عام

غضبٌ يُثرثرُ غَضَباً!

إن هذا الكتابَ العظيمَ الذي يقصُّ قصصَ الغابرين، الذي يبيِّنُ الحالَ والمآل، الذي يهدي للتي هي أقوم، الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؛ لجديرُ بأن نُحسنَ طرائقَ التعامل معه، قراءة وتدبراً، فهماً واستنتاجاً. وإني لأحسب أن ذلك يقع من وجوه عدة تتكامل وتتعاضد. ولعل من أكثرها نفعاً ما يكون من باب التدبر القائم على التماس البيان في آياته وقصصه وهداياته وشفراته للإيمان والعلم معاً.

نخطئ حينما نَقصرُ التذوقَ البياني للقرآن الكريم على جانب التعبد أو التلذذ به أو جانب العلم بفنونه البلاغية، وذلك أن التذوقَ البياني العالي هو أيضاً بابُ من أبواب المعاني، أي أنه باب للولوج إلى فهم يتجدد لآياته التي لا تنقضي عجائبها ولا تنفد معانيها ولا تنضب ذخائرها؛ بما يجعلنا نتلمس معانٍ جديدة، قد تنير لنا طريقاً في فضاء الفكر أو السلوك، مما يترتب عليه نفع ملموس، وهذا أمر عظيم لو تدبرناه حقاً.

عنَّتْ لي هذه الخاطرةُ وأنا أقرأ في السِفر النفيس: دلائل الإعجاز للعلامة العبقري عبدالقاهر الجرجاني (ت 471 أو 474) رحمه الله تعالى، حيث يؤسس هذا الكتابُ المدهش لما يمكن أن نصفه بأنه “انبناء لغوي”، أي أن اللغة تنبني من تلقاء ذاتها طواعية داخل النفس (=انبناء جواني)، بخلاف طرائق تعليم اللغة المعاصرة، حيث تروم تأسيس “بناء لغوي” من خارج النفس (=بناء براني)[1]. والكلام يطول حول هذين النوعين من التأسيس اللغوي، ولعل نصاً متخصصاً آخر يتصدى لذلك بقدر من المنهجية والتفصيل[2].

لنعد إلى أصل المسألة، وهي تشغيل الذائقة البيانية في القرآن الكريم؛ بغية الفهم والاستنتاج لمعانٍ يمكن أن تؤدي إلى شيء من الجدة النافعة. ولكي تتضح هذه الفكرة، فإنه من الضروري إعطاء مثال تطبيقي عليها. دعونا نطبق ذلك على آية “وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ” (الأعراف: 154)؛ في سياق يدور في أكثره حول بعض المعاني الجليلة التي أوردها علماء اللغة والبيان والتفسير، مع شيء من تفتيح الأذهان لمسارات قد تكون واعدة للبحث العلمي الرصين.

لقد كنتُ أقرأ هذه الآية كثيراً دون أن أفطن إلى المعنى البياني الرفيع عبر هذه الاستعارة المركبة العالية والتقديم والتأخير، حيث نظفر في حالات كهذه بزيادة معنى دون زيادة مبنى، كما يقرر ذلك الجرجاني في دلائله، وهذا شيء من عظمة اللغة العربية وتفردها العجيب. دعونا نتذوق مثل هذا البيان السامق، الذي لا يكون إلا بالروية والفكر والتدبر بـ قلب العقل وعقل القلب، وليكن ذلك في فقرات متسلسلة مكثفة:

  • سكتَ الغضبُ. هذه الآيةُ الكريمة تصيِّر الغضبَ ناطقاً، إذ لا يَسكت إلا من كان ناطقاً أو متحدثاً بشيء. إنه الغضب الذي يثرثر غضباً، فالتعبير يومئ إلى أنه قد طالتْ ثرثرةُ الغضب (=ولمَّا سكت). وفي هذا دلالة بليغة على أنه كان غضباً شديداً مزمجراً. وهنا نعيش -بصورة أدق- الحالةَ الانفعالية لموسى عليه الصلاة والسلام، ونتذوق مرارة ما كان يعانيه من قومه عبَّاد العجل، الذين مالوا إلى الشرك بعد التوحيد، وفي هذا امتزاج لمشاعر الخيبة من هذا التغير والتقلب السريع، والخذلان بعدم الصدق مع الله وعدم الوفاء مع نبيه، إذ كيف يُحدثون ذلك كلَه بعد غيبة قصيرة ورحلة للاستهداء؟!
  • سكتَ عن موسى. التذوق البياني هنا يجعلنا ندرك بأن الغضب هو شيء آخر غير نفس موسى عليه السلام، وكأن الغضب في هذه الحالة قد استحال إلى كائن آخر، فالغضب يسكتُ عن موسى، فهو إذن خارج نفسه أو ذاته. وفي هذا معنى نفيس، إذ يمكن أن يكون فاتحاً لكوة كبيرة في جدار الغضب لدى الإنسان. هذا المعنى يقول لنا: عالجوا الغضب (وبالأخص الشديد منه) على أنه شيء براني لا شيئاً جوانياً. إن هذا الشيء البراني قادر على أن يوجِّه أو يتحكَّم بالسلوك. وفي هذا المعنى تقبيح عقلي وتشنيع عاطفي لسمة الغضب وانفعالاته المشبوبة، حيث يأنف الإنسانُ عادةً عن أن يُقاد ويُكره على فعل شيء ما، وفي هذا استبصار عقلي وتربية وجدانية، وهما يُنفِّران الإنسانَ من التلبس بالغضب، لئلا يُقاد إلى ما لا يَحسنُ فعله أو قوله. وفي سياق هذا المعنى، نولِّد باقة من الأسئلة البحثية التي قد تقودنا إلى شيء جديد ذي بال: ما طبيعة هذا الكائن البراني المتخلق من حالة الانزعاج وعدم القبول بالواقع أو بالنتيجة؟ ما علاقة هذا الكائن البراني بالنفس الجوانية؟ ما الرابطة بينهما؟ كيف يجري التواصلُ بينهما، بأي لغة يتواصلان؟ أهو تواصل عاطفي صِرف أم أن فيه قدراً من التواصل المادي (الفسيولوجي)؟ هل يمكن القبض على هذا الكائن البراني وتصويره بأي طريقة قد تقود إلى إلجامه أو التقليل من سلطانه على النفس؟ لمَ لا، وهو كائن يثرثر غضباً (=كائن متجسد)؟ ونحو ذلك من الأسئلة.
  • سكتَ عن موسى الغضبُ. ثمة صورة بيانية أخرى تُلتقط من باب التقديم والتأخير، الذي يقول عنه الجرجاني: “هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة، ويفضي بك إلى لطيفة”، في سياق يشدد فيه على أن هذا الباب يُنتج دوماً معنى خاصاً[3]. في هذه الآية تقديم وتأخير، حيث لم يُقل: (سكتَ الغضبُ عن موسى). في الحقيقة، لم أقف على كلام للعلماء حول سر تأخير الفاعل (الغضب) عن فعله (سكت) والإتيان بمتعلق الفعل أي بالجار والمجرور بينهما (عن موسى)، على أنني لم استقصِ في البحث عن هذا، فلربما وهو الأقرب أن يكون لهم بيان شافٍ حول ذلك، كما اعتدنا في تنقيبهم الدقيق في القرآن الكريم. على كل، الذي أفهمه من معنى هذا التقديم والتأخير -وله نظائر وأشباه[4]– أنه يحصل به تركيزُ تام في الحالة التصويرية لموسى عليه السلام في مشاعر الغضب فقط (=الحصر)، حيث رُبط الفعلُ (=سكتَ) بمن وقع عليه تأثير الفعل (=موسى)، مما يُخلِص المعنى في الآية من جهة التأثير للفاعل وحده (=الغضب)، فلا يكون ثمة شيء آخر غيره. لنقرأ هذا الآية مرة أخرى: ولمَّا سكتَ عن موسى الغضبُ. لا ترى في هذه اللقظة سوى فاعل واحد فقط: الغضب، فتتشوف نفسُك حينها لتعرف ماذا حدث بعد سكوت الغضب عن موسى، فيأتي الجواب بما يفيد أنه حينما سكتَ الغضبُ، نَطَقَ الحلمُ وسارتِ السكينةُ فـ :”أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ”. ولكي نقارن هذا المعنى بالمعنى دون التقديم والتأخير، فلنقرأ هذه الجملة: (ولمَّا سكتَ الغضبُ عن موسى)، إذ يجيء في بالي أن الخاطر هنا يتعلق بسؤال مفاده: حسناً، الغضب قد سكتَ عن موسى، فماذا عن بقية المشاعر المحتملة، هل سكتت هي الأخرى، أم لا؟ (=عدم الحصر) ولا أحسب أن هذا السؤال يرد حينما نقرأ الآية بتقديمها البليغ وتأخيرها العجيب: ولمَّا سكتَ عن موسى الغضبُ (=حصر). كل هذا هو مجرد التماس، والله أعلم وأحكم.

وبعد هذا البيان المختصر، أعيد التأكيد على أهمية التذوق البياني للقرآن الكريم، بغية التوصل إلى استنتاجات جديدة ومعانٍ لطيفة، قد يكون من شأنها إمداد البحث العلمي في مساراته: الإنسانية والطبيعية والشرعية؛ بأسئلة تستحق المعالجة والتنقيب. ولا يتأتى هذا، إلا لمن كان لديه مُكنة لغوية كافية، وقراءات معمقة في البلاغة، وتدبر طويل في القرآن الكريم، مع حس مرهف وسليقة لغوية سليمة. وقد نخلص إلى شيء مفيد من هذا القبيل، عبر مجموعة بحثية تتوفر على مَنْ يمتلك مثل هذه السمات، وتعين على توليد الأسئلة البحثية المنتجة للمعنى، المحققة للمصلحة.


[1] العلامة الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو موسى شيخ البلاغيين المعاصرين هو من مدرسة الجرجاني وطرزه النادر، ومن يقرأ أو يستمع له يدرك حظاً من هذا الذي نصفه بـ الانبناء اللغوي، جربوا ذلك بالاستماع لشروحاته في دلائل الإعجاز. ليس ذلك فحسب، حيث يطرح هذا الأستاذُ المكين تقعيدات منهجية مبهرة في ما وراء العلم وما قبله، وأخلاق طالب العلم وسماته وجلده واجتهاده، والحرص  على كتب العلماء واحترامهم، وسبل تراكمية العلم وما إلى ذلك، وهي تستحق العناية الفائقة والتأمل الطويل.

[2] اتفقتُ مع الصديق العزيز الدكتور معاذ الدخيّل أستاذ النحو المشارك في جامعة القصيم على إعداد بحث حول هذا، ولعل الله أن يُيسّره ويُسدّده، فيرى النور قريباً. وقولي هذا هو من باب ما أسميه بـ “توريط الذات“: نورطها حتى تعمل وتنتج، والله المستعان.

[3] عبدالقاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق: أبو فهر محمود شاكر، الرياض: مكتبة المعارف، ط5، 1424هـ، ص 106، 110.

[4] لعل من ذلك ما جاء في قوله تعالى ” وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ” (آل عمران: 109)، حيث يقرر الدكتور عبدالعزيز عتيق ما يلي: “من تقديم الجار والمجرور على الفعل قوله تعالى   :(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)،  فإن تقديم الجار والمجرور دلَّ على أن مرجع الأمور ليس إلا لله وحده، على حين لو وردتْ الآيةُ من غير تقديم وقيل: )ترجع الأمور إلى الله (لاحتمل إيقاع مرجع الأمور إلى غير الله، وهذا محال”. انظر: عبدالعزيز عتيق، علم المعاني، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1430هـ، ص 141.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى