عام

فخُّ القراءة .. لماذا لا أستطيعُ أن أُكمِل كتابًا؟

  • زياد الحازمي
  • تحرير: سهام سايح

يقول لي صديق: “كلّما هممتُ أن أقرأَ كتابًا لا ألبثُ أن أضجرَ وأملّ أو لا أجِدَ وقتًا كافيًا فلا أستطيعُ إكماله، لدي رفٌّ مليء بالكتب التي أردت قراءتها ولم أفعل، سئمت من هذه الحال!”، يتكلّمُ صديقي بلسان حاله وحال الكثير منّا، وخصوصًا في وقتٍ أصبح فيه من السهل أن تتشتّتَ أذهاننا وتتبدّد بين الأمور المتفرّقة ويفقد الإنسان التركيز فيها.

وهذه مشكلة مركّبةٌ من أسبابٍ عدّة ولا يصحُّ اختزالها في سببٍ أوحد، وقد تختلف الأسباب من شخصٍ لآخر، لذا علاجها لابد أن يكون مركبًا أيضًا ولارتباطه بالسبب فهو أيضًا يختلف باختلاف النّاس.

وقبلَ أن أسرد لكم بعض طرق المعالجة الفعّالة، لابد من التنبيه إلى أنّ مشكلة الكسل القرائي قد تكونُ متفرّعةً عن مشكلةٍ أخرى متأصّلة في الإنسان ألا وهي الاعتياد على التسويف، فقد يكون الإنسان مسوّفًا بطبعه في القراءة وغيرها، فوجبَ حينها أن يجتثّ الشجرة الفاسدة من أصلها ويُعيد تقويم نفسه ويشحن من همّته في طلب المعالي في سائر أموره.

نعود فنقول أنّ الإنسان قد جرّب منهجًا ووسائلَ معيّنة في عالم القراءة ورأى ثمارها قد أينعتْ بعد قليلٍ من الصّبر والمثابرة، ولعلّ في مجموعها -أو بعضها- ما يكون نافعًا بإذن الله لاستخراج الإنسان من قبضة الكسل القرائي.

ولعلّ من يتّبع هذه الخطوات أن يحصّل منها الفائدة ويرى الأثر بإذن الله:

 

تدرّجْ

صديقي صالح حديثٌ عهدٍ بعادة القراءة، فاجأهُ صديقٌ له بأن أهداه هديّةً هي عبارة عن كتاب “قصة الحضارة” لويل ديورانت، وهو عبارة عن مجموعة من 21 مجلداً!، وإذا به مُلقىً في معتركٍ لا طاقةَ لهُ به، فما لبث صالح أن أبحر في هذه المجلدات حتى تملّكه الملل والضجر ووقع في الفخ، مجرّد التأمل في امتداد وحجم الكتاب يصيبُ بالهزيمة، حينها عزم على ترك الكتاب والبحث عن آخر.

تظهر هنا أهمية التدرج في القراءة، ونعني هنا التدرّج كمًّا ونوعًا، فيحسُنُ بالقارئ أن يختار أيسر الكتب ويجعل له نصابًا يوميا كـ 20 صفحة مثلاً ولا يتجاوزها لفترة زمنية معينة، حتى يشعُر بالتمكُّن والقدرة على قراءةِ المزيد فيزيد، وهكذا، فالقراءة كغيرها تحتاج إلى صعود سلّمها درجةً درجة حتى يُعتاد عليها.

ومن الأصلح أيضًا إن أراد الإنسان أن يقرأ في علمٍ ما أن يبدأهُ بمنهجية، مبتدأً بكتب مداخل العلوم، فهي البوصلة لإيضاح الطريق والفهم السليم قبل التوغل في كتبٍ عشوائية في ذات المجال تدخل الإنسان في تيهٍ وتشتت.

 

اقرأ ما تحب

إنّ اللحظات الأولى عند لقاء شخص جديدٍ مهمّة، فإنّ الصورة المطبوعة فيها من الصعب أن تُمحى، ولذا فإنّ من أهم الأمور أن يبدأ الإنسان بقراءة ما يُحب، فأول عهده بالقراءة يكون له الأثر الكبير في تقرير استمراريته من عدمها، فإن قرأ ما أحبَّ، أحبّ ما قرأ، وزاده ذلك شوقًا ليقرأ المزيد، فإن كنت من هواة الرواية والقصّة فاقرأ فيها ما يطربك، وإن هويتَ الأدب فتبّحر فيه حتى تصبح مَلَكة القراءة عادةً يوميةً لك، وستُفتّح لك حينها أبواب القراءة وجِنانها.

 

لماذا تقرأ؟

ممَّا يدعم الإنسان في قضية الاستمرارية في القراءة وجود سببٍ للقراءة وهدف يسمو إليه بقراءته، ويتفاوت النّاس في ذلك، فمنهم من يريد أن يكون أديبًا ذا قلمٍ عذب، ومنهم من يريد التعمق في علمٍ معيّن، ومنهم من يريد الجواب على سؤالٍ يؤرّقه، وهناك من يريد تحصيل المعارف وزيادة ثقافته العامة، وعادةً من له هدفٌ صريحٌ من القراءة لا يواجهُ كبيرَ إشكالٍ مع مسألة الضجر، فاجعل هدفك نُصب عينيك وذكّر نفسك به كلّما قرّت النفسُ وانطفأت..

إذَا ما طَمَحتُ إلى غايَةٍ

رَكِبتُ المُنى ونَسيتُ الحذرْ

 

ركّز!

قد يكون الحديث عن التَّشتت الذهني وعلاقته بالهواتف الذكيّة من المحاور التي أُشبِعَت نقاشًا وتنبيهًا، لكنّها مُعضِلةٌ لا يمكن أن نتجاوزها لأثرها المهم في فقدان التركيز، انتشر في هذا الزمن رُهاب الخوف من فقدان الهاتف المحمول (نوموفوبيا) , حتى ما عاد الإنسان يطيقُ أن تمر عليه الثواني القلائل من دون هاتفه، ومن دون أن يتفقد إشعاراته وماجريات العالم الرقمي، وإن تحسّس جيبه ولم يجده انقبض قلبه وفقد عقله وشعَر بأنّه مكبّل بقيودٍ لا مبرر لها،

عندما يقرأ الإنسان كتابًا لابد أن يٌبعد هاتفه تمامًا، ويقطع كل الأسباب المؤديّة لاستعماله أثناء القراءة، فمثلاً إن وجد معلومةً في الكتاب وأراد البحث عنها في هاتفه فيستغني عن ذلك بكتابتها على ورقة جانبية ويراجعها لاحقًا، وهذا سينمّي عنده فكرة تدوين الملاحظات وتدوين ما يستشكل عليه.

 

لا للطقوس!

إنّ من أكبر معوقات القراءة وموانعها الإصرار على طقوسٍ معيّنة للقراءة لا يُفتحُ كتابٌ إلاّ بها! فتجد من لا يقرأُ كتابًا دون قهوته، ومن يشترط اشتراطاتٍ معينة للمكان وهدوئه وملائمته، فيكفيه مصباحٌ واحدٌ لا يعمل في غرفته ليجعلهُ شماعةً لتأجيل قراءة الكتاب.

لن يألفَ الإنسانُ القراءةَ حتى يُصبح حمل الكتاب كحمل الهاتف عادةً منتظِمةً، لا تقترِن بوقتٍ أو مكان أو ظرفٍ ما، بل يتلقّفُ كتابه ويبدأ بالقراءة دون تردد، وهذا لا يتعارض مع تخصيصِ وقتٍ يومي للقراءة، ولكن لابد من تقليل الاشتراطات، وإنّ بعضَ القرّاء بينهم وبين إنهاءِ كتابٍ ما مجرد البدء بأول صفحةٍ فقط، فتنفرط الصفحات بعدها كحبّات الخرز المتتالية، وكلّما تحرّر المرءُ من طقوسه سَهُلَ عليه الاختلاءُ بكتابه.

 

ليس لديّ وقت

من عظيم الدروس والعِبَر التي تعلمناها من هذه الأزمة التي نعيشها، أنّنا كنا نُوهِم أنفُسنا بكذبة “ليس لديّ وقت” فنُؤجّل المشاريع والخططَ بحجّة ضيق الساعات، حتى أتت هذه الأزمة فكشفتنا على حقيقتنا، ووضعتنا أمامَ مِرآة أنفسنا صاغرينَ مُعترفين بالحقيقة، فها نحنُ نغرقُ في أوقات الفراغ دونما أدنى إنجاز، واكتشفنا أن أصل المأزِق هو في ذواتنا وأنفسنا، وأنّ الإنسان إن أراد أن يقرأَ كتابًا – حقّ الإرادة- أو يُنجِز عملاً ما فسوف يُوجِدُ وقتاً له ويخلق له المستحيل.

وأختم بمقولةٍ لعبيد الظاهري يقول فيها:

“الذي لا يقرأ سيظل أسيرًا للأسئلة التي يطرحها غيرُه، وأسيرًا لإجاباتهم أيضًا، فحدود تفكيره لا تتجاوز محيطه إثارة وإفادة. وأمّا القارئ فإنّه يتساءل أكثر، ويجد إجابات عنها أوفر، ويفكر في الزوايا المُهملة والمساحات المُهمّشة، ولذلك كانت القراءة متنفسًا للأحرار والمبدعين.”

اقرأ ايضاً: ضياع البوصلة والتبدد في عوالم المعرفة


مصادر:

الصورتان من حساب @ Visualizevalue على تويتر.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. تمر علي فتره اقرأ كتب كثيره في مدة صغيره وفتره طويله لا اقرأ شيء هل تعتقد انه شيء صحي “. مقاله رائعه والى الأفضل بإذن الله

    1. طبيعي جداً، الإنسان يمر بلحظات فتور وهبوط في كل شيء حتى في العبادة، والأهم أن يستغل الإنسان فترات الجد ويشمّر

  2. السلام عليكم
    يعطيك العافية ماقصرت
    عندي تساؤل بسيط
    أنا ماعندي الحاجة للقراءة الأشياء اللي أحبها بالعادة أسمعلها مواد يوتيوب أو بودكاست ومن هالقبيل خصوصا ان السماع تقدر معه تسوق وتهرول وتسوي قهوة لكن القراءة تحتاج زي الإلتزام فيها وتجلس بالساعات وانا استثقل الجلسة مع الكتب أحس العالم يمشي وأنا واقف وش الحل

    1. وعليكم السلام، الله يعافيك

      العلم والنفع والفائدة ليست منحصرة في الكتاب، والاستماع من الوسائل المفيدة أيضاً، ولكن أرى أن الكتاب هو الأصل

      أما بخصوص الإلتزام في القراءة، فالقراءة هي عادة، تُطبّع بمجاهدة النفس والصبر، على نفس مبدأ حديث رسول الله:” إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم”

      فجاهد نفسك وأبدأ متدرجاً ولا تستعجل النتيجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى