عام

الحقيقة الرمضانية

هل أذهب الحجر روحانية الشهر؟!

عزام بن عبد الله

سمعت أحدهم قبل أيام من دخول رمضان هذه السنة يقول: للأسف رمضان هذه السنة مختلف، لن نجتمع هذه السنة لصلاة التراويح.. لن نجتمع لصلاة الفجر.. اجتماع الإفطار لن يكون كالرمضانات السابقة.. أو كلاماً هذا معناه، وقرأت في عناوين إحدى الصحف: (رمضان بلا “طقوس”.. المساجد مهجورة، وموائد الإفطار غائبة)، ونُقل فيه عن إحداهن: (لا نشعر بأي أجواء رمضانية)، وفي عنوان آخر لصحيفة أخرى: (كيف غيَّر فيروس كورونا طقوس المسلمين في رمضان هذا العام؟)، ووجدت في عنوان آخر: (رمضان في زمن كورونا: ماذا سيبقى من طقوس الشهر الفضيل؟!)، ولعلك سمعت أشياء تنتظم في سلك هذه النغمات، أشياء من قبيل التوجُّد على بعض الهيئات التي كان يتَّسم بها شهر رمضان في مألوف العادة عند الناس.

شخصياً، إذا سمعت ما يشبه هذه المقالات أجدني “بين خيط الصواب وخيط الخطأ”، أشعر بشيء ما، يتحرك في صدري تجاهها، حسكة كما يقول أبو العباس في بعض المواضع..

جعلت أتأمل مدة من الزمان في هذا، وأحاول أن أفرز المعطيات وأعيد تحليلها وتقييمها، فوجدت أن مما يذهب الغشاوة في هذا المقام أن نقف قليلاً عند الحقيقة الرمضانية في الوحي، الذي جاء بتفضيل هذا الشهر والعبادة فيه..

إشراقات القرآن..

لنقف على النص القرآني الأصل في هذا الباب، أعني قول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون)، وبعدها قال: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقال بعدها: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).

ولنقف على ما تضمنته سورة القدر، وليلة القدر -عند أهل العلم- كائنة في شهر رمضان، وهي سبب تفضيل ليالي العشر الأواخر منه، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر)، وعن الليلة التي تنزل فيها القرآن قال الله تعالى أيضاً: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يُفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك).

هذه جملة من الآي عن شهر رمضان، وليلة القدر الكائنة فيه، تأمل المعاني التي تدور حولها: الصيام، التقوى، القرآن، الهدى، الفرقان، التكبير، الشكر، خيرية ليلة القدر، تنزُّل الملائكة والروح، السلام، البركة، الرحمة.

أتجد في هذه المعاني شيئاً لا يتحصل إلا بمألوفات كثير من الناس في شهر رمضان؟ أتجد فيها شيئاً تفقده اليوم؟

أضواء النبوَّة..

دعنا الآن نتناول بعض الأخبار النبوية.. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة: (إذا دخل رمضان فُتِّحت أبواب الجنة –وفي رواية: السماء، وفي رواية: الرحمة– وغلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين)، وعنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة … والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه -وفي رواية: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي-). وعن أبي هريرة أيضاً – جزاه الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيراً -: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفي طريق آخر: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة)، وكل هذه الأحاديث في الصحيح..

قف معي قليلاً.. هاهنا جملة من الأخبار تضمنت معاني شريفة تحصل في هذا الشهر: تفتيح أبواب الجنة / السماء / الرحمة، وتغليق أبواب جهنم، وسلسلة الشياطين، واختصاص الله تعالى بجزاء الصائمين، وباب الريان، والخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك، وفرحتا الصائم، وشكر الله عز وجل للصائمين، القيام، الصيام، الإيمان، الاحتساب، مغفرة ما تقدم من الذنوب، الجود في رمضان، وقراءة القرآن ومدارسته.. وأشياء أخرى وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل رمضان، لا أطيل بذكرها..

هل انسد شيء من ذلك في شهرنا هذا؟! هل فقدنا أشياء من هذا الجنس؟!

من الواضح أن شيئاً من ذلك لم يغب ولم ينسد بابه، وكل هذه الفضائل لا تزال الطرق إليها نافذة، السبل ميسرة، والأبواب مفتحة..

بلى.. القيام جماعة في المسجد والاعتكاف!

القيام هو الذي يصدق عليه الفقدان في هذا الوباء -عجل الله برفعه-، هو والاعتكاف في المساجد، ويمكن أن تضم إليهما المكث في المساجد قبل الصلوات وأدبارها، وتساعُدَ الهمم على الذكر وقراءة القرآن عند رؤية الصالحين وأولي الخير يثابرون على ذلك، أما الصلوات المكتوبة جماعة في المسجد فقد افتقدناها قبل رمضان، عجل الله لنا بالعودة إلى بيوته..

هذا ما يمكن أن يصدق عليه وصف الفقد في نظري، ومع ذلك فإنني لا يمكن أن أتجاوز هاهنا أمرين:

أولهما: أن الاعتكاف ليس من العبادات التي أخذت صفة العموم في الأداء عند الناس، فدعوى الفقد عند من لم يكن يعتكف فيها نظر، إلا أن يقصد بذلك رؤية المعتكفين وعامري بيوت الله.

ثانيهما: استحضار الخلاف الذي كان بين أهل العلم في مسألة معروفة، وهي: هل الأفضل أداء التراويح جماعة، أم الأفضل أداؤها على الانفراد؟ والقول الأول هو المشهور عند الناس اليوم، وأما الثاني فقد قال به جماعة من أولي الفضل والعلم، منهم الإمام مالك ونُقل عن الشافعي، وهو أحد الوجهين في مذهبه، وقد قال به جماعة من أهل المدينة، حتى إن الإمام ابن شهاب الزهري رحمه الله لما روى حديث أبي هريرة الآنف الذكر فيمن قام رمضان إيماناً واحتساباً، كأنه فهم منه أن المقصود به الصلاة منفرداً؛ إذ قال بعد أن رواه: (فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر)، وذلك أن المشهور أن عمر رضي الله عنه هو الذي سن الجماعة في التراويح للناس، وحسبك بسنة الشيخين.

 ورجح بعض أهل العلم -كابن عبد البر- أن الأفضل حيث وجد المرء قلبه ونيته وخشوعه وإخباته وإقباله على ربه وتدبر ما يتلوه في صلاته، فحيث كان ذلك مع قيام سنة عمر فهو أفضل.

لماذا نستحضر الخلاف هنا؟ هل المراد ترجيح أحد القولين على الآخر؟ أعتقد أن من الواضح أن المسألة ليست مقصودة بذاتها، ولا أي الأقوال فيها أرجح، وإنما المراد الظلال التي تلقيها مستندات الأقوال في هذه المسألة وأدلتها على المطلب الذي نحن فيه الآن، وأن قدراً من التلازم الذي يفترضه الناس بين التراويح والجماعة فيها، واعتقاد أن من لم يصلها جماعة فقد صلاها بغير روح.. قدرٌ من ذلك مجانب للصواب، فهل يظن مثل ذلك بالإمام مالك مثلاً وربيعة وجماعة من علماء المدينة، وما نقل عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع -رحمهم الله- [التمهيد: 8/ 115]؟

وهذا كله.. هذا كله.. على فرض انقطاع السبل دون التراويح جماعة مطلقاً، ومعلوم أن هذا الاحتمال ليس ظاهراً في كثير من البيوت، وذلك أن كثيراً من الناس، إن لم يكن أكثر من كان يصلي التراويح في المساجد.. لا يزال يصليها جماعة في البيوت، فالجماعة لم تنقطع أصلاً.

وكيف إذا استحضر المؤمن أنه لا يد له في رفع هذا الكرب، وأنه قد اتقى الله ما استطاع، وأتى بالمقدور، ولم يسقط المتعيِّن المأمور؟! وما تحصل بالصلاة في البيوت من عمارتها والبعد عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وما تيسر بذلك من معرفة الأطفال لهذه العبادة العظيمة وصلاتهم مع أهليهم، وغير ذلك مما يشهده الناس من الخير الذي تضمنه هذا القَدَر، (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)، وما شرعه الله لبني إسرائيل عند عجزهم عن الصلاة في المساجد في قوله تعالى: (واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشِّر المؤمنين).. كيف إذا استحضر المؤمن هذه المعاني؟!

وأصل ذلك: أن المؤمن إذا اتقى الله ما استطاع فقد أتى بالواجب عليه، ولا يوصف بالتقصير، و(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، و(لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عُسر يسراً)!

الروحانية المفقودة..

حسناً.. إذا كان ذلك كذلك، فما سر ما يتردد على بعض الألسن من فقدان روحانية رمضان وذبول بهجته هذه الأيام؟

أحسب أن السر في ذلك هو التداخل والالتباس في مفهوم الروحانية، بل الاختزال أحياناً، وذلك أني لاحظت عدداً من الناس يجد روحانية رمضان في مشاهدة الاصطفاف عند مخبز “التميس” قبل الإفطار، وآخرون يجدون روحانيته في كيس “السوبيا” الذي كان يباع على الرصيف، يشتري منه كيساً أو كيسين قبل أن يعود إلى بيته، وتجد آخر يلتمسها في الفوانيس الرمضانية، وآخر يتفقدها في سفر الإفطار والسحور الرمضانية الجماعية الكبيرة، فإن لم تكن على هيئة معينة، لم يجد لذته، وآخرون في التزاور الرمضاني ومسامرات ما بعد التراويح، وتجد من يتذوق اللذة الرمضانية في مأكولات معينة، وفي بعض المناطق والأمصار لذة رمضان في تعليق الإضاءات والأوراق الملونة اللامعة، وفي الابتهالات الجماعية ومحافل قراءة القرآن، وهلم جراً..

نعم، عدد من هذه المظاهر الاجتماعية لشهر رمضان المتغيرة بحسب الأزمنة والأمكنة فُقدت مع التباعد الاجتماعي، ولم تتوافر في شهر رمضان هذا، ومن ثم فالروحانية التي يرتبها بعض الناس عليها تلاشت..

لكن أين هذا النوع من “الروحانيات” من الحقيقة الرمضانية؟! أينه مما ورد في الوحي من فضائل شهر رمضان التي لا يغيرها زمان ولا مكان؟ أينه من البِنية الروحية المشرقة لرمضان؟ أينه من رمضان القرآن.. رمضان الصيام.. رمضان القيام.. رمضان الإيمان.. رمضان الاحتساب.. رمضان الجود… رمضان تفتيح أبواب الجنة.. رمضان ليلة القدر، أين يقع هذا النوع من الروحانيات الاجتماعية من هذه المعاني الشريفة؟!

أحسب أن سؤالاً يتردد في خاطرك الآن: هل يُذم الإنسان على الأُنس الجِبِلِّي ببعض المظاهر الاجتماعية لشهر رمضان؟! الجواب لا.. لكن لا تلازم بين الأنس ببعض هذه المظاهر -ما لم تكن من جنس البدع والمحدثات، أو معطِّلة عن العبادات المشروعة- لا تلازم بين الأُنس وبين أن يقصر الإنسان الحقيقة الرمضانية عليها. وأزيَد من ذلك أن مما يأنس به الناس ما هو حسن محمود، كالأنس بسماع أصوات المصلين، والأنس بانتشار الخير في الناس والامتثال لأمر الله، وما نحا هذا المنحى، فهذا حسن محمود، وليس الإشكال فيه.

لكن الإشكال هو في غلبة النظر الاجتماعي المجرد لرمضان، فمما لحظته من الآثار المشكلة لهذا النظر المجرد أنه يغير من موازين الأعمال عند من غلب عليه ويقدح في معايير التفضيل لديه، فيدخل في عقدة مركبة واعتياص غريب، فالتراويح أهم عند بعض الناس من صلاة الظهر وصلاة العصر التي ينام عنهما ولا يصليهما – إن صلاهما- إلا بعد أن تصفر الشمس أو بعد غروبها، وذاك الذي صدَّرت المقالة بنقل كلامه كان يأسى على فقد لذة صلاة الفجر جماعة، مع أنه من المعلوم أن صلاة الفجر جماعة ليس مما تختص به رمضان أصلاً، والذي أدى به إلى قول ذلك ما جرى عليه عمل الناس من الاجتماع لصلاة الفجر في رمضان، بأكثر من غيرها..

وتذكرني هذه المعايرات والموازنات بالتقاطة شريفة لأبي حامد الغزالي في سياق له بما نحن فيه اتصال [إحياء علوم الدين: 2: 231] يقول فيه: (أكثر الناس إذا رأوا مسلماً أفطر في نهار رمضان استبعدوا ذلك منه استبعاداً يكاد يُفضي الى اعتقادهم كفره، وقد يشاهدون من يُخرج الصلوات عن أوقاتها ولا تنفر عنه طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم، مع أن صلاة واحدة يقتضى تركها الكفر عند قوم وحزَّ الرقبة عند قوم، وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه … ولذلك لو لبس الفقيه ثوباً من حرير أو خاتماً من ذهب أو شرب من إناء فضة استبعدته النفوس واشتد إنكارها، وقد يُشاهد في مجلسٍ طويلٍ لا يتكلم إلا بما هو اغتياب للناس، ولا يستبعد منه ذلك)، فهذا ضربٌ مشابهٌ من الموازنات المحتكمة إلى الإلف والاعتياد.

أسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يعجل برفع البلاء، ويكشف عنا هذا الوباء، ويعيدنا إلى بيوته في عفو وعافية وإيمان وصلاح حال.. آمين.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى