عام

قراءة الكتب المطولة

  • أبو طالب بن محمد الشقيفي
  • تحرير: غادة الزويد

كتبٌ كبيرةٌ ومتعددةٌ الأجزاء، عادةً ما تقبعُ في الرفوفِ العليا مِن المكتبات..

سيرُ أعلامِ النبلاء، فتح الباري، الأغاني، قصّةُ الحضارة.. وكتبٌ أخرى تحتاج إلى الالتفات برأسكَ أثناء قراءة اسمها، وربّما تصاب بالهلع واليأس إذا نظرتَ إليها وأنت في بداية مشوار القراءة.

لكن المتمرّسين في القراءة والذين صارت القراءة من ألصق عاداتهم اليوميّة، قد يشعرون عند رؤية مثل هذه الكتب وكأنهم أمام وليمةٍ دسمة لا بدّ منها! وربما يشعرون بالعمق الفنيّ فوق كعوب تلك الكتب كما لو أنّهم يُقلّدون روّاد المتاحف الذين يقضون الساعات أمام إحدى اللوحات الفنيّة.. ولكن بصدقٍ أكثر!

عرفَ العلماء -في القديم والحديث- جرد الكتب، والمقصود بقراءة الجرد هو قراءة الكتب الضخمة من أوّلها إلى آخرها بغيّةَ التفتيش عن شيءٍ ما واستقصائه. ومصطلح جرد الكتب مأخوذ مِن جرد الأرض؛ والأرضُ المجرودة هي التي أكل الجرادُ نبتها..

قال بعض أهل العلم “إنما سُمّي الجَرادُ جَراداً؛ لأنه يَجردُ الأرض بالأكل.” (1)

لا تهمّنا كثيراً هذه التفصيلات بقدر ما يهمّنا جعل القرّاء العرب يُولون قراءة المطولات اهتمامًا أكثرَ إلى جانب اهتمامهم بالكتبِ القصيرة والمتوسطة الطول.

وأنا -كما قلت- لا استهدف في هذا المَقال القارئ المبتدئ، فالقراءة إنما تكون بالتدرّج، ومن تقحّم المطولات قبل الكتب القصيرة زلقَ وسئم مِن القراءة.

كان كثيرٌ مِن أجدادنا يأتي أحدهم على الكِتاب الضخم في مجالسَ معدودة وهذا -بلا شك- يتطلّبُ عدداً من الصفات في القارئ، كالخبرة بموضوعِ الكتاب، وشدّة التيقّظ، وجودة الفهم، وسرعة القراءة، والهِمّة.. نعم والهِمّة!

قرأ الخطيب البغدادي صحيح البخاري كاملاً في ثلاثةِ مجالس،(2) حتى قال الإمام الذهبي في “السير”(3) معلقاً على هذه القصّة: “قلت هذه والله القراءة التي لم يُسمَع قط بأسرع مِنها”

وقرأ العز بن عبد السلام “نهاية المطلب” في ثلاثةِ أيام،(4) وهو كتابٌ ضخم الحجم طبع في واحد وعشرين مجلّدا! والقصص من هذا القبيل كثيرة، وقد أفرد لها الشيخ المحقّق علي عمران بابًا في كتابة (المشوّق إلى القراءة وطلب العلم)

السبب في إيرادي لهذه القصص هو تطمينُ القرّاء الكِرام إلى أنّ قراءة الكتب المطوّلة ليست بالأمر المستحيل، ولا في الأمر صعوبة بالغة حيثُ يقضي بعضُ القرّاء أعمارهم نافرين ومتوجّسين خيفةً من هذه الكتب، خصوصاً وأنه قد تزامن مع انتشار دعوى في الأوساط القرائية بأنه ليس على القارئ أن يقرأ الكتابَ كاملاً! وأنا قد أتفق مع هذه الرأي إلى حدٍ ما، بحيث أن بعض الكتب لا تُقرأ إلا لغرضٍ معيّن، ومن ثم فليس هناك داعٍ للاستمرار في القراءة ما دام أن الهدف المحدد قد تم والمعلومة قد تحصّلت. ولكنني لا أدعو القرّاء الجادّين إلى تقليب الكتب وقراءة الفقرات والعناوين المتفرّقة ومن ثم إرجاعها إلى الرفوف وهي نصف مقروءة، بحيث لا يستطيع القارئ بعد قراءته هذه أن يجزم بوجود أو عدم وجود فكرةٍ ما في الكتاب، ولا يستطيع تكوين صورة واضحة عن رأي المؤلف تجاه قضيّةٍ ما ولا يستطيع الإحاطة بأغلب مناحِي الكتاب وأفكاره.

وطريقتي الشخصية في قراءة الكتب أن أقرأها من أولها إلى آخرها جملةً جملةً، ما دمتُ قرّرتُ قراءة الكتاب. وهذا هو الهدف الذي يسعى إليه أغلبُ الكتّاب ويريدونه في قرّائهم، والذي عليه تمّت هيكلتهم للكتب. وفي نظري أن الانتهاء من الكتاب كاملاً أهمُّ البَدء به! ولا بأس عند قراءة المطولات من التوقف بين الأجزاء والانتقال إلى كتبٍ أخرى بهدف رفع السأم وتجديد الروح، وثم العودة مرةً أخرى للكتاب المطول.

كل عملٍ صعب سيكون سهلاً إذا تمّت تجزئته إلى وحداتٍ صغيرة. والكتب المطولة -بطبيعتها- مجزّأةٌ إلى مجلّداتٍ مرقّمة؛ مما يحفز القارئ إتمام الكتاب المطول، وهو التخفّفُ قدرَ الإمكان من طقوس القراءة! فمتى سينتهي القارئ من الكتاب الضخم إذا كان يعمل كوب القهوة قبل كل جلسة قراءة وأثناءها؟! والأخطرُ من هذا هو انتظار ساعة الصفاء ووقتِ الهدوء حتى يمسك بعض القرّاء بكتبهم. فإننا لو حسبنا ساعاتِ الصفاء المزعومة سنجدها قليلةً لا نستطيع فيها سوى إنجاز بضعة كتب. فقد كان جلّ علمائنا لا يريد أحدهُم إلا مكاناً -ولو ضيّقاً- يضع فيه الكتاب ويقرأ.

كتب المطوّلات -وخصوصاً الموسوعات منها- غالباً ما تكون منّوعةً تتحدث عن كل فنٍ وترتبط بين مختلف الفنون والأفكار، وهذا يوسّع المداركَ بمعرفة طرق العلماء والكتّاب في التقريب بين المتباعدات وتفكيك المسائل المعقّدة والإفادة مما يطرحونه من الجواهر والنوادر في الاستطرادات والشروحات.

وكثيرٌ من كبار الكتّاب قد بدأوا رحلتهم في القراءة بكتبٍ كبيرة مثل كتب الجاحظ وكتب أبي حيان التوحيدي والأغاني. حتى إن العلامة علي الطنطاوي -رحمه الله- قرأ كتاب الأغاني كاملاً وهو في سنٍ صغير. (5) وكان إذا استطرد في مواضيعه يخرج كثيراً عن الموضوع ولا يعود إلا بعد صفحاتٍ طويلة، وكان يطلب من القرّاء أن يعذروه في هذا لأنه نشأ على كتبٍ أمثال الجاحظ! واستمعتُ إلى مقطعٍ مصوّر لعلّامة حلب فخر الدين قباوة، قال بعد طول استطراده في المحاضرة: المعذرة، هكذا تعلّمنا!

يقول د. بكار: “لا ريب أنّ جعل القراءة إحدى مفردات أعمالنا اليوميّة، لن يكون يسراً؛ حيث يقتضي تغييراً جوهرياً في سلوكيّاتنا وعاداتنا.”(6) ويقصد بهذا أنها تحتاج إلى الجهد المستمر والصبر والمِراس وطول الدُّربة حتى نحقّق أحد أهم شروط التقدم الحضاري. وإذا كان هذا الكلام يشمل الكتب القصيرة والمتوسطة، فما بالك بالمطولات! لا شك أننا نحتاج بذل الجهد المضاعف لتحقيق الفائدة الكبيرة.

عزيزي قارئ الكتب المطولة، إن السّأم -رغم أنه فطرةً في الإنسان- إلا أن له حلولاً كثيرة، من تلك الحلول المتعلقة بالسّأم أثناء القراءة في الكتب المطوّلة -في رأيي- المواصلة والمضيُّ في القراءة وعدم التوقف على الفقرات كثيراً حتى يُنجز الكتاب. فكثرة التوقف وفرط التأمُّل في النص يغذّي السّأم، ففي المضيُّ في القراءة ما يحفز القارئ ويجعله يرى المقروء وهو يزيد والمتبقّي وهو ينقص.

وفي هذا قال صديقي الأديب محمد موسى كمارا: “من مهارات القراءة أن تعوِّد نفسك المضيَّ والاستمرار، وتجنّب الإعادة والتكرار، ومعنى ذلك أن تقرأ ماضياً مستمرَّا في القراءة، غير مكرّرٍ للفقرات والسّطور التي تمرُّ بها. وهناك قرّاء يصابون بآفة التّكرار، فلا يقرأ أحدهم فقرةً حتى يعاودها ويكرّرها، وينفق في هذا الحال وقتاً طويلاً دون أن يقرأ قدراً معقولاً حسب الوقت الذي يمضيه في تقليب صفحاتِ الكتاب”

وأكمل كمارا حديثه: “إذا قرأت فلا تكرّر إلا المواضع التي تروقك وتعجبك، فلا بأس أن تردّدها ضبطاً وتلذّذاً، وإلا فخيرٌ لك أن تمضي في القراءة غير مكرّرٍ ولا ملتفتٍ إلى النصوص الماضية، وإذا رغبت في الإعادة فاقرأ الكتاب مرةً أخرى، فالقراءة الثانية تكشفُ الغوامض، وتُثبّت الفوائد، وتوقف القارئ على ما فاته في القراءة الأولى” انتهى كلامه.

القصد الأساسي من وراء هذا المقال تعزيز الاهتمام بممارسة القراءة واصطحاب الكتاب، وتحفيز القرّاء على القراءة في المطولات وعدم اقتصارهم على الكتب ذوات المجلّد الواحد.

أسأل الله -جل وعلا- أن يلهمنا الصواب في الأمرِ كله.


المراجع:

(1) المجموع  المغيث للمدائني 1/314.

(2) المشوق إلى القراءة وطلب العلم – علي العمران ص86.

(3) سير أعلام النبلاء 18/179.

(4) المشوق إلى القراءة وطلب العلم – علي العمران ص90.

(5) ذكريات علي الطنطاوي 3/284.

(6) القراءة المثمرة – عبد الكريم بكار ص16.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى