عام

متلازمة بروكريستوس: أنت رائع، ما لم تكن أفضل مني!

  • نشر: ExploringYourMind
  • ترجمة: عبد الرحمن فتحي
  • تحرير: محمد عبيدة

تشير متلازمة بروكريستوس إلى سلوك معين من الأشخاص، عندما يواجهون آخرين أعلى مهارة منهم، أو أكثر موهبة، فيمارسون حينها أشكالًا من الحقد عليهم أو يقومون بمضايقتهم.

إنهم أشخاص لا يحرزون أي تقدم، ولا يتركون الآخرين يحرزون تقدما في الوقت نفسه! غاضبون، متكبرون، يرون لأنفسهم مكانة أكبر مما هي عليه، وتجدهم في كل مكان حولنا.

ربما يتبادر إلى أذهاننا اسم بنفس الصفات، فمن الجيد أن نضيف أن هذه الشخصية الكاريكاتورية –الحقيقية  للأسف – لم يكن من المفاجئ أن تُلهم العديد من الروائيين والحبكات الدرامية في الكتب والأفلام،

فهم على سبيل المثال الخصوم الكلاسيكيون لنا في أماكن العمل والفصول الدراسية والأسرة، فنحن نتحدث الآن عن من هو أكثر من مجرد “متسلق”…

 

“بروكريستوس: إن كنت أطول من اللازم، سأقطع قدميك. وإذا أثبتّ أنك أفضل مني، سأقطع رأسك!”

-أسطورة يونانية-[1]

 

وعلى الرغم من أن هذه المتلازمة لا  توجد في أي دليل تشخيصي وليس لها سند طبي، إلا أنها تحيط بما يعرّفه علماء النفس باسم “سلوك الرفض العصابي” elbowing out behavior” “، ويعني التخلص من أكثر الأشخاص ألمعية على نحو عدائي، وقطع دابر أكثر الناس ذكاءً، انطلاقا من التعصب المحض والغرور؛ لأنه –في نظر هؤلاء- ليس هناك ما هو أسوء من أن يتفوق عليهم الآخرون بأي حال من الأحوال ولو بخطوة واحدة.

 

أسطورة بروكريستوس:

بالرغم من أن تلك الأسطورة لم تحظ بقدر كاف من الشهرة، إلا أنها بلا شك واحدة من أبشع وأفظع الأساطير على الإطلاق. ووفقا للأساطير اليونانية، فإن بروكريستوس كان ساقيا يدير حانة على التل الأعلى لمدينة أتيكا…

وهناك، كان يعرض على المسافرين الزائرين لحانته الإقامة عنده. ولكن أسفل هذا السقف الخشبي الباعث على الهدوء وراحة البال، يخفي سرًا مروعاَ! فبعد أن يقنع بروكريستوس المسافرين بأن يرتاحوا من وعثاء السفر على سريره الخاص، يتسلل إلى أسرّتهم بالليل ويقوم بتكميم أفواههم وربطهم بدعامات السرير؛  فإذا كانت الضحية  أطول من اللازم، حيث تخرج قدماه ويداه ورأسه عن حدود السرير، فإنه يقوم بقطع رأس وأطراف الضحية؛ وإذا كانت الضحية أقصر من اللازم، فإنه يقوم بتحطيم عظامهم ومط أجسادهم بحيث تلائم حجم السرير بالتمام.

   قامت هذه الشخصية المظلمة بالكثير من الأفعال المروعة لسنوات طوال، حتى جاء رجل خاص للغاية يدعى ثيسيوس([2]) إلى النزُل الخاص ببروكريستوس، ويقال أنه اكتشف خديعته وقرر أن يذيقه من نفس الكأس.

ولهذا السبب يقول المثَل: كن حذرا عندما يجد بعض الناس أن آراءك لا تتماشى مع آرائهم، أوعندما يرون أنك أذكى منهم، فإنهم سيضعونك على سرير بروكريستوس.

 

كيف يتصرف أصحاب المتلازمة؟

من المؤكد طبعا أن لا أحد يتصرف في حياتنا اليومية على النحو العنيف الذي مارسه بروكريستوس، ولكن ما نراه من الناس يحمل نفس العدوانية بشكل مستتر، يظهر ذلك في الرياضة والسياسة والأعمال، إلى آخره…

وفي الحقيقة، يعرف الجميع أن العديد من الأشخاص الذين يشغلون أعلى المناصب في أي منظمة ليسوا دوماً الأكثر قدرة أو كفاءة.

لذا، فعندما يظهر في الصورة شخص متألق، استباقي، مبدع، قادر على تهديد مراكزهم والتفوق عليهم بأكثر من طريقة= فإنهم يلجؤون إلى استخدام الحيل والوسائل الرهيبة لتحطيمهم وإذلالهم، ووضعهم في الزاوية، فلا يعد وجودهم يشكل أي “تهديد”.

 

خصائص الأشخاص الذين يعانون من متلازمة بروكرستس:

  • إنهم أناس يعيشون في ظل إحباط دائم، والشعور بعدم القدرة على السيطرة.
  • إحساسهم باحترام وتقدير الذات –self esteem- منخفض للغاية، أو مرتفع بشكل مفرط.
  • لديهم حساسية عاطفية عالية، فإذا ما رأوا شخصا ما يقوم بعمل جيد، فإنهم يعتبرون فعله هذا إساءة جادة لهم.
  • كما أنهم يحبون أن “يبيعونا” فكرة أنهم متعاطفون معنا إلى حد كبير، أو أن روحهم رياضية؛ ولكن الشعور الحقيقي يحمل غرورا كبيرا، وجمودا فكريا، وعدائية لا تخفى.
  • لديهم رغبة في احتكار كل شيء، وقدرتهم على المنافسة تُكرس لخدمة هدف وحيد: ألا وهو تخطي الجميع، أو لا يتخطاهم أحد بأقل تقدير.
  • يرتعبون من إمكانية استبدالهم. وهذا الفعل شائع في نماذج الأعمال التقليدية.
  • كما أنهم يصدرون أحكاما غير عقلانية. فعلى سبيل المثال، إذا قام أحدهم بعمل ما قد يفيد الشركة مثلا، فإنهم سينظرون إلى ما صنعه باعتباره خطأَ، أو كفكرة عديمة الجدوى.

فالشخص الذي يعاني من متلازمة بروكريستوس يسخر كل طاقاته للحد من قدرات الآخرين. فهم قاتلو الحلم، وسفاحو الأمل، وأساتذة العدوانية الخفية، والتلاعب النفسي. وأخيراً وليس آخرا، يتعين علينا أيضاً أن نضيف إلى هذا أنهم يتلاعبون بالناس، أو يسيئون استغلال ثقتهم، من أجل “وضع حد” للأشخاص الناجحين.

 

لا تدع الأشخاص الذين يعانون من تلك المتلازمة يحبسونك في القفص:

عندما يحيط بنا أشخاص من هذه النوعية، فإن أفضل شيء يمكننا فعله هو “أن نتعلم كيف نفهمهم أولا، ثم نتدبر أمرهم لاحقا”.

“سوف يُزهر أي إنسان وينبِت مئات المواهب والقدرات غير المتوقعة، بمجرد أن نعطيه الفرصة ليقوم بذلك.”

-دوريس ليسينج-

 

عندما يتعلق الأمر بأسوأ حالات متلازمة بروكريستس، فإن أفضل ما يمكنك القيام به أن تنأى بنفسك عن ذلك. تذكر دائما أن المواهب لا تتعايش أبدا مع التهديدات أو القوى المدمرة والصارمة.

ويذهب “سلوك الرفض العصابي” إلى ما هو أبعد من مجرد المنافسة في الكثير من الأحيان: فعندما يتحول الأمر إلى هجوم، عندما يفعل رئيسك أو أخوك كل شيء لإذلالك وتثبيط همتك= اغلق ذلك الباب. نحن نوصيك  باتخاذ خطوة للبحث عن الأماكن والأشخاص الذين يسمحون لك بفرد جناحيك.

وجود هؤلاء الأشخاص في حياتك شيء طبيعي، ولكن هذا لا يعني أن  تدعهم يكسرون أجنحتك، ويطفئون شغفك.

لقد ولدنا جميعا ليكون لنا شأن بمكان ما في هذا العالم. لنتقبل هذا بسرور، ولنفتش عن مكانٍ يمكننا فيه أن نزهِر بحق.


[1] – حسب الميثولوجيا اليونانية، كان بروكرست حداداً وقاطع طريق من إثيكا، وكان يهاجم الناس ويقوم بمط أجسداهم أو قطع أرجلهم لتتانسب أطوالهم مع سريره الحديدي. ويطلق لفظ البروكرستية على أي نزعة إلى “فرض قوالب” على الأشياء، أو الأشخاص، أو الأفكار، أو ليّ الحقائق، أو تشويه المعطيات لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق. (المراجع)

[2] – هو شخصية اشتهرت في الأساطير اليونانية، كونه واجه مينوتور (وحش برأس ثور)، وهو أحد ملوك أثينا الأسطوريين. وكان ثيسيوس البطلَ المؤسس للأثينيين بنفس الطريقة التي كان فيها هيراكليس البطل المؤسس للدوريين. (المراجع)

أعجبني المقال

المصدر
exploringyourmind

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى