عام

الهشاشة النفسية .. ضحايا جيل مأزوم نفسيًا

  • إسماعيل عرفة
  • تحرير: عبير الشهري

فراغ عاطفي، شعور بالخواء، تعظيم للمشاعر، حساسية زائدة، فقدان القدرة على التحمل، اللجوء المستمر إلى الطب النفسي، الهروب من الحكم وكراهية الحكم على الأشخاص، تبرير كل الأفعال بدعوى الحالة النفسية.

هكذا هي بعض السمات التي اشتهر بها التحليل الأكاديمي لجيل زي أو Generation Z، وهو جيل المواليد الواقع منذ 1997م نزولًا إلى الألفينات، هذه الفئة الضحية من الشباب والفتيات الذين ترعرعوا في بيئة عربية مأزومة مسدودة الآفاق، تعاني الأمرين على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي، فنشأ هذا الجيل في وسط يغيب عنه الأحلام الكبرى والمشاريع الأممية والسرديات الإسلامية أو اليسارية أو الحقوقية، فلم يعرف من أين يستقي صلابته النفسية؟

ومنذ نعومة أظافره تربى هذا الجيل على التربية الإيجابية بمفهومها مفرط الدلال،  فهذا النمط من التربية يميل إلى الإسراف في حماية الأطفال والإفراط في الحذر والخوف على الأجيال الناشئة.

وكنتيجة طبيعية لهذه التربية المدللة، في اللحظة التي يدخل فيها هذا الجيل فصول المدارس الابتدائية، فإنه يجد معاملةً من نوع آخر لم تكن متوفرة لأسلافهم من الطلبة؛ فقد صارت مدارس الطبقات الوسطى محضناً للدلال وليست بيئات للتربية، هذا ما لاحظته المعلمة الأمريكية جين موريس في كتابها (بؤس المدرس: فرط الأبوة، رقائق الثلج المميزة، وهراء آخر) حيث سطرت فيه غضبها من جراء التدليل المبالغ فيه لجيل المراهقين والشباب الصغير، وشعورهم دائمًا بالتميز والتفوق دون استحقاق لهم بذلك[1].

ومن أجل تدارك هذه الأزمة الغير طبيعية في تربية جيل من ورق، تشجعُ موريس الآباء والأمهات، وإدارات المدارس إلى معاملة الطلاب بطريقة أكثر خشونة وصرامة، لأن هذا الدلال المفرط؛ أنتج جيلًا من رقائق الثلج الذين يتبطرون على أي نعمة، ويتوقعون معاملة مَلَكية وكأنهم أسياد الأرض، ولا يتحملون مسؤولية أفعالهم.

لم أكن أتخيل أن حجم هذه المشكلة قد تفاقم إلى حد أن مشرفتي القديمة بإحدى الفصول قالت لي من شدة غيظها من هؤلاء الأهالي الذين يتعاطفون مع أبنائهم ويتسامحون مع أي خطأٍ يرتكبونه: (كنت قديمًا أساعد أهلكم في تربيتكم بالمدرسة، أما الآن فإني أربي الأطفال وأربي أهلهم كذلك، الأهالي لا يربون أطفالهم على شيء، والطفل يظن أنه لا يستحق إلا أفضل معاملة في الوجود مهما ارتكب من أخطاء، والأم والأب يدللون أبناءهم بطريقة مفرطة لم نعهدها من قبل)

ظلت الأزمة ملاحظة على مستوى المدارس فحسب، ولم يكن الكثيرون يدققون في السمات النفسية لهذا الجيل، حتى إذا كبر سنه وشرع في دراسته الجامعية بدأ المراقبون يلاحظون الخصائص النفسية التي يمتازون بها ولم تكن موجودة في أسلافهم، وبدأوا في الكتابة حولها.

كانت واحدة من هؤلاء اللاتي كتبن حول ظاهرة الهشاشة النفسية لدى الجيل الجديد هي الكاتبة البريطانية كلير فوكس، التي نشرت مؤلفاً بعنوان (أنا أجد ذلك هجوميًا). لاحظت فوكس أنها خلال إحدى محاضراتها في الجامعة كان الشباب يناقشونها بنفسية الضحية، تُجرح مشاعرهم من أقل شيء، ويشعرون بالإهانة من أصغر كلمة. وأحياناً يتعمدون إظهار هذه النفسية الضعيفة من أجل جذب التعاطف. هذه الحالة الدائمة من الشعور بالضعف تحطم صلابة المرء النفسية وتجعله معرضاً للتحطيم بالكامل مع أول صدمة في الحياة الحقيقية[2].

ولا تتوانى فوكس في إظهار سلبيات هذه النفسية المستضعفة قائلة: (والآن نحن أمام جيل من المراهقين والشباب الذين يعتبرون أنفسهم ضعفاء وهشين، ويعتقدون أن مناداتهم بألفاظ سيئة، يؤدي إلى مرضهم نفسيًا، وأنهم لن يستطيعوا النجاة بدون علاج نفسي من طبيب متخصص. إنهم يضيفون المرض النفسي على كل شيء: مشاكل الحياة الاستقلالية اليومية، الامتحانات الجامعية، النقد الموجه لهم)[3].

هذه الأزمة نفسها هي التي دفعت جين توينج، أستاذة علم النفس الأمريكية، إلى تأليف كتابها الأخير: (جيل التقنية: لماذا يكبر أطفال الإنترنت اليوم أقل ثورية، وأكثر تسامحًا، وأقل سعادة، وغير مؤهلين تمامًا لمرحلة الرشد؟!)[4]. هل قرأت العنوان بأكمله؟ إن العنوان وحده مثير للقلق!

تتساءل توينج في كتابها هذا: (هل ينبغي أن نقلق بخصوص هذا الجيل من الشباب الهش؟ نحن يمكننا أن ننتظر حتى يكبر هؤلاء الشباب القابلين للكسر، ولا نقلق كثيرًا حول أثرهم الأوسع على المجتمع. لكن، يلاحظ المراقبون أن هذا الشباب رقيق الإحساس تزداد رقته يومًا وراء يوم، ويزداد طفولةً ودلالًا في مواجهة خشونة ومشاكل الحياة الحقيقية)[5].

ومنذ خرج طلاب الجامعات من ضيق الدراسة إلى أفق السوق المفتوح، توالت الدراسات التي تشرح الخصائص النفسية التي يمتاز بها هذا الجيل، ولم يكن الحال خاصًا ببريطانيا أو الولايات المتحدة، بل أنه شكل ظاهرة عالمية للطبقات الوسطى في العالم الحديث، وقد تأثر بها عالمنا العربي فيما تأثر به.

من بين جميع الأسماء، اختار المتخصصون إطلاق اسم جيل رقائق الثلج Generation Snowflakes على جيل Z[6]، وقد خصّه المراقبون بذاك الاسم لسببين أساسيين: الأول لأن رقائق الثلج هشة جدًا، وسريعة الانكسار، لا تتحمل أي ضغط عليها بأي شكل من الأشكال، إذا تعرض هيكلها الضعيف لأدنى لمسة خارجية له ستجعله يتفكك وينكسر بالكامل.

أما السبب الثاني فهو شعور كل فرد من هذا الجيل بالتفرد، فالنظرية العلمية السائدة تقول أن رقائق الثلج لها هياكل فريدة ولا يمكننا أن نجد رقيقتين متشابهتين أبدًا، كذلك هذا الجيل: يطغى لديه شعور عارم بالتفرد، ويتم تغذيته دائمًا بأفكار التميز والريادة، ويحس دائمًا بالاستحقاق Entitlement، أي أنه له توقعات عالية من كافة علاقاته الاجتماعية، يتوقع معاملة راقية له، وحفاوة زائدة تجاه وجوده، وولاء خالص لأفكاره، وكأن هذه الأمور حقوق خاصة له وحده دوناً عن سائر الخلق.

هذا التوقع الرومانسي، الحالم، البعيد كل البعد عن عالم الواقعية المرير، هو ما دفع بعض الشباب والفتيات إلى التقوقع داخل مرحلة المراهقة، لا يريدون أن يخرجوا من عالم الطفولة إلى عالم الرشد، ومن عالم المراهقة إلى عالم النضج.

إنها حالة من المراهقة الدائمة سميت بمتلازمة بيتر بان Peter Pan Syndrome في إشارة إلى عدم رغبة جيل الشباب في النضج، وتصرفهم بشكل غير مسؤول أمام واجباتهم الحياتية، ورغبتهم الدائمة في التهرب من أي ثقل واستبعاد أي ضغط من حياتهم، الأمر الذي يجعلهم أطفالاً كباراً في المجتمع، وفي سوق العمل[7].

(لا تحكم على الكتاب من غلافه) .. (من أنت حتى تحكم على الناس؟) .. (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) .. (لا تحكم على الناس من مناظرهم) .. (خليك في حالك ودع الخلق للخالق).

تتكرر هذه العبارات بين جيل المراهقين والشباب بكثرة، في كل موقف يمارس أحدهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو حتى يبدي رأيًا خاصًا بأسلوب مهذب، أو مجرد أن يسدي نصيحة إلى أخيه. في كل موقف من هؤلاء فإن احتمالية أن يسمع هذا الأخ عبارة (لا تحكم عليّ. انشغل بنفسك ودع الخلق للخالق. أنا سعيد هكذا) هي احتمالية كبيرة.

ومهما كان الإنسان أمينًا في نصيحته، صادقاً في دعواه، لبقاً في أسلوبه، مخلصاً محبة الخير لمن ينصحه، مبتعدًا عن الغمز أو اللمز أو تحقير الشأن، فإنه في الغالب سيجد نصيحته حبيسة هذا السجن: (أنا حر. انشغل بنفسك).

ولعل هذا هو عين ما أشار إليه سيدنا عبدالله بن مسعود بقوله: (إن من أبغض الكلام عند الله أن يقول الرجل للرجل اتق الله، فيقول: عليك نفسك)[8].

لكن للأسف يبدو أن محو فكرة (الحكم) بكليتها سائدة بقوة بين جيل المراهقين والشباب الحالي، البعض يريد أن يفعل ما شاء وقتما شاء، دون رادع ولا وازع، والويل كل الويل لمن يفكر أن يردّ الناس إلى الحق وإلى ميزان الشريعة.

هذه الثقافة من اللاحكم تسببت في توليد حساسية مفرطة لدى قطاع كبير من الشباب والفتيات تجاه الحكم عليهم. وحتى يهربوا من عناء الحكم عليهم بواسطة الناس، لجأ كثير من الشباب الآن إلى الاندماج في المجتمعات والمساحات التي توفر لهم مناخًا لا يعترض فيه أحدٌ على أحد، ولا ينصح فيه شخصٌ شخصًا، وتغيب فيه تمامًا معاني النصح، وإنكار المنكر، وإبطال الباطل، وإحقاق الحق.

وبدلًا من أن يصبح مفهوم المساحة الآمنة Safe Space مفهومًا منضبطًا يراعي تطوير كافة من ينضمون له إلى مستوى أرقى ذهنيًا ونفسيًا ومهاريًا، تخبرنا كلير فوكس أن المساحة الآمنة حاليًا تعني (الحماية من أي فكرة معادية أو سلبية)[9]. فحتى النقد البناء والنصيحة الصادقة غير مسموح بها في هذه المساحات.

هذا التصور الرومانسي للأمان، خلق بيئات في العمل أو مجتمعات في الجامعة أو مساحات خاصة على السوشيال ميديا أو حتى تجمعات شبابية في أماكن بعينها (نوادي، كافيهات، شواطئ معينة، الخ..) خالية من الأحكام المسبقة، وفارغة من أي بوصلة أخلاقية أو ميزان معياري للحكم على الأشياء.

مثل هذه البيئات صارت مفرطة الحساسية تجاه إصدار الأحكام، لا لشيء إلا؛ لأن الحكم على سلوك شخص ما قد يعني أذيته نفسيًا.

ولذا تقول الكاتبة آني فوكس المهتمة بشؤون تربية الأطفال: (عندما يقول الناس: “لا تحكم عليّ” فإن ما أسمعه في الحقيقة هو: لا أريد منك أن تحاول أن تغير رأيي، الأمر كما هو عليه، أنا سريع الامتعاض تجاه سماع أي شيء يعارض كوني كاملًا، وأعتقد أن عالمي ممتازٌ كما هو بدون أي تغيير”)[10].

كما يضع بريان أندروود، المتخصص بالعلوم السياسية، الأمر بصورة أكثر وضوحًا بقوله: (هؤلاء الذين يصرخون (لا تحكم عليّ!) يمكن ترجمة صرختهم إلى رغبتهم في تجنب مواجهتهم بأخطائهم)[11].

ولعل هذا هو ما نبه عليه ابن قدامة رحمه الله قائلًا: (كان السلف رحمهم الله يحبّون من ينبههم على عيوبهم، أما نحن الآن فأبغض الناس إلينا من يعرّفنا عيوبنا)[12].

وقد عانى الكاتب الأمريكي جاسون كروز نفس المعاناة مع جيل المراهقين، ووجدهم يكررون عبارات من نوعية (لا تحكم عليّ) بشكل مفرط، فخرج بنتيجة يؤكد فيها؛ أن هناك مرض يتسلل ببطء وسط جيل المراهقين والشباب بسبب هوس الثقافة الغالبة بفكرة التسامح وقبول الآخر.

ويحكي كروز قائلًا: (لا أستطيع أن أخبركم كم مرة في العشر سنوات الأخيرة سمعت عبارة “لا أريد أن أحكم عليه”، فيكون ردي الطبيعي هو: “إذا كنت ما تقوله بشأن حياته صحيحًا، فما الذي يجعلك تظن أنك شخص حكمي Judgmental عندما تهتم به بما يكفي لمواجهته بما ينقصه؟”. إنني أدعو الله ألا ننسى هذه الحقيقة البسيطة: لا يتم الحكم عليك عندما يتم إخبارك بأنك مخطئ، أو بعبارة أخرى: أنا لا أحكم عليك عندما أقوم بإخبارك بالحقيقة)[13].

وينبهنا الشيخ علاء عبد الحميد إلى أن رؤية أنفسنا بعيون غيرنا من أعظم المعينات على تحسين وتطوير أنفسنا، فيقول: (ونحن لم نعتد سماع رأي غيرنا فينا، أو وصفهم لنا، ربما لأننا لم نمنحهم الفرصة أو نشجعهم على أن يخبرونا بعيوبنا التي يرونها، فاستمع لهم، ولا تظنّ أن مهاجمة أحدهم لك هي محض عداوة، فحتى لو كان يبغضك، فلولا أن رأى فيك شيئاً لما أبرزه)[14].

بل أخبر النبي ﷺ أن الصالحين أنفسهم لن ينجوا من الهلاك إذا تركوا فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن النعمان بن بشير أن رسول الله قال: (مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا .. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا).

لا يشك عاقل أن الشباب العربي هو جيل مأزوم في السياق الذي نعيشه حاليًا، ويعيش العديد من الأزمات النفسية، لكن سنركز الحديث على ظاهرة معينة تتلخص في سطر واحد:

ما هي مشكلتك؟

الحل بسيط: زر طبيبًا نفسيًا.

هذه الحالة من تحويل أي مشكلة نفسية، أو شعور سلبي إلى أزمة تستحق زيارة متخصص نفسي تعبر عن تضخم لدور الطب النفسي يتجاوز دوره العلمي المتفرض.

وهذا بالضبط ما أشار إليه كريستوفر لاش، أستاذ التاريخ بجامعة روتشستر الأمريكية، عام 1979م عندما لمح هذا الاتجاه المتصاعد لزيارة الأطباء النفسيين، فقد ذكر في كتابه (ثقافة النرجسية) أن المواطن الأمريكي خلال عقد الستينات وجد نفسه في عصر أصابه وباء القلق والاكتئاب، والخوف من المستقبل، والفراغ الداخلي، وهي ذات الأمراض التي يعاني منها الآن جيل الشباب العربي الآن بشكل أو بآخر.

ثم ذكر لاش: (ولم يعد مواطن القرن العشرين الأمريكي يبحث عن رجال الدين أو الكهان، وإنما يسعى الآن وراء المعالجين والأطباء النفسيين. توارى الهدف الديني القديم المتمثل في الخلاص من الذنوب وأصبح الهدف الأسمى حاليًا للفرد هو السواء النفسي والسعادة الفردية)[15].

والسؤال هنا هل الصلابة أو المرونة النفسية أمر نسبي يمكن تعويد النفس عليه وتدريبها على اكتسابه، أم أنها طبيعة خِلقية لا تتغير بتغير الزمان والمكان؟

يمكننا أن ننظر إلى دراسة لطيفة حول هذه المسألة .. ففي منتصف التسعينات كانت تبلغ نسبة الأطفال الأمريكيين دون الثامنة المصابين بحساسية الفول السوداني 0.4% من إجمالي الأطفال فقط. ومنذ إعلان النسبة للعامة بدأ الأهالي في حماية أبناءهم من إطعام أبناءهم أي منتج من منتجات الفول السوداني مخافة عليهم من أضرار الحساسية.

لكن بطريقة ما لم تسعف هذه الإجراءات الأطفال، فخلال بضع سنوات، تحديدًا في 2008م تضاعفت نسبة المصابين بالحساسية ووصلت إلى 1.4% من الأطفال. لم يعلم أحد لماذا ارتفعت النسبة بهذا الشكل المفاجئ رغم الرعاية الزائدة التي ولاها الآباء والأمهات لأبناءهم؟

استمر الأهالي في منع أبنائهم من التعرض للفول السوداني منذ ولادتهم، فبالنهاية: الوقاية خير من العلاج، ووقاية الأطفال من الفول السوداني بالتأكيد سيجعلهم أكثر أماناً، أليس كذلك؟

على النقيض تمامًا، كانت وقاية الأطفال من الفول السوداني في صغرهم هو بالضبط سبب انتشار الحساسية وارتفاع نسبتها وسط الأطفال. فقد قامت دراسة LEAP بمسح على 640 طفل يبلغون من العمر أقل من سنة واحدة، وقسمت الأطفال إلى نصفين: نصف نصحت أهاليهم بتغذية أولادهم منتجات الفول السوداني، والنصف الآخر نصحت أهاليهم بمنع أطفالهم عن الفول السوداني، وظلت تتابع النتائج على مدار خمس سنوات كاملة.

كانت المفاجأة المذهلة أن نسبة الأطفال الذين أصيبوا لاحقاً بحساسية الفول السوداني في الفئة التي قامت والديها بحمايتها 17%، بينما تقلصت النسبة إلى 3% فقط في الأطفال الذين تعرضوا بشكل دائم إلى الفول السوداني. يقول أحد الباحثين في الدراسة: (التعرض للفول السوداني في الصغر سيطور مناعة قوية ضد الحساسية .. النصيحة التي تقول: جنبوا أولادكم أي شيء قد يعرضهم للحساسية في الصغر، هي نصيحة خاطئة)[16].

****

إذا انتقلنا من ميدان حساسية الفول السوداني إلى ميدان المرونة النفسية، فما الذي يجعل الإنسان أكثر عرضة للكسر وأقل ؟!

يمكننا أن نبحث عن الإجابة في ثنايا الحياة الصعبة التي عانى منها آباؤنا وأمهاتنا، فكمّ التكنولوجيا الذي سهّل معيشتنا لم يكن متوفرًا لهم حينذاك، وقد تخطوا مشقات وعقبات ربما لم يتعرض لها واحدٌ منا، ومع ذلك لم نراهم يشتكون دائمًا من قسوة الحياة وصعوبة المعيشة، بل كان هذا هو الطبيعي السائد عندهم.

فاكتشاف الطفل للحياة وتعرضه للمشاكل منذ صغره يطور لديه مقاومة نفسية، ويجعله أكثر صلابة في مواجهة الحياة. أي أننا نحتاج إلى التحديات الذهنية والضغوطات الجسدية من أجل أن نستطيع أن نستمر في الحياة، بدونها سنتدهور تمامًا.

يأتي نسيم طالب، الأستاذ بجامعة نيويورك، ليشرح لنا في كتابه: (ضد الكسر) أن الإنسان منذ صغره لديه مرونة نفسية Resilience[17] تمكّنه من التكيف مع المؤثرات الخارجية وفقاً لاستجابته لها، ويقسّم الناس إلى ثلاثة أصناف: ضعيف، وقوي، ومتين غير قابل للكسر[18]. لذلك، فإن استجابة جيل الشباب والمراهقين للضغوط قد تختلف جذريًا عن استجابة آبائهم وأمهاتهم لها، والسبب في ذلك يعود إلى التنشئة والتربية ومدى المرونة النفسية والقدرة على المقاومة والصبر على المكاره.

وفي هذا الأمر تقول جين توينج: (أظهرت العديد من الدراسات لتطور المخ ان القشرة الأمامية Frontal Cortex، وهي منطقه المخ المسؤولة عن الحكم وصنع القرار، لا تكمل تطورها حتى سن 25 عامًا. هذا الأمر أفرز فكرة أن المراهقين ليسوا على استعداد ليكبروا وبالتالي يحتاجون إلى مزيد من الحماية لفترة أطول. ومن المثير للاهتمام أن تفسير هذه الدراسات يبدو أنه تجاهل الحقيقة الأساسية لبحوث الدماغ: أن المخ يتغير على أساس الخبرة.

ربما يملك المراهقون والشباب الصغير اليوم قشرة أمامية غير مكتملة النمو بعد بالفعل، لأنهم لم يُعطوا مسؤوليات الكبار. لو كانت الماسحات الدماغية موجودة في عام 1980م، أتساءل كيف كانت النتائج ستظهر لجيل كان يبدأ العمل وهو ذو  18 عامًا، ويتزوج وهو ابن 21 عامًا، ويصبح لديه أطفال بعد فترة وجيزة؟)[19].

ومعنى الكلام أن المرء منا إذا درب نفسه على تحمل المشاق والمسؤولية، وخوض غمار الحياة، ومكابدة معاناة المعيشة، استطاع أن يهذب نفسه أمام التحديات التي يقابلها.

فعضلاتنا النفسية تكبر مع التغلب على التحديات النفسية، فمصاعب الحياة تضيف إلى رصيد إدراكك بواقع الحياة، فتحسن من مهاراتك الاجتماعية، وتضيف إلى خبرتك في التعامل مع المشاكل، وإدارة الوقت، وتنظيم الأولويات، وترتيب حياتك، الأمر الذي يؤهلك للنضج النفسي، لتكون مستعدًا بشكل أكفأ لطبيعة مرحلة الرشد[20].

أما الانفصال عن واقع مكابدة الحياة فلا يُربّي إلا جيلًا هشا، ً يخاف من خوض غمار الحياة، كما أشار الداعية محمد الغليظ في أحد دروسه: (فأما الولد -أو الفتاة-الذي يربى على حياة خالية من المسؤوليات، فلا عضلات إرادية لديه، إرادته ضعيفة فلا يستطيع مجاهدة نفسه، لأن تربيته كانت مشوهة، فأي حزن يكسره، لأنه نفسيًا ضعيف، لا يتحمل الحزن ولا صراعات الحياة، وغاية نجاحه أن يعيش في حياة مستقرة لا صدمات فيها ولا صراع ولا مواجهة)[21].

انطلاقاً من هذه النقطة نادت الكاتبة الأسترالية كارين فاريس بتدريب أنفسنا على المرونة النفسية، وتذكر أن هذا الأمر له عدة فوائد إذا حققناه وثابرنا عليه، ومن الفوائد التي ذكرتها فاريس:

  1. تحسن صحتنا النفسية والذهنية.
  2. تحسن الأداء الإدراكي المعرفي.
  3. الحفاظ على الهدوء الداخلي في المواقف المجهدة.
  4. النظر إلى الحياة على أنها سلسلة من التحديات لا المشاكل.
  5. الاستقرار في مواجهة الأزمات.
  6. القدرة على الثبات والازدهار في حالات الضغط المستمر.
  7. القدرة علي الارتداد إلى الوراء والتعافي بسرعة من الانتكاسات.
  8. أخذ العبرة من الإخفاقات والنكسات التي تعتبر فرصًا للتعلم[22].

هنا يمكننا النظر إلى حديث النبي ﷺ: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم)[23]، والذي يضيف إليه البعض عبارة: (وإنما الصبر بالتصبر). والمقصود أن الإنسان ينبغي أن يحمل نفسه على تحمل المشاق، وركوب الأهوال وتجاوز المشاكل.

وقد علَّقَ الإمام الغزاليّ -رحمه الله- في كتابه إحياء علوم الدين، تعليقاً لطيفًا على هذه النقطة، نختم به مقالنا، ذاكرًا بأن كل إنسان يمكنه أن يغير من نفسه بالفعل، فقال:

(لَوْ كَانَتِ الْأَخْلَاقُ لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتِ الْوَصَايَا وَالْمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ وَلَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ (حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ)! وَكَيْفَ يُنْكَرُ هَذَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَغْيِيرُ خُلُقِ الْبَهِيمَةِ مُمْكِنٌ إِذْ يُنْقَلُ الْبَازِي مِنَ الِاسْتِيحَاشِ إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، وَالْفَرَسُ مِنَ الْجِمَاحِ إِلَى السَّلَاسَةِ وَالِانْقِيَادِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلْأَخْلَاقِ)[24].

اقرأ ايضاً: الحلوى القاتلة


[1] Jane Morris, Teacher Misery: Helicopter Parents, Special Snowflakes & Other Bullshit.

[2] Claire Fox, I Find That Offensive.

[3]  Claire Fox, I Find That Offensive.

[4] Jean Twenge, iGen: Why Today’s Super-Connected Kids Are Growing Up Less Rebellious, More Tolerant, Less Happy—and Completely Unprepared for Adulthood—and What That Means for the Rest of Us.

[5] Claire Fox, I Find That Offensive.

[6] على وسائل التواصل الاجتماعي، يطلق الكبار مصطلح Snowflakes على الصغار للاستهزاء بهشاشتهم وتفاهتم، فيرد الصغار عليهم بمصطلح Boomers وهو عنوان جيل الكبار لكنهم أصبحوا يستخدمونه كوصم وسخرية من شيخوختهم وضيق أفقهم، ومع تأزم العالم بسبب فيروس كورونا المستجد، سمى المراهقون الفيروس Boomer Sweeper أي حاذف العواجيز للسخرية من كبار السن.

[7] انظر: Dan Kiley, The Peter Pan Syndrome: Men Who Have Never Grown Up.

[8] السلسلة الصحيحة، للألباني.

[9] Claire Fox, I Find That Offensive.

[10] http://www.phdinparenting.com/blog/2009/9/26/dont-judge-me.html

[11] Brian Underwood, “Don’t judge” Mentality is Toxic to Society.

[12] أبو الفرج ابن قدامة، مختصر منهاج القاصدين.

[13] Jason Cruise, Accountability In A Culture Of “Don’t Judge Me.”

[14] علاء عبد الحميد، حديث نفس: خواطر في معرفة النفس.

[15] Christopher Lasch, The Culture of Narcissism.

[16] Greg Lukianoff, Jonathan Haidt, The Coddling of the American Mind: How Good Intentions and Bad Ideas Are Setting Up a Generation For Failure, (New York: Penguin Press, 2018).

[17] يختلف المختصون والأكاديميون حول ترجمة مصطلح Resilience، والذي يعني قدرة الإنسان على التعافي والتكيف وتجاوز الآثار السلبية للضغوط ورجوعه إلى حالته الطبيعية، بين لفظ (مرونة نفسية) و (صلابة نفسية). في هذا الكتاب سأستخدم مصطلح المرونة النفسية كترجمة لمصطلح Resilience.

[18] Nassim Taleb, Antifragile: Things That Gain from Disorder.

[19] Jean Twinge, iGen.

[20] Jean Twinge, iGen.

[21] محمد الغليظ، من بره ملتزم ومن جوه خرابة، https://www.youtube.com/watch?v=8QDTrdvCDtA

[22] Karen Ferris, How to Be Resilient in a Culture of Constant Change.

[23] رواه الطبراني.

[24] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. المقال رائع جداً، تمنيت لو تعرض الكاتب حول نقطة تأثير هذا الجيل في من يعمل معهم ..
    فقد لاحظت أن هذه الهشاشة طالت حتى بعض الأجيال السابقة ..

  2. منبهر بهذه المقالة
    الفكرية التربوية النفسية الاجتماعية
    إثراء كبير في أسلوب العرض والخاتمة
    ابدأ بنفسك أياً كانت حالتك، واستثمر المعلومة لإصلاح وضع الآخرين وتفادي تكوين المشكلة لديهم، أبناء إخوة أو طلبة

    ملحوظتي فقط حول أن هذه الحالة انفجار لما بدأ يتشكل مع الطفرات في مجتمعاتنا أي امتداد لما كان يحصل مع أجيال السبعينات الميلادية، وليست حديثة بهذا الشكل الذي يصوره الكاتب.

  3. المقاله جت في وقتها لي فتره افكر ليش الجيل الجديد حساس وفيه أنانيه ألاحظها بعيال اختي مواليد ٢٠٠٣ وتحت فعلا يبي لهم تعويد على المسؤوليه والصبر ، الاهالي يخربون بالدلال هذا اللي يخليلهم يحسبون كل شي ضروري لهم وطلباتهم مجابه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق