فكر وثقافة

الشعبَوية الملامح والتقاطعات

  • هشام الخالدي
  • تحرير: أحمد خطاب

 

في ظل تنامي التغيرات السياسية والاقتصادية حول العالم، وزيادة معدلات الهجرة لأسباب متعددة، وفي مقابل صعود موجات شعبية وحزبية تخالف مؤسسات الدولة وتعادي النخب في سياسات الانفتاح، ترافقها مخاوف متأججة حول التطورات التي يمكن أن تؤول إليها، تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن بعض الأسئلة التي تدور حول “الشعبوية” وإشكالاتها الثقافية المطروحة، وتحاول تقريب الأفكار ومناقشتها في إطار مُركّز، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة.

وسنتناول هذا الموضوع في خمسة محاور:

الأول: المصطلح والسياق

الثاني: الدوافع والأسباب

الثالث: الملامح والسمات

الرابع: المصالح والتقاطعات

الخامس: الحاضر والمستقبل

 

المصطلح والسياق

من يبحث في المصطلحات الخاصة بـ”الشعبوية” لن يجد غرابة في تنوعها واختلافها بحسب رؤية كل مفكر أو باحث والزاوية التي ينطلق منها، شأن ذلك أي مصطلح تعالجه عقلية ذات توجه فكري معين، لكن الغريب فعلاً هو ذلك الاختلاف في طبيعة وجوهر هذه “الشعبوية” التي انعكس أثر الاختلاف في طبيعتها على عملية التوصيف الفكري وتحديد موضوعات البحث والنقاش حولها في إطار محدد. نجد الحديث عن طبيعة “الشعبوية” جاء في سياق يُطلق على نمط التفكير السياسي الذي يَجنح لتقديس الشعب باعتباره يمثل الحقيقة والسيادة المطلقة، تحوَّل فيها الشعب من حال كان فيها متفرجاً إلى حالة فاعلة ذات أثر مباشر، وجاء في سياق سلوك الشعب كردة فعل على وقوع الأزمات السياسية تجاه مؤسسات الدولة، وأيضاً جاء الحديث عن تنوع السياقات والدوافع اجتماعية كانت أو اقتصادية، كأزمات الهوية والتعددية ذات الصلة بقضايا الهجرة والعمل، وهذا الاختلاف ألقى بظلاله على مصطلح “الشعبوية” كونه مصطلح ذا دلالة متغيرة بحسب السياق المتأثر بالزمان والمكان. وهذا ما دفع يان فيرنر مولر في كتابه الصادر عام 2016م :(ما الشعبوية ؟!) إلى القول بأنه: ” في إمكان الشعبوية أن تُعبر عن مضامين مختلفة، ومن الخطأ فهمها على أنها تعبيرعن مرحلة اجتماعية أو سياسية وتاريخية .. إن “الشعبوية” ليست مطلباً لطبقات واضحة المعالم، وليست قضية عاطفية، كما أن قيمة العروض السياسية لا تكفي للقياس، إذا كان شيء ما شعبويًّا “.

قد يكون من أسباب عدم وجود تقارب في موضوع هذا المصطلح هو البعد الزمني، وحصول الأحداث المرتبطة به في تاريخ قريب لنشوء هذا المصطلح وتداوله في الأوساط الفكرية والسياسية في حالات مختلفة، حيث أن بداية ظهور مصطلح “الشعبوية” وارتباطه بثورة الفلاحين في “روسيا” وقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في عام ١٨٧٠م، وأيضاً في ذات الفترة حدثت احتجاجات الريف في الولايات المتحدة الأمريكية ضد المصارف وشركات السكك الحديدية، وما أعقبه من خُفوت في مظاهر “الشعبوية” بعد الحرب العالمية الثانية؛ أن ضَعُف بسببه الاهتمام من النخبة الفكرية والسياسية، ظناً منها أنها لن تعود في ظل تنحي النزعة القومية، وتطور مؤسسات الدولة الحديثة، وظهور معالم جديدة لاقتصاديات منفتحة بين دول العالم.

يذكر “يان فيرنر مولر” أن كتاباً مهماً صدر باسم: (شبح يطارد عالمنا: الشعبوية) ضمّ بين دفتيه نتائج مؤتمر كبير لندوة في ستينيات القرن العشرين، نظمتها “كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية” حول “الشعبوية”، اختلف من شارك فيها من مؤرخين وعلماء اجتماع وسياسة حول تعريف “الشعبوية” دون أن يتكلل ذلك بالنجاح. وكان من الإشكالات التي كانت سبباً في تحفظ مولر: أن الكتاب أوضح أن كلمة “الشعبوية” كانت تُستعمل لوصف ظواهر متعددة.

إن هذا التوسع في استعمال المفهوم من وجهة نظر مولر يعد إشكالياً، فهو يُصعب من عملية معرفة الظواهر والإمساك بها. ويذهب “برتران بادي” الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس الذي يصف إشكالية هذه الاختلاف والأثر الذي يُحدثه البحث في الوضع الحالي لمصطلح “الشعبوية” بقوله أن “شدة المحاولة في جعل الشعبوية نظاماً موصوفاً متميزاً، تؤدي إلى الفشل في إيجاد أسس نظرية له. والمواقف والأوضاع الشعبوية تقابلها وتجيب عليها صور، وأشكال حُكم وصور مستلهمة منها، ولكنها لا تتشابه في ما بينها بالضرورة. فالشعبوية هي بادئاً نمط تعبئة واحتجاج ضد المعاناة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل أن تكون نظام حكم. بل إن ما يزيد في صعوبة تحديدها وتعيينها؛ هو أن حدة الأزمة تنأى بالأيدلوجيات وتُبعد المعتقدات وتُغَيبها”.

لعل ذلك يمهد لطريقة تناول المصطلح لدى بعض المفكرين والباحثين في الوقت الحالي، بطريقة تحاول الخروج من إشكالية الاختلاف في طبيعة “الشعبوية” وجوهرها، تتمثل في تضمين مصطلح “الشعبوية” بوصف لسلوكيات أو ممارسات أو توجهات تحكم من يتلبس بهذه الحالة دون الدخول في قيود محددة لهذا المصطلح، فتجد تعريفات “الشعبوية” تدور حول عدد من الاعتقادات أو الممارسات مثل : تمثيل هموم الناس العادية – جماعة قومية – معارضة مؤسسات الدولة – معادات النخبة التي تتولى هذه المؤسسات – محاربة التعددية في صنع القرار.

 

الدوافع والأسباب

كجزء مهم من تناول موضوع “الشعبوية” يتطلب الأمر نظراً وتأملاً للدوافع والأسباب التي من خلالها يمكن الوصول إلى تصور سليم وفهم أقرب للواقع = سيتجه الحديث نحو أهمية التركيز على حالة الأفراد كحالة يتفاعل معها الجانب النفسي والجانب السلوكي مع عدة عوامل مختلفة كالعامل الاقتصادي والثقافي على الصعيد الداخلي والخارجي، يفرضه محيط متغير يؤثر على حياة الأفراد بشكل مباشر وغير مباشر. مع أهمية الإشارة إلى حدة النقاش والاستقطاب التي وصل لها تحديد السبب الرئيس والمباشر لـ”الشعبوية” بين من يسنده إلى الدافع الثقافي من جهة أوالدافع الاقتصادي من جهة أخرى، وفيما يلي نستعرض أبرز الدوافع والأسباب التي تطرق لها علماء الاجتماع والمفكرين خلف ظهور “الشعبوية” وهي:

تأثير الأفكار: إن حضور الأفكار التاريخية في حالة “الشعبوية” واضح ومؤثر، فأفكار الكفاح المتشبعة بانتصارات التاريخ والعودة إلى النقاء الأول، والمشي على الطريق الذي سلكه الأوائل، راسخة في وجدان أفراد الشعب، وسرعة استحضارها لدى الأفراد كبيرة في مواجهة مؤسسات الدولة. هذا المؤثر والدافع للرجوع إلى العهد القديم؛ يعكس طبيعة التفكير لدى أفراد الشعب التي تميل إلى التبسيط وعدم التعقيد والأخذ بأقرب الحلول، دون الخوض في تفاصيل التحديات وحلولها الممكنة التي تنتهجها عادة مؤسسات الدولة والتراتُبية المنظمة لها .

المخاوف القومية: يقول أستاذ علم الاجتماع البروفيسور فرانسوا دوبيه:”أن التيار الشعبوي هو جماعة قومية وهوية، يزعم القوم أنها مهددة يتهددها إنعدام الأمن أو – اللا أمان – وبخاصة عدم الأمان الثقافي”. من يتتبع حضور “الشعبوية” في مناحي عدة على مستوى العالم سواءً في الحملات الانتخابية أوالأنشطة الثقافية يجد دعوات صريحة تتسم بالخوف، وتدعو للرجوع إلى حصن القومية التي مرجعها العِرق أو الهوية، في ظل موجات نزوح كبيرة للمهاجرين وطالبي العمل لعدد من الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يدفع إلى ظهور السياسات والإجراءات القائمة على أساس الهوية العرقية والدينية، وعدم الأخذ بالتعدديات الثقافية.

ضعف تأثير اليسار: لقد كانت مبادئ اليسار وقيَمه التي تدعو إلى العدالة والمشاركة في الحقوق، وقوداً لمواجهة “الرأسمالية”، وبناء نظام سياسي واقتصادي مستند على أساس فكري راسخ يتفادى عَوار الأنظمة التي لا تراعي الفوارق المجتمعية وتكرس من الطبقية بين أفراد الشعب. إلا أن ضعف تأثير اليسار على القرار السياسي في بعض الدول، وعدم نجاحه في تلبية آمال وطموحات مناصريه في بعض الملفات كالبطالة والتعامل مع قضايا الهجرة ألقى بظلاله على ضعف الثقة به، وبالتالي تأثرت شريحة كبيرة من الشعب بطرح الطرف الآخر والنزوع إلى “الشعبوية” كطريق آخر لتحقيق المصالح وتجاوز التحديات.

قوة تأثير اليمين: في فترة مضت كان تأثير خطاب اليمين محدوداً، وكان من يتبنى هذا الخطاب فئات عِرقية أو دينية معينة، إلا أن الأحداث والأزمات التي مرت على العديد من دول العالم على الصعيد السياسي والاقتصادي، وفي ظل فشل الخطط والسياسات التي تقوم بها الحكومات، أتاح هذا الظرف المجال أمام هذا الخطاب لصعود قوي جداً، وفي سبيل الوصول إلى مفتاح القرار السياسي وأدوات تعديل السياسات القائمة صار حديث هذا الخطاب مكرساً عن الهوية الوطنية وقضايا الهجرة واللجوء والتوجهات الاقتصادية والمالية، بطريقة يغلب عليها تضخيم المخاوف التي تشغل بال الرأي العام.

الوضع الاقتصادي: لقد كانت المشكلات الاقتصادية التي تعيشها بعض القطاعات ذات الصلة المباشرة بالأفراد دافعاً للتحرك ضد قرارات الكيانات التي تمثلها الدولة أو القطاع غير الحكومي، إلا أنه في حالة أشمل قد زاد شعور تأثر الأفراد بالاقتصاد الكلي للدولة، وبالتالي التأثر من الدورات الاقتصادية ومعدلات انخفاض النمو التي تنعكس على معدلات التوظيف ورفع الأجور، وإصلاحات سوق العمل التي أثرت على القوة التفاوضية للعاملين، وهذا ما جعل “الشعبوية” نشطة هنا في نقد السياسات الاقتصادية التي لا تحقق مصالح الأفراد، وتركز على الفرق الشاسع الذي تُحدثه هذه الأزمات من تباين كبير واختلال واضح في خارطة توزيع الدخل مما نتج عنه ازدياد في طبقة الأثرياء على حساب الطبقات الأخرى.

إخفاق مؤسسات الدولة: إن إخفاق مؤسسات الدولة في تحقيق إنجازات تلبي آمال وتطلعات أفراد الشعب، أو إخفاقها في التعامل مع التحديات أو فشل في إدارة سياسات يمثل أثرها أهمية مباشرة للأفراد، كسياسات التقشف المالية والضرائب، أو إنتشار الفساد والفضائح = ولّد عدم ثقة بهذه المؤسسات والخطوات التي تسير عليها لتحقيق أهدافها المعلنة التي التزمت بها. لذا تكثر الاحتجاجات ودعوات الإضراب في حال واجهَت الحكومات أزمات اقتصادية نتيجة لإخفاقات مؤسساتها، ولجأت إلى رفع الضرائب على الأفراد لتعويض هذه الاخفاقات.

 

الملامح والسمات

يجدر بنا التوضيح  بدايةً أن الحديث عن ملامح وسِمات “الشعبوية” لا يعني بالضرورة الحديث عن خصائص تنفرد بها عن غيرها، وكما سبق بيان الاختلاف حول طبيعة “الشعبوية”؛ فإن الأنظار نحو هذه الحالة اختلفت واختلف معها تحديد هذه الملامح والسمات بتعدد نطاقاتها الجغرافية ومراحلها التاريخية، وإن كان هناك اتفاق على بعض هذه السمات فهذا لا يعني أن تكون جميعها حاضرة في حالة واحدة، بل إن هذه الملامح والسمات قد لا تعكس حالة اجتماعية أو نفسية أو سياسية حقيقية بقدر ما تعكس في بعض الأحيان رغبة في استخدام وسائل وطرق للوصول إلى تحقيق غايات معينة لأي طرف آخر. وسنحاول بشكل موجز عرض أبرز هذه الملامح والسمات:

رفض التعددية: ويتجلى في عدة صور منها: الدعوة إلى سياسات تنحاز إلى عِرق أو هوية أو دين، ومصادرة حقوق الآخرين بناءً عليها، والاستفراد بصناعة القرار بزعم أحَقية التمثيل القومية (نحن ونحن فقط من يمثل الشعب الحقيقي) دون اعتبار للقوانين التي تحفظ حق التمثيل والانتخاب لبقية فئات الشعب، إضافة إلى جانب عدم قبول الآخر ممن هو خارج الوطن القومي حتى وإن كان قد تواجد بصورة قانونية، كمعادات المهاجرين بجميع فئاتهم الدائمة أو المؤقتة لغرض التجارة أو العمل. وهذا الرفض للتعددية كما يصفه د/عبدالحسين شعبان بأنه يصب في “محاولة إلغاء الفروق تحت فكرة الشعب الواحد المتجانس الذي لا اختلاف بين أفراده، فهي نزوع إلى الهيمنة وإملاء الإرادة، إضافة إلى كونها ضرب من الوهم، فالاختلاف والتنوُّع من طبيعة الأشياء”.

معارضة المؤسسات: وهذه المعارضة تتمثل في رفض دور المؤسسات التابعة للحكومة أو المؤسسات المستقلة والنقابات وطريقة عملها، والإجراءات التي تتخذها في سبيل الوصول إلى اتخاذ القرار، وهذا يرجع في نظر “الشعبوية” إلى أن المؤسسات لا تراعي مصالح أفراد الشعب بالشكل الذي يضمن تحقيقها لمصالحها دون مزاحمة من مصالح أطراف أخرى، وتتجه “الشعبوية” في مقابل ذلك إلى معادلة ثنائية بين أفراد وقائد سياسي ترى فيه تمثيلاً يخرجها من أوضاعها السيئة وقت الأزمات، يقول “يان فيرنر مولر”:

” إن ما يميز القائد الشعبوي لا علاقة له بالكاريزما، ولا بقدومه من خارج النظام السياسي، ولكن بالمنطق الداخلي للشعبوية .. إن الأمر الحاسم في نظر الشعبويين يكمن في أنه كما يدَّعون؛ القادر على معرفة إرادة الشعب معرفة صحيحة، وعلى تمثيلها. وإرادة الشعب في جوهرها أخلاقية خالصة، لأنه لا وجود لشعب فاسد في الشعبوية، ومن هذه التوليفة ينتج ادعاء التمثيل الحصري الأخلاقي”.

تأجيج الخطاب: يعد الخطاب الجماهيري من أهم الأدوات التي تعتمد عليه “الشعبوية” في محاولة الوصول إلى تلبية مطالبها، وهذا الخطاب يتميز بسمات، منها: أنه خطاب يُغلب الجانب العاطفي على الجانب المنطقي، فهو خطاب يلامس العاطفة ويثير الحماس دون أن يتضمن حواراً أو تحليلاً لوقائع وأرقام حقيقية، وأيضاً يعمل هذا الخطاب على تضخيم المخاوف التي تواجه الأفراد وإعطاء الحلول المباشرة وغير المعقدة لمواجهتها، كما أنه يستبعد أيَّة حلول وسطيَّة يمكن أن يرِد تناولها مع الطرف الآخر.

معادات النخبة: على الصعيد الثقافي والسياسي والاقتصادي، حيث أن طريقة النخبة في تناول القضايا ومناقشة حلولها تختلف بشكل كبير عن طريقة غيرهم، وهذا ما يجعلها في مرمى النقد المباشر واتهام صريح بعدم ملامسة الواقع. لكن هل مجرد معادات النخبة في أدنى حالاتها يعد سمة من سمات “الشعبوية” ؟! الجواب: لا! فمجرد الاختلاف أو اتخاذ المواقف التي لا تتفق مع النخبة لا يجعل من ذلك وصمة يوصم بها كل من وقف في مواجهة النخبة والطرح الذي تطرحه، ولكن بتتبع مواقف “الشعبوية” وُجد أنها تتخذ موقفاً معادياً وثابتاً من النخبة وطرحها، دون أن يكون لهذه المواجهة أو المعادات للنخبة حججاً تلاقيها من الطرف الآخر أو تسعى لحلها في إطار منظم، وفي هذا تفصيل سنتكلم عنه في المصالح والتقاطعات.

محاربة العولمة: كان الانفتاح الكبير الذي شهده العالم والمظاهر التي صاحبت هذا الانفتاح أحد الأسباب في صعود “الشعبوية” في دول العالم، حيث يرى البعض أن إنشاء منظمة التجارة العالمية وفتح الأسواق بين أعضائها وارتفاع سقف المنافسة أخلَّ بتوازنات الأسوق المحلية ونشأ عنه خفض الضرائب على الشركات ورؤوس الأموال التي تصب في صالح خزينة الدولة، وزيادة الضرائب على المستهلكين والعاملين، والتسريع من عملية فقدان الوظائف الآمنة، واختلال خارطة توزيع الدخل، إضافة إلى ما صحبه هذا الانفتاح من تزايد موجات الهجرة، لذا يأتي الحديث عن حضور القومية في مواجهة مظاهر العولمة والتحذير منها، على درجات متفاوتة في خطاب “الشعبوية”.

وبعد تناول ملامح وسمات “الشعبوية” قد يتبادر إلى الذهن تقاطعها بشكل مباشر مع أدبيات ومواقف الحركة اليسارية، فالخطاب والمقاومة التي تمارسها “الشعبوية” ليست بعيدة عن الخطاب والمقاومة التي كان يمارسها اليسار ضد مؤسسات الدولة، ويأتي السؤال هنا حول طبيعة العلاقة التي تربط “الشعبوية” باليسار، هل خرجت “الشعبوية” من رحم اليسار فهي امتداد له؟!

للإجابة على هذا السؤال ينبغي لنا تناول نشأة اليسار والمبادئ التي أسسها والتحولات التي مر بها، فاليسار نشأ مع بداية الثورة الفرنسية التي قام بها طبقة أفراد الشعب على الطبقة الحاكمة، وأرسى مبادئه حول قيم محددة تتمثل في العدالة الاجتماعية، والمساواة، وسيادة الشعب. ثم دخل في مقاومة ضارية مع طبقات العائلات الإقطاعية والتجارية تتعلق بالإصلاحات الأساسية لملكية الأراضي وكسر احتكار الفرص، وتبع ذلك تبني اليسار الدفاع عن قضايا الأجور والعمل للطبقة العاملة في المصانع بعد ظهور الثورة الصناعية. ثم في مرحلة هامة شكلت منعطفاً بارزاً في مسيرة اليسار وانتشاره بين أطياف كثيرة من الشعب قام بتبني ودعم إنشاء النقابات والاتحادات العمالية، التي كان لها قوة مؤثرة على الصعيد السياسي والاقتصادي، كونها تضم شريحة كبيرة من الشعب، وبالتالي فإن الدعوات إلى تحقيق مصالح هذه الشريحة وحمايتها تأخذ مساحة واسعة في الإعلام ولدى صناع القرار. ومع ترسخ القيم التي دعا إليها اليسار في الدفاع عن طبقة أفراد الشعب عن طريق البرلمانات والنقابات العمالية امتدت رقعة الدفاع واتخاذ المواقف في مسارات جديدة وقضايا اجتماعية لطبقات مختلفة غير التي كان متعارفاً عليها في اليسارية التقليدية، مثل تبني قضايا الدفاع ضد الحركات المناهضة للتمييز العنصري بسبب العِرق والجنس، وأيضاً امتدت مساحة الدفاع عن قضايا ذات صلة وثيقة بقيم اليسار وتعدى إلى طبقة أو فئات أخرى أكثر شمولية مثل قضايا حقوق الانسان وحماية البيئة وحرية الرأي.

وعليه يتضح أن أساس مشروع اليسار كان لصالح الدفاع عن طبقة معينة، وكان الضرر واقعاً عليها بأسباب اقتصادية تتمثل في عدم عدالة توزيع الثروة، وسوء إدارة عناصر الإنتاج الذي كان أحد شواهدها الصارخة؛ التعسف مع الأيدي العاملة في المصانع ومنعها من حقوقها. ثم في مراحل جديدة زاد تأثير اليسار ليشمل طبقات وقضايا أخرى، تتجاوز إطار الطبقة وإطار القضية الأولى، ومن هنا بدأ تداخل مشروع اليسار المستنِد إلى قيمِه الأساسية مع مشاريع الحركات الأخرى حيث تتفق في الهدف وتختلف في الوسائل والأدوات. وعلى ضوء الخطوات المتسارعة للمسيرة الديموقراطية في دول العالم، وظهور الأحزاب المختلفة وتعدد القضايا التي تتبناها وتواكبها في الجانب السياسي والاقتصادي، في مقابل تباطؤ في خطوات اليسار الإصلاحية، وتعثر الخروج بمشاريع تواكب تطلعات المنتمين له، ظهرت موجات جديدة ذات وجه مختلف عن اليسار، قد تكون “الشعبوية” تشترك مع اليسار في الدافع والرغبة في التغيير السريع، وتتقاطع معها في بعض الملامح، إلا أنه قد يلاحظ اختلاف في عدد من الأوجه التي ترسم طريقة كل منهما على أرض الواقع. كلاهما مَر بمراحل مختلفة وتحولات مهمة قد تجعل بينهما أحياناً نقاط التقاء وافتراق أحياناً أخرى، وهذا في الحقيقة ما تعكسه إشكالية توصيف الحالة وتشعب مظاهرها من ناحية تحليلية، ونلتمس فيما يلي بعض أوجه الاختلاف بينهما :

  • أن اليسار له مبادئ ترتبط بجذور فكرية يسير عليها، وهذا ما لا يتوافر في “الشعبوية” التي لا تعكس بنية تنظيرية واضحة خلال المراحل التاريخية التي مرت بها.
  • أن اليسار في أصله يمثل الدفاع عن طبقة معينة وهي طبقة العمال والفلاحين، وإن كان في مراحل لاحقة شمل طبقات أخرى إلا أنه لازال وثيق الصلة بهذه الطبقة، وقضايا هذه الطبقة هي الموجِّه الفعلي لتوجهاته السياسية والاقتصادية، في حين أن “الشعبوية” تمثل هذه الطبقة وطبقات أخرى غير محددة، قد تضم في جناباتها شرائح مختلفة لأفراد الشعب من جميع الاتجاهات، بما في ذلك الشرائح التي تنتمي إلى مؤسسات الدولة.
  • الركن الأساس الذي انطلق منه اليسار هو رفع الضرر عن طبقة العمال التي كان يقع عليها من قبل طبقة الإقطاع وأصحاب المصانع، فيما “الشعبوية” تنطلق من رفع الضرر عن فئات كثيرة في المجتمع يجمعها رابط عرقي أو ديني بسبب آثار الرأسمالية المحلية أو العالمية، فالنطاق الطبقي في “الشعبوية” متعدد، وتأثير الرأسمالية للنطاق الجغرافي غير محدود.
  • لغة الخطاب التي تمثل اليسار لغة تنزع نحو المنطق، وفيها نَفَس الكفاح ومناهضة الاستغلال، والدعوة إلى استحضار الحلول في مبادئ العدالة والمساواة دون تمييز لأحد بسبب عرق أو دين، بينما “الشعبوية” تنزع نحو العاطفة وإلى الحلول الصفرية، والدعوة إلى استحضارالسيادة الوطنية والحدود الجغرافية وتأسيس خطاب مبني على تمييز عرقي وديني.

وفي سياق مقارنة التأثير يتضح أن هناك إشكالية يعيشها اليسار مع المنظومة الديموقراطية المتسارعة، تبين بجلاء مدى إستفادة “الشعبوية” من أدوات هذه المنظومة في ازدياد قوة التأثير، حيث أن هذه المنظومة لم تكن هي المركَب المثالي لتحقيق أهداف اليسار والتفاف أنصاره حوله من جديد، لذا نشأت الاختلافات بين مفكريه وظهرت الانقسامات حول التعامل مع الديموقراطية في داخل اليسار بين متطرف ومعتدل، واتضح مدى صعوبة قيام مشاريعه وتحقيق المطالب الحقوقية استناداً على أسس اليسار ومبادئه بشكل يتوافق مع المنظومة الديموقراطية الحديثة، ولتوضيح هذه الصورة قسمت المُنَظرة السياسية البلجيكية د/ شانتال موفيه أستاذة النظرية السياسية في جامعة وستمنستر في لندن موقف حركة اليسار إلى فئات ثلاث:

 الأولى: اليسار الإصلاحي الصرف لليبراليين الاجتماعيين، وهم الذين تقبلوا فكرة عدم وجود بديل عن العولمة النيولبيرالية ويعتقدون أن كل ما بوسعهم القيام به هو إجراء إصلاحات طفيفة للنظام القائم دون أي تحدِّ للمهيمن الحالي.

الثانية: اليسار الثوري الذي يقول إنه يريد قطع الصلة تماماً مع مؤسسات الديمقراطية الليبرالية. وأنهم يعتقدون أن الدولة لا يمكن أن تتغير وأنه من الواجب إلغاؤها. وهناك نسخة أخرى من هذه الفئة تؤيد البحث عن استراتيجية هجر وترك المؤسسات التقليدية.

الثالثة: اليسار يؤيد سياسات الإصلاح الراديكالي، وسياسات هذه الفئة تشتمل على تنفيذ إصلاحات من خارج إطار النهج الإصلاحي من داخل اليسار، وهذه الفئة من اليسار لا ترفض أي مؤسسة رئيسية من مؤسسات الديمقراطية الجماعية، لكنها تهدف إلى تأسيس هيمنة أخرى مختلفة، دون نبذ إطار الديمقراطية الليبرالية.

ومن هنا جاءت دعوة د/شانتال موفيه إلى تأسيس نموذج جديد يتمثل في يسار شعبوي يهدف إلى بناء الإرادة الجمعية للشعب، من خلال التعبير عن العديد من المطالب الديمقراطية المتغايرة لشرائح أوسع، وبطريقة تتسم بالكفاح الاجتماعي وتوسيع قاعدة التعبير بشكل أفقي بدل من أن تكون بشكل عمودي يتمثل في أعضاء الأحزاب فقط. توضح “شانتال موفيه” هذه الفكرة بقولها: “اليسار الشعبوي هو بلا شك استراتيجية إصلاح راديكالي، والهدف من هذه الاستراتيجية هو الوصول للسلطة عن طريق الفوز في الانتخابات. كما أنها تعتقد بضرورة مشاركة المؤسسات القائمة، واحتمالية تغيير الدولة. أعتقد أن هذه هي الإستراتيجية الأنسب، لأن هذه هي الطريقة للقطع مع الهيمنة النيوليبرالية وتأسيس هيمنة مختلفة تهدف إلى تجذير الديمقراطية”.

 

المصالح والتقاطعات

يمكننا القول أنه لأجل الوصول إلى قراءة متأنية وموضوعية لهذا الجزء كان من المهم لنا التطرق إلى المحاور السابقة، وذلك بتناول الاختلاف في مصطلح “الشعبوية” وسياقها كمدخل، ثم محاولة الوصول إلى توصيف مقارب لحالة “الشعبوية” بعرض الأسباب والدوافع خلف نشوئها، وأبرز الملامح والسمات بعد تشكلها وصعودها. إن أهمية هذا الاستعراض في ضوء الأحداث المتسارعة في العالم يوضح بجلاء عدم تقيد “الشعبوية” بإطار ثقافي أو سياسي أو اقتصادي معين، فإذا كانت تبرز في حالات متعددة بشكلها الصارخ فإنها في حالات أخرى تتسلل بصورة غير مكتملة أو ناقصة تتقاطع مع الحالة والزمان بالشكل الملائم لتحقيق مصالحها لدى أطراف أخرى، وهذا يدفعنا إلى تناول المصالح والتقاطعات التي تتجه لها النخبة والمؤسسات والأفراد في سياق الحديث عن “الشعبوية” آخذين في الاعتبار الأبعاد التي يمكن أن تلامسها في عدد من النقاط :

السلام المجتمعي: تجاوَز القلق من “الشعبوية” والخوف من آثارها المؤسسات والنخبة ليصل إلى الأفراد، ليقرع جرس الخطر بشكل غير مسبوق من أي ممارسات ترفض التعددية وتُعزز من العنصرية، مثل التظاهرات الشعبية التي خرجت معترضة بعد انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016م، وتصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وما تبعه من تظاهرات شعبية ضد هذا التصويت، يصف د/عبدالحسين شعبان سبب هذا القلق بأن: “الخطاب الشعبوي يترك أحياناً ردود فعل حادَّة لما يمثل من خطر على السلام المجتمعي، نظراً لقدرته الاكتساحيَّة وإمكانيّته في إثارة البلبلة والهيجان في صميم المجتمعات، والأمر يتخذ في أحيان أخرى بُعداً أخلاقيّاً بين الأخيار والأشرار والحق والباطل، وهي تصنيفات غالباً ما يستحضرها الشعبويُّون ضدّ خصومهم أو أعدائهم”.

النخبة والنقد: سبق وأن تحدثنا عن معارضة المؤسسات ومعادات النخبة وكيف أنها سمة ثابتة تنتهجها “الشعبوية” إلا أن ذلك لا يعني أن ممارسة نقد المؤسسات أو النخبة بشكل موضوعي هو تلبية لمطالب شعبوية في كل الأحوال، أو أن تتخذ المؤسسات أو النخبة هذا الأمر غطاء تتوقى به نقد الآخرين، ولا يمنعها من أن تستفيد منه في تصحيح أخطائها. وفي المقابل نرى خطورة استغلال الفهم والانطباع السلبي السائد عن “الشعبوية” من قبل المؤسسات أو النخبة في تمرير أجندتها الخاصة التي قد لا تتوافق مع مصالح وحقوق الأطراف الأخرى إذا ما تجاوزنا الحديث عن اتفاقها مع القوانين والإجراءات المعمول بها. وفي بعض الأحوال نجد المؤسسات أو النخبة قد يلجؤون سياسياً إلى بعض مظاهر “الشعبوية” مع عدم القناعة الداخلية بها لغرض كسب تأييد الأفراد في لحظة استحقاق معينة، أو أن يتم اللجوء إلى عملية إقصاء تحت ذرائع مختلفة، لذا نبه “يان فيرنر مولر” إلى أن: “مَيل اللبراليين إلى إقصاء المجموعات الشعبوية المعارضة لا يخلو من إشكالية؛ لأنه عبر ذلك يفعلون الشيء نفسه الذ يرمون الشعبويين به. إنهم يقصونهم باسم الأخلاق، تماماً كما يقصي الشعبويون بعض المواطنين أخلاقياً من الشعب الحقيقي والمنسجم. وبدلاً من نزع المصداقية الأخلاقية عن الشعبويين، يجب على اللبراليين أولاً مناقشتهم على الأقل من أجل الاقتراب من الحقائق أكثر”.

السياسية الشعبوية: تباينت الآراء والمواقف حول الآثار التي يمكن أن يصل إليها تأثير”الشعبوية” في إدارة السياسة العامة، وما إذا كانت الطريقة التي تدير بها “الشعبوية” السياسة مختصة بها فعلياً دون غيرها. ما يدعونا للحديث هو الطريقة الهجومية والحادة في إدارة “الشعبوية” للموقف السياسي أو الاقتصادي، والسياسات التي تتبعها مع الآخرعلى الصعيد المحلي والعالمي، يبرز جلياً على سبيل المثال بالتدخل في عمل مؤسسات الدولة كالقضاء والإعلام والبنوك المركزية دون أي اعتبار للإخلال الذي يمكن أن يحدث في توازن مؤسسات الدولة واستقلاليتها وترابطها، وبالتالي اختلاف ترتيب الأولويات من طرف واحد على حساب مصالح أخرى مشتركة بين الدولة وأفراد الشعب، وما يتبع ذلك من خطوات محمومة في توظيف الأتباع المُوالين بُغية السرعة في تحقيق أهداف هذه السياسة، ولعل أقرب مثال يوضح هذه الفكرة هي تغريدات الرئيس الأمريكي ترامب في التأثير على قرارات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في تغيير أسعار الفائدة، وحملات الرئيس التركي أردوغان في التأثير على البنك المركزي التركي وعزل محافظه بنهاية المطاف في يوليو 2019م.

أحلام الجماهير: الحديث عن تأثير الخطاب كمُكون رئيس من مكونات “الشعبوية” يرتبط بشكل كبير بالحديث عن وعي الجماهير، والكاتب الفرنسي “غوستاف لوبون” سلط الضوء في كتابه: (سيكلوجية الجماهير) على تأثير الخطاب على الجماهير وطريقة تفاعلها معه وتأثرها به، وخطاب “الشعبوية” عند التأمل في آثاره نجده خطاباً يصنع أثراً سلبياً تراكمياً في وعي الأفراد الاجتماعي يمنع من إمكانية قبول أي تحديث أو تغيير ممكن أن يحدث خارج إطار هذا الخطاب، هذا الأثر يعزز من الوثوقية العمياء في أطراف محددة تتمثل في أشخاص لا مؤسسات، ولا يتيح مجالاً للأفراد في معرفة الخطط والأدوات التي تقوم عليها تلك السياسات، مع إغراق في الوعود وبساطة في الحلول ونزعة نحو الحلول الصفرية التي لا تقبل التنوع في الحلول وتدرجها، وهذا يرفع من سقف رغبات أفراد الشعب دون أن تنسجم مع الواقع والظروف المتغيرة التي قد تمنع أو تؤخر من تحقيق هذه الرغبات والتطلعات، مما يعني وقوع ردة فعل سلبية من قِبل الأفراد مستقبلاً في حال عدم تحققها.

ردة الفعل المعاكسة: في سياق الدور الذي يمكن أن تؤديه قرارات المؤسسة السياسية بشكل معاكس في تعزيز المخاوف القومية وأثرها المباشر في تأجيج “الشعبوية” لدى الأفراد، توضح وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “مادلين أولبرايت” في كتابها: (إمبراطورية الخوف) ما جرى للولايات المتحدة في وقت إدارة جورج بوش -الابن، وكيف أن زراعته للخوف بعد11سبتمبر2001م أشاع مشاعر الخوف من الآخر في الحياة الأميركية وولد تيارات انعزالية، وأعطى قُبْلة الحياة لجماعات شعبوية يمينية، وبالتالي ارتدت هذه السياسة سلباً على المجتمع الأمريكي.

 

الحاضر والمستقبل

بعد وصول “الشعبوية” إلى ذروتها وتصاعد ردود الأفعال وما بعدها ، ظهرت التساؤلات والمخاوف حول هذه المَوجة وإلى أي مدى يمكن أن تصل آثارها، مما دفع الباحثين والمفكرين إلى نقاشات متعددة وإجابات مختلفة حول الآثار المتوقعة لصعود “الشعبوية” وتطورها بعد 2008م، خصوصاً أن لكل حالة مظاهر وسمات مختلفة في كل بلد، وهذا انعكس في الوقت الحالي على القلق الحاصل والخوف المتنامي من تهاوي دور المؤسسات والنخب، وتعزيز نزعة أفراد الشعوب نحو الانعزالية، والتأثير على اقتصاديات العالم المنفتحة، مما يعني ترك مساحة لـ”الشعبوية” وخسارة مكتسبات عديدة، وهذا ما حصل في عدد من مراحل الحكومات الأوربية وأمريكا الجنوبية، يقول “برتران بادي”: “إن ثمة أمراً يقينياً لا يتطرق إليه ريب، إذ لا ينبغي أن يغيب عن ناظرنا تنوع الظاهرة، كما لا يصح أن نعود بها ونحصرها في رزايا ومحن وغُلاة اليمين الأوربي. فالإشكال والتعقيد يشكل جزءاً من تاريخ المفهوم، وثمة اختلافات شعبويات اليوم وشعبويات الأمس”.

وفي سبيل مواجهة “الشعبوية” أُطلقت صيحات تنادي بحلول أساسية تخلق تغييراً في الوضع القائم الذي يقف خلف تنامي هذه الموجة، آخذاً في الاعتبار عدم مواجتها وإقصائها، والعمل على تعزيز الحوار ومواجهة التحديات الاقتصادية التي تعيق تحقيق المصالح المشتركة، ومن هذا المنطلق جاءت دعوات بالابتعاد عن المشاريع التي تحتكر صياغتها النخب، وصار الحديث عن إشراك الأفراد في صياغة هذه المشاريع ضرورة ملحة، وفي مقال عن “الشعبوية” وآثارها في الاتحاد الأوربي كتبه: “سيمون تيلفرد” و”جون سبرينج فورد” ذكرا أنه ينبغي لمواجهة “الشعبوية” التوقف عن التساهل مع المشاعر المعادية للهجرة، وألا يحاول السياسيون تحقيق مكاسب سياسية عن طريق ترديد نغمة العداء الشعبوي للمهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي. كما أشار المقال إلى ضرورة معالجة معدلات النمو الضعيفة التي كانت المحرك لعدم الاستقرار السياسي، وأن السياسات المالية والنقدية كانت سبباً في تأخر التعافي الاقتصادي. وفي خطوة ثالثة ذكرها المقال هي تنامي الحاجة إلى خلق شكل جديد من أشكال التفكير حول كيفية زيادة الأجور بما يتناسب مع توزيع الدخل، وأيضاً التفكير في كيفية تقديم المزيد من الفرص للأفراد، والتأكيد على أن تخفيف الضغوط المالية والأعباء الضريبية عن كاهل الفقراء ينبغي أن تكون له الأولوية.


أبرز المراجع :

  • كتاب (ما الشعبوية ؟!) ، يان فيرنر مولر ، ترجمة رشيد بو طيب ، منتدى العلاقات العربية والدولية.
  • عودة الشعبويات أوضاع العالم 2019، برتران بادي ، ترجمة نصير مروة – مؤسسة الفكر العربي.
  • التيار الشعبوي وأسباب انتشاره ، بقلم: سيمون تيلفرد وجون سبرينج فورد ، نشر في موقع مجلة: “إسجلوبال” الإسبانية بتاريخ 3/7/2018م ، ترجمة محمد عويس.
  • ملف : أوربا تتنكر لصورتها ، مجلة الفيصل ، 1 نوفمبر 2019م.
  • مقابلة مع د.شانتال موفيه في Red Pepper، مترجم في موقع ميدان .
  • الشعبوية والديموقراطية ، د.عبدالحسين شعبان ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث ، 7/2/2019م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق