الدين

القراءات القرآنية: مقدمة أساسية

محمد عبد الله الفاتح

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد،،

فقد أصبح التعرف على علم القراءات وإدراك أطوراه غاية في الأهمية، ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفُه، وأولى ما يلزم بحثُه؛ ما كان لأصل دينهم قِوامًا، ولقاعدة توحيدهم عمادًا ونظامًا، وعلى صدق نبيهم ﷺ برهانًا، ولمعجزته ثبتًا وحجة.

ولا سيما أن الجهل ممدود الرِّواق، شديد النَّفاق، مستولٍ على الآفاق، فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين.

 

  • تعريف عام للقراءات:

علم القراءات على اصطلاح أحد أبرز أئمته، وهو ابن الجزري رحمه الله تعالى: هو علمٌ بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًّا لناقله.

أي أنه يتناول ألفاظ القرآن الكريم من تخفيفٍ وتشديدٍ، ومدٍ وقصرٍ، وتسهيلٍ في الهمزات وتحقيقٍ، وما شابه من مظاهر أصول التلاوة القرآنية.

فهو فن له مصطلحاته الخاصة به كغيره من علوم الشريعة، ومراحله التي مرَّ بها حتى نضج نضوج الثمار اليانعة، وهذا الفن يزيد المسلم يقينًا في وثوقية النص القرآني، ووصوله إلينا سالمًا من أي زيادة أو نقصان، فضلًا عن التغيير والتبديل والتحريف.

فمثلًا نحن نقرأ في مصر بقراءة الإمام عاصم لراويه حفص، وأهل المغرب يقرؤون بقراءة الإمام نافع لراويه قالون، وأهل بلد آخر يقرؤون بقراءة أخرى وهكذا، فأهل كل بلد يقرءون بما يسهل على لسانهم.

وعلم القراءات من أشرف العلوم لتعلقه بأشرف الكلام، وهو باب عظيم من أبواب خدمة كتاب الله وحفظه، وهو من عجائب القرآن التي لا تنقضي، ودراسته مما تُفنى فيه الأعمار، وهو ثغر عظيم لا يُوفَّق إليه إلا من أراد الله له الخير لقوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

فتعلمه وجه من وجوه تعلم القرآن، وفضل العناية به كفضل العناية بالقرآن لقول النبي ﷺ:

«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[1].

وقد صار لهذا العلم جهات تعنى بتدريسه، وخصصت له معاهدٌ وكلياتٌ خاصة، كقسم القراءات وعلومه في الجامعة الإسلامية في المدينة، ومعاهد القراءات التابعة للأزهر الشريف في مصر.

وهذا من عظيم شرف هذه الأمة على سائر الأمم، من حيث تلقيهم كلام ربهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال، والبحث عنه لفظة لفظة، وإتقان تجويده، فلم يهملوا تحريكًا ولا تسكينًا ولا تفخيمًا ولا ترقيقًا، حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات وميزوا بين الحروف بالصفات، مما لم يهتد إليه فكر سابق ولا أمة سالفة.

ويسمى العالم بالقراءات الذي تلقاها بالمشافهة وأجيز بتعليمها لغيره مقرئًا، وطالب علم القراءات إما أن يكون مبتدئًا أو متوسطًا أو منتهيًا.

– فالمبتدئ عند أهل الفن من حفظ القرآن بقراءة واحدة إلى ثلاث.

– والمتوسط من حفظه بثلاث قراءات إلى خمس.

– والمنتهي من عرف من القراءات أشهرها.

وفائدة هذا العلم الجليل حفظ القرآن من التحريف والتغيير، فلا يقرأ أحد إلا بوجه ثابت عن النبي ﷺ.

وهو تيسيرٌ على الأمة لاختلاف ألسنتها ولهجاتها، فقد كان القرآن ينزل أول الأمر بلهجة واحدة، ثم سأل النبي ﷺ ربه التخفيف لأمته.

وهو مورد عظيم لاستنباط المعاني والأحكام لدى أهل العلم.

والمشتغل بهذا العلم له أوفر الحظ والنصيب إن أخلص فيه لله تعالى، فلا يستوي في المرتبة من حفظ القرآن بقراءة واحدة مع من حفظه بقراءتين مع من جمع العشر المتواترة كلها، ولكلٍ درجات مما عملوا، وفي الحديث: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرآنِ اقْرَأ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُهَا»[2].

ولذا فهذا العلم الجليل، ومن أراد أن يسلك طريق هذا العلم فله أولًا أن يتقن قراءة واحدة بأحد رواياتها، ثم ينتقل إلى غيرها بعد أن يأذن له شيخه، وهذا من باب تعلم الأولى فالأولى ولتعلق الآخر بالأول.

والحكمة الأساسية من تنوع القراءات القرآنية هو التيسير على الأمة والتخفيف عنها، قال تعالى: ﴿ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ .

فالعرب في زمن النبوة لم يكونوا كلهم على لسان واحد، وإنما كانوا على لهجات شتى، فمنهم الذي كان يهمز، ومنهم الذي يسهل الهمز، ومنهم الذي يبدل الهمز؛ فلا يستطيع أن ينطق: “إنما المؤمنون إخوة”، فيقول: “إنما المومنون إخوة”، ومنهم الذي يميل، ومنهم الذي يقلل ولا يستطيع أن يأتي بالفتح كاملًا، ومنهم الذي يقلب لام التعريف ميمًا، وعليها جاء حديث النبي ﷺ لما سأله الحِمْيَريُّ[3]: هل من امبرِّ امصيام في امسفر؟ يقصد: هل من البر الصيام في السفر؟ فاضطر النبي ﷺ إلى استخدام لهجته ليفهمه الحكم الشرعي فقال: «ليس من امبرِّ امصيام في امسفر». أي: ليس من البر الصيام في السفر.

فكان تنوع القراءات لهذا الغرض.

فمن المتواتر قراءة أبو عمرو البصري، وحمزة، والكسائي، وشعبة، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ فيقولون ﴿ لَرَؤُفٌ رَّحِيمٌ وهذه لغة أهل الحجاز، ومنها قول جرير:

ترى للمسلمين عليك حقًا   كفعل الوالد الرؤف الرحيم

والثابت أن اختلاف القراءات المتواترة كله من قبيل اختلاف التنوع لا التضاد، فإن هذا محال في كلام الله تعالى، إذ كيف يكون من مصدر واحد ويقع التناقض فيه.

فليس الاختلاف بالتشهي ولا بالتمني وإنما هو مأخوذ من فيِّ النبي ﷺ، ولا يجوز أخذ القراءات بالقياس والاجتهاد وإنما أساسه الرواية والنقل عن رسول الله ﷺ.

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .

فإذا كان النبي ﷺ لا يملك حق تغيير حرف مكان حرف في كتاب الله، فغيره من باب أولى.

قال سبحانه: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، واجتهاد الأئمة المتقدمين كان في الاختيار من بين الأحرف السبعة، ونسبة القراءة إلى الأئمة هي نسبة اختيار ولزوم ورواية واشتهار، وليست نسبة اختراع واجتهاد.

 

  • نزول القرآن على سبعة أحرف:

كان جبريل -عليه السلام- ينزل على الرسول ﷺ  ليعرض عليه القرآن مصداقًا لقوله تعالى:

﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين ﴾، وكان النبي ﷺ يتلو ما ينزل عليه لأصحابه ويعلمهم إياه، فكانوا يحفظونه، ويعملون به. مصادقًا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾.

ولم يكن القرآن ينزل على كيفية واحدة، وإنما كان ينزل على سبعة أحرف كما دلَّت الأحاديث الصحيحة. تلك الأحرف التي تمثلت فيما بعد في القراءات القرآنية المشهورة التي نسمعها اليوم، والتي نُقِلت إلينا بالنقل الصحيح المتواتر. كما اشتهر عن السلف قولُهم: القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول.

وأحاديث نزول القرآن بالأحرف السبعة كثيرة مشهورة:

فعن عمرَ بنِ الخطاب -رضي الله عنه- قال: « سمعتُ هشامَ بنَ حكيمِ بنِ حِزامٍ يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلَّم فلبَّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورةَ التي سمعتك تقرأ؟، قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كَذَبْتَ، فإن رسول الله ﷺ، قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله ﷺ، فقلتُ: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ: أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعتُه يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: كذلك أُنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأتُ القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه »[4].

وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعتُهُ، فلم أَزَل أَستَزيدُهُ ويَزيدُني حتى انتهى إلى سبعة أحرف »[5].

وفي حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه-: « أن النبي ﷺ كان عند أضاةِ بني غِفارٍ، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تَقرَأ أُمَّتُكَ القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تُطيق ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تَقْرَأَ أمتُك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تُطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأَيُّمَـا حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابوا»[6].

وفي حديث آخرَ لأبيِّ بن كعب -رضي الله- قال: « لقي رسول الله ﷺ جبريلَ، فقال: يا جبريل، إني بُعثت إلى أمة أميين: منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف »[7].

وعلى هذا تلقى الصحابة هذه الحروفَ منه ﷺ، وتفرقوا بعد ذلك في الأمصار، وهم على هذا الحال يُعلِّمون المسلمين، ويُقرؤون القرآن بما سمعوه من الرسول ﷺ بحروفه المختلفة.

 

  • معنى الأحرف السبعة:

وللعلماء في تعيين معنى الأحرف السبعة أقوال كثيرة، وهذا التعدد في تفسير حقيقة الأحرف السبعة مرجعه عدم ورود ما يفسرها من أحاديث النبي ﷺ أو أقوال الصحابة الرواة لهذه الأحاديث، لأن معنى هذه الأحرف كان واضحًا عندهم فلم تظهر الحاجة إلى السؤال عن معناها.

وبذلك احتاج العلماء إلى الاجتهاد في بيان هذا المصطلح، فاختلفوا على أقوال كثيرة، ولعل أقرب هذه الأقوال للصواب؛ أن الأحرف السبعة هي الوجوه القرائية السبعة المنزلة المرخص بها في اللفظ الواحد، بمعنى أن أقصى حدٍّ يمكن أن تبلغه الوجوه القرآنية في نطق الكلمة الواحدة هو سبعة أوجه.

فهي سبعة أوجه، في كيفيات مختلفة، نزل بها الوحي على قلب النبي ﷺ، عَلَّمها جبريل للنبي ﷺ وتلقاها الصحابة عنه، وهذه الأوجه تكون في الكلمة الواحدة، وهي للتوسعة.

وأكثر كلمات القرآن الكريم يُقرأ على وجه واحد، وبعضها يُقرأ على وجهين، وبعضها على ثلاثة، وغاية التوسعة وصلت إلى سبعة أوجه في الكلمة الواحدة. وهذه الأحرف السبعة منها ما نسخ في العرضة الأخيرة، وما بقي منها ونقل إلينا بالنقل المتواتر وتلقته الأمة بالقبول هو ما نعرفه اليوم بالقراءات العشر المتواترة.

وكانت هناك طائفة من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- عُرفوا بالقرَّاء، واشتهروا بتعليم القرآن وإقرائه منهم: الخلفاء الأربعة، وأبيُّ بن كعب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن السائب، وأبو هريرة، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وغيرهم الكثير. وهؤلاء الصحابة هم الذين دارت عليهم أسانيد القراءات التي نقرأ بها اليوم.

وأخذ عن الصحابة عدد من التابعين وتتلمذوا على أيديهم، منهم: أبو العالية الرياحي، والمغيرة بن أبي شهابٍ المخزومي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وأبو الأسود الدؤلي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والأسود بن يزيد النَّخعيُّ، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن السائب، وخلق كثير. وهكذا تناقلت القراءات من النبي إلى طبقة الصحابة ثم إلى طبقة التابعين ومن بعدهم.

وبذلك يتبين لنا أن القراءات بدأت مع نزول القرآن، فهي مرتبطة به ارتباطًا وثيقًا، وتفرقت في الأمصار مع انتشار الفتح الإسلامي، وحفظها الصحابة ووعوها ونشروها لمن بعدهم.كما قال تعالى: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ﴾

 

  • الإقراء في زمن عثمان رضي الله عنه:

بعد جمع القرآن على يد أبي بكر رضي الله عنه، ظلت الصحف التي جمعت عند أبي بكر طيلة حياته ثم عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- طيلة حياته ثم عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.

وفي عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كثرت القراءات في العالم الإسلامي، وظهر النزاع والشقاق بين المسلمين، وهذا الاختلاف مفهوم متوقع، لأن القرآن كما قلنا نزل على سبعة أحرف، وتلقى الصحابة هذه الأحرف ونشروها في بلاد الإسلام، فمن الصحابة من كان يحفظ القرآن على حرف واحد، ومنهم من حفظه على حرفين، ومنهم من حفظه بأكثر من ذلك، وليس كل المسلمين آنذاك على دراية بكل الأحرف التي نزل بها القرآن وقرأ بها النبي ﷺ، فوصل هذا النزاع إلى عثمان فأمر بجمع المصاحف، وكتابتها برسم يحتمل أغلب الأوجه الصحيحة المتواترة التي قرأ بها النبي ﷺ، وأرسلها إلى المدن المشهورة وأرسل مع كل نسخة قارئًا يقرئ المسلمين من هذه النسخة بقراءة توافق قراءة أهل هذا المصر.

فكان مقصده -رضي الله عنه- جمع المسلمين على القراءات الثابتة المعروفة عن الرسول ﷺ، وصار بذلك معيار قبول القراءة القرآنية: التلقي بالسند المتصل عن رسول الله ﷺ، وموافقة رسم عثمان رضي الله عنه.

وهذا بخلاف الجمع الأول في عهد أبي بكر، فقد كان هدفه حفظ القرآن من الضياع بعد مقتل كثير من حملته في معركة اليمامة.

وأقبل جماعة من كل مصر من الأمصار على المصحف العثماني الذي أُرسل إليهم لتلقي القراءات وفق ما تلقاه المقرؤون عن النبي ﷺ، فبرز قراء التابعين في كل مصر من الأمصار.

وعقب فترة التابعين، تجرد قوم للقراءة والأخذ، واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية، حتى صاروا في ذلك أئمة يقتدى بهم، ويرحل إليه، ويؤخذ عنهم، وأجمع أهل بلدهم على تلقي قراءاتهم بالقبول.

وكان القراء العشرة ورواتهم على رأس هؤلاء الأئمة.

 

  • بدايات التدوين لعلم القراءات:

– (السبعة، لابن مجاهد)

ظهر التدوين في علم القراءات، حينما ظهرت مرحلة التخصص والتجرد لعلم القراءات، فظهرت فكرة التحديد والاختيار، وذلك لكثرة الروايات والقراءات، وقلة الضبط. ففي أواخر القرن الثالث الهجري قام الإمام الجليل أبو بكر ابن مجاهد باختيار سبعة من القرَّاء، أراد بذلك أن يجمع الناس على قراءاتهم للتخفيف والتسهيل، واقتصر على هذه القراءات السبعة بعد تنقيحها والتثبت من تواترها، وذلك في كتابه المعروف: “السبعة في القراءات”، وكان رحمه الله حجةً في القراءات والحديث، فهو شيخ الصنعة، ثقةً علامةً كبيرًا.

ويقال أنه اقتصر على هذا العدد لأنه أراد أن يجعل عدد القراء على عدد المصاحف التي أرسلها عثمان -رضي الله عنه- إلى الأمصار، وقيل أنه أراد أن يجعلهم على عدد الأحرف التي نزل بها القرآن، فليس المراد بالأحرف السبعة القراءات السبعة التي اختارها ابن مجاهد.

وهؤلاء الأئمة السبعة الذين اختار ابن مجاهد -رحمه الله تعالى- قراءتهم هم: الإمام نافع المدني، والإمام ابن كثير المكي، والإمام أبو عمرو البصري، والإمام ابن عامر الشامي، ومن الكوفيين اختار ثلاثةً من الأئمة؛ هم الإمام عاصم ابن أبي النَّجود، والإمام حمزة الزيات، والإمام الكسائي، رضي الله عنهم أجمعين.

كما اختار ابن مجاهد لكل قارئ راويين من أضبط رواته، محاولةً منه -رضي الله عنه- في حصر أوجه الخلاف بين القراءات، وحفظًا للمتواتر منها، وتسهيلًا على الحفاظ، وبيانًا لاختلاف المرويات عن القارئ الواحد.

وهذه الفكرة -أعني فكرة التحديد والاختيار من القراءات وفق أركانٍ وشروطٍ- قام بها أئمة كثيرون من الذين ألفوا في هذا العلم.

 

– (التيسير لأبي عمرو الداني، ونظمه للشاطبي)

وتتابع على نهج الإمام ابن مجاهد في تسبيع القراءات أئمة؛ منهم الإمام أبو عمرو الداني في كتابه: “التيسير”، والإمام الشاطبي في نظمه لكتاب التيسير والمسمى بـ“حرز الأماني ووجه التهاني”.

وهذا الاختيار ازداد رسوخًا وقبولًا عند أئمة الإقراء من بعده، ومنهم الإمام الشاطبي؛ أبو القاسم بن فِيرُّه بن خلف بن أحمد الشاطبي الأندلسي الرعيني الضرير ( ت: ٥٩٠ هـ ) الذي نظم كتاب التيسير للإمام الداني والذي صنفه الإمام الداني على نهج الإمام ابن مجاهد تقريرًا للأئمة السبعة الذين اختارهم.

يقول الشاطبي رحمه الله:

وفي يسرها التيسير رمت اختصاره   فأجنت بعون الله منه مُؤمَّلا

ولاقت هذه القصيدة -التي سماها الإمام: “حرز الأماني ووجه التهاني”- قبولًا واسعًا، كما قال الناظم رحمه الله تعالى:

وسميتها حرز الأماني تيمنًا   ووجه التهاني فاهنه متقَبِّلًا

وهي قصيدة ألفية لامية من البحر الطويل، شرح فيها الإمام الشاطبي أصول القراء السبعة، واختيار كل قارئ ومذهبه في الأصول والفرش بطريقة الرمز، فكل قارئ أو راو له رمز، وهذه القصيدة ساحرة في فصاحتها وبلاغتها، فلم يكن الشاطبي -رحمه الله- يضع فيها أي لفظ هكذا.

يقول عنه الإمام ابن الجزري -رحمه الله-: كان إمامًا أعجوبةً في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله تعالى، غايةً في القراءات، حافظًا للحديث، بصيرًا بالعربية، إمامًا في اللغة، رأسًا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع. ويقول عن قصيدته الشاطبية: ولقد رُزِقَ هذا الكتاب من الشهرة -يعني قصيدة الشاطبية- والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أقول: ولا في غير هذا الفن، فإنني لا أحسب أن بلدًا من بلاد الإسلام يخلو منه، بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة منه.

وتتابع الأئمة وتسارعوا على هذه القصيدة بالشرح ومن أبرزهم؛ الإمام السخاوي تلميذ الإمام الشاطبي ومن أجلِّ أصحابه في شرحه “فتح الوصيد في شرح القصيد”، وهو أنفس شروح الشاطبية وأوسعها، والإمام الفاسي في شرحه “اللآلئ الفريدة في شرح القصيدة”، والإمام شعلة في شرحه “كنز المعاني”، والإمام أبي شامة المقدسي في شرح “إبراز المعاني”، وغيرهم.

وهذه القصيدة حوت إلى جانب القراءات كثيرًا من معاني الإيمان والتزكية والتمسك بكتاب الله عز وجلَّ، يقول فيها الناظم رحمه الله تعالى:

وَإِنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ  ***  وَأَغْنى غَنَاءٍ وَاهِبًا مُتَفَضِّلاَ

وَخَيْرُ جَلِيسٍ لاَ يُمَلُّ حَدِيثُهُ  ***  وَتَرْدَادُهُ يَزْدَادُ فِيهِ تَجَمُّلاً

وَحَيْثُ الْفَتَى يَرْتَاعُ فيِ ظُلُمَاتِهِ  ***  مِنَ اْلقَبرِ يَلْقَاهُ سَناً مُتَهَلِّلاً

هُنَالِكَ يَهْنِيهِ مَقِيلاً وَرَوْضَةً  ***  وَمِنْ أَجْلِهِ فِي ذِرْوَةِ الْعِزّ يجتُلَى

يُنَاشِدُ في إرْضَائِهِ لحبِيِبِهِ ***   وَأَجْدِرْ بِهِ سُؤْلاً إلَيْهِ مُوَصَّلاَ

ويقول رحمه الله تعالى:

وَعِشْ سَالماً صَدْراً وَعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ *** تُحَضَّرْ حِظَارَ الْقُدْسِ أَنْقَى مُغَسَّلاَ

وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي  ***  كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبَلاَ

وَلَوْ أَنَّ عَيْنًا سَاعَدتْ لتَوَكَّفَتْ  ***   سَحَائِبُهَا بِالدَّمْعِ دِيمًا وَهُطَّلاَ

وَلكِنَّها عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُهاَ   ***  فَيَا ضَيْعَةَ الأَعْمَارِ تَمْشِى سَبَهْلَلاَ

بِنَفسِي مَنِ اسْتَهْدَىَ إلى اللهِ وَحْدَهُ  ***   وَكانَ لَهُ الْقُرْآنُ شِرْبًا وَمَغْسَلاَ

وَطَابَتْ عَلَيْهِ أَرْضُهُ فَتفَتَّقَتْ  ***   بِكُلِّ عَبِيرٍ حِينَ أَصْبَحَ مُخْضَلاَ

فَطُوبى لَهُ وَالشَّوْقُ يَبْعَثُ هَمَّهُ  ***   وَزَنْدُ الأَسَى يَهْتَاجُ فِي الْقَلْبِ مُشْعِلاَ

هُوَ المُجْتَبَى يَغْدُو عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ  ***   قَرِيباً غَرِيباً مُسْتَمَالاً مُؤَمَّلاَ

ويقول رحمه الله تعالى:

رِوَى الْقَلْبِ ذِكْرُ اللهِ فَاسْتَسْقِ مُقْبِلًا  ***  وَلاَ تَعْدُ رَوْضَ الذَّاكِرِينَ فَتُمْحِلَا

وَآثِرْ عَنِ الآثَارِ مَثْرَاةَ عَذْبِهِ  ***  وَمَا مِثْلُهُ لِلْعَبدِ حِصْنًا وَمَوْئِلَا

وَلاَ عَمَلٌ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِهِ  ***  غَدَاةَ الْجَزَا مِنْ ذِكْرِهِ مُتَقَبَّلَا

ويصف -رحمه الله- حال صاحب القرآن؛ الصادق في صحبته، المداوم على ورده:

ومَنْ شَغَلَ الْقُرْآنُ عَنْهُ لِسَانَهُ  ***  يَنَلْ خَيْرَ أَجْرِ الذَّاكِرِينَ مُكَمَّلَا

وَمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلاَّ افْتِتَاحُهُ  ***  مَعَ الْخَتْمِ حِلاًّ وَارْتِحاَلًا مُوَصَّلَا

ومع هذه البراعة وهذا الضبط، يضرب لنا هذا الإمام الرباني مثلًا في تواضع العلماء، فيقول عن قصيدته:

أَخي أَيُّهَا الْمُجْتَازُ نَظْمِي بِبَابِهِ  ***  يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوْقِ أَجْمِلاَ

وَظُنَّ بِهِ خَيْراً وَسَامِحْ نَسِيجَهُ  ***  بِالاِغْضاَءِ وَالْحُسْنَى وَإِنْ كانَ هَلْهَلاَ

وَسَلِّمْ لإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِصَابَةٌ  ***  وَالُاخْرَى اجْتِهادٌ رَامَ صَوْبًا فَأَمْحَلاَ

وَإِنْ كانَ خَرْقٌ فَادرِكْهُ بِفَضْلَةٍ  ***  مِنَ الْحِلْمِ ولْيُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلاَ

ويقول أيضًا:

وَبِاللهِ حَوْلِى وَاعْتِصَامِي وَقُوَّتِى  ***  وَمَاليَ إِلاَّ سِتْرُهُ مُتَجَلِّلاَ

فَيَا رَبِّ أَنْتَ اللهُ حَسْبي وَعُدَّتِي  ***  عَلَيْكَ اعْتِمَادِي ضَارِعًا مُتَوَكِّلاَ

 

– (ابن الجزري وكتابه النشر)

بعد الإمام ابن مجاهد والإمام أبي عمرو الداني والإمام الشاطبي ودورهم في تقرير قراءات القرَّاء السبعة، وبعد أن رسخت في الأمة أسانيد هذه القراءات ومعرفة رواتها، استمر انفراد القراءات السبع بالتواتر والقبول حتى نهاية القرن الثامن ومطلع القرن التاسع الهجري، ثم جاء من أئمة الإقراء من يظهر أولوية بعض القراءات التي لم يتناولها الإمام ابن مجاهد، وسطع نجم شيخ القراء الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدمشقي الشيرازي المعروف بابن الجزري -رحمه الله تعالى- فقد اعترض على عدم تضمين بعض القراءات كقراءة الإمام أبي جعفر المدني، وهو شيخ الإمام نافع المدني وأعلى سندًا منه، وقراءة الإمام يعقوب الحضرمي، وقراءة الإمام خلف بن هشام البزار.

فقام الإمام ابن الجزري بإثبات تواتر أسانيد هؤلاء القراء الثلاثة في كتابه: “تحبير التيسير”، ونظم في هذه القراءات الثلاث نظمه المعروف بالدرة المضية في القراءات الثلاث المرضية، واختار لكل قارئ من القراء الثلاثة راويان جريًا على سنة ابن مجاهد للتيسير على الأمة.

وهذه الإضافة من الإمام ابن الجزري ليست مبنية على عواطف انفعالية عنده، وإنما هي نتيجة علمية مبنية على أدلة علمية قوية تثبت تواتر هذه القراءات الثلاث، ولذا ذكر ابن الجزري في كتابه “منجد المقرئين” كلام العلماء في تواتر هذه الثلاثة، وسمى كثيرًا من العلماء في طبقات مختلفة قرأوا بهذه الثلاثة وقال رحمه الله: ولعمري ما فاتني لكثيرٌ؛ لأني لم أذكر إلا من تحققت أنه قرأ بها، وكلهم مذكورون مُتَرجمون في كتابي “طبقات القراء” فثبت من ذلك أن القراءات الثلاث متواترة تلقاها جماعة من جماعة مستحيل تواطئهم على الكذب. وبهذه القراءات الثلاث مع السبع التي نظمها الإمام الشاطبي تمت القراءات عشرًا.

ثم بعد ذلك اجتهد الإمام ابن الجزري في خدمة القراءات، واستيعاب ما كتب في القراءات بما لديه من آلة هذا العلم، ودرس أسانيدها، فاطلع على كثير من كتب هذا الفن بما فيهم شروح الشاطبية، حتى استخلص كتابه العظيم الذي صنفه، وهو “النشر في القراءات العشر”، وأورد فيه وجوهًا أخرى لم يستوعبها الإمام أبو عمرو الداني في كتابه “التيسير”، ولا الإمام الشاطبي في منظومته. ونظم -رحمه الله- نظمًا جديدًا للقراءات العشر سماه “طيبة النشر في القراءات العشر

واصطلح على سبعة الإمام ابن مجاهد مع ثلاثة ابن الجزري التي أكملها أولًا بالقراءات العشر الصغرى، أما القراءات العشر التي حررها ابن الجزري بالطرق التي لم يستوعبها من سبقه فاصطلح عليها بالقراءات العشر الكبرى.

وقد كان الإمام ابن الجزري -رحمه الله- إمامًا حافظًا، عاش حياة طويلة حافلة بالتنقل والترحال، والدرس والأخذ عن الشيوخ، وقراءة الكتب عليهم، وحلقات التعليم والإقراء، والكتابة والتأليف، ويعد هذا الإمام محقق علم القراءات ورائد نهضة علومها في زمانه، كما أن إضافاته في علم التجويد بالتأليف من أنفس ما كتب.

ومنظومته: المقدمة فيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه، المعروفة بـ “الجزرية” هي من أشهر متون علم التجويد، ولها شروح كثيرة، والدارسون لعلم التجويد لا بد وأن يمروا عليها.

يقول الإمام ابن الجزري عن نفسه متحدثًا بفضل الله عليه في غزارة علمه وضبطه لهذا الفن وتشجيعه طلبة العلم أن يأتوا إليه فيأخذوا عنه هذا العلم: مع أني ألتزم أنه من جاءني من طلبة القراءات فإني أقرئه جميع القرآن بالقراءات العشر بمضمن النشر والطيبة، وما دخل فيها في شهر واحد إلا أن تكون إعاقته من نفسه، فغاية ما يغيب واحد منكم عن بلده ثلاثةُ أشهرٍ، ويعود إمامًا لا يشاركه في علمه بهذا الفن أحد، الذي لا أعلم أحدًا اليوم على وجه الأرض يعرفه إلا من قرأه عليَّ.

وقال عنه تلميذه ابن حجر في كتابه إنباء الغمر: الحافظ الإمام، المقرئ، شمس الدين، انتهت إليه رئاسة علم القراءات في الممالك، وكان يُلَقَّبُ في بلاده: الإمام الأعظم.

ومما يحكى عن هذا العَلَمِ؛ عنايته الشديدة بأولاده إناثًا وذكورًا، حتى أنه ترجم لأربعة منهم في كتابه الفذ “غاية النهاية في طبقات القراء”. ونذكر منهم؛ بنته سلمى بنت محمد بن محمد بن محمد الجزري، فإنها حظيت من بين أخواتها بترجمة في كتاب أبيها: “غاية النهاية”، فقد حفظت القرآن في سنٍ مبكرة، وحفظت “مقدمة التجويد” وعرضتها، و”مقدمة النحو”، و”طيبة النشر”، و”الألفية”، وعرضت القرآن على أبيها بالقراءات العشر قراءة صحيحة مجودة مشتملة على جميع أوجه القراءات، وتعلمت العروض والعربية، ونظمت بالعربية والفارسية.

وكذا كان حال بقية أولاده؛ كما قال عنهم طاش كبري زاده: وجميع هؤلاء من القراء المجودين والمرتلين، ومن الحفاظ المحدثين، فطاب أصلٌ هؤلاء فروعه، وطوبى لفروعٍ هذا أصلهم، ويا حبذا بيت هؤلاء أهله، وفخرًا لساكن مثل هذا البيت محله، رضي الله عنهم وأرضاهم.

 

– (القراء العشرة ورواتهم)

وبهذا انحصر المقبول من القراءات المتواترة عن النبي ﷺ في هذه القراءات العشر، التي ابتدئها ابن مجاهد في كتابه السبعة وأكمل عليها ابن الجزري فيما بعد في كتابه النشر، وهم:

  1. الإمام نافع المدني وراوياه قالون وورش، وقراءة نافع ترجع إلى أبي بن كعب.
  2. الإمام ابن كثير المكي وراوياه البزي وقنبل، وقراءة ابن كثير ترجع إلى أبي بن كعب وزيد ابن ثابت.
  3. الإمام أبو عمرو البصري وراوياه الدوري والسوسي، وقراءة أبي عمرو ترجع إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت.
  4. الإمام ابن عامر الدمشقي وراوياه هشام وابن ذكوان، وقراءة ابن عامر إلى عثمان بن عفان وأبي الدرداء.
  5. الإمام عاصم الكوفي وراوياه شعبة وحفص، وقراءة عاصم ترجع إلى علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان، وأبي، وزيد.
  6. الإمام حمزة الكوفي وراوياه خلف وخلاد، وقراءة حمزة ترجع إلى علي وابن مسعود.
  7. الإمام الكسائي الكوفي وراوياه أبو الحارث والدوري، وقراءة الكسائي ترجع إلى علي وابن مسعود.
  8. الإمام أبو جعفر المدني وراوياه ابن وردان وابن جماز، وقراءة أبي جعفر ترجع إلى أبي وزيد.
  9. الإمام يعقوب الحضرمي وراوياه رويس وروح، وقراءة يعقوب ترجع إلى أبي وزيد وأبي موسى الأشعري.
  10. وأخيرًا الإمام خلف البزار وراوياه إسحاق وإدريس، وقراءته ترجع إلى أبي وزيد.

وأصبح ما زاد على هذه القراءات العشر يعد من القراءات الشاذة التي لم يتحقق فيها شروط التواتر التي وضعها الأئمة المتقدمون كابن مجاهد ومن بعده ابن الجزري في اختياراتهم والتي تتابع قبولها في الأمة.

وعليه فمن قرأ في الصلاة بأي رواية من الروايات العشرين الواردة عن القراء العشرة فقد أصاب، فالقراءات العشر المتواترة كلها القرآن. على أنه ينبغي للإمام إن أراد الصلاة برواية أخرى غير التي قد تعاهد عليها أهل بلده أن ينبههم قبل الصلاة أنه سيقرأ بروية كذا دفعًا للاستغراب وتوهم الخطأ، فلربما سارع بعض المصلين بالفتح على الإمام ليصوب له والإمام لم يخطئ.

كما أن الإمام إن كان عالمًا بالقراءات متقنًا لأدائها فإنه يحسن به الصلاة بها، وإسماع المسلمين لها، فإن في هذا إحياء لسنة القراءة بالقراءات المتواترة التي قرأ بها النبي ﷺ وأسمعها لصحابته رضوان الله عليهم، وإعلام للمسلمين بتعدد قراءات القرآن، وربما كان هذا تشجيعًا لهم ليتعلموا هذا العلم، وفي هذا أجر عظيم وثواب جزيل.

فالحمد لله الذي هيأ لهذا الكتاب رجالًا حفظوه للأمة غضًا طريًا كما أنزل على نبيه ﷺ، فالحمد لله القائل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

 

  • خارطة القراءات في العالم الإسلامي:[8]

يرى الناظر في تاريخ علم القراءات أن انتشار بعض الروايات في أزمانٍ وأقاليمَ معينةٍ يعود إلى عدد من الأسباب، منها:

– توطن القارئ أو الراوي في بلد، وشيوع قراءته في هذا الإقليم، كابن عامر -رحمه الله- الذي توفي سنة (١١٨ هــ) وله من العمر سبع وتسعون سنة، والذي ولي القضاء بدمشق وكان إمام الجامع بها.

– ومنها عدم تمكين القارئ الناس من القراءة عليه؛ لعلة يراها، كما فعل شعبة بن عياش (ت:193هــ) الراوي عن عاصم، فقلت قراءة أهل الكوفة لرواية شعبة وصار الغالب عليهم قراءة حمزة بن حبيب الزيات.

– ومنها انتقال نقلة القراءة من بلد إلى بلد آخر، مثلما حصل لقراءة الإمام نافع رحمه الله، عندما انتقل كثير من رواتها من الحجاز ومصر إلى المغرب وإفريقية، بحيث أصبحت قراءة نافع هي الفاشية في تلك الديار.

– ومنها النقل المزدوج للقراءة والذهب الفقهي عند النقلة الأوائل للقراءة، ورغبة المتفقهة القراءة بقراءة إمامهم في الفقه؛ كالإمام مالك -رحمه الله- الذي أخذ القراءة عن الإمام نافع المدني، وكان يقول :”قراءة نافع سنة”.

– وكذلك إشاعة قراءةٍ من قِبَلِ أحد العلماء، كما حدث من سُبيع بن المُسَلَّم المعروف بابن قيراط (ت:٥٠٨ هــ) شيخ دمشق ومقرئها الضرير، الذي نشر قراءة الإمام أبي عمرو البصري في الشام.

– وكذلك تدخل ذوي السلطان من الأمراء، والقضاة، والواقفين ونحوهم في تعليم قراءة القرآن أو القراءة برواية أو قراءة ما.

– ومنها اليسر والسهولة في القراءة أو الراوية؛ مما يجعل تلقينها وتعلمها وانتشارها متاحًا وميسرًا، كما نرى اليوم من انتشار رواية حفص عن عاصم.

– ولا نغفل أن الامتداد الزمني والجغرافي للخلافة العثمانية، مع الاهتمام البالغ من الأتراك بالخط العربي، وتوظيف خط النسخ في كتابة المصاحف وفق رواية حفص عن عاصم، وبخاصة المصاحف التي كتبها كبار الخطاطين الأتراك؛ كالحافظ عثمان (ت: ١١١٠ هــ)، وشميشر الحافظ (ت: ١٢٣٦ هــ)، ثم طبعت منها المصاحف، كل ذلك ساعد على انتشار رواية حفص في الأمصار والأقاليم الشرقية من العالم الإسلامي.

 

وتعد الروايات المشتهرة على مستوى عامة الناس اليوم أربع روايات:

حفص عن عاصم؛ وهي الرواية التي عليها معظم العالم الإسلامي: في الشرق العربي، وجنوب آسيا، وشبه القارة الهندية، وتركيا، وإيران، وأفغانستان، والجمهوريات الإسلامية في روسيا.

وقد كان أهل مصر يقرؤون برواية ورش عن نافع إلى أواخر القرن الخامس الهجري، ثم انتقلوا إلى قراءة أبي عمرو البصري، واستمر العمل عليها قراءة وكتابة في مصاحفهم إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، كما صرح بذلك العلَّامة الضباع في كتابه “الإضاءة في بيان أصول القراءة”.

رواية ورش عن نافع؛ وتنتشر القراءة بها في المغرب العربي على وجه العموم، وبعض الدول الإفريقية، مثل: تشاد، ونيجيريا.

رواية قالون عن نافع؛ وتشتهر في ليبيا، وبعض الدول المغاربية؛ كتونس، والجزائر، وفي جزء من إفريقية؛ كموريتانيا.

رواية الدوري عن أبي عمرو البصري؛ ويُقرأ بها في الصومال، وتشاد، والريف السوداني.

 

  • أنواع القراءات:

وضع العلماء شروطًا لصحة القراءة وقبولها والجزم بأن النبي ﷺ قد قرأ بها ولم تُنسخ في العرضة الأخيرة، وهي:

– التواتر أو صحة الإسناد

– أن توافق رسم أحد المصاحف العثمانية التي أرسلها عثمان إلى الأمصار.

– أن توافق وجهًا من وجوه اللغة العربية.

وعليه فمتى تحقق في القراءة هذه الشروط الثلاثة حكم بتواترها كما في القراءات العشر حصرًا، ومتى خالفت القراءة أحد هذه الشروط حكم عليها بأنها قراءة شاذة وهو ما زاد عن القراءات العشر.

وهنا السؤال؛ ما الأسباب التي أدت إلى وجود قراءة تخالف هذه الشروط؟

والجواب: إن كثيرًا من الصحابة القراء لم يشهد العرضة الأخيرة للقرآن ولم يعلم ما نُسخ فيها من القرآن، فظل يقرأ به ويُقرئه. فقد تكون القراءة منسوخة ولم يعلم الصحابي الراوي لها نسخها لعدم شهوده العرضة الأخيرة فاستمر إقراؤه بها، أو أنه علم بنسخها وتوقف عن القراءة بها لكنها ظلت تُنقل عنه.

كما أن بعض الصحابة كان يكتب في مصحفه الخاص بعض التفسيرات ويدرج في مصحفه بعض الإضافات على وجه التفسير، ثم أشيعت وانتشرت على أنها آية.

وبعض القراءات هي مكذوبة ولا أصل لها ولا إسناد، كالقراءة التي يذكرها الشيعة ويدعون إسقاطها من سورة الشرح، وهي: (وجعلنا عليا صهرك)، وقولهم: (وما كنت متخذ المضليْن عضدًا) يقصدون بهذا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. والقراءة التي يذكرها المعتزلة: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا) بنصب الهاء، لإثبات أن الكلام كان من موسى لربه لينفوا عن الله تعالى صفة الكلام انتصارًا لبدعتهم. وهذه القراءات موضوعة لا أصل لها.

لذلك كان دور أئمة الإقراء بعدما قل الضبط في المائة الثالثة من الهجرة أن يميزوا بين المقبول والمردود من القراءات ليحفظوا المتواتر منها للأمة من بعدهم، فاستقر قولهم على أن المتواتر هو القراءات العشر وما وراءها فهو من القراءات الشاذة التي لا يجوز التعبد بها في الصلاة، ويجوز الاستعانة بها فقط في التفسير واستنباط الأحكام الفقيهة على قول أهل العلم بضوابط معروفة عندهم، لأن كون القراءة الشاذة ليست قرآنًا لا يعني ذلك نفيًا لخبريتها ودلالتها في اللغة، خاصة إن كان الراوي لها من الثقات.

 

  • القراءات والتفسير:

المتأمل لاختلاف القراءات يجدها بابًا عظيمًا في إظهار البلاغة، فمع كثرته وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد، ولا تناقض، ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد، وأسلوب واحد، فأنت إذا قرأت الكلمة القرآنية بقراءات متعددة فإنها تدلك على معانٍ وأحكام شرعية متعددة دون تكرار اللفظ وإعادة الخط.

وقد يكون اختلاف القراءات بدلالة واحدة، وقد يكون لكل قراءة دلالة واعتبار، وكلاهما مراد، وليس أحدهما أولى بالآخر. وتأمل هذين المثالين؛ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

هنا قرأ ابن عامر: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ بالتخفيف من أَمْتَعْتُ، وقرأ الباقون: بتشديد التاء من مَتَّعْتُ.
فقراءة التخفيف لها ما يوافقها في واقع الأمر، وفي دلالة اللفظ الظاهر، أي: التعبير بالوصف: ﴿قَلِيلًا﴾. وقراءة التشديد لها ما يوافقها من حال الكفار ورؤيتهم القاصرة، فالكافر يُزَيَّنُ له كثرة المتاع وإن قل، ويتوهمه مستمرًا وإن كان أمده في الدنيا قصيرًا. وقد قال جلَّ في علاه: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ فهنا ينبغي التنبه إلى أن تنوع الدلالات مقصود وله اعتبار.

وفي قوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ﴾ ففي المتواتر: ﴿ فنُنْجِي مَن نَّشَا ﴾، وفي هذا التنوع بيان لسنة الله تعالى في القرون السالفة، وديمومة هذه السنة في المستقبل.

وهذا من إعجاز القرآن بلا شك، ويستفيد منه الباحث في أي فرع من فروع العلم؛ سواءً الفقه، أو الحديث، أو العقيدة، أو علوم اللغة.

والوقوف عند اختلاف القراءة والتأمل في توجيهه من حيث اللغة من أعظم أبواب التمتع بكلام الله تعالى، وهو ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين من بعدهم، وهناك علم خاص يُعنى بهذا الباب يسمى علم توجيه القراءات، وفيه مصنفات كثيرة؛ ككتاب “الحجة في القراءات السبع” لأبي علي الفارسي، وكتاب “الحجة في القراءات السبع” لابن خالويه، وكتاب “حجة القراءات” لابن زنجلة، ومن الكتب المعاصرة كتاب “الكشف عن مشكل القراءات العشرية الفرشية” للدكتور عبد العزيز الحربي.

 

  • القراءات وعلم التجويد:

عُرِّف التجويد عند أهل الفن بأنه: إعطاء الحرف حقه ومستحقه. وأما ما في الحرف من أوجه القراءة فهذا من علم القراءات، ولذا قال مكي بن أبي طالب: ولست أذكر فيه -يعني كتابه الرعاية- إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القرَّاء، فيجب على كل من قرأ بأيِّ حرف ٍكان من السبعة؛ أن يأخذ نفسه بتحقيق اللفظ وتجويده، وإعطائه حقه على ما نذكره مع كل حرف في هذا الكتاب[9].

وقال في موضع آخر: وقد تقدَّم ذكرُ أصول القرَّاء واختلافهم في الهمز، وغير ذلك من أحكام بغير هذا الكتاب فلا حاجة لنا بذكر ذلك، وكذلك ما شابهه فليس هذا كتاب اختلافٍ، وإنما هو كتاب تجويد ألفاظٍ ووقوفٍ على حقائقِ الكلام، وإعطاء اللفظ حقه ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها مما لا اختلاف في أكثره[10].

وقد اعتمد محمد بن أبي بكر المرعشي على كلام مكي بن أبي طالب، فقال: القراءات علمٌ يُعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، والتجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف[11].

وقال أيضًا: اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد، أن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف، مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلًا يُعرفُ في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة يُعرَفُ فخَّمها فلان ورقَّقها فلان[12].

وخلاصة القول: إن التجويد: هو تحسين اللفظ، وإعطاء كل حرف حقه من المخرج والصفات، وما يلحقه في التركيب من أحكام، والقراءات: هي بيان الأوجه الواردة في اللفظ، وضبط وجوه النطق بها. والرابط بين علم التجويد وعلم القراءات؛ أن كليهما مرتبطٌ بأحرف القرآن، ولكلٍ منهما تميُّزٌ واختصاصٌ[13].

 

  • لمحات من سير أعلام القرَّاء [14]:

1- روي عن سليمان بن جماز -راوي الإمام أبي جعفر-: شهدت أبا جعفرٍ حين حضرته الوفاة، فجاءه أبو حازمٍ الأعرج، ومشيخة معه كانوا من جلسائه، فانكبوا عليه يصرخون، فلم يجبهم، فقال شيبة: ألا أريكم عجبًا؟ قالوا: بلى، قال: فكشف عن صدره، وإذا دوارةٌ بيضاء مثل اللبن، فقال أبو حازمٍ وأصحابه: هذا -والله- نور القرآن.

وقال نافعٌ: لما غُسِّل أبو جعفر القارئ بعد وفاته نظروا، فإذا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شكَّ أحدٌ ممن حضر أنه نور القرآن.

2- وكان الإمام نافع -رحمه الله- إذا تكلم يُشمُّ من فِيهِ رائحة المسك، فسئل: أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ قال: ما أَمَسُّ طيبًا، ولكني رأيت فيما يرى النائم النبيﷺ، وهو يقرأ القرآن في فيَّ، فمن ذلك الوقت أشمُّ في فيَّ هذه الرائحة.

وقال المُسيَّبيُّ: قيل لنافع: ما أصبحَ وجهك وأحسن خلقك! قال: كيف لا أكون كذلك، وقد صافحني رسول الله ﷺ، وعليه قرأت القرآن في النوم.

3- وقال أبو محمد البغدادي عن قالون: كان قالون أصمَّ شديد الصمم، لا يسمع البوق، فإذا قرئ عليه القرآن سمعه.

وكان قالون يُقرأ عليه القرآن، فينظر إلى شفتي القارئ، فيفهم خطأه إن أخطأ، فيردَّ عليه اللحن والخطأ في القراءة.

4- كان أبو عمرو البصري صاحب زهدٍ وتقوى، يراقب الله ويخشاه، وقد استمر مدة طويلة يختم المصحف في كلِّ ثلاث ليالٍ، وعليه قرأ عبد الله بن المبارك، والخليل بن أحمد، والأصمعي، وسيبويه، وغيرهم.

وكان قد نقش على فصِّ خاتمه هذا البيت:

وإنَّ امرأً دنياه أكبرُ همِّه … لمستمسكٌ منها بحَبلِ غرورِ

5- قال أبو بكرٍ شعبة بن عَيَّاشٍ: قال لي عاصمٌ: مرضت سنتين، فلما قمت قرأت القرآن، فما أخطأت حرفًا!

6- قال يحيى اليماني: لما حضرت الوفاة أبا بكر بن عياش بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية، فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة!

7- وهذا الإمام حمزة الزيات؛ شهد له العلماء بالفضل والعلم، وكان شيخه الأعمش إذا رآه مقبلًا يقول: (هذا حبر القرآن)، ورآه يومًا مقبلًا، فقال: (وبشِّر المحسنين).

وروي عن سفيان الثوري: ما قرأ حمزة حرفًا من كتاب الله إلا بأثر.

8- وقال بعض العلماء عن الإمام الكسائي: كان الكسائي إذا قرأ القرآن أو تكلم كأن ملكًا ينطق على فِيهِ.

9- قرأ الإمام ابن الصائغ وهو صغير السن على الإمام ابن ناشرة المصري، فلما وصل معه إلى سورة الفجر، منعه من الختم لأنه استصغره على الإجازة، فالتجأ ابن الصائغ إلى الشيخ كمال الدين أبي الحسن بن شجاع الضرير الذي تدخل عند ابن ناشرة قائلًا له: إسمع؛ نحن نجيز من دبَّ ودَرَج، فعسى أن يَنبُلَ منهم شخص ينفع الناس ونُذكَرَ به، وما يدريك أن يكون هذا منهم.
وقد كان؛ فهذا الصبي صار مسند عصره ورحلة وقته وشيخ زمانه وإمام أوانه.
وعُمِّر حتى لم يبق معه من يشاركه في شيوخه، ورحل إليه الخلق من الأقطار وازدحم الناس عليه لعلو سنده وكثرة مروياته، وجلس للإقراء بمدرسته الطيبرسية بمصر والجامع العتيق ولازم الإقراء ليلاً نهارًا، فقرأ عليه خلق لا يحصون!

10- وانظر إلى هذا العَلَم وهو يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عقيل أبو القسم الهذلي، المعروف بأبي القاسم الهُذلي، أحد أئمة الإقراء، رحمه الله تعالى.
طاف البلاد في طلب القراءات، ويقول عنه شيخ القراء ابن الجزري رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدًا في هذه الأمة رحل في القراءات رحلته! ولا لقي من لقي من الشيوخ!

ويقول هو عن نفسه: فجملة من لقيت في هذا العلم، ثلاثمائة وخمسة وستون شيخًا، من آخر المغرب إلى باب فرغانة يمينًا، وشمالًا، وجبلًا، وبحرًا، ولو علمت أحدًا تقدم علي في هذه الطبقة في جميع بلاد الإسلام لقصدته!

 

(خاتمة)

هذا وإني لأرجو أن تكون هذه الكلمات دافعًا لقارئها إلى الإبحار في هذا العلم العظيم، ولعمري إن الوقوف عند اختلاف القراءة لهو من أعظم أبواب التمتع بكلام الله سبحانه، وطالب هذا العلم نال من النعيم وذاق من الحلاوة ما تحار منه العقول حقًا. فإن أعجزك الحال عن طلبه فلا أقل من النظر فيه والتأمل في عجائبه.

وصلى الله على محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه البخاري في صحيحه ح(٥٠٢٧)، من حديث عثمان رضي الله عنه.

[2] رواه أبو داود (٢/ ٧٣) (ح ۱٣٦٤)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (۱/ ٢٧٥) (ح ۱٣٠٠): «حسـن صحيح».

[3] وأصل الحديث في صحيح البخاري على اللغة الشائعة، ووردت هذه اللغة في كتب السنة الأخرى؛ فأخرجه أحمد في المسند (٢٣٦٧۹)، والطبراني في الكبير (٣٨٧)، والخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية (۱/۱٨٣).

[4] أخرجه البخاري (٤٧٠٦)، ومسلم (٨١٨).

[5] أخرجه البخاري (٣٠٤٧).

[6] أخرجه مسلم (٨٢۱).

[7] أخرجه الترمذي (٢۹٤٤)، وأحمد (٢١٢٠٤) باختلاف يسير.

[8] مستفاد من كتاب مدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، حازم حيدر، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي، ص133.

[9] الرعاية، مكي بن أبي طالب، ص52.

[10] نفس المصدر السابق، ص154.

[11] جهد المقل، محمد بن أبي بكر المرعشي، ص110.

[12] ترتيب العلوم، ص138.

[13] ولمزيد بسط؛ يحسن الرجوع إلى محاضرات بعنوان: التأصيل في علم التجويد للشيخ الدكتور مساعد الطيار على الشبكة.

[14] وهذا نزر يسير مما لا يسع المقام بسطه، ومظنة ما ذكرناه في كتب تراجم القرَّاء، وأجلها؛ معرفة القراء الكبار للذهبي، وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق