فكر وثقافة

استجواب الواقع

مقابلة مع لوك بولتانسكي أجراها معه كل من لورا شارتان، مارين جان بويسو

  • لورا شارتان، مارين جان مقابلة مع لوك بولتانسكي
  • ترجمة: تقي الدين بن فيفي
  • تحرير: سهام سايح

 

لوك بولتانسكي هو أحد أكثر علماء الاجتماع تميزًا اليوم. وهو رفيق سابق لبيير بورديو، وهو مدير الأبحاث في كلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية (EHESS)  في باريس. في تسعينات القرن الماضي، درس تنظيم الرأسمالية وأشكال الهيمنة الجديدة في الكتاب المشهور بالاشتراك مع إيف شيابيلو تحت عنوان “الروح الجديدة للرأسمالية” المنشور باللغة الفرنسية في عام 1999. ثم تحول بحثه نحو دراسة أعمال النقد و سوسيولوجيا الدولة. نشر عام 2009 “عن النقد” De la Critique وصدر باللغة الإنجليزية في عام 2011، وهو يمثل نقطة تحول في تفكيره في العلاقة بين المؤسسات والواقع. في عام 2012 ، نشر”ألغاز ومؤامرات وهو كتاب عن نشأة ونشر الروايات البوليسية منذ القرن التاسع عشر.

 

– أولاً، كيف أتيت بفكرة العمل على الروايات البوليسية؟

– لست قارئًا للروايات البوليسية، أو لا أقرؤها دائمًا؛ ومثل الجميع، أميل لقراءتها حين لا أستطيع النوم. لكن بالأساس، أردت فهم لماذا مثل هذا النوع الأدبي -الذي لا يكون دائمًا مثيرا للإعجاب، والذي ينقل نوعًا ما صورة مثالية عن المجتمع- كان يحظى منذ البداية بمثل هذا القبول. بالفعل، فقد أصبح النوع الرئيسي للأعمال السردية، على شكل كتب تتحول لاحقا إلى أفلام أومسلسلات تلفزيونية. هذا الأمر مثيرٌ بالفعل.

كوني صاحب عمل يتضمّن التَّحري، وعلى المستوى الشخصي، فأنا أبٌ لصحفي، أردت فحص هذه الأنواع من التّحريات. حينما كنت أكتب هذا الكتاب كانت “الانشقاقات” و”الفضائح السياسية” قد اندلعت في فرنسا تحت رئاسة نيكولا ساركوزي. هذه الانشقاقات والفضائح السياسية تستتبع تحريات وتحريات مضادة. لقد سألت نفسي لماذا أخذت “التحريات” مثل هذا الدور المهم في القرن العشرين في العالم الغربي. هذا السؤال أدى بي إلى استطلاع التَّشابهات و الفروقات بين مختلف أنواع التحريات ومختلف طرق ممارستها.


– هل كانت لديك نيّة لفحص أصل الروايات البوليسية؟

– إنه منهج دوركايمي قديم، إلى جانب كونه منهج فوكوي، يعرف بــ “الأركيولوجيا”. إنّنا نحظى بفهم للظاهرة أكثر حين نستوعبها من أصولها، أي قبل أن تصبح شيئا مختلفا من خلال “تأثير تداخل الحقول”، على حد تعبير بيير بورديو. أولاً، يبتكر نوع جديد ثم يسعى مختلف المنتجين لتمييز أنفسهم في هذا المجال. هكذا يتم تغيير النوع، أو هكذا يغيرون النوع. لأكثر من قرن بقليل، كان هناك تنوع كبير في أشكال الروايات البوليسية أوالجاسوسية. كنت أحاول الوقوف على الوقت الذي ظهر فيه هذا النوع في لأول مرة، أردت أن أطبق طريقة شبه بنيوية لدراسة الروايات البوليسية و فحص الخصوصيات التاريخية للزمن الذي ظهر فيه هذا اللون الأدبي. لكني أعتبر هذا الكتاب صورة وصفية أدبية، أو بالأحرى مخزون للإشكاليات، أكثر من كونه مجموعة إجابات.


– في كتابك “ألغاز ومغامرات” تطور فكرة أنّ أيَّ تحرٍّ يمكن أن يقوده الفاعلون الاجتماعيون أنفسهم حين يلاحظون هوة بين “الواقع” كما هو مشكَّل من طرف المؤسسات و “العالم” كما يعايشونه يوميا. هذه الهوة تستطيع تأجيج الاختلافات، والشكوك، و التساؤل بين الفاعلين. في هذا الكتاب، تشير إلى أنّ “اللغز يتكون في شيء يُظهر ذاته في تشغيل النظام الاجتماعي الذي يمكنه تحطيم الواقع”.

– بالفعل، فإنّ اللغز غريب عن الرواية البوليسية، كما ابتكرها إدغار آلان بو. عالج علماء النفس المتخصصين في الجشتالت فكرة اللغز، هذه الفكرة التي تنبع من شيء يعطِّل ما يعتبر مستقرًا وبدهيًا. إنّ الأساس المفاهيمي لهذا الكتاب يعتمد على التفرقة بين الواقع والعالم التي قدمتها في كتابي السابق “عن النقد”. يلعب التفريق والتفاوت دورًا مهمًا في عملي. باختصار، يشير الواقع إلى النظام المستقر المُشَّكل من طرف المؤسسات في حين يشير العالم إلى كل ما يمكن أن يظهر دون توقعه في خبرة الفاعلين الاجتماعيين وهذا يستدعي مُساءلة الواقع.

ترمي التفرقة للإجابة عن تساؤلات أثيرت من قبل نموذج البناء الاجتماعي للواقع. هذا المشكل صيغ في الكتاب الشهير “البناء الاجتماعي لأي شيء؟” لمؤلفه إيان هاكينغ Ian Hacking فلو كان كل شيء مبنيًا، فالسؤال هو كيف، ومن أي وجهة نظر يمكننا أن نستوعب هذه الأبنية؟ ألا يترتب على التفكيك، الذي ينتج عن تحديد كون الحقيقة “بنية اجتماعية” دومًا بناء جديد؟ ألا يؤدي هذا المنهج إلى نسبية عامة قد تجعل بعد ذلك عمل علماء الاجتماع محض تحكم؟ وبالتالي، أردت أن أخذ فكرة البناء الاجتماعي للواقع على محمل الجِّد، متتبعا إياها إلى الكيفية التي تشكِّل بها المؤسسات الاجتماعية الواقع. من خلال التمييز بين العالم والواقع، نستطيع إيجاد نقطة مرجعية تسمح لنا بتمييز أبنية الواقع عن التجارب الراسخة في العالم. وبالتالي، يجب أن نضع جانبًا نظريات “الحس المشترك” تلك الموروثة عن التنوير الاسكتلندي، من مور، وبطريقة ما من شوتز.

إنّه من الواجب الابتداء بفرضية عدم اليقين التي تؤطر “الفعل” action. ولكن بالتأكيد، فإنّ تجاربنا هي أيضًا جزء من الواقع الراسخ! لإعطاء مثال بسيط: حين تنتظر حافلة، فإنّك تتوقع قدومها في غضون 15 دقيقة، هذه خبرة راسخة في بنية معينة للواقع. هناك حافلة تتوقف، هناك حافلة شركة وهناك البلدية التي تبني محطة الحافلة وتعيِّن الرزنامة الزمنية. إلاّ أنّ الحافلة قد لا تصل لأسباب متعددة غير متوقَعة تأتي من العالم. بالتالي، فإنّ معظم خبراتنا هي الأخرى راسخة في العالم وتتميز بعدم اليقين. هذه الخبرات يصعب جعلها ظاهرة.

إنّ مجالات الفعل المشكَّلة من خلال المؤسسات يسهل وصفها وتجميعها لأنّها مُموضعة مسبقًا في أعمال الكتابة والمحاسبة المنجزة جزئيًا، ولكن ليس فقط من طرف عمل الدولة التي تختار العناصر التي يتم استخراجها من العالم. إنّ العالم لا يمكن تجميعه، لأنّه غير يقيني، ومتغيِّر، وجمعي. هكذا نستطيع وصف كيف أنّ الفاعلين الاجتماعيين يواجهون بنية من الواقع شكَّلتها المؤسسات، وكيفية نقدها، وكيف يجادلون عنها، وكيف يعملون على صياغة بُنى جديدة. إنّ النقد، على مدى واسع يساعد على شرح هذا النوع من الخبرات.

من ثمّ، فقد أردت النظر في كيفية ارتباط بناء الواقع بالمؤسسات التي تؤسس للأجهزة الاجتماعية التي ترمي إلى التقليل من اللايقين. في “ألغاز ومؤامرات”، أرى أنّ المشروع الخاص للدولة القومية الأوروبية، خاصة في أشكالها الديموقراطية في منتصف القرن التاسع عشر، هو محاولة لبناء الواقع بحق أو جعل الأفعال متوقعة من خلال الاعتماد على كلٍّ من القانون -بمعنى الأجهزة السياسية- وعلى العلوم الاجتماعية والطبيعية. تنبع الفكرة بشكل أوسع من مفهوم فوكو للسياسة الحيوية Notion of Biopolitics .

دعني أعطيك مثالاً آخر يعجبني كثيرًا، لي صديقة يسارية و نسوية عندما كنّا شبابا خلال السبعينيات. كانت في حركة يسارية متطرِّفة مع نساء أخريات ورجال من الأقليات. في يوم ما، نظر الفتيات إلى بعضهن وأدركن أنّهن كنساء هن من قام بحشو الأظرف بالمنشورات، وأنّهن من صنع القهوة…إلخ. فماذا فعلن؟ لقد أقصين الرجال، وأغلقن على أنفسهن في المكتب وتحدثن لبعضهن لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة. وكانت تلك اللحظة الحاسمة لميلاد النسوية في فرنسا ! قبل ذلك، كان معظمهن يحظى بتجارب في التحليل، التحليل النفسي، وبالتالي لم تظهر [النسوية الفرنسية] من العدم. أعتقد أنّ مثل هذه الحركات تتطوّر من خلال التعليم، ومن خلال علم الاجتماع، والتحليل النفسي، والعمل النقابي، قد يكون أي نوع من التعليم، وذلك من أجل التقاط الخبرات ومحاولة مشاركتها.


– كيف يفسِّر علماء الاجتماع خبرات الفاعلين؟

– سعيًا للموضوعية، فإنّ علماء الاجتماع يحتاجون لربط وسائل الوصف مع النقاط المرجعية التي تسمح لنا بإلقاء نظرة نقدية لهذا الواقع. هذا لا يمكن أن يُربط بأخلاق معينة، لأنّ هذه النقاط المرجعية النقدية بدلاً من ذلك يجب أن تدَّعي نوعًا من العالمية، كما شرحت في كتاب “عن النقد” تضمن إحدى طرق البدء اتباع الفاعلين حين ينتقدون. هؤلاء الفاعلون واقعيون. يأخذون بعين الاعتبار المؤسسات التي يفعلون خلالها حتى يستطيعوا إدارة مختلفة السياقات لصالحهم، قائلين شيئا مختلفًا في كل سياق، على سبيل المثال. وعليه فالعامل يمكن أن يكون لبقا جدا مع رئيسه لكنّه ناقد منزله.

أعتقد أنّه يجب اتباع عملية البناء الاجتماعي، الطريقة التي يبني بها الناس أنفُسُهم العالمَ. بداية، فإنّ كل تجربة هي فريدة من نوعها، لا يوجد شيء سوى تفردات في العالم، فالناس على هذا سوف يتشاركون بينهم تلك التجارب، ويجعلونها متساوية، ويعطونها لغة، ويغيِّرونها إلى طلبات، ويحاولون بناء اقتراحات وادعاءات، بالإضافة إلى تغيير الواقع والبنية التي يعتمد عليها الواقع. إنّه لمن المهم متابعة عمليات التأهيل والنقد عن قرب بالإضافة إلى الكيفية التي عن طريقها تُبنى وتتفكك مختلف عناصر الواقع. تتابعها من خلال قراءة الروايات، تتابعها عن طريق إجراء مقابلات، تتابعها عن طريق مشاهدة الخلاف. إنّ عمل علم الاجتماع يجب أن يتابع البناء والتَّفكيك، ويحاول تأسيس شكل جديد للواقع.


– هل تعتقد أنّه على علماء الاجتماع الذهاب بعيدًا والابتعاد عن مخطط فعل الفاعلين والمؤسسات لمحاولة تحليل الإطار الذي يعتمدون عليه؟

– أعتقد أنّه من المستحيل حاليًا ممارسة سوسيولوجيا نفعية كليًا، معتمدة كليًا على تحليل الوضعيات. صدفة، فإنّ الفاعلين أنفسهم لا يفعلون ذلك ! إنّهم على علم بأنّ المحيط الذي يعيشون فيه يعتمد على قرارات فيما يملكون تحكمًا محدودًا فيه، كأفراد، وعلى وجه الخصوص، على المؤسسات التي تقول ما هو هو، مشّكلة الوضعية كما هي. لكنهم يستطيعون استعمال التناقضات التي تهدِّد الطريقة التي تشكِل بها المؤسسات الواقعَ لصالحهم. عودة لمثالي عن الحافلة السابق، فإنّهم يستطيعون على سبيل المثال، إظهار أنّه وعلى الرغم من افتراض أنّ الحافلة ستصل في الوقت، فهذا لا يحدث تقريبًا واقعيًا.

لنقد تشكيل بنية الواقع، لا يعتمد السوسيولوجيّون على دعوى خُلق مُعَّين، ولكن على عمل الفاعلين الاجتماعيين الذين يسائلونهم والذين يحاولون إنشاء بنيات أكثر عدلاً، إلاّ أنّ علماء الاجتماع قد يحاولون الذهاب أبعد من متابعة الفاعلين في محاولاتهم لإنشاء بنيات جديدة للواقع. يجب أن يستعملوا أدوات تجميعية والتي تُموضع ما تعتمد عليه خبرات الفاعلين الراسخة. يتوجب عليهم القيام بعملية شبه مستحيلة،  مكونة من ربط وصف هذا النمط من الأعمال مع حكم معياري. في كتابي “عن النقد” كنت قد وصفت كيف أنّ مثل هذه العمليات نُفّذت بطرق مختلفة على مر تاريخ السوسيولوجيا. أطروحتي ليست “فرضية” تمامًا، بقدر ما هو صعب إثباتها تجريبيًا. إنّني أعتبر مشروع موضعة الواقع من غير المرجح أن ينجح في إطار الدولة القومية وهذا راجع للتدفقات المستمرة المتعلقة بتقدم الرأسمالية. هناك ثلاث تدفقات تهدِّد المجهودات الرامية لجعل الواقع متجانسًا مع المنطقة والسكان. إنّ دراسات كثيرة، بالتحديد دراسات جيرارد نويرال Gérard Noiriel– الذي يعمل على تقوية الحدود، وعلى وثائق الهوية، والوحدة اللسانية- تحلل جهود الدولة لجعل المنطقة والسكان متجانسين. في فرنسا، في دراسة مدهشة قام بها جاك رافال Jacques Raevel، و دومينيك جوليا Dominique Julia و ميشال دو سيرتو Michel de certeau حول هذا الموضوع منذ 30 سنة. تشير هذه الدراسة جزئيًا إلى  تفرقة دولوز Deleuse بين المنطقة والتدفقات، حيث إنّ مشروع الدولة القومية يُزَعزَع باستمرار بسبب التدفقات الناتجة عن أعمال الرأسمالية. في السياقات الاجتماعية حيث ولدت الرواية البوليسية أو التجسسِّية، فإن الدولة القومية قبل كلِّ شيء قادرة على بناء واستهداف الواقع.


– هل هذا يتطلب من علماء الاجتماع الذهاب خلف سياق الدولة القومية لاختراع أنماط جديدة من التجميع، قادرة على استيعاب أو خلق أو زعزعة هذه الأطر؟

– نعم، بالفعل. لماذا أنا مهتم بالربط بين تاريخ الروايات البوليسية وتكوين الدولة القومية؟ لماذا كنت قادرا على فعل ذلك؟ أعتقد أنّني كنت قادرا على فعل ذلك لأنّ هذا الإطار في أزمة شديدة. في نفس الوقت، فإنّه باستطاعتنا ملاحظة المظهر الخارجي. بمساعدة نوع معين من التجربة الفكرية، نستطيع على الأقل تجاوز مجال القومية والدولة. أعتقد أنّ الإشكال المركزي للسوسيولوجيين اليوم هو أنّ هندسة السوسيولوجيا -خاصة في فرنسا- تعتمد على الدولة القومية المؤسسة في نهاية القرن العشرين. ولهذا لدينا علم اجتماع إنجليزي، علم اجتماع ألماني، علم اجتماع فرنسي… ونظرًا لأنّنا نشهد في أيامنا هذه انهيارًا وتحولاً في هذا الإطار، فالكثير من الأدوات في علم الاجتماع لم تعد صالحة للعمل بعد الآن ويجب إعادة هيكلتها من أجل استيعاب الطرق التي تظهر بها الأطر الجديدة لاستقرار الواقع والنقد مع قطع النظر عن الحدود القومية. و هذا ما يجب أن يفعله أولئك الذين يدخلون علم الاجتماع.

أعجبني المقال

المصدر
isa-sociology

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى