مراجعات كتب

طبقات فحول الشعراء بين ابن سلام ومحمود شاكر

  • محمد قناوي
  • تحرير: عبد الرحمن روح الأمين

منذ زمن غير بعيدٍ كنت أرى هذا الكتاب وأتهيّبُه، تُحدِّثني نفسي بقراءته ولكن سرعان ما تتحوّل هذه الرغبة إلى هيبة، فأحجُم عنه، فاسم الكتاب ومؤلفه وتاريخ وفاتهِ بل ومحقِّقه كل هذا يدلّ على أني أمام أمرٍ عظيمٍ إن لم امتلك من العلوم ما يُعينُني على فهمه فإني سأضَلّ في مهمةٍ قُذُفٍ لا دليل فيه.

ومرّت السنون وتعلّقت بالشيخ محمود محمد شاكر وشَرعت في قراءة ما جاد به علينا من تأليفٍ أو تحقيق، وكان ضمن ذلك شرحه على كتاب “طبقات فحول الشعراء” فزدت بهذا الكتاب حبًّا للشيخ وتعلّقًا به.

فهذا عرضٌ قاصر لهذا الكتاب وتحقيقه، أُلمح فيه ببعض ما وقفت عليه، وليس كما يظنّه أحدٌ أمرًا محررًا مدقّقًا، والكلام فيه على قسمين:

  1. ابن سلّام وصنيعه في الكتاب.
  2. منهج الشيخ شاكر رحمه الله في شرحه على الكتاب وهو الجانب الأكبر من العرض.

ابن سلّام الجمحي وكتابه:

لا يخفى أن كتاب ابن سلام من أوائل الكتب التي حاولت وضع اللّبنات الأولى في النقد الأدبي وتتبّع ما يخصّ الشعر حتى يَكتمل علمًا يُدرّس ويُعلّم، وُيستعان به على حفظ ما وصَلنا وفهمِه، والحديثُ عن الكتاب وكيفيّة تأليفه وما عَرَض لابن سلام أثناء ذلك العمل، أبانَ عن شيء منه الشيخ محمود شاكر رحمه الله في كتابه “قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام” وإني لأحسب أن الشيخ من دقّة تذوّقه وتوقّد ذهنه كاد أن يتخلّل روح ابن سلام فيحسّ بخَطَراته وما أدّاه إلى هذا المنهج في هذا الكتاب.

يقول الدكتور إحسان عبّاس ” كان ابن سلام أوّل من نصّ على استقلال النقد الأدبي فأفرد الناقد بدور خاص، حين جعل للشعر – أي لنقده والحكم عليه – صناعةً يُتقنها “أهل العلم بها “مثلما أن ناقد الدراهم والدينار يعرف صحيحها من زائفها بالمعاينة والنظر؛ ولعلّه كان يردّ بهذا على من يتطاولون إلى الحديث في نقد الشعر من معاصريه وهم لا يملكون ما يُسعفهم على ذلك”[1]، وأورد ابن سلام مقدّمة تحدّث فيها عن الشعر المفتعل الموضوع ثم خلاصةً موجزةً أخرى في مراتب العلماء بالشعر ثم تكلم عن حال الشعر وأن ما وصلنا منه قليلٌ من قليلٍ ثم بيّن منهجه في الكتاب وبدأ بالطبقات. والطبقات مصطلح له معنى على خلاف ما نظنّه نحن، عقَد لذلك الشيخ شاكر بابًا بيّن فيه ذلك، وعَنى بالطبقات مذاهب الشعر، فقول ابن سلام “عشر طبقات” أي عشر مذاهب، أو عشر مناهج من مذاهب الشعر ومناهجه.[2] إلا أن ابن سلام لم يفسر لنا هذه المذاهب، وحمّلنا عبء النظر حتى نعرف ما هي هذه المناهج من خلال قراءة أشعار هؤلاء الفحول كما قال شاكر رحمه الله.

فجاء الكتاب على عشر طبقات للجاهليين، كل طبقة أربعة شعراء، ثم أتبعهم بطبقة أصحاب المراثي وفيهم أربعة شعراء ثم طبقة شعراء القرى العربية (المدينة ومكة والطائف والبحرين) ثم طبقة شعراء اليهود ثم طبقات فحول الإسلام وهم عشر طبقات في كل واحدة أربعة شعراء.

والنظر في سرّ هذا التقسيم أمرٌ صعب المنال، ولم يفصّل ابن سلام كل ما أرادَه، فلم يُبيّن لنا معيار الفحولة التي اختار بها الشعراء، إلا أننا نستطيع أن نتبيّن بعض ملامحها، مثل:

  • مراعاة الكمّ، فقال عند الطبقة السابعة “أربعة رهط مُحْكِمون مُقلّون، وفي أشعارهم قلّة، فذاك الذي أخّرهم”.[3]
  • مراعاة الجودة فقال عند الأسود بن يَعفر “وله واحدة رائعة طويلة، لاحقة بأجود الشعر، ولو شفّعها بمثلها قدّمناه على مرتبته”.
  • وقد يكون القائل كثيرَ الشعر إلا أن له نادرةٌ تفرّد بها فيَلحق بالفحول لكن دون من قبلَه، كما فعل مع عنترة فقال: “وله شعرٌ كثيرٌ، إلا أن هذه [أي معلّقته] نادرة، فألحقوها مع أصحاب الواحدة “.[4]
  • وقد تكون الشهرة لها عامل في معيار الفحولة، فقال: “وقال يونس، وقال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مُضر، حتى نشأ النابغة وزهير فأخمَلاه” مع أنه في منزلتهما قال: “وأوسٌ نظير الأربعة المتقدّمين [أي الطبقة الأولى] إلا أنا اقتصرنا على أربعة رهط”[5] فإما أن يكون وراء اختياره لأربعة رهطٍ سرّ في ذلك أو هو تحكّم كما قال الدكتور إحسان عباس [6].

وكل ما ذكرتُه عن معيار الفحولة مجرّد اجتهادات لحَظْتها أثناء القراءة وإلا فالأمر يحتاج إلى تتبّع كثير، وكتاب طبقات فحول الشعراء في حاجة إلى دراسة عميقة يسْتنطق بها صنيع ابن سلام في أمور كثيرة يقول الشيخ شاكر: “وسيبقى أمر كتابِ طبقات فحول الشعراء بعد ذلك محتاجًا إلى دراسة وتفصيل وتتبّع وتفلية وفقهٍ لأصول ابن سلام في النظر ولأسسه التي بنى عليها نقده في الشعر، وهو خليقٌ بأن تبذل في دراسته الأعوام؛ لأنه أقدم كتابٍ وصل إلينا من كتب قدماء نقّاد الأدب والشعر، بل لعلّه طليعة كتب النقد في الأدب العربي، وهو حقيقٌ بهذه المنزلة من التقديم والجلال”.[7]

منهج الشيخ محمود شاكر في شرح كتاب ابن سلّام :

أما عن جهد الشيخ شاكر رحمه الله في هذا الكتاب فهو عملٌ من الطراز الرفيع، يَعافُه كثيرٌ من الناس لصعوبته، ولو أخرجت لنا الأمّات من كتب التراث بمثل هذا التحقيق لكفُينا جهدًا كبيرًا ، قال الأستاذ السيد أحمد صقر عن شرح الشيخ على طبقات الفحول: “وإن شرحه هذا لشرح دقيقٌ جليلٌ، لا تكاد تمضي فيه حتى تحسّ أنك أمام رائدٍ أدبيٍ ممتاز، يرتاد بك منازلَ الكتاب، مفسّرًا لما غمض من ألفاظه، موضحًا لما انبَهمَ من معانيه، في غير إسراف ولا إسفاف، كما يصنع بعض الناشرين، لأنه يُقدّر وقتك ولحظك حق قدرهما، فلا يعوج بك إلا ريثما يطرفك بفائدة لغوية، أو نكتة أدبية، تُجلي لك أسرار نصٍ، أو تقفك على مفاتن شعرٍ”.[8]

تفسيره لألفاظ البيت:

لا يُلقي لك الشيخ المعنى اللغوي لبيت الشعر حتى إذا ما نظرت فيه وجدته لا يستقيم، بل يأتي لك بأصل المعنى ثم المعنى المراد في البيت، بل إنه أحيانًا ليأتي لك بطرائق الشعراء في هذا المعنى وخصوصه عندهم، وإليك أمثلة على ذلك:

فعند قول أبي الصلت:

فاشرب هنيئًا، عليك التّاجُ مُرتَفِقًا
في رأسِ غُمدان دارًا منك مِحلالا

(واضطمِ) بالمسكِ إذ شالت نَعامتهم
وأسبلِ اليومَ في برديك إسبالا

قال في تفسير ” اضطمِ” :

هكذا رواية ابن سلام “واضطم”، وهي في حماسة البحتري “واخطم”، وكأنها خطأ وتحريف. وروى الأزرقي “والتط” وهذه روايات مشكلة. وسائر الروايات “واطل” و “ثم أطل” وهي واضحة المعنى. وعندي أن رواية ابن سلام إذا صحّت، فإنما هي فعل أمر من اضطمخ بالمسك وتضمخ: تلطخ به وتطيب. فلما سكنت الخاء، طرحها. والعرب تحذف من أواخر كلامها الحرف والحرفين، كما قال سيبويه 1:8 “واعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف مالا ينصرف .. وحذف مالا يحذف، ويشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا، كما قال العجاج:

قواطنًا مكة من وُرق الحَمِى

يريد الحمام. وشواهده كثيرة، ومما استشهدوا به قول لبيد:

دَرَس المنا بمتالع فأبان
وتقادمت بالحبسِ فالسُّوبان

أراد المنازل، فحذف الزاي واللام. وقول الفرزدق:

أحين التقى ناباي وابيضّ مسحلي
وأطرق إطراق الكَرَا من أحاربه

أراد الكروان، فحذف. وقول علقمة بن عبدة:

كأن إبريقهم ظبيٌ على شَرَفٍ
مفدَّمٌ بِسَبَا الكتّان مرثومُ

أراد بسبائب الكتان. وهو كثيرٌ في شعرهم. أما رواية الأزرقي: “والتط” فهي أيضًا على حذف آخر فعل الأمر التطخ. أمر من قولهم: التطخْ بالطيب وتلطّخ به: تلطى أو ادهن. هذا ما استطعت أن أراه رأيًا في تأويل هاتين الكلمتين. ولم أعرف لهما وجهًا غير هذا الوجه”.[9]

وقال عند بيت شبيب بن البرصاء:

ألم تكنْ زَعَمَتْ بالله مسلمةً
ولم تكنْ هي مما قضّتِ الأرَبَا

زعم: من الأفعال المطلقة التي تحتمل المعاني، نحو “قال”، تقول “قال بيده” أي أومَأ، “وقالت السماء” أي أمطرت، وأشباه ذلك. تقول: “زعم” بمعنى قال، وبمعنى وعد، وبمعنى ضمن، وبمعنى ظن واتهم، فمن ذلك قول مضرس بن ربعي الأسدي:

تقولُ : هلكنا إن هلكتَ وإنما
على الله أرزاق العبادِ كما زعمْ

أي كمال قال الله تعالى ووعد. وهي في بيت شبيب بمعنى الحلف والقسم، أي: ألم تكن حلفت الله”.[10]

وأيضًا حتى يتبيّن لك منهجه في شرح الألفاظ انظر ما قاله عند قول عدي بن الرقاع:

رَكِبَت به من عالجٍ مُتَحَيِّزًا
قفرًا تُرَبِبُ وحشه أولاها

قال في تفسير “مُتَحَيِّزًا“: صححه الراجكوتي”متحيرًا[11] بالراء”، ولا معنى لها. وفي معجم ما استعجم:913 “متجبرًا” وفسرها قال: “أي صعب المرتقى”، وهي وإن كانت صحيحة المعنى إلا أنها غير مرادة هنا“.[12]

وقال أيضًا عند قول نُصيب :

حَريبٌ أصاب المال من بعد ثروةٍ
لديه فأضحى وهو أسوانُ مُعْدِمُ

قال في أصاب المال “أراده وطلبه. وكذلك هو في قوله تعالى في سورة ص: 36 “فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب”، وقال الأصمعي: ومنه قولهم “أصاب الصواب، فأخطأ الجواب” أي أراد الصواب، وعليه قول بِشر بن أبي خازم:

وغيرها ما غيّر الناسُ قبلها
فبانتْ وحاجات الفؤادِ تُصيبُها

أي: تطلبها ” [13]

وهذا غيضٌ من فيض، فهو لا يشرح مجرّد اللّفظة كما مرّ فيما سبق، بل يكاد يحلّلها ويرى ما يناسبها في البيت، ومثل هذا فعله مع الألفاظ التي أخلّت بها المعاجم فكان ينبّه على ذلك وصنع لها فهرسًا في آخر الكتاب.

 استدراكاته على الشرّاح:

لم يخْل الشرح من استدراكات على الشراح وأصحاب الكتب والمجاميع، وقد أحصيت استدراكاته على شروح الشعر التي رآها خطأ فبلغت أربعين استدراكًا، وإني على يقين أني لو أعدتُ النظر في الكتاب لخرج عدد أكبر من ذلك. ومثال ذلك قوله في بيت جرير:

غَيَّضنَ من عبراتهنَّ وقُلنَ لي
ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا ؟

“غيّض دمعه: حبسَه حتى غاض، أي نقص وغار ثم ذهب. وقال ثعلب التغْييض: أن يأخذ العبرة من عينه ثم يقذف بها. وهو قولٌ لا يُعتدّ به، إلا أن يشهد له شاهد ، ولا أظنّه يصحّ[14]

وقال في بيت الراعي النميري :

فلو كنْتُ معذورًا بنصْرِكِ طيَّرَتْ
صقُوريَ غِربانَ البعير المُقَيَّدِ

“وقد شرحه البكري وأساء في شرحه. والبعير إذا أثر في ظهره القتب أصابته قرحة، فإذا قيد حتى يعالج، فربّما سقطت الغربان عليها ونقرته وأكلت ذلك الموضع، وهو لا يستطيع أن يَدفعها عن نفسه. يقول معتذرًا إلى صاحبته من عجزه عن نصرتها مخافة العارِ عليها لو وجدت لي عذرًا في الانتصار لمن أساء إليك، لأطلقت صقوري على الغربان العادية على من لا يملك الذب عن نفسه. وضرب الصقور والغربان مثلًا لنفسه وللّذي عدا على امرأة عاجزة عن تدفع عن نفسها بلسان أو يد”.

اقتدارًا على عربيته :

استعمل الشيخ هذا التركيب في عدة مواطن للتعليل عما خالف المعهود من القواعد ، أو بعض ما استشكله النحاة وقالوا أنه شاذ، فكأنه يعترض عليهم ويقول العربي يفعل ما يشاء، فتراه يقول: “حذفها اقتدارًا على عربيته”[15] وتارة أخرى يقول في بيت الفرزدق:

كَثيراً مِنَ الأَيدى الَّتي قَد تَكَنَّعَت
فَكَكتَ وَأَعناقاً عَلَيها غِلالُها

” غِلال جمع غلّ … قال أصحاب اللغة والجمع أغلال، لا يكسر على غير ذلك. ولكن شعر الفرزدق حجة عليهم وهو على باب: قف قفاف وعش عشاش وخف خفاف، ولكن بعض أصحاب الدعوى يحرج من حيث لا يعلم،والعرب أجرأ على لغتهم مما يظنّ المتكلّفون[16] وتجد الشيخ في موضع آخر يقول أيضًا عند بيت شبيب بن البرصاء:

كأنّ ابنة العذريِّ يوم بدت لنا
بوادي القُرى، روعى الجنان سليب

“وقوله “روعى الجنان” من الروع، وهو والفزع والرعب على وزن “فعلى” صفة، ولم تُثبته كتب اللغة، وهو عربي فصيح، وهي العرب تقول ما شاءت![17] وأمثال ذلك مبثوث في بطن الشرح.

قواعد وأحكام نقدية:

لم يخْلُ شرح الشيخ من أحكام وقواعدَ نقديّة يجب على دارسي النقد والأدب أن يَحصوها ويدرسونها فإنه الجزء التطبيقي لمنهج الشيخ في فهمه للشعر، فهو في الغالب يحكم على القطعة أو القصيدة التي أوردها ابن سلام بأحكام، فمثلًا عن قصيدة ألا عِم صباحًا لامري القيس قال “قصيدته النبيلة” [18] وعند تعليقه على مبحث الحذف والإيجاز يقول:  “ههنا أمر مهمّ أن ذلك الحذف الطويل في شعر امرئ القيس خاصة وفي شعر غيره كثير …..وفي كتاب الله سبحانه: «فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت» قال العز بن عبد السلام: ” تقديره … ينظرون إليك دائرة أعينهم دورانًا كدوران عين الذي يُغشى عليه من حذر الموت” فهذا باب ينبغي إحكامه لمن أراد أن بستوعب ذكاء العربية” [19] وغير ذلك.

المفاضلة بين روايات البيت والواحد والعناية بالترتيب:

وهذا أمر يكاد يكون مطّرد في كلّ تخريجاته للأبيات التي أوردها ابن سلام، ينبّه على الترتيب الذي يراه مستقيمًا بل وأحيانًا يضع في نص الكتاب بيتًا أو أكثر مما يرى أن المعنى لا يتم إلا به، وكذلك يُفضّل بين روايات البيت الواحد إن تعدّدت، فيقول هذا أجود، هذه الرواية أصحّ وغير ذلك.

روحٌ تسري في ثنايا الشرح :

لم يكن تحقيق الشيخ تحقيقًا جافًا، بل كان تحقيقًا حيّا كأنه رجل أمامك يأخذ بيدك في طريق لا تعلمه فيَهديك ويُرشدك، وهكذا أراد الشيخ ووضّح أن منهجه مُباينٌ لما يزعم أنه المنهج العلمي الذي يكون كما قال الشيخ ساخرًا منهم “إنما المحقق من يقول في “د”: “قال”، وفي نسخة “ع”: “نال”، وفي نسخة “م”: “فال”، وهلمّ جرًّا،  فتجده في ثنايا الكتاب يُعلّق على ما يدور في عصره ممّا أوقد ناره المستشرقون، فيقول مثلًا عما ادّعي من العداوة بين بني هاشم وبني أميّة “…فهذا كله تكذيب لمن يقول هذه المقالة في بني هاشم وبني أمية، من أهل جلدتنا، ومن الخراصين من المستشرقين ذوي الضغائن”. [20]

وتجده يُعلّق عند قول قيس بن الخطيم:

ومثلك قد أصبيت ليست بكنةٍ
ولا جارةٍ ولا حليلة صاحبِ

فيقول: “وهذا خلق الجاهلية التي يَعيبها من لا يُحسن الفهم من أهل زماننا”[21] وهنا لفتة وهي أن بعض الناس عندما يتحدّث عن حياة العرب تجده يذكر من الأمجاد والشرف حتى تظنّ أن حالهم قبل الإسلام وبعده لم يتغيّر  تمامًا وأن مناطق الخلاف ضيّقة انتصارًا لمن سفّه الجاهليين ووصمهم بكل نقيصة، وكلا الأمرين خطأ وإفراط، بخلاف ما فعله الشيخ رحمه الله، فعندما يَعرض لك أمرًا من أمور الجاهلية أبطلها الله يُبيّنها لك ويذكرها كقوله عن الطيرة: “يعني ما كان من أمر الجاهلية، وظنّها الفاسد في السانح والبارح”، وقوله في الهامة: “وأهل الجاهلية كانوا يزعمون أن أرواح الموتى تصير هامًا، وهو طائر يكون عند المقابر يزقو، أي يصيح. وقد أكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “لا عدوى ولا طيرة ولا هامة” وغير ذلك من المواضع.

وكذلك إذا رأى الشيخ جمالًا في الشعر أنت لم تدركه أوقفك عليه ونبّهك، فتراه مثلًا يقول: “وهذه صورة عجيبة أبدعها جرير”، وفي غيرها يقول: “وقد أحسنت أذن الفرزدق وعينه إدراك الجمال، وأجاد لسانه بالبيان”.

وأمثال ذلك في ثنايا الشرح كثير، لو وقف الدارس عليها وتأمل لخرج منها بعلم كثير. وإني أعلم أني قد أسهبت في هذا البيان ولكن عذري أن تراث الشيخ محمود شاكر بحاجةٍ إلى قراءات متأنّية يُستخرج منها علومًا كثيرة، فإن كثيرًا مما كُتب عن محمود شاكر كَتب حول حياته وتفاصيلها، ومع أننا بحاجة لذلك إلا أننا في حاجة أشدّ إلى التنقيب في كلام محمود شاكر وفهمِه وتأمّله حتى تتجلّى لنا عبقريّته التي غابت. فرحم الله علماءنا وجزاهم عنا خيرًا.


[1] تاريخ النقد الأدبي ، إحسان عباس ، ص 79

[2] طبقات فحول الشعراء ، المقدمة ،  68

[3] نفسه ، ص 155

[4] نفسه ص 152

[5] نفسه  ص97

[6] تاريخ النقد الأدبي 82

[7] طبقات فحول الشعراء ، المقدمة 69

[8] مجلة الكاتب ، مارس 1953 ، ص379 ، نقلتها من كتاب ” شيخ العربية محمود محمد شاكر ” لمحمود الرضواني ، ص 411

[9] طبقات فحول الشعراء (1/262)

[10] نفسه (2/731)

[11] نشر هذه القصيدة الشيخ الأديب المحقق عبد العزيز الميمني الراجكوتي رحمه الله في كتاب الطرائف الأدبية (87-91) وقال عنها شاكر ” قصيدة عزيزة ”

[12] طبقات فحول الشعراء (2/707)

[13] نفسه (2/676)

[14] نفسه ( 2/412)

[15] نفسه (1/239)

[16] نفسه (2/338)

[17] نفسه (2/731)

[18] نفسه (1/81) وهذا الحكم بالنبالة أورده عدة مرات على قصائد عدة، وهو في حاجة للتحرير والنظر لمراد الشيخ منه ، انظر ص(1/85)، (1/131)، (1/273)

[19] نفسه (1/85)

[20] نفسه (1/236)

[21] نفسه (1/228)

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى