عام

الفقر ليس عيبًا في الشخصية، بل حاجة ماديَّة

  • روتجر بيرجمان
  • ترجمة: ربا آل مسعد
  • تحرير: الجوهره باوزير

لطالما كانت جهودنا في طرق التصدي للفقر قائمةً على سوء فهمنا للفقراء وأنَّ بمقدورهم انتشال أنفسهم من الفاقة، ولكن الإجهاد الذي يصيبهم للتخلص من معاناتهم له آثار جسيمة على الدماغ. إنَّ الفقر حاجة ماديَّة وليس عيبًا في الشخصيَّة.

الصور في هذا المقال هي جزء من مشروع “خط الفقر” للثنائي تشاو ولين؛ حيث تُستخدم العدسة العالمية للطعام لفحص الخيارات اليوميَّة التي قد نواجهها في العيش على خط الفقر. يُعرَّف الفقر في كل بلد برقم خاص رسمي مشتق من معدل إنفاق الفرد في اليوم. تمثل هذه الصورة، على سبيل المثال، خط الفقر في سالونيك، اليونان، سبتمبر 2018؛ حيث التعريف الرسمي للفقر للفرد في الاستهلاك اليومي هو (12.49 يورو)، وللطعام: 4.02 يورو (4.68 دولار).

في 13 نوفمبر 1997، اُفتتحَت أبواب ملهى جديد في جنوب جبال غريت سموكي بولاية نورث كارولينا في الولايات المتحدة. على الرغم من سوء الطقس إلا أنَّ الناس اصطفُّوا في طابور طويل عند المدخل، ومع ازدياد المئات من الأشخاص، نصحهم رئيس الملهى بالبقاء في منازلهم. لم يكن هذا الاهتمام الواسع النطاق مفاجئًا؛ فهو ليس مجرد افتتاح لملهى مقامرة تديره عصابة من المافيا بمنتجع شيروكي هارا؛ بل هو ملهى فاخر ضخم تملكه وتديره الفرقة الشرقية لهنود شيروكي، وكان افتتاحه بمثابة نهاية لأزمة سياسيَّة دامت لمدة عشر سنوات. حتى أنَّ أحد زعماء القبائل تنبَّأ بأنَّ  “المقامرة ستكون لعنة الشيروكي”، وحاول حاكم ولاية كارولينا الشمالية منع المشروع بشتَّى الطرق. اتَّضح بعد فترة وجيزة من الافتتاح بأنَّ الملهى قد جلب للقبيلة الراحة حيث تمكَّنت من بناء مدرسة جديدة ومستشفى ومحطة إطفاء من خلال الأرباح التي بلغت 150 مليون دولار في عام 2004 وزادت إلى ما يُقارِب من 400 مليون دولار في عام 2010. ومع ذلك، ذهبت حصة الأسد مباشرة إلى 8000 رجل وامرأة وطفل من قبيلة باند شيروكي الشرقية. ابتداءً من 500 دولار سَنَوِيًّا إلى 6000 دولار للفرد في عام2001، وهو ما يمثِّل من ربع إلى ثلث متوسط دخل الأسرة. ويصادف بأن الأستاذة جين كوستيلو من جامعة ديوك قد قامت بأبحاث عن الصحة العقلية للشباب في جنوب جبال سموكي العظيمة منذ عام 1993. كل عام يخضع 1420 طفلًا للاختبار النفسي. وقد أظهرت النتائج بأنَّ من ينشأ فقيرًا يصبح أكثر عرضة للمشاكل السلوكية من الأطفال الآخرين؛ ليس هذا فحسب، بل ثمَّة علاقة بين الفقر والمرض النفسي أثبتها الأكاديمي إدوارد جارفيس، في ورقته الشهيرة “تقرير عن الجنون” التي نُشرَت عام 1855 في ماساتشوستس.

لكن السؤال: ما السبب، وما العواقب؟

طوكيو، اليابان، شباط/ فبراير 2011. من سلسلة خط الفقر من قبل تشاو ولين.

البيضة أم الدجاجة

في الوقت الذي كانت تجري فيه كوستيلو أبحاثها، كان من الشائع إرجاع المشاكل النفسية إلى العوامل الوراثيَّة للفرد. لو كان السبب النهائي طبيعيا فإن تسليم مبلغ مالي كل عام سيعالج الأعراض وليس المرض. من ناحية أخرى، إذا لم تكن المشاكل النفسية هي السبب بذاتها، بل هي نتيجة للفقر، فإن مبلغ 6000 دولار قد يصنع المعجزات.

أدركت كوستيلو أن افتتاح الملهى قد أتاح فرصة فريدة لإلقاء الضوء على هذا السؤال المستمر لأن ربع الأطفال في دراستها ينتمون إلى قبيلة الشيروكي، ويعيش أكثر من نصفهم تحت خط الفقر. بعد فترة وجيزة من افتتاح الملهى، كانت كوستيلو قد لاحظت بالفعل تطورات كبيرة لأبحاثها. فقد انخفضت المشاكل السلوكية بين الأطفال الذين انتشلوا من براثن الفقر بنسبة 40٪، مما وضعهم في نفس نطاق أقرانهم الذين لم يعرفوا المعاناة من قبل. كما انخفضت معدلات جرائم الأحداث بين أفراد قبيلة الشيروكي بجانب تعاطي المخدرات والكحول، بينما تحسنت درجاتهم بشكل ملحوظ في المدرسة، والآن أصبح أطفال الشيروكي على قدم المساواة في الدراسة مع المشاركين غير القبليين. لم تُصدَّق كوستيلو البيانات عندما رأتها لأول مرة وقالت: “من المتوقع أن يكون للتدخلات الاجتماعية تأثيرات صغيرة نِسْبِيًّا”. ثم أردفت لاحقًا “في الواقع لقد كان تأثيرها كبيرًا جِدًّا.”

حسبت كوستيلو أن مبلغ 4000 دولار إضافي سَنَوِيًّا سيؤدي إلى سنة إضافية من التحصيل التعليمي بحلول سن الواحد والعشرين، وسيقلل من فرصة فتح سجل جنائي في سن 16 بنسبة 22٪.

 بعد عشر سنوات من افتتاح الملهى، أظهرت النتائج بأنه كلما نجا الأصغر سنًّا من الفقر تحسنت صحتهم النفسية عند سن المراهقة، كما لاحظت “انخفاضًا كبيرًا” في السلوك الإجرامي في المجموعة الأصغر سنًّا. في الواقع أثبتت الدراسة الآن أن أطفال الشيروكي كانوا أفضل تصرفًا من المجموعة الضابطة. لكن التحسن الأهم كان في دور المال لمساعدة الآباء والأمهات.

قبل افتتاح الملهى، عمل الآباء بجهد خلال فصل الصيف على عكس فصل الشتاء حيث كانوا مرهقين وبلا عمل. مكّن الدخل الجديد عائلات الشيروكي من ادِّخار المال ودفع الفواتير مقدمًا. كما أفاد الآباء والأمهات الذين اُنتشِلوا من الفقر بأنهم حظوا بوقت أطول مع أطفالهم.

بالرغم من ذلك فقد قاموا بكل ما بوسعهم، وقد اكتشفت كوستيلو بأن الآباء والأمهات على حد سواء عملوا بالجهد ذاته قبل افتتاح الملهى. وقال عضو القبيلة فيك آل برادلي بأن الأموال ساعدت في تخفيف الضغط على العائلات أكثر من أي شيء آخر، لذا فقد انزاح الهم بشأن الإنفاق على أطفالهم. وكما قال برادلي بأن ذلك “لقد ساعدهم المال ليكونوا آباءً أفضل”.

إذن ما أسباب المشاكل النفسية بين الفقراء؟ أهي طبيعية أم اجتماعية؟

استنتجت كوستيلو بأنَّ ضغوط الفقر تضع الأشخاص المعرضين وراثيًا للإصابة بمرض أو اضطراب في خطر متزايد. ولكن الاستنتاج الأكثر أهميَّة هو أننا نستطيع القضاء على الفقر من طريق غير الجينات.

جيتكسو، إسبانيا، أكتوبر/ تشرين الأول 2018. من سلسلة خط الفقر من قبل تشاو ولين

لماذا يتصرف الفقراء بحماقة؟

إنَّ كوكبًا بلا فقراء لا يوجد إلا في عالم الخيال؛ لكن أي شخص يأخذ هذا الحلم على محمل الجد يجب أن يواجه حتمًا بعض الأسئلة الصعبة.

لماذا الفقراء أكثر عرضة لارتكاب الجرائم؟ لماذا هم أكثر عرضة للسمنة؟ لماذا يستخدمون الكثير من الكحول والمخدرات؟

باختصار، لماذا يتخذ الفقراء العديد من القرارات السيئة؟

لابدَّ من أنَّه سؤال قاسٍ، لكن ألقِ نظرة على الإحصائيات:

  • يستدين الفقراء أكثر بينما يدخرون أقل،
  • يدخنون أكثر ويمارسون الرياضة أقل،
  • يشربون الكحول أكثر ويأكلون بشكل صحي أقل.
  • لو قمت باقتراح فرصة للتدريب على إدارة الأموال ستجد الفقراء آخر من يبادر بالتسجيل.
  • حتى عند تقدمهم إلى أحد إعلانات الوظائف، سترى أسوأ طلب التحاق وسيحضرون مقابلات العمل بملابس أقل مهنية.

وصفت مارغريت تاتشر (رئيسة الوزراء البريطانية السابقة) الفقر بأنه “عيبٌ في الشخصية”.

على الرغم من أنَّ الكثير من السياسيين لن يذهبوا إلى هذا الحد، ففكرة بأن الحل يقع على عاتق الفرد ليست جديدة. من أستراليا إلى إنجلترا ومن السويد إلى الولايات المتحدة، هناك فكرة راسخة بأنه يجب على الناس التغلب على الفقر بمفردهم. بالطبع، يمكن للحكومة أن تحفزهم في الاتجاه الصحيح وبسياسات تعزز الوعي، مع فرض العقوبات، وبالتعليم في المقام الأول.

في الواقع، إذا كان هناك حل سحري متصور في مكافحة الفقر، فهو دبلوم المدرسة الثانوية (والأفضل من ذلك، الشهادة الجامعية).

ولكن هل هذا كل ما يتطلبه الأمر؟

ماذا لو كان الفقراء غير قادرين في الواقع على مساعدة أنفسهم؟ ماذا لو كان كل ذلك التعليم بلا أي جدوى؟ وماذا لو كانت كل تلك الحوافز حسنة النيَّة قد زادت الوضع سوءًا؟

أمستردام، هولندا، أبريل 2013.32 يورو؛ 4.83 يورو (6.27 دولار) للطعام. من سلسلة “خط الفقر” من تأليف تشاو ولين

قوة السياق

تلك الأسئلة القاسية لم يطرحها شخص عادي، بل السائل هو الدار شافير، عالم نفس في جامعة برينستون. نشر هو وسينديل موليناثان، الاقتصادي في جامعة هارفارد، نظرية ثورية عن الفقر في عام 2013.

عيبٌ في الشخصية؟ كلا؛ إنه السياق، أيُّها الغبي.

شافير ليس متواضعًا في تطلعاته؛ هو يريد إنشاء مجال جديد كُلِّيًّا من العلوم يسمى “بعلم الحاجة” ولن يرضى بأقل من ذلك.

لكن أليس لدينا هذا بالفعل؟ أعني “علم الاقتصاد”؟

رد شافير ضاحكًا “سمعت ذلك كثيرًا” عندما التقيت به في فندق بأمستردام وأردف قائلًا “لكن اهتمامي هو في سيكولوجية الحاجة، والتي من المدهش أنه لم يتم إجراء سوى القليل من الأبحاث عليها”.

بالنسبة للاقتصاديين، يدور كل شيء حول الحاجة؛ ففي نهاية المطاف، حتى أغنى الأثرياء لا يمكنهم شراء كل شيء.

ومع ذلك، فإن مفهوم الحاجة لا يتواجد في كل مكان. يومك الخالي من المهام ليس كيومك ذي الجدول المزدحم.

والحاجة تؤثر على العقل البشري، وليست مجرد شعور ضئيل يتلاشى بمرور الوقت، حتى تصرفاتك ستختلف عند إدراكك بأن هنالك شيئًا ما تحتاجه.

لا يهم ما هو، سواء أكان القليل من الوقت، أم بعض المال، أم علاقة صداقة، أو حتى طعام، كل ذلك يساهم في “مبدأ الحاجة”.

وله فوائد أيضًا؛ فمن اختبر الشعور بالندرة سيجيد إدارة مشاكله قصيرة المدى.

كما يتمتع الفقراء بقدرة عجيبة لتغطية نفقاتهم على المدى القصير تمامًا مثل قدرة الرؤساء التنفيذيين على إتمام صفقة ما.

لا يمكن أخذ استراحة من الفقر

على الرغم من كلِّ هذا، فإن سلبيات “عقلية الحاجة” أكبر من الإيجابيات؛ حيث تُضيِّق الحاجة تركيزك على افتقارك اللحظي، فمثلًا: لا ترى سوى الاجتماع الذي سيبدأ في غضون خمس دقائق، أو الفواتير التي يجب دفعها غدًا.

وضح شافير: “إن الحاجة تلتهمك”؛ فعلى المدى الطويل قد يختفي تركيزك تمامًا وتصبح أقل قدرة على التركيز على اهتماماتك الأخرى أيضًا.

بإمكانك مقارنة هذا بجهاز حاسوب جديد يقوم بتشغيل عشرة برامج متقدمة جدًا في آنٍ واحد؛ ستلاحظ أنَّه يصبح أبطأ وأبطأ، ثم يرتكب أخطاء، وفي النهاية يتعطل؛ ليس لأنه جهاز سيئ، ولكن لأنه تعيَّن عليه القيام بالعديد من المهام في وقت واحد.

يعاني الفقراء من نفس المشكلة؛ فقراراتهم الغبيّة ليست نابعة من غبائهم، ولكنها نتيجة عيشهم ضمن سياق قد يقود أي شخص لاتخاذ قرارات غبية.

أسئلة مثل “ماذا سنعد للعشاء؟”، “كيف سأكمل إلى نهاية الأسبوع؟” تشكل عبئًا بالغ الأهمية، أطلق عليه شافير وموليناثان مسمى “النطاق الترددي العقلي”؛ كما كتبوا “ستفهم الفقراء لو وضعت نفسك مكانهم”.

يعتبر ضبط النفس تحدٍّ كبير في هذه الحالة، فأنت تَتَشتتْ وتضطرب بسهولة كل يوم، وذلك هو السياق الذي تضعك فيه الحاجة، ويؤدي إلى قرارات غير حكيمة، سواء في إدارة الوقت أو المال.

على الرغم من ذلك، هناك فرق شاسع بين من يعيش حياته مثقلا بالأعمال، ومن يعيش في فقر؛ ففي النهاية لا يمكنك أخذ استراحة من الفقر.

سنغافورة، مايو 2013. 18.33 دولار سنغافوري؛ 2.22 دولار سنغافوري (1.79 دولار، 1.37 يورو) للطعام. من سلسلة “خط الفقر” من تأليف تشاو ولين.

إلى أي مدى يؤثر الفقر في الذكاء؟

يقول الأستاذ شافير: “التأثير الذي وصلنا إليه هو نقص ما بين 13 و14 نقطة من معدل الذكاء؛ وهذا يعادل تأثير ليلة دون نوم، أو تعاطي الخمور”؛ المثير للدهشة أنه كان بإمكاننا اكتشاف كل هذا قبل ثلاثين عامًا.

لم يكن شافير وموليناثان يعتمدان على أي شيء دقيق كفحوصات الدماغ، فقد امتدت دراسة الفقر لسنوات من قبل الاقتصاديين، كذلك القيود المعرفيَّة من علماء النفس، هم فقط قاموا بربط الاثنين معًا. بدأ كل شيء قبل بضع سنوات عندما أجريت سلسلة من التجارب في مركز تجاري نموذجي في الولايات المتحدة حيث سُئِل المتسوقون كيف سيتصرفون لو كان عليهم دفع قيمة صيانة سياراتهم؟

عُرض على البعض صيانة بقيمة 150 دولارًا، والبعض الآخر بتكلفة 1500 دولار
وكانت الخيارات: هل سيدفعون المبلغ دفعة واحدة، أم سيحصلون على قرض، أم سيعملون لساعات إضافية، أم يؤجلون الصيانة؟

بينما كان رواد المركز التجاري يفكرون في الأمر، فقد خضعوا لسلسلة من الاختبارات المعرفية. في حالة الصيانة الأقل تكلفة، سجل الأشخاص ذوو الدخل المنخفض نفس درجات ذوي الدخل المرتفع.

ولكن مقارنة بالصيانة التي قيمتها 1500 دولار، سجل الفقراء درجات أقل بكثير.
إنَّ مجرد التفكير في حدوث نكسة مالية كبيرة أضعف قدرتهم المعرفية. وقد قام الأستاذ شافير وزملاؤه بتصحيح جميع المتغيرات المحتملة في استطلاع المركز التجاري، ولكن كان هناك عامل واحد لم يتمكنوا من حلِّه وهو أنَّ الأغنياء والفقراء الذين تم استجوابهم ليسوا نفس الأشخاص، لكن لو تم تكرار الاستطلاع مع من يتعرضون لفترات تتأرجح بين الفقر والغنى على مدار العام، ستكون النتائج أفضل.

وجد الأستاذ شافير ما كان يبحث عنه على بعد حوالي 8000 ميل في مقاطعتي فيلوبورام وتيروفانامالاي في ريف الهند، كانت الظروف على أحسن ما يرام وكما حدث، جمع مزارعو قصب السكر في المنطقة 60٪ من دخلهم السنوي مرة واحدة بعد الحصاد مباشرة، هذا يعني بأنهم أغنياء في بعض فترات السنة، وفقراء في فترات أخرى. إذن كيف تمت التجربة؟

 في الوقت الذي كانوا فيه فقراء نسبيَّا، سجلوا درجات أسوأ بكثير في الاختبارات المعرفية؛ وليس لأنهم أصبحوا أقل ذكاءً فجأة، فهم ما زالوا نفس الأشخاص، ولكن بكل بساطة لأن النطاق الترددي العقلي لهم قد تعرض للخطر.

هامبورغ، ألمانيا، نوفمبر 2011.30.90 يورو؛ 4.82 يورو (6.61 دولار) للطعام. من سلسلة “خط الفقر” من تأليف تشاو ولين.

كيف أن التبرع الخيري قد يساهم في توفير المال

وأشار الأستاذ شافير بأن مكافحة الفقر لها فوائد جمَّة لم نتمكن من تحقيقها حتى الآن. في الواقع، بالإضافة إلى قياس إجمالي ناتجنا المحلي اقترح بأنه ربما حان الوقت لأن نبدأ أيضًا في التفكير في إجمالي النطاق الترددي المحلي الذهني. النطاق الذهني الأكبر يعني بيئة تربوية أفضل، صحة أفضل، موظفين أكثر إنتاجية، وما إلى ذلك؛ ويقول: “إن محاربة الحاجة يمكن أن تقلل من التكاليف”.

وهذا بالضبط ما حدث جنوب جبال غريت سموكي حيث حسب راندال آكي، الخبير الاقتصادي بجامعة لوس أنجلوس، أنَّ أموال الملهى التي تم توزيعها على أطفال شيروكي قد ساعدت في تخفيض النفقات في النهاية.

وفقًا لتقديراته المتحفظة، فإن القضاء على الفقر قد ولّد في الواقع أموالًا أكثر من إجمالي مدفوعات الملهى من خلال تقليل الإجرام، الاستفادة من مرافق الرعاية، وتكرار الرسوب في الصفوف الدراسية.

إذن ما الذي يمكن فعله؟ لدى شافير وموليناثان بعض الحلول الممكنة: المساعدة المالية للطلاب المحتاجين على سبيل المثال، أو توفير علب مضيئة لتذكير الناس بأخذ أدويتهم. هذا النوع من الحلول المسمى بـ “الدافع” شائع جدًا لدى السياسيين المعاصرين، والسبب الرئيس، أنّ تكلفته لا تذكر؛ ولكن بصراحة، ما الفرق الذي يمكن أن يحدثه الدافع؟ إنه يجسد حقبة تهتم فيها السياسة بشكل أساسي بمكافحة الأعراض، قد تعمل هذه الدوافع على جعل الفقر أكثر قابلية للتحمُّل، ولكن لو نظرت من زاوية أبعد سترى أنها لا تحل شيئًا على وجه التحديد.

 بالعودة إلى مثالنا على جهاز الحاسوب، لماذا نعبث ببرنامجه الإلكتروني في حين أنه يمكننا حل المشكلة بسهولة عبر تثبيت ذاكرة إضافية؟ هنا أجاب الأستاذ شافير بنظرة جامدة؛ وبعد عدة ثوانٍ قال، “نعم، فهمت. تعني أنك تريد أن يحصل الفقراء على مال أكثر للقضاء على الفقر، بالطبع سيكون هذا رائعًا”. وذكر ضاحكًا القيود الواضحة لإدخال مثل هذه السياسة في الولايات المتحدة. صحيح أن الأمر يتطلب برنامجًا كبيرًا للقضاء على الفقر في الولايات المتحدة؛ ووفقًا لحسابات الخبير الاقتصادي مات برونيغ فإن التكلفة تبلغ أكثر من 175 مليار دولار وتكلفة معالجة فقر الأطفال تقدّر ب 500 مليار دولار كل عام. فالذين نشؤوا على الفقر ينتهي بهم المطاف بتعليم أقل لمدة عامين، ويعملون 450 ساعة على الأقل في السنة، ويتعرضون لخطر الإصابة بسوء الصحة بثلاثة أضعاف من أولئك الذين نشؤوا في أسر ميسورة الحال.

يقول الباحثون إنَّ الاستثمار في التعليم لن يساعد هؤلاء الأطفال، لأنَّ عليهم تجاوز خط الفقر أولًا.

ففي التحليل التلوي لعام 2013 المكون من 201 دراسة حول فعالية التدريب على إدارة المال، تظهر النتائج أنَّه تقريبًا بلا فعالية؛ لا تسيؤوا فهمي فأنا لا أعني أن الفقراء لا يتعلمون شيئًا، بالتأكيد يمكنهم أن يصبحوا أذكى، لكن هذا لا يكفي، أو كما قال لي الأستاذ شافير “إنه أشبه بتعليم السباحة لمبتدئ، ثم رميه في محيط هائج”.

عبر الأستاذ شافير عن أسفه قائلًا: لا يجب أن تكون الأمور على هذا النحو؛ وكما قال كاتب المقال البريطاني صامويل جونسون في 1782: إنَّ الفقر أكبر عدو لسعادة الإنسان فهو يسلب الحرية،

سيدني، أستراليا، أغسطس 2011. 31.08 دولار أسترالي؛ 7.52 دولار أسترالي (8.02 دولار، 5.61 يورو) للطعام. من سلسلة “خط الفقر” من تأليف تشاو ولين.

ويجعل بعض الخصال إما غير قابلة للتنفيذ أو صعبة التحقيق”. وعلى عكس العديد من معاصريه، فقد فهم أنَّ الفقر ليس عيبًا في الشخصية، بل حاجة ماديَّة.

حول الصور

خط الفقر هو مشروع مستمر من قبل الثنائي المصور الاقتصادي ستيفن تشاو وهويي لين. بين عامي 2010 و2020، سافروا إلى 36 دولة لإنشاء صور توضح الميزانيَّات اليوميَّة لمن يعيشون في فقر. توفر التسميات التوضيحية مقدار المال الذي يتعين على الأشخاص في بلد معيَّن إنفاقه يوميًّا، بالإضافة إلى المبلغ المتبقي للطعام بعد خصم جميع النفقات الأخرى.

توضح الصور كميَّة الطعام ا0ذي يمكن شراؤه بالمبلغ المتبقي. مع وجود الصحف المحليَّة كخلفيَّات، فإنَّها تصوير للحياة على خط الفقر في سياقات ثقافيَّة مختلفة، وتدعو المشاهد إلى تخيَّل الحياة في ظل هذه الظروف الصعبة. (إيزابيل فان هيمرت، محررة الصور)

أعجبني المقال

المصدر
thecorrespondent

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى