بتقدير الخالق. كيف يمكننا التوفيق بين هاتين الفكرتين اللتين ظاهرهما التناقض، الأولى حقيقة أن الله لديه سلطة مطلقة وسيادة على كل الخليقة، وفي ذات الوقت نحن مسؤولون عن أفعالنا؟ هل نحن مجبرون على أفعالنا أم أن خياراتنا ذات معنى؟

يقود هذا السؤال إلى واحدة من أقدم الانشقاقات الطائفية في المجتمع الإسلامي بين القدرية الذين تبنّوا مطلق إرادة الإنسان الحرة (فعل الخلق مخلوق لهم)، أما الجبرية فآمنوا بالحتمية والقدرية المطلقة (ليس لدينا أي سيطرة على أفعالنا). وقد طوّرت كلتا المجموعتين عقيدةً متطرّفةً ومضلّلةً. فإن كان الله لا يخلق أفعالنا وليس له حكم عليها، فلِمَ الدعاء لله إذن؟ وإذا لم يكن لدينا سيطرة على أفعالنا ومصيرنا، فلماذا نفعل الخير؟

لم يُثِرْ هذا السؤال جدلًا في التاريخ الإسلامي المبكر وحسب، بل يُعَدّ هذا النقاش مسألةً مهمةً على مرّ التاريخ سواء لأسباب دينية أو علمانية. قبل أكثر من ألفي سنة، كتب الفيلسوف اليوناني أرسطو عن هذا الموضوع بسبب أثره على فهم النظام في الكون وأصل الحياة البشرية والحرية والسعادة¹. اليوم هو موضوع جدلي أكاديمي معقد، يوضع تحت عنوان “الحتمية” في التخصصات العلمية، مثل الرياضيات والفيزياء والأحياء وعلم النفس والعلوم الاجتماعية². من الواضح أن فهمنا للقدر يلعب دورًا حاسمًا في كل من رؤيتنا للعالم وسلوكنا داخله -وهو الأهم-. وقد شهد المسلمون شكوكًا في عقيدتهم بسبب عدد لا بأس به من التناقضات الفلسفية التي نشأت عن تلك الأسئلة. فكيف يحلّ الإسلام هذا اللغز؟

يسلك القرآن والسنة طريقًا معتدلاً بين النهجين التاريخيين، أي التأكيد على قدرة الله المطلقة ومسؤولية البشرية على حد سواء. ومن وجهة نظر عقلانية؛ يبدو أن هذين الجانبين يستبعد أحدهما الآخر؛ وبعبارة أخرى يبدو أنهما لا يمكن أن يكونا حقيقيين. ومع ذلك؛ علينا أن نتذكر أن الله موجود خارج الزمان والمكان، خلف الحجاب الكوني في الغيب، بائنٌ من خلقه. وعلى العكس؛ لا يسعنا نحن البشر إلا أن نتصور الحقائق في إطار الزمان والمكان المُعيَّنين. التقدير الإلهي أو القدر، هو واقع موجود خارج الزمان والمكان مما يعني أننا ببساطة غير قادرين على سبر أغواره بقدراتنا العقلية المحدودة.

ولهذا السبب، بيّن الله واقع القدر الإلهي باستخدام أدوات اللغة -لا سيما التصوير الأدبي (التصوير الفني)- الذي تتضمّنه العلوم القرآنية «التعبير عن معنى ذهني بالصورة المحسوسة المتخيّلة.»³ هذه الصور هي القلم واللوح المحفوظ والسجلات الملائكية للأعمال. تصرّح هذه الصور بالقدر الإلهي وأن الله محيط بكل شيء منذ بدء الخلق حتى يوم القيامة. وهي ليست خياليةً ولا مجازيةً؛ بل على العكس من ذلك فهي تشكّل حقائق عميقةً في الكون وهي حقائق في حد ذاتها. في حين أن كل شيء قد تقرّر منذ الأزل، فلدى الله القدرة على تغيير المصير على أساس الخيارات التي نتخذها. نحن مسؤولون أخلاقيًّا عن تصرفاتنا المرتبطة بإرادتنا الحرة والتي تقاس بالسيطرة المحدودة الخاضعة لمشيئة الله لتحديد المصير النهائي.

طبيعة القدر الإلهي

يعتبر مصطلح القدر الإلهي في الإسلام هو القضاء، أي “المشيئة والتدبير” وهو مزيج من مصطلحين، مما يدلّ على الجوانب الثنائية للقدر الإلهي. يقول ابن حجر رحمه الله: «وقالوا -أي العلماء- القضاء هو الحكم الكلي الاجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله»⁴

مع أن العلماء أحيانًا يعرّفون المصطلحات بشكل مختلف، تقديم التعريف هنا يستند إلى مجموعتين من النصوص في القرآن والسنة: النصوص التي تتحدّث عن حكم الله المطلق ولا تتغير، ومن حيث النصوص التي تتحدث عن تعديلات على الحكم حينما يخرج إلى الوجود. وهاتان المجموعتان من النصوص ظاهرهما التعارض، وما ذلك إلا بسبب الإطار المرجعي المحدود للعقل البشري.

وكل مجموعة من النصوص توافقت مع هدف توجيهنا إلى السلوك الصحيح -طاعة الله- فهي تجسّد فكرة المشيئة التي لا تتغيّر في اللوح المحفوظ، الذي يضمّ كل ما هو كائن بما في ذلك الكتب المقدسة.

قال الله سبحانه وتعالى: (بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيد*ٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍۭ) [ سورة البروج:21-22]

ينقل المصطلح حقيقةً مطلقةً للعناية الإلهية من خلال تمثيل عقلي لشيء -اللوح- والذي نحن على دراية به بالفعل، مع أن اللوح المحفوظ لا يشبه أي لوح نعرفه. ما يتضمّنه اللوح المحفوظ هو أن الله عز وجل يعلم ما هو كائن قبل وجوده.

قال الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [سورة الحج:70]

وقال النبيﷺ: « إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فلذلِكَ أقولُ جفَّ القلمُ على عِلمِ اللَّه.»5

لا يعلم الله ماذا سيكون وحسب، بل لديه كامل السيطرة والسلطة على ما سيخرج للوجود. يمكنه أن يسمح أو يمنع أيّ شيء من الحدوث.

قال الله سبحانه وتعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [سورة الفرقان:2]

علاوةً على ذلك، ما إن تُنفخ الروح في الجنين حتى تُنهي الملائكة كتابة الرزق والعمر والأعمال وخاتمة كل إنسان. أقدارنا مكتوبة قبل أن نولد.

قال النبيﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ في ذلك عَلَقَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يَكُونُ في ذلك مُضْغَةً مِثْلَ ذلك ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ثم، يتنفس الروح فيه. فَوَا الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وان أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حتى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عليه الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا”6 وقوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) [الحج 70] »

نحن نسير ومصيرنا يسبقنا، فور دخولنا لهذا العالم. ومع ذلك؛ فإن إرادتنا وأعمالنا ذات مغزى لأنها -بمشيئة الله- هي السبب في تغيير طريقنا. ولأن الله بيده مصير كل شيء؛ فإن السبيل الحق للفوز بحسن الخاتمة هو بطاعة الله عز وجل والصلاة وعمل الصالحات. نحن لسنا مسيطيرين على أنفسنا سيطرةً كاملةً، وبهذا المعنى “رُفعت الأقلام وجَفّت الصحف.”

قال النبيﷺ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»7

لاحظ أنه في الحديث، أبلغنا النبيﷺ -برواية الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما- أن كل شيء قد كُتب، وجفّت الصحف. ومع ذلك، نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ الله والاستعانة بالله.

الفكرة الجوهرية التي تستوجب الفهم: هي أن كل شيء يحدث بإرادة الله، لكن لا يلزم أن الله عز وجل يرضى بكل ما سمح بحدوثه. هناك طريقتان لفهم “إرادة الله”: الإرادة الكونية الخلقية والإرادة الشرعية. تشمل الإرادة الكونية الخلقية كل ما يسمح به أن يكون، سواء كان خيرًا أو شرًا. أما الإرادة الشرعية هي الأعمال الصالحة التي يريدها الله منا.

كتب ابن أبي العز، وهو من أوائل شرّاح العقيدة الطحاوية المتفق عليها: «والمحقّقون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية خلقية وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية: هي المتضمنة للمحبة والرضى. والكونية: هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.»8

وكان اللبس الذي أدّى إلى الطائفية في أوائل التاريخ الإسلامي راجعًا إلى فشل القدرية والجبرية في فهم هذه النقطة.

ويُواصل ابن أبي العز قائلًا: «ومنشأ الضلال: من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوّى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فيكون محبوبًا مرضيًّا، وقال القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيةً له، فليست مقدّرةً ولا مقضيةً، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. وقد دلّ على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتابُ والسنةُ والفطرةُ الصحيحة. »9

وخلاصة القول: إن الجبرية قالوا إن الله يقدّر الخير والشر ويحبهما كما أرادهما، في حين تنكر القدرية نسبة الشر لله ويقولون بنسبته لقوة أخرى. نفت الجبرية المسؤولية الأخلاقية للبشرية؛ ونفت القدرية السلطة الكاملة للخالق.

والحقيقة هي أن أفعالنا تُحدِث فرقًا ملحوظًا، ويمكن أن تدفع القدر بإذن الله؛ بالتوفيق بين إرادتنا والإرادة الشرعية للخالق، أي أنه بالتسليم لمشيئة الله، سيتغيّر مصيرنا للأفضل.

قال الله سبحانه وتعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ* يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [سورة الرعد:39]

“مصدر الكتاب الكريم” هو أم الكتاب. وهو اللوح المحفوظ الذي لا يتغيّر قدره منذ الأزل وهو مكتوب. لكن كتب الخلائق أعمالنا ومصائرنا التي تكتبها الملائكة يمكن أن تتغيّر وفقًا لأفعالنا. يفسّر ابن عباس -رضي الله عنهما- هذه الآية قائلًا: «الكتابُ كتابان: كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويُثبت، وعنده أم الكتاب »10

في الحقيقة كل يوم تكتب الملائكة، وقد تتحقّق المصائر أو تتغيّر.

قال الله سبحانه وتعالى: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [سورة الرحمن: 29]

سأل أبو الدرداء النبي ﷺ عن هذه الآية فقال: «من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين» 11

كما فسّر مجاهد هذه الآية: «يجيب داعيا، ويعطي سائلا أو يفكّ عانيا، أو يشفي سقيما. وقال أيضا:كلّ يوم هو يكشف كربا، ويجيب مضطرًا، ويغفر ذنبا»12

هذا التغيير الواضح في المصير ليس نتيجةً لقوتنا أو قدرتنا ولم يكن ليحدث بدون علم الله سبحانه وتعالى. بل إذا سلّمنا لمشيئة الله وحده سيتغيّر مصيرنا إلى الأفضل.

كتب ابن حجر، وهو من شرّاح صحيح البخاري: «وأن الذي سبق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل مما يبدو للناس من عمل العامل…فيقع فيه المحو والاثبات كالزيادة في العمر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله»13

يعتمد دافع تغيير المصير على أعمال، مثل: الإخلاص والصلوات والدعاء والأعمال الصالحة. وليست قوة أعمالنا هي التي تُحدث التغيير. وبطاعة الله والخضوع لمشيئته يُجزى الإنسان على سعيه الجزاء الأوفى. وبهذا؛ يكون البشر مسؤولين عن أعمالهم.

الإرادة البشرية والعمل والمسؤولية:

إن القرآن والسنة واضحين بشأن المسؤولية الأخلاقية للبشرية.

قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [سورة الأنعام: 146]

هذا هو الهدف من كل هذه الحياة، لا معنى للحكم العظيم المنعقد في يوم الحساب، ما لم يكن الحساب قِسْطًا قيّماً. ومن ثَمّ أوكلَ الله للبشر استعمال إرادتهم في الخير. إرادتنا هي بمعنى “الإرادة الحرة” أي أنّا لسنا مجبرين على فعل ما نفعله. ما نفعله بإرادتنا الحرة التي وهبها الله لنا، هو ما يحدد مصيرنا في الآخرة إن كان في الجنة أم النار.

قال الله سبحانه وتعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ* لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [سورة التكوير: 29]

قال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [سورة الإنسان: 29-30]

وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو فقيه حنبلي: «ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء أن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله. »14

إذًا؛ ما يحدّد مصيرنا الذي أقطعه الله هو التصرف بإلارادة التي منحها لنا الوهاب.

وجوهر المسألة: هو أن الأعمال الصالحة تؤدي إلى خاتمة حسنة والأعمال الطالحة تؤدي إلى خاتمة سيئة.

قال النبيﷺ: «صَنائِعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ والصَّدقةُ خُفيًا تُطفِئُ غضَبَ الرَّبِّ وصِلةُ الرَّحِمِ زيادةٌ في العُمُرِ، وكلُّ مَعروفٍ صَدَقةٌ، وأهلُ المعروفِ في الدُّنيا هُمْ أهلُ المعروفِ في الآخِرَةِ، وأهْلُ المُنكَرِ في الدُّنيا هُمْ أهلُ المُنكَرِ في الآخِرَةِ وإن أوَّل أهل الجنة دخولًا أهل المعروف. »15

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رضي الله عنهما-: «إنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا في القَلْبِ، وضِياءً في الوَجْهِ، وقُوَّةً في البَدَنِ، وزِيادَةً في الرِّزْقِ، ومَحَبَّةً في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوادًا في الوَجْهِ، وظُلْمَةً في القَلْبِ ووَهَنًا في البَدَنِ، ونَقْصًا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قُلُوبِ الخَلْقِ »16

وعلى وجه الخصوص؛ يحافظ العمل الصالح على الروابط الأسرية، وهذا سبب يزيد به اللهُ عمرَ ورزقَ المرء.

قال النبيﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ »17

قَالَ ابْنُ عُمَرَ‏ رضي الله عنه: «مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ، وَوَصَلَ رَحِمَهُ، أُنْسِئَ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَثَرَى مَالُهُ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُهُ‏.‏»18

فالصلاة والدعاء من أعظم الأعمال التي تُحدث تغييرًا. بل في الحقيقة؛ لا شيء يردّ الشر كالدعاء.

قال النبيﷺ: «لا يردُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ »19

وقال النبيﷺ: « مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِمَأْثَمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ »20

بل كان النبي ﷺ يدعو الله ليدفع عنه السوء، وهذا اعتراف بأن الله بيده مقادير الأمور.

«اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ نَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ‏»21

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَمِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ وَمِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ »22

وحقًّا، كان الصحابة -رضوان الله عليهم- والصالحون يتعوّذون بالله من سوء القضاء ويسألونه خير العاقبة.

عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَبْكِي: « اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي فِيهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ الذَّنْبَ وَالشِّقْوَةَ فامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَاب»23

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «اللهم ان كتبتني في أهل الشقاء فامحني واثبتني في أهل السعادة »24

وقال شقيق بن سلمة -رضي الله عنه-: «اللهم إن كنت كتبتنا عندك أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا؛ فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ما تشاء وعندك أم الكتاب. »25

وقد أدرك أسلافنا أن الخير والشر مقدرّان من عند الله. عل سبيل المثال، خرج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الشام، وعندما وصل أخبروه أن الطاعون تفشّى هناك فأشار لمن معه بالعودة إلى المدينة. حينها قال أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه-: «أتفرّون من قدر الله؟» فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ فِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا هَبَطَ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ يَرْعَى مَنْ رَعَى الْجَدْبَةَ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَيَرْعَى مَنْ رَعَى الْخَصْبَةِ بِقَدَرِ اللَّهِ!»26

أدرك عمر -رضي الله عنه- أن كل ما يحدث نتيجة لأفعالنا أنما هو قضاء الله وقدره، لذلك ينبغي له أن يتصرف وفقًا للأسباب والأحداث. وفي هذه الحالة تجنّب الطاعون حين أدرك أنه سبب للأذى. كثير من الناس يظن أن الثقة بقدر الله تعني أن لا تتصرف ويتناسون الأخذ بالأسباب، مثل الذي لا يرتدي حزام الأمان في سيارته، معتقدًا أن لن يصيبه إلا ما كتب الله. ولكن أظهر لنا المثل الذي ضربناه بعمر -رضي الله عنه-، أن التوكل الحقيقي على الله يعني أن المرء يتصرّف وفق الأحداث التي يمرّ بها في يومه.

يعلق ابن حجر على مقالة عمر -رضي الله عنه- قائلًا: «ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه مشروع وقد يقدّر الله وقوعه فيما فرّ منه. فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله. فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام التمسك بالأسباب.»27

والتوكل هو أفضل طرق الاعتماد على الله سبحانه وتعالى. تتوكل على الله وأنت تعلم بأن الله يقدّر الخير لمن يسعى للخير. وبعبارة أخرى؛ فإننا نؤمن بأننا إذا عملنا طلبًا للرزق، فإن الله سيبارك لنا فيه.

حدّث عمر -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ يقول: « لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»28

وقَالَ عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «لَا يَقْعُدُ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً»29

وهذا فهم صحيح لقدر الله. نفهم أن العالم مليء بالأسباب والنتائج المترتبة عليها، ولذلك فإننا نأخذ بالأسباب ونرجو خيرها بقدر الله، في حين أننا نعرف أننا لا نعتمد على الأسباب في حدّ ذاتها. قال النبي ﷺ: «لَا عَدْوَى» وهذا اعتراف بأن حدوث الأمراض بمشيئة الله. وفي نفس الوقت قال النبي ﷺ:«ولا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ» معترفًا بأن الأخذ بالأسباب الدنيوية قد يعالج المرض.30

وبهذا الفهم؛ نعتمد على الله وحده في تسخير الأسباب. فكل عمل ننوي القيام به في المستقبل علينا أن نسبقه بمشيئة الله، لأننا نعلم أن قدرتنا وإرادتنا لا تحدث فرقًا بدون الله سبحانه.

قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) [سورة الكهف:24]

والفكرة الرئيسية التي ينبغي تذكّرها هي أن الأفعال والأسباب بدون مشيئة الله؛ لا شيء في جوهرها، ومع ذلك لا تزال ضرورية لتحقيق غاية طيبة. وإن الفعل محدود بحال القدر للمؤمنين، قبل حدوث الأفعال والأسباب وبعد ثبوتهما.

كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: »والعبد له في المقدور «حالان » حال قبل القدر. و«حال» بعده. فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قُدِّرَ المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبًا استغفر إليه من ذلك.«31

قبل أن يثبت القدر، علينا اللجوء لله سبحانه وتعالى بالصلاة والدعاء والتوكل، والعمل بما يلزم لتحقيق أطيب النتائج. وبعد ثبوت القدر؛ علينا قبوله والسعي في أرض الله. وإذا كانت كارثة عظيمة لا صلة لها مباشرة بأفعالنا، مثل الكوارث الطبيعية فإننا نقبلها كجزء من فتن الدنيا ونواصل سكينة إيماننا. فإذا كانت نعمةً؛ نحمد الله ونبقى له شاكرين، وإن كانت نتيجةً لأعمالنا الصالحة؛ فإننا نحمد الله على تيسير الخير. وإن كان ذلك بسبب ذنوبنا؛ فإننا نلتمس المغفرة من الله ونفعل ما يلزم للتوبة. فكل أمور المؤمنين ما هي إلا استجابة للقدر.

من أصعب الابتلاءات التي نواجها في الدنيا، قبول الكوارث التي قدّرها الله سبحانه وتعالى. وإنما يحمل جذر كلمة “فتنة” معنًى قديماً «فتَنْتُ الفضة والذهب إِذا أَذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيِّدِ»32 يضعنا الله عز وجل في ابتلاءات لتكون سببًا في نشأتنا أخلاقيًّا وروحانيًّا. إن بعض الابتلاءات تُخرج أفضل مافي الناس.

فإذا وقعت الكارثة، اقبلوها وامضوا في أرض الله. نحن لا نخلّد أحداث الماضي بتكرارها في أنفسنا حتى القنوط

قال النبي ﷺ: «فَإِنْ أَصَابَكَ شَىْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا‏.‏ وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ ‏”‏لَوْ‏”‏ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.»33

قبول المصيبة المقدَّرة -في هذا الحال- هو طريقة تغرس في نفوسنا القناعة والاطمئنان، كما أن الإيمان بأن وراء كل حدث حكمة إلهية قد لا نفهمها تمامًا، فقول “لو” وسيلة يفسد بها الشيطان هذه الطمأنينة. وعلق النووي -رحمه الله- على هذا الحديث: «(فإنّ لو تفتح عمل الشيطان) أي يُلقي في القلب معارضة القدر ويوسوس به الشيطان.»34 لذا لا نتعلق بالماضي ونقبل القدر كحق، وهذا يعني الاستفادة من تجاربنا المريرة، فكما قال النبي ﷺ: «لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ»35

لا نقع في الخطأ مرتين، ولا نكرر ذات التجربة المريرة إذا استطعنا منعها.

خاتمة القول؛ نملك خيارًا في هذه الدنيا. قد نعبد الخالق ونعمل الصالحات أو قد نتجاهل إشارات قدرته في الخلق. بغضّ النظر عن أزلية نتائج اختياراتنا.

قال النبيﷺ: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلاَّ أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، لَوْ أَسَاءَ، لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلاَّ أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، لَوْ أَحْسَنَ، لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً ‏»‏‏.‏36

كل إنسان منا له مقعد في الجنة ومقعد في النار. أينما كان منتهانا، سنرى ما سيكون لنا لو سلكنا غير ما سلكنا، إما ثوابًا بشكر أو عقوبةً بحسرة.

تخيل أنك قفزت من طائرة بمظلة. أمامك مصيران لا مفرّ منهما: ستسحب المظلة وتعيش، أو ستفشل وتموت. كلا الاحتمالين مكتوب لك. لا ثالث لهما. ليس هناك عودة إلى أمان الطائرة. الأمر متروك لك لاتخاذ القرار وتحقيق المصير الذي ترغب فيه.

بطريقة مماثلة؛ نحن سائرون نحو الجنة أو النار. ولا يمكننا أن نهرب من القدر، من الأزل؛ ولا طريق لتغيير ما قد بدأ منذ أول الزمان. ومع هذا؛ فقد وُضعَ أمامنا طريق السعادة الأزلية إلى الجنة. ما نستخدم إرادتنا الحرة للقيام به يُحدث فرقًا. إنه قرارنا وحدنا، به أو بدونه سنخطو أول خطوات الرحلة

سر القدر الإلهي

لماذا يبدو القدر الإلهي متعارضاً مع إرادة الإنسان الحرة؟ تحد تصوراتنا عن الزمان والمكان من قدرتنا على فهم كل شيء خارجهما. فنحن غير قادرين على تصور واقع افتراضي وثابت في ذاته، ناهيك عن ماهية أفعال الله الخبير وأقداره التي تتجاوز حدود الزمان والمكان. لا يستطيع العقل البشري تجاوز سلسلة زمن الماضي والحاضر والمستقبل،لذلك يصعب علينا توقع أفعالنا في المستقبل من خلال تحديدها من الماضي. وأما الله عز وجل فليس له ماضي ولا حاضر ولا مستقبل،بل سبحانه يدبر الأمر وحده.

وكما قال النبي ﷺ: «لايَسُبُّ أحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ»37 فالمعنى أن الله هو خالق الدهر لا يقرر الله وقوع مسألة في المستقبل فينتظرها حتى تظهر؛بل يقدر سبحانه الحق وفقا لإرادته (وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة البقرة:117]

الخلاصة، أن الأقدار الإلهية ما هي إلا لغز بسبب محدودية قدراتنا في تصور الواقع خلف حاجز الزمان والمكان والأسباب والنتائج المادية. إنه لغز في جوهره، لأن الإرادة الحرة والقدر الإلهي متناقضين في ظاهرهما. وهو أيضا لغز في تفاصيله، لأننا لا نستطيع في كثير من الأحيان تمييز الحكمة من وراء المصائب والشر التي قدر الله حدوثها.

ونتيجة لذلك، أكد العلماء أن القدر الإلهي هو سر من أسرار الله وأن التعمق فيه فلسفياً أكثر مما ينبغي سيؤدي إلى الضلالة.

ويقول الطحاوي رحمه الله: «وأصل القدر سرّ الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة. »38

 المراد بالتعمق هنا، انهماك الجدالات الفلسفية وانغماسها في القدر الإلهي. وكانت هذه المبالغة والتطرف سبب في انفصال القدرية والجبرية عن المجتمع الإسلامي. ليومنا، يأخذ الفلاسفة وعلماء اللاهوت وعلماء الطبيعة الفكرة بعيداً عن طريق الإسلام المعتدل.

ونتيجة لذلك، منع النبي ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم من النزاع في القدر. مرة كانوا يتنازعون حول هذه المسألة، فخرج النبي ﷺغاضباً وقال لهم: « أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ» 39

أخبرنا النبي ﷺ أن نحذر ونتأدب عندما نخوض في القدر، فقال:إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا.40

مثل مبدأ الأمام أحمد بن حنبل رحمه الله في قبول القدر كيف ما أتى يؤمن به «الأيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه،والإيمان بها، لا يقال: لم ولا كيف»41 ومبدأ التوقيف هو ذات المبدأ في تفسير أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته. وثمة تعبير آخر عن مبدأ التوقيف، يعني التوقف عند النصوص الدينية. واقتبس ابن حجر مقالة للسمعاني يقول فيها: «سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل. فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في مجار الحيرة. ولم يبلغ شفاء العين ولا ما يطمئن به القلب، لان القدر سر من أسرار الله تعالى»42

ولأن الله تعالى خارج حدود إدراكنا، فلا جدوى من تفسير «العرش» أو« يد الله عز وجل »أو« البصيرة »حين نقارنها بحقيقتنا الدنيوية. ومع أن الكلمات مألوفة لنا والمعنى العام واضح ألا أن الحقائق العميقة عصية عن التصور. بنفس الطريقة، نفهم الحقيقة البسيطة للقدر من خلال الصور الأدبية للقلم واللوح المحفوظ وسجلات الأفعال. أي تحقيق بعد هذا يعد مستحيلاً وسيقود إلى الضلالة.

إن التحليل العقلاني والمداولات الفلسفية لهما مكانهما، ولكن الحقائق الإلهية خارج حدود العقل البشري. وبعيداً عن الإيمان الأعمى، فإن فهم ذلك يتطلب اعترافا مبدئيا بتواضعنا أمام الحقائق التي لا يمكن رؤيتها، وأن ما يتجاوز حواسنا هو واقع شاسع غير معلوم.

الخلاصة

القدر الإلهي واحد من أركان الإيمان الستة في الإسلام، إلا أنه من أولى المفاهيم التي اختلف عليها، مما أدى إلى الطائفية في الأجيال الأولى. إن الصراع الواضح بين ملك الله ومسؤولية البشرية. غير قادر على التوفيق بين هذين الحقيقتين، رفع القدرية والجبرية فكرة على الأخرى مما انتج علماً لاهوتياً غير مكتمل.

يتبع القرآن والسنة طريقاً معتدلاً بين هذين التطرفين. لله مقاليد السموات والأرض يعلم مايستقدم من الأمور ومايستأخر، ويقدرهما للوجود بقدرة واسعة. وفي الوقت نفسه،يعطي كل انسان إرادة لامتحان أفعالهم،في يوم القيامة الذي يفصل فيه بينهم.

واقع الأقدار الإلهية ينقل إلينا من خلال الصور الأدبية للقلم واللوح المحفوظ وسجلات الأفعال. كتب الله على اللوح المحفوظ كل شيء. ومع ذلك، فإن تنفيذ تلك المقادير يمكن أن يتغير على أساس الأفعال التي نقوم بها. ولو قدر الله لنا الشقاء، قد يغيره إذا تضرعنا له بالدعاء والأعمال الصالحة. توجه إرادتنا التي وهبها الله لنا،والتي هي تحت مشيئة الله، لمصير كتبه الله لنا. سينتهي الناس في الآخرة لوجهتين لا ثالث لهما،أما الجنة أو النار وأحداهما لها أجل.

هذه الصور الأدبية هي أفضل وأسهل طريقة لفهم هذا النزاع الفلسفي المعقد. ولهذا أخبرنا علماء الأمة بتعليق الحكم على النصوص وتجنب مخاطر مناقشة هذا الموضوع.

وما التوفيق إلا من عند الله وفوق كل ذي علم عليم.

اقرأ ايضاً: الفرق بين المشيئة والإرادة في القرآن الكريم


الهوامش:

  • حصل جاستن پاروت على البكالوريوس في كل من الفيزياء واللغة الإنجليزية في جامعة أوترباين، ونال درجة الماجستير في علم المكتبة والمعلومات في جامعة كينت، ويدرس ماجستير البحث في الدراسات الإسلامية في جامعة ويلز. ويعمل مؤخرًا أمين مكتبة بحوث جامعة نيويورك في أبو ظبي.

¹Dudley, John. Aristotle’s Concept of Chance: Accidents, Cause, Necessity, and Determinism. (Albany: SUNY Press, 2012), 2.

2Atmanspacher, Harald, and Robert Bishop. Between Chance and Choice: Interdisciplinary Perspectives on Determinism. (Thorverton: Imprint Academic, 2002) 1-3.

³ الواضح في علوم القرآن،مصطفى ديب البغا (دار الكلم الطيب- دمشق 1998) 1:170

⁴ فتح الباري بشرح صحيح البخاري،لابن حجر العسقلاني(دار المعارف-بيروت 1959) 11:477

5 سنن الترمذي، (دار الغرب الإسلامي-بيروت 1998) 4:ص323.

6 صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد ابن اسماعيل البخاري(دار طوق النجاة -بيروت 2002) 9:135

7 سنن الترمذي 4:248

8 شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، مؤسسة الرسالة- بيروت1997، 1:79

9 شرح العقيدة الطحاوية1:32

10 جامع البيان للطبري، مؤسسة الرسالة- بيروت 2000 16:480

11 سنن ابن ماجه، محمد ابن يزيد(دار احياء التراث العربي-بيروت1975)1:73

12 جامع البيان للطبري 23:39،55:29

13 فتح الباري، ابن حجر 11:488

14 مجموع الفتاوى، ابن تيمية (مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة المنورة1995)8:45

15 المعجم الأوسط للطبراني(دار الحرمين-القاهرة1995)6:163  [صححه الألباني، صحيح الجامع 3796]

16 الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية (دار المعرفة- المغرب1997)1:54

17 صحيح البخاري، الأمام البخاري 8:5

18 كتاب الأدب المفرد للبخاري(مكتبة المعارف للنشر والتوزيع-الرياض1998)1:34

19 سنن الترمذي4:16،2139

20 سنن الترمذي 5:485،3573

21 سنن الترمذي 1:587،464

22 صحيح مسلم 4:2080،2707

23 جامع البيان للطبري16:482

24 المعجم الكبير للطبراني(مكتبة ابن تيمية – القاهرة1983) 9:171، 8847

25 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني(مطبعة السعادة-مصر1974)4:103

26 صحيح البخاري 7:130

27 فتح الباري ابن حجر10:185

28 سنن الترمذي4:151،2344

29 إحياء علوم الدين للغزالي(دار المعرفة-بيروت1980)2:62

30 صحيح مسلم4:1743،2221

31 مجموع الفتاوى لابن تيمية 8:76

32 Lane، Edward W. Arabic-English Lexicon. (Cambridge UK: The Islamic Texts Society, (1984)، 2334

33 صحيح مسلم 4:2052،2664

34 شرح النووي على صحيح مسلم (دار إحياء التراث العربي-بيروت1972)16:216

35 صحيح البخاري 8:31،6133

36 صحيح البخاري 8:117،6569.

37 صحيح مسلم 4:1763،2247

38 متن العقيدة الطحاوية، أحمد ابن محمد الطحاوي (المكتب الأسلامي-بيروت1993) 49:1-50

39 سنن الترمذي 4:11،2133

40 المعجم الكبير للطبراني 10:198، 10448

41 شرح أصول أهل اعتقاد اهل السنة والجماعة للالكائي، دار الطيبة- السعودية 2003)1:175، 317

42 فتح الباري، ابن حجر11:4

أعجبني المقال

المصدر
yaqeeninstitute

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. “يسلك القرآن والسنة طريقًا معتدلاً بين النهجين التاريخيين، أي التأكيد على قدرة الله غير المطلقة ومسؤولية البشرية على حد سواء. ”
    قدرة الله مطلقة …. هل كان الخطأ خطأ مطبعيا أو خطأ الكاتب الأجنبي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى