الفلسفة

الفلسفة ومشكلات الواقع

يجب أن تنزل الفلسفة من برجها العاجي وتقتحم معترك الأفكار والواقع

  • أرون جيمس وينلاند
  • ترجمة: فيصل الضويري
  • تحرير: جواهر محمد

وفقًا لأحد الأساطير المؤسسة لتاريخ الفلسفة، فإن الفلسفة بدأت بإعدام رجل عجوز شجاع بسبب مضايقته لأهل بلده عندما ناقش طبيعة العدالة والشجاعة وغيرها من الفضائل؛ ويمكننا القول مع هذا الحدث المؤسف أن هذا الحدث اعتبر بداية لانطلاق فرع أكاديمي جديد اسمه الفلسفة، فوفاة سقراط وشكِّه المميز ومحاولته الدؤوب لإشراك أهل أثينا في التأمل الفلسفي يخبرنا الكثير عن جوهر الفهم الإنساني.

يعتبر الموت مؤشراً على محدودية إستيعابنا للأشياء؛ ولا ندرك معنى ذلك فنحن دائما ما نتخيل الفهم اللامحدود أنه من شأن الإله، فالإله الكامل الخالد الخالق القدير هو وحده من يعرف نهاية وآمال كل شيء؛ وفي الواقع نقول إن كل عمليات الخلق إنما تعتمد على وجود الله، مما يعني قيومية الله المباشرة والدائمة على الواقع. وفي المقابل، نحن البشر لا نستطيع رؤية كل شيء؛ وفي الحقيقة فإن معظم جزئيات الواقع كحقيقة مستقلة عنا تبقي غموضاً محفزاً للتفكير وحسب؛ ولأننا مخلوقات محدودة فإن فهمنا دائمًا يرتبط بمنظور معين للأشياء.

خذ زهرةً، على سبيل المثال: سيقول الفيزيائي أنها تتكون من مجموعة معينة من الجسيمات والقوى التي تعمل فيما بينها.

أما الكيميائي فسيشرح مركباتها الأساسية؛ بينما قد يصف عالم الأحياء النظام البيئي المطلوب لنمو الوردة. وسيقوم الاقتصادي بتحديد قيمتها التبادلية، وقد يصور الفنان جمالها، أما المحب فينظر لمكانتها الرومانسية… كل من هذه المنظورات يعلمنا شيئا ما عن هذه الوردة، لكن ليس هناك منظور واحد بمفرده يفسر كل ما يجب معرفته. لذلك لتوسيع فهمنا للعالم، علينا أن نعترف بالطبيعة غير الكاملة لمعرفتنا البشرية، وعلينا دوما أن نُسائل وجهة نظرنا الخاصة وإمكانية تبني وجهات نظر بديلة.

من جانبه؛ اعتنق سقراط مفهوم الطابع المحدود للفهم البشري؛ وقال في المحاكمة: “الحكمة الحقيقية ملك للآلهة”، وأن كل ما تعرفه بصيرته الفذة يعتمد على مبدأ: “لا أعتقد أنني أعرف ما لا أعرفه “.

قاد رفضُ سقراط لأي ادعاء لمعرفة كاملة مثل المعرفة الإلهية وشكّه في مدى معرفته هو إلى التشكيك في عادات وتقاليد مدينته.

في كثير من الأحيان، كان سقراط يستخدم مهارته العالية في فن الجدال لتسليط الضوء على أوجه القصور، عدم الكفاية، والتناقضات في وجهة نظر محاوريه؛ وبسبب ذلك ترك العديد من محاوريه حائرين، بل واكتسب سمعة باعتباره سفسطائيا، أي: خطيب مفوه يمكنه اللعب بالكلمات ليقلب الحجة الضعيفة قوية.

في نهاية المطاف، أدى عدم احترام سقراط لممارسات أهل أثينا، وتساؤلاته المستمرة حول جوهر وماهيات الأشياء، وقدرته الهائلة على إزعاج مواطنيه إلى تحطيم صورته لديهم. في الواقع، وجد زملاؤه أن طريقته في الجدل مزعجة للغاية ولذلك حكم عليه غالبيتهم بالإعدام أكثر من أولئك الذين رأوا فقط أنه مذنب ومقصر ومفسد للشباب.

وكالعادة نظر سقراط إلى تساؤلاته الجذرية من منظور مختلف؛ خاصة أنه أخذ على عاتقه أن يكون “ذبابة إزعاج” حيث استطاع من خلال انتقاده اللاذع أن يحفز التفكير المطلوب لفهم حقيقي وتعليم حقيقي.

وبينما كان معظم الأثينيين غير مرتاحين لنقد عاداتهم وتقاليدهم، أوجد سقراط أتباعًا من طاقم متنوع من الطلاب ذوي العقليات المنفتحة والتجار والأرستقراطيين وكتاب الدراما.

أخذ هؤلاء التلاميذ تحدي سقراط على محمل الجد، ولم يمارسوا الشك على ميراثهم الثقافي فقط، بل بدأوا في صياغة إجابة جديدة على الأسئلة الصعبة حول السعادة، والرفاه الإنساني، والأساس الأخلاقي لأفعالنا، وفهمنا للواقع نفسه.

تلك المبادلات النقدية والحوارات المثمرة التي بدأها سقراط مع أصدقائه وزملائه حددت ملامح الممارسة اللاحقة للفلسفة.

 وبالفعل، فإن الأسلوب السقراطي في طرح الأسئلة الصعبة من أجل تشجيع التفكير، يستخلص الافتراضات غير المبرهنة لرأي معين مقبول سلفا، ومن ثم طرح شيء جديد هو ما يحدد ملامح حركة تاريخنا الفكري بشكل عام. مثلا، وجد أرسطو خطأ في مفهوم أفلاطون للحياة المثالية التي (يسيطر فيها العقل على العاطفة الجامحة)، ومهدت انتقادات أرسطو الطريق للأدعاء الأبيقوري بأن عواطفنا لها دور إيجابي تؤديه في سعادتنا.

وبالمثل، أدت ردود أينشتاين على أخطاء ميكانيكا نيوتن إلى تغير في فهمنا للكون، وتعتبر نظريات أينشتاين مسؤولة إلى حد كبير عن التطورات التكنولوجية الرئيسية في القرن العشرين.

وبوصولنا إلى إنجاز أينشتاين، نكون قد قطعنا شوطًا طويلًا منذ ذلك الزمن الذي خاطب فيه رجل عجوز غاضب في اليونان القديمة مواطنيه من أهل أغورا، والهدف من هذه الجهود المتلاحقة على وجه التحديد هو إخراج الفلسفة برجها العاجي وإعادتها إلى الواقع المعاش. ومن الناحية العملية، علينا أن نخطط لتوفير مساحة للمفكرين ذوي التفكير العام للأستفاده من تعليمهم وخبراتهم من أجل معالجة القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية المعاصرة من وجهة نظر فلسفيه . ومن خلال القيام بذلك ,نعتزم تزويد قراءنا بتعليقات ثاقبة ومثيرة ومحفرزة للفكر من زاوية مختلفة قليلاً

أعجبني المقال

المصدر
newstatesman

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى