عام

محلل نفسي: خذوا الحياة ببساطة

  • جوان أكوسيلا*
  • ترجمة: فاطمة مصطفى
  • تحرير: محمد عفيفي

آدم فيليبس (كاتبٌ ومحللٌ نفسي بريطاني)، اشتُهرَ بمحاربته للنظرة المعاصرة التي تدفع الجميع للكفاح حتى نُحققَ ذواتنا، ونثبت قدراتنا الكامنة. كان هذا الموضوع الرئيس في كتابه الجديد (تفويت الفرص: في مدح الحياة الناقصة).

فعِوضًا عن الإحساس بأننا مُلزمون بالحصول على حياة أفضل، يقول فيليبس: علينا أن نعيش الحياة التي أمامنا ببساطة وبأقصى درجة ممكنة من الرضا؛ وإلا كان سعينا إلى عيشٍ مَرير. ما الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه بمقدورنا الدخول في منافسة شرسة؟ ومع ذلك، نجلس في ظلمة الليل نفكر في الأمر ونأسى على استحالة الحصول على حياة أفضل. يقول فيليبس: “تصبح حياتنا متمحورة حول ما هو مستحيل، لتصير رثاءً مطوّلًا لحياةٍ لم نستطع تذوقها.”

يبدو أن فيليبس ليس لديه ما يُرثى له في حياته. انضم لطاقم مستشفى (تشارينج كروس) في لندن بعد فترةٍ وجيزةٍ من إنهاء دراسته في التحليل النفسي، وكان كبير الأطباء النفسيين للأطفال هناك، لعشرِ سنوات تقريبًا، قبل أن يستقيل ويفتتح عيادته الخاصة في مكتبٍ واسعٍ ومشمسٍ في (نوتينغ هيل).

يُمكننا وصف فيليبس بأنه من فئة الـ “هيبستر”، حيث يميل لارتداء الملابس الداكنة والأحذية المدببة ولا يُسرح شعره أبدًا، مُتطاير دائمًا في كل اتجاه دون اكتراث. لديه رفيقة ناجحة وحسنة المظهر تُدعَى (جوديث كلارك) تعمل في حفظ الأزياء التاريخية. -كان فيليبس على علاقة مع امرأة أخرى قبل (كلارك)، ناجحة وجميلة أيضًا وهي؛ الكاتبة النسوية (جاكلين روز)- ومن هاتين العلاقتين أنجب فيليبس ثلاثة أبناء.

ينتمي فيليبس للحزب اليساري، ومن بين الأوصاف الكثيرة التي يقذفه بها زملاؤه المحللين؛ الجشع أولها. ففي العام (2003) قال لــ (دافني ميركن) “كاتبة في مجلة التايمز”: أنه يأخذ أجرةً عن الجلسة العلاجية الواحدة يصل إلى 75 دولارًا. لا شك أنه يجني باقي ثروته من العوائد الأدبية؛ ففي عُمْر الثامنة والخمسين قام بنشر سبعة عشر كتابًا، بالإضافة إلى تحرير آخرين. ومن وقتٍ لآخر يكتب لمجلة (Three-Penny Review) ولمجلة (London Review). باختصار؛ إنه عجلة إنتاج لا تتوقف أيًا ما كانت جودة ما ينتجه. يقول فيليبس أنه لا يضع للأمر اعتبارات كثيرة.

في مرةٍ حضرتُ مقابلة أجراها (بول هولدينجرايبر: مخرج سلسلة محاضرات مكتبة نيويورك العامة) مع فيليبس. فسأله هودلينجرابر؛ عن تجربته في الكتابة. فأجاب فيليبس؛ أن الأمر سهلٌ بالنسبة إليه؛ ففي حال شعَر أنه عالقٌ أو أمام طريق مسدود خلال العمل على نصٍ ما؛ فإنه لا يتشبث بما كتب ويرميه في القمامة. بمعنًى آخر؛ فأسلوبه في العمل يميل إلى الاسترخاء، وحتى الغرابة بطريقةٍ ما. كما أنه لا يعتقد أنه مُلزَمٌ بكتابة كُتبه وحده؛ فمن بين الكتب الستة الأخيرة التي نشرها؛ ثلاثة منهم ألّفها بالتعاون مع كُتّابٍ آخرين.

وأخيرًا؛ لا يشعر بأنه مُلزمٌ بالكتابة في مجال التحليل النفسي فقط. ففي العام (2010) نشر كتابًا مع (جوديث كلارك)، بعنوان: “معجم الأزياء المختصر”؛ أغلبه صورٌ فوتوغرافية لأعمالِ (كلارك) في متحف (فيكتوريا آند آلبرت). وقد ألّفا معًا كتاب “حِكَم فيليبس”. لكنه ما إن يؤلف الكتابَ وحده عن التحليل النفسي؛ لا يشعر بأن عليه كتابة كتابٍ كاملٍ. فسّرَ ذلك بقوله؛ أنه يكتب بضع مقالات، ونظرًا لأنه كتبها في نفس الوقت فإنه يثق بأنها مترابطة في موضوعاتها، ثم ينشرها سوية في مجلد واحد. تُسوَّق بعض كتبه باعتبارها مجموعة مقالات، ويَصدُق هذا الاعتبار على معظم مؤلفاته.

في كتابه “تفويت الفرص” يطنب فيليبس في الحديث عن (أوثيلو والملك لير)، وليس فقط عن تفويت الفرص، بل يُضيف أيضًا قطعة طويلة من محاضرة ألقاها عام (2011) في (أكاديمية بروكلين الموسيقية) عن الأسلوب المسرحي في تصوير الجنون؛ يناقش فيليبس أي موضوع يريد، ولا يتوقف عند أي حد.

عَنوَن الفصل الأول من كتابه “تفويت الفرص”؛ (الإحباط). إذ يمدح فيه فيليبس هذا الشعور. فعندما يشعر أحدٌ بالإحباط نرى حقيقتهم الإنسانية، لأن الإحباط الذي نحسه مصدره الناس؛ فالإحباط يجعل الواقع أوضح في نظرنا بلا شك، خذ الحب على سبيل المثال:

“هناك فرق شاسع بين الشهوة والرومانسية، وأن تكون فعلًا في علاقة مع شخص ما؛ العلاقات تتطلب الجهد ولا تكون أبدًا كما نَأمُل أو نتوقع. وبهذا نكون أمام ثلاثة أنواع متتالية من الإحباط؛ الإحباط من الحاجة، الإحباط من فشل الرضا المتخيَل لإسعادنا، والإحباط الناتج عن تصادم الرضا الخيالي والرضا الذي حصُلنا عليه، حتى وإن مُرضيًا.”

يؤكد لنا فيليبس أن الرضا الواقعي حقيقي، وأن الشعور به ممكن. ولكنه مثل الكثير من المحللين النفسيين لا ينشغل بالتفكير في احتمالات مكامن هذا الرضا. استنتاجاته دائمًا ما تبدو متشائمة، لكن المحللون النفسيون لم يتعاهدوا على المستحيل؛ كنسج خيوط الحرير من القش، ولكن ربما من الصوف!

يمتد النقاش في هذه النقطة للفصل الذي يليه -وهو الأفضل- “حين لا تحصل على مُبتغاك”. يدّعي فيليبس في هذا الفصل أنه يُستحسَن للإنسان ألا يفهم نفسه أو غيره. إن كانت توصية فيليبس للشعور بالإحباط، أو نقده لحركة “الإمكانات البشرية”، صادمة، فهذا التشكيك في أهمية فهم الانسان لنفسه أو غيره يتعارض كليًا مع قيم التحليل النفسي الأورثوذكسية. لكن على ما يبدو فإن ذلك لا يقلق فيليبس “قد يكون الفهم نشاطًا جماعيًا نخوضه سويًا، نشاطًا مُسليًا وفاتنًا بطريقة غريبة. لكنه قد يكون محدودًا أيضًا وذا تأثير مرتد.”

لا شك أن عملية الفهم -سواء فهمك لنفسك أو فهمك للآخرين- لا تخلو من المخاطر. “التوهم بمعرفة شخصٍ ما يخلق احتمالية، أو حرية عدم معرفتهم حق المعرفة. وبسبب جهلنا بهم نرتكب في حقهم أفعالًا شتى.” ويقصد احتمال الإساءة إليهم بناءً على معرفتنا المزعومة.

لكن الخلل الذي يشير إليه فيليبس هي رغبتنا بأن نُفهَم؛ “قد تكون هذه الرغبة أعنف صور الحنين للماضي”؛ حيث تحيي فينا رغبتنا الطفولية لأن تأتي الأم فورًا في نفس اللحظة التي نصرخ فيها من الألم أو الجوع. كان فيليبس طالب أدب حتى أغرته كتابات (دونالد وينيكوت) فغيّر تخصصه للتحليل النفسي. كان (وينيكوت) سيوكولوجيًّا إنجليزيًا مختصًا في الأطفال في منتصف القرن العشرين. واحدةٌ من إسهامات (وينيكوت) في مجال التحليل النفسي كانت مفهوم “الأم الجيدة”؛ وهي التي تستجيب لاحتياجات طفلها فورًا في أحيان، وتتأخر في أحيان أخرى. وهي فكرةٌ معمول بها، فهذا حال معظم الأمهات، وهنا سرّ روعة هذه الفكرة التي تُقدس الأمومة؛ فأغلب هؤلاء الأمهات لديهن أطفال آخرين ليعتنوا بهم، بالإضافة إلى مهمة إعداد وجبة العشاء. أعتقد أن فيليبس يرى أن مفهوم (وينيكوت) هو الأفضل، وليس فقط “جيدًا”؛ لأنه يخبرنا الحقيقة: في بعض الأحيان سنشعر بالرضا وفي أخرى سنشعر بالإحباط.

نحتاج أن نؤكد على عبارة “في بعض الأحيان”، فالرضا على الدوام ليس شعورًا واقعيًا؛ وإن لزمنا الإصرار على أن نُفهَم طوال الوقت “في أي حالٍ” فهذا أننا دائمًا في غضب مستمر؟.

من وجهة نظر فيليبس، فمهمة الوصول لأن نُفهَم لا تعتبر إهانة للصحة العاطفية وحسب؛ بل خللٌ في الفكر والإدراك؛ “بحماقةٍ نعتقد أننا نملك معرفة بتجاربٍ لم نخضها أكثر من معرفتنا بالتجارب المألوفة لنا”، في أرض الخيال العجيبة لا وجود لمعيارٍ يقيس “تأثير قلة التجارب”، والقناعة التي تترسخ فينا بمعرفتنا بأمور كثيرة رغم أننا لم نقم بأي شيء. (بعد قراءة د. هـ. لورنس في المراهقة ظننت أن لا أحد لديه علمٌ بعلاقة المرأة والرجل أكثر مني)؛ ولكن خلف هذا الكم من الغطرسة حقائق سيكون تجاهلها حماقة:

“أيًا يكن ما عرفناه عن أنفسنا أو عن غيرنا، لا شيء يمكنه أن يحل مشكلة وجود أناس آخرين، أو يغير حقيقة كوننا نعتمد عليهم كليًا … ليس هنالك ما يُعرَف غير هذه الحقيقة، وكل ما نعرفه أو ندعي معرفته أو ما علينا معرفته أو ما لا نعرفه يُعتبر امتدادًا من هذه الحقيقة.”

عند هذه النقطة نكون قد دخلنا لموضوع الوجودية: “الآخر هو الجحيم”

يبدو أن فيليبس، مثل (سارتر) (وكامو)، يؤمن بفكرة أن الحياة التي تعيشها هي نتاج اختياراتك أو على الأقل أنت مسؤول عنها، ولم يُرغمك أحدٌ عليها. ثم يستشهد بـ (راندال جاريل)، الذي كان موضوع دراسة فيليبس الأدبية قبل أن يتحوّل لدراسة التحليل النفسي “معنى الحياة يكمن في تفويتنا لها.”

في هذه الحياة التي لا يفهم فيها الناس بعضهم البعض؛ كل شيء يبدو جافًا وباردًا، فيطرح فيليبس فكرة “الحياة الجيدة” كنوعٍ من التعويض. لا أظن أن فيليبس متعاطفٌ مع الأمر، فهو لا يرى رابطًا حقيقيًا بين الناس يمكننا إدراكه، لكن في وسعنا تعزية مَن يَهُمُنا أمرَهم بتركهم وشأنهم، وألا نطلَب منهم أن يبرروا أنفسهم أو أفعالهم. لمّح (ريلكه – Rilke) لأمرٍ مشابه في رسالة قال فيها: “أرى أن هذه أنبل مهمةٍ في أي علاقة بين شخصين: حين يقوم كلاهما بحماية عزلةِ الآخر.” إلا أن فيليبس يرى أن “الطيبة” صفة عفا عليها الزمن، بل تعتبر الآن “فضيلة الفاشلين” ويرى أنه علينا إعادة تعريف “الطيبة.”

 يحب فيليبسُ (فرويد) ويستشهد بكلامه كثيرًا. لكن حين يتكلم هو عن فرويد لا يبدو كـ (سيغموند فرويد) الذي نعرفه نحن، فهو أقرب منه لآدم فيليبس. حسب المقال الجديد الذي كتبه فيليبس في مجلة (Threepenny Review)، فإن فرويد لم يكن متزمتًا ولا دوغمائيًا، ولم يَسن القوانين، ولم يحاول حتى أن يطرح التحليل النفسي كواحد من فروع العلم.

أما بالنسبة للالتباس الشائع أن فرويد يعتقد أن علاج الاضطرابات العصبية ممكنٌ من خلال فهم العقد المكبوتة؛ يجيب فيليبس أن فرويد لم يصرّح بذلك أبدًا. على النقيض تمامًا، نوع العلاج النفسي الذي اخترعه فرويد كان “يفصل الشخص عن رغبته بأن يفهمه الآخرين أو العكس؛ فأفضل طريقة لقراءة مؤلفات فرويد هي قراءتها باعتبارها مرثاة لانجلاء الحياة. لنفهم حياتنا، لنتحرر، وليس لمجرد جعلها تسلسلًا منطقي للأحداث.”

على حد علمي، فغالبية هذا الكلام غير صحيح أبدًا، لكن بطريقةٍ ما قد يبدو أصح من غيره. قامت (دار بينغوين للنشر والتوزيع) بتوكيل فيليبس بمهمة الإشراف على الترجمة الجديدة لأعمال فرويد. ستكون النسخة الإنجليزية الأولى منذ أن ترجمها (جيمس ستراكي) في أربعة وعشرين مجلدًا (1974- 1953)، وظلت تلك الترجمة مقدسة بصفتها النسخة المعتمدة. تذمر بعض الناس من ترجمة (ستراكي) فوصفوها بالجمود والمبالغة في الطرح العلمي، حيث تطرح الفرضيات على أنها قوانين. أما نسخة فيليبس في مجلداتها السبعة عشر (2006- 2002) ستُغيّر ذلك؛ فقد اختار فريقًا من  المترجمين من خارج مجال التحليل النفسي (من الفلسفة والأدب… إلخ)؛ بل بعضهم لم يقرأ أعمال فرويد من قبل، ففيليبس لا يتحدث الألمانية ومن الطبيعي أنه لم يستطع التحقق من جودة الترجمة.

غالبية عمله في إصلاح وتحرير مؤلفات فرويد قد تمَّ خلال كتابات فيليبس الخاصة؛ بشكلٍ عام: إذا استطاع أن يربط بين رأي سديد وفكر فرويد= يقول أن ذلك الرأي كان جزءًا من رؤية فرويد، وإن لم يستطع ربط الرأي بفرويد -أو حين يكون الرأي محل شك- يكون ذلك الرأي جزءًا من رؤية التحليل النفسي عامة، والذي تطور ونما -بصحيحه وباطله- من تعاليم فرويد. هذا ما قاله فيليبس عن وجوب كون التحليل النفسي حدسيًا: “الأمر الوحيد المحرم على الطبيب النفسي هو أن يبالغ في اعتقاده أنه يعرف تمامًا ماذا يفعل”، صدقني عزيزي القارئ حين أقول لك إن طبيب الأعصاب النمساوي المتخفي خلف سيجاره ويتقلد لقب المحلل لا يعرف تمامًا ماذا يفعل.

بعد كل هذا الإصرار قد يشعر فيليبس أنه واقفٌ على أرض مهزوزة. فدعوته لنا لرؤية (فرويد) كفيلسوف قد تكون مناورةً حذِقة. كان لـ (فرويد) الكثير من الأفكار، ومعظمها ظلت مؤثرة بشكل كبير قرابة النصف قرن، ولكن هل من العدل أن نتوقع ألا يخطئ الفيلسوف أبدًا؟ هذا الأسلوب يسمح لفيليبس بتحاشي منتقدي فرويد الذين تكاثرت أعدادهم اليوم. يقول فيليبس أن انتقادهم لا علاقة له أصلًا بالموضوع الرئيس -رؤية فرويد- خاصةً أن معظمهم يعتمدون في انتقادهم على عيوب فرويد الشخصية؛ كتعاطيه للمخدرات وأكاذيبه. ويقدمونها كأدلة تثبت فداحة منهجه كاملًا. لكن في الحقيقة أن هناك مجموعة من الباحثين المحترمين قاموا بمراجعة مبادئ (فرويد) الأساسية بعيدًا عن شخصيته، {انظر في “فرويد بدون مواربة: مشككون في مواجهة أسطورة.” 1998، قام بتحريره (فريدريك كروز)، قائد الحزب المعادي للفرويدية.}

يستفسر فيليبس بحدة ويعرب عن رغبته في معرفة نوع العلاج البديل الذي يوصي به هؤلاء النقاد، ولماذا.؟ سيسعد القارئ حين يرى فيليبس منزعجًا، فهو دائمًا ما يبالغ في موضوعيته ليكون عادلًا، وقد يكون هذا مزعجًا ومرهقًا بعض الشيء.

تعالي فيليبس على منتقدي الفرويدية لم يُساعد في تحسين سمعته بينهم، وبالمثل أيضًا ففيليبس لا يتمتع بشعبيةٍ بين الفرويديين، فهم يشعرون أن محاولات فيليبس لإنقاذ فرويد قد شوشت مبادئ هذا الرجل العظيم وجعلتها غير واضحة، وبهذا يكون قد حطَّ من شأنها، ولا يمكننا أن نلومهم على إحساسهم.

“عندما يقضي المحللون النفسيين وقتًا طويلًا معًا، شيئًا فشيئًا يبدؤون بالاعتقاد بفاعلية التحليل النفسي.”

كَتبَ فيليبس في “المخاوف والخبراء” (1995): “أسلوبهم في الحديث يتغير، وكأنه نابعٌ من معرفة عميقة وثابتة، يصبحون كأعضاء طائفةٍ متشددة، وكأنهم فهموا شيئًا خفيًا. بمعنىً آخر، ينسون أنهم يقصون حكاية عن حكايات أخرى.”

وقال أيضًا في نفس الكتاب: “التحليل النفسي هو البداية فقط لجذب انتباه الناس والحصول على اهتمامهم، ومن ثَم يتلقى الهجمات الفذّة، والتحليل النفسي في أمس الحاجة لمثل هذه الهجمات.”

منذ أن كتب هذا التصريح والتحليل النفسي يتلقى هجمات من منتقدي الفرويدية. بالرغم من أن فيليبس يتجاهلهم إلا أن طريقته في الكلام تشبه طريقتهم، مما يخلق تناقضًا ماتعًا لفيليبس بلا شك.

الأمر الوحيد الذي يرتاح فيه فيليبس ويصبح فيه سهلًا مرنًا هو أسلوبه في الكتابة. يمكنك أن تلاحظ ولعه بالعناوين الطريفة في أوئل كتبه “التقبيل والدغدغة والشعور بالملل” (1993)، “الوحش في الحضانة” (1998). كتابه عن (الأزياء) هو الوحيد الذي كُتب بالكامل باستخدام الأمثال والحِكَم. “التزاوج الأحادي” (1996)، (وقد كان الجمهور يترقب صدور هذا الأخير، فالجميع أراد أن يعرف ما إذا كان فيليبس يؤيد الأحادية أم أنه ضدها). ولكنه كان عبارة عن سلسلة من الأفكار الخفيفة؛ إما مجموعة بسيطة أو فكرة واحدة فقط في كل صفحة. فكل ما كتبه -مثلًا_ كتبه في صفحة (56): “معظم الخيانات في حقيقتها ليست خبيثة؛ وإنما فقط تبدو كذلك.”

أكثر الأساليب المحببة لدى فيليبس هي التورية؛ يعكس الكلمات، ويطنب في الحديث، ويستخدم الجناس والسجع والمقابلة والتناقض. لا يتورع عن استخدام أيٍ منها إن أمكن. “الحياة التي لم نجربها تستحق دون شك أن نعيشها، لكن هل تستحق الحياة التي لم نعشها التجربة؟” كانت هذه الجملة الأولى في كتابه “تفويت الفرص”. التكرار هو أسلوبه المفضل، يعشقه أكثر من (آلان بو) نفسه. في جملةٍ أخرى من نفس الكتاب يُخبُرنا فيها؛ كيف حفّز داروين حركة “الإمكانات البشرية” من خلال إفساد الدين.

“إذا ما استبدلنا وعد الخلود بالوعد بحياة أطول -أي الوعد بحياة مليئة بتفاصيل أكثر- يصبح الوعد هاجسًا لحياةٍ لا يدفعنا إليها إلا الرغبة الملحة لعيشها.”[1]

في هذه الجملة فقط استخدم كلمة “وعد” أربع مرات، و “الحياة/العيش” أربع مرات. قد يكون هذا مسليًا، ولكنه شديد التكلف أيضًا؛ وإذا أضيف إليهم نفس الإيقاع ستصاب بالدوار وستتوقف عن البحث عن المعنى.

“الرهاب الحقيقي الوحيد هو الرهاب من معرفة المرء نفسه”،

“الدين هو نضال العبد لئلا يكون ربًا.”،

“الأم معرضة لاستشعار حاجة طفلها بنفس درجة استشعار الطفل لحاجته.”

تنظر إلى هذه العبارات وتقول في نفسك “تبدو الفكرة مثيرة، سأتمعن فيها لاحقًا.” وعندما يحين وقت التفكر تجد أن هذا الكلام لا يحمل شيئًا من الصحة. وإذا تقدمنا في الكتاب وتعمقنا فيه أكثر تصبح هذه التكرارات زلِقةً في معانيها.

في “تفويت الفرص”؛ الحصول على الشيء -وهو عكس تضييع الفرصة-، يشير لمفهومٍ معين في فصل ما، وفي فصل آخر يتحول هذا المعنى لمفهومٍ مختلف تمامًا. هكذا تُنَظمُ الكتب المقالية، وبإمكانه ربط المقالات ببعضها عن طريق التورية.

دائرة المراجع الخاصة بفيليبس واسعةٌ ومتنوعةٌ جدًا، ولذلك دور كبير في إضفاء البهرجة لكتبه؛ ففي مقدمة كتاب “تفويت الفرص” يستشهد بـ (داروين) و(كامو) و(ويليام إيمبسون) و(راندال جيرال)، و(فرويد) بالطبع. البعض يصفه بـ(الفيلسوف الأخلاقي) باعتبار خلفيته عن التحليل النفسي عِوضًا عن (كاتب) في موضوع التحليل النفسي، والبعض يراه كـ(ناقدٍ أدبي)، وهو كذلك (أستاذ زائر لقسم اللغة الإنجليزية) في جامعة نيويورك.

ومع هذا كله يتحاشى فيليبس أن يدّعي امتلاك أي نوعٍ من التأثير في المقابلات. في حديثٍ له مع (N.Y.P.L)، طرح عليه المُقابِل سؤالًا عن شيءٍ كتبه فيليبس، فردَّ أنه لا يملك جوابًا: “أتركُ الكثير من الأمور التي لا علم لي فيها فلست أدري كيف أفكر فيها.” أصدِق نصف هذا التواضع وأكذّب نصفه الآخر. فقد قال فيليبس مرارًا وتكرارًا أن مشكلة التحليل النفسي الرئيسة هي بلادة أسلوبهم في الكتابة، وهذا صحيح بالفعل، ولهذا عليك أن تثني على فيليبس نظرًا لتحقيقه إنجاز تأليف كتابٍ يمكن للجميع قراءته بسهولة. كما أنها قصيرة، معظمها 200 صفحة تقريبًا، وبعض الناس يجدون استخدامه للتورية وأسلوبه النثري يصّعب عملية القراءة.

لكنه يستعرض بلا شك، فمهاراته اللغوية مبنية على أسس قوية، فمثلًا حبه للمواجهة ناتجٌ عن كرهه للتزييف والنفاق، والمبالغة في التورية في حقيقة الأمر هي تفادٍ لحسم الأمور، لجعل المعاني مفتوحة وواسعة، فما يجعل الكتابة عن التحليل النفسي أمرا صعبا هو الدوغمائية، وإطلاق القوانين حول الأمور التي لا يوجد دعم من الأدلة لها، ناهيك عن الفطرة السليمة.

تثير بعض كتب المحللين القدامى الضحك وقد تكون كوميدية بطريقةٍ ما، لذا إن كانت كتب فيليبس مزعجةً في بعض الأوقات، إلا أنها في الوقت نفسه تعويضٌ عن رداءة أسلوب سابقيه. وإن أصرّ على التواضع، حتى أنه ألّف كتابًا يتماشى مع معتقداته الأخرى بعنوان “الأقران” (2002).

قد تكون عادته في التراجع والتواضع هي أكبر مساهماته في الساحة. بعض توصياته واضحة البطلان وفاسدة في بعض الأحيان؛ مثل ادعاءه أن علينا أن نتوقف عن محاولة تحسين حياتنا. لم أعرف في حياتي شخصًا استقال من وظيفته أو طلب الطلاق وشعر بعدها أنه قد ارتكب خطأ جسيمًا، لكن فيليبس يهاجم فكرة التحسين وينتظر منك الشكر على التنوير. لديه فكرة  أخرى مشابهة وهي أن الإنسان عليه أن يستسلم ويعدِل عن الإصرار على فهم ذاته. قد يبدو هذا الكلام ضربًا من الجنون، ولكن ألا نُعجب بالأشخاص الذين يمضون في حياتهم دون أن يُساءلوا أنفسهم لم فعلنا ذاك أو قلنا هذا؟

أشعر أيضًا أن حجة فيليبس هذه ليست مجرد اعتراض على أوهامنا وإنما للمحللين النفسيين الذين يعتقدون أنهم عارفين بكل شيء. في كتابه “المخاوف والخبراء” وصفهم  بأصحاب النظرة الثاقبة، الذين يعتقدون أنهم يعرفون أفكارك الخاصة أكثر منك، مستعدون دائمًا لاتهامك بالدفاع عن نفسك فقط إن اعترضت على أي شيء، عوضًا عن ذلك يرى فيليبس أن التحليل النفسي يجب أن يكون في شكل محادثة مثيرة وليس استجوابًا.

وهكذا ننتهي أمام رؤية فيليبس عن كيفية عيش الحياة. فهو يرى اليقين والسؤال المؤدي إليه، وما يفصلنا عنه كالعلاقة المادية بالواقع التي نمت مع الطفولة؛ ملمس الأسطح، الألوان، إيقاع الأصوات؛ فقد عالَج فيليبس الأطفال لسنوات ويظهر أنه تعلم منهم الكثير.

(أستطيع سماعه يحادث نفسه بين السطور: “ماذا لو أدخلت هذا القلم في أنفي؟”) يريدنا أن نكون طفوليين، بطريقة ما، قبل تطوير أخلاقنا. إنه يريد منا أن نكون أكثر تأثرًا وفضولًا وسذاجة، وهذه ليست فلسفة حياة تهز العالم. إنه متواضع جدًا، ولكنه في نفس الوقت كثيرًا ما يتصنع التواضع


  • جوان أكوسيلا ناقدة وكاتبة في نيويوركر منذ عام 1995. وقد كتبت عن الرقص والأدب والفنون لمجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس ​​وتايمز بوك ريفيو والفن في أمريكا وملحق التايمز الأدبي. حصلت على جوائز من الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب، ودائرة نقاد الكتب في نيويورك، ومؤتمر الأبحاث في الرقص، وجمعية التحليل النفسي الأمريكية.

[1] – هكذا العبارة في الأصل، والغموض فيها مقصود. -الإشراف.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى