الفلسفة

الفلسفة والابتكار الاجتماعي

ما العلاقة بين الفلسفة والابتكار الاجتماعي؟

سؤال طرأ في ذهني وأنا أراوح القراءة بين الحقلين فوجدت الكثير من التقاطعات التي أحاول مناقشتها في هذا المقال.

  • الاشتراك في الغاية: تعريفات الفلسفة بعدد الفلاسفة، كما يقال، ولهذا ننتقل إلى أن الغاية من الفلسفة ليس ضبط تعريفاتها، وحفظ أعلامها، وسرد مسائلها، وإنما غايتها تتحقق بممارستها، وهو ما يعرف بالتفلسف. الابتكار الاجتماعي مصطلح مركّب وهذا يعني زيادة عدد التعريفات باختلاف تعريف أفراد هذا المصطلح، ولكننا أيضًا نتجاوز هذا إلى أن الغاية من الابتكار الاجتماعي ليس الانحصار في تعريفاته وأدواته، كما هو حاصل في كثير من المؤسسات، بل الانتقال إلى إنتاج الحلول المجتمعية المؤثرة والمقلصة للأزمات الحياتية. بالإضافة إلى أن الابتكار الاجتماعي يرتكز على إدماج أصحاب التحديات والمتأثرين بالمشكلات في تصميم الحلول، مما يعزز الفعالية الشخصية والجماعية في حياتنا.
  • التقارب في التعريفات: هنالك توصيفات عدة للتفلسف وفق مناظير متنوعة، ومن بين التوصيفات الجيدة ما اقترحه حمو النقاري في كتابه (روح التفلسف)، حيث يرى بأنه سلوك أو سعي يتوخى: ترك آثار، أو إلحاق تعديل على الأشياء في: وجودها، أو دلالاتها، أو اشتغالها. على أن يكون هذا التفلسف في سياق خاص، وفي زمان خاص، حاصلا من تعلم وتدرب سالفين، ممارَسًا وفق قواعد وأصول محدَّدة ومحدِّدة. وعليه فالتوصيف الذي يقترحه النقاري يذهب إلى أن التفلسف يتطلب أحيانًا (العدول عن) طرائق تفكير أو نماذج إرشادية أو بارادایمات أو رؤى كلية حيال العالم، حيث يعدل عن بعض مفاهيمها وأنساقها ونظمها إلى ما يراه المتفلسف (الأدل والأبين والأحكم).

وعندما نذهب إلى الابتكار الاجتماعي نجده يُعرّف بأنه تصميم وتنفيذ الحلول الجديدة التي تنطوي على تغيير مفاهيمي أو عملية أو منتج أو تنظيم، والتي تهدف في النهاية إلى تغييرات على مستوى النظم تساعد على تحسين رفاهية الأفراد ورفاهية المجتمعات. فهو طريقة جديدة لعمل الأشياء، وعنصر مبتكر في سياق معين. إنه يمثل الابتعاد عن الحلول المعتادة المقدمة ويوفر استجابة إبداعية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن حلها عن طريق السوق أو الدولة.

والغاية التي يسعى لها الابتكار الاجتماعي هي الوصول إلى حل جديد لمشكلةٍ اجتماعيةٍ بطريقةٍ أكثر فعاليةً وكفاءةً واستدامةً من الحلول الموجودة، عن طريق دمج مختلف الجهات المعنية وإشراك المستفيدين في توليد الحلول وباستخدام أقل الموارد مستخدمًا بذلك خبرات وتراكمات المجتمع عبر ما نسميه الذكاء الجماعي.

كما يعنى الابتكار الاجتماعي بالحلول التي تشكل قيمةً حقيقيةً للمجتمع ككل وليس للأفراد، والتي قد تكون منتجاً، أو عملية إنتاجٍ، أو تكنولوجيا، وقد يكون الحل مبدأً، أو فكرةً، أو قانوناً، أو حركة اجتماعيةً، أو تداخلاً بين أكثر من عنصر.

  • تطوير الملَكَات: القراءة الفلسفية بمنهجية قادرة على ترقية الإنسان إلى ما يسمّيه عبدالله البريدي بمفكري الدرجة الثانية، حيث يجري استخدام الدرجة الثانية من التفكير، حيث توجيه التفكير لا إلى المشكلة ذاتها فحسب، وإنما إلى التفكير في طريقة التفكير حيال موضوع أو مشكلة ما، أي: أنهم يفكرون في منهجية أو طرائق التفكير التي يستخدمونها عند تناولهم للمشاكل وتحليلهم لها. فالقراءة الفلسفية تزود هؤلاء ببعض الأطر المنهجية باعتبارها وسيلة تقود عملية التفكير التي يستخدمونها أثناء تشخيص وتحليل المشكلة وتحديد أسبابها ومن ثم إيجاد الحلول المناسبة لها. ويستخدمون ما بات يُسمّى في الأدبيات به Meta Cognition، أي: ما بعد الذهني، ويعكس ذلك وعيًا عاليًا للفرد حيال عملياته الذهنية وأنماط التفكير التي يستخدمها، بحيث يتمكن من التعرف التام والسيطرة عليها، على نحو يمكنه من تطويرها. في المقابل، الاطلاع على مفاهيم وأدوات الابتكار الاجتماعي والارتواء بها من شأنه أن يطوّر عقلية المرء ويكسبه المهارات العالية في التعامل مع المدخلات الحياتية التي يواجهها، وسأكتفي هنا ببيان المراحل الأساسية للابتكار الاجتماعي لرؤية مدى انعكاس أثرها على تنظيم التفكير في المشكلات وطرق التعامل معها، فالمرحلة الأولى هي المطالبات، المعنية بتحديد التحدي المراد معالجته وفهم أسبابه، ثم تأتي مرحلة الاقتراحات، وهي توليد الأفكار بالتشارك في العصف الذهني، ثم بناء النماذج الأولية لتجربة واختبار الحلول المقترحة، وبعد ذلك مرحلة الاستدامة التي تعمل على تطوير نموذج عمل يضمن استدامة الحل، ثم توسيع النطاق بوضع خطة لتسويق الحل وتوسيع مجال استخدامه، والذي يسعى في الغاية الأخيرة منه إلى تطوير النظم الاجتماعية لتقبل الحلول الجديدة.
  • اختيار المشكلات: بناء على المهارات تتغير الاهتمامات، فيصبح من يمتلك تلك المهارات مشغولًا لا بالتصدي للمشاكل اليومية، بل للمشاكل ذات الطبيعة الإشكالية التي تميل إلى التعقيد والتشابك، وتتصف بأنها ذات تأثير جوهري أو شبه جوهري في بعض جوانب الحياة، ويدخل في تلك المشاكل الحالات التي تستدعي تطوير الأوضاع الراهنة. كما تنضج القراءة الفلسفية مهارات تصيد المشاكل والقضايا الجوهرية ذات الخطورة والأولوية، ومنها تلك الواقعة ضمن قضايا النهضة والتخلف والرجعية والاستبداد في المجتمع، وغالبا ما تتسم تلك المشاكل والقضايا باستقرار نسبي مع درجة من الإلحاح. واتباع المرء لمنهجية ناجعة في التشخيص والتحليل يمنحه قدرة كبيرة في التغلب على إغراءات المشاكل الظاهرية واكتشاف دجلها؛ على نحو يجعله قادرًا على الإمساك بتلابيب الاهتداء إلى منافذ الحلول الناجحة لها. وعلى الطرف الآخر، ينص خبراء الابتكار الاجتماعي على أن أحد خصائصه التي قد لا أتفق معها، أنه معنيٌّ بالمشاكل المجتمعية المعقدة فقط، فهو لا يتعامل مع المشاكل البسيطة والواضحة، وإنما مهمته تكمن في تفكيك المعضلات الاجتماعية، فأدواته التحليلية تحدث أثرها المأمول عندما يقع بين يديها المشكِل من المشكلات، فالتفكير التصميمي مثلًا، يغوص في أصول المشكلات أو التحديات ويتتبع جذورها وجزئياتها ولا يسعى لحل الأعراض بقدر ما يحاول إلغاء المسببات، ويمكن تشبيه هذا بقول الأديب الفرنسي بلزاك بأن النقد فرشاة لا يمكن أن تستعمل على الأقمشة الخفيفة لأنها تمسح كل شيء فيها. وهذا تفضيل أولوية لا انعدام فائدة، بمعنى أن فاعلية أدوات الابتكار أكثر ما تكون في المشاكل المعقدة، ولا يعني انعدام فائدتها في المشاكل البسيطة، بل والمواقف الحياتية.
  • اتساع المدخلات: كانت الفلسفة مسائل معدودة يتداولها سقراط وتلاميذه وهم يمشون في أزقة المدينة اليونانية، ومع مرور الأيام وتطاول الأزمان تضاعفت هذه المسائل حتى دخلت فيها كل المعارف وشملت مباحث الفلسفة مختلف جزئيات الحياة، فلا يمكن إغفال جزء من العلوم إلا وتجد للفلسفة نظر فيه، وهذا يحتم على الطامح في التفلسف سعة الاطلاع وشمولية المعرفة وتكثيف التجربة الإنسانية التي تمدّه بأدوات النظر ومسالك الفكر.

الابتكار الاجتماعي هو أدوات إجرائية  مستندة على العديد من حقول مختلفة بالعمل بها معًا نتمكن من الوصول إلى حلول إبداعية، ولكن الحقيقة أن الابتكار الاجتماعي سيفشل فشلًا ذريعًا إذا اعتمد فقط على الأدوات الإجرائية، ولم يتكئ على خلفية معرفية شاسعة وراسخة، ومنظور مفاهيمي شامل لفهم محركات المجتمع، فمحاولة إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية المعقدة يتطلب الوعي الكبير بعوامل تكوين المجتمعات ابتداءً، وفهم لأساليب العيش وفق خصوصية كل مجتمع، وعلاقة المجتمعات الحديثة بالدولة، ثم بعد ذلك يتطلب النظر الموسع في محيط القضية المبحوث لها عن حل، فإن كانت صحية فهذا يعني رحلة طويلة في دهاليز الطب والصحة المجتمعية والأمراض والأدوية، وقل مثل هذا في أي مجال كانت.

وأخيرًا، ما نسعى إليه سواء في امتلاك زمام التفلسف أو التضلّع بأدوات الابتكار الاجتماعي هو الانتقال من سطحية التبسيط إلى تفتيت التعقيد، فانعدام القراءة يُضمر عضلة التفكير، وهو ما يدفع بالأشخاص عند مواجهة نوع من التعقيد أو الغموض في القضايا أو المشاكل التي يعالجونها إلى أحد خيارين: تبسيط القضايا والمشاكل المعقدة، وهو الأكثر والأخطر لأنه ينتج ضحالة المعالجات وضعف المخرجات، أو تجاهلها وعدم التطرق لها، وهذا أيضا له أضراره ومساوئه. وما نحتاج إليه، خاصة في هذا العصر الذي زادت فيه التعقيدات، هو امتلاك قابلية نفسية وفكرية للتعاطي مع التعقيد والغموض، بل الانغماس في التعقيد والاقتيات على الإبهام أيضًا، في معالجة القضايا والمشاكل المحورية المعقدة، من أجل هضم المعقد ثم إعادة تفتيته إلى مكوناته الأساسية، وهذا يعني الحرص على جمع أكبر قدر ممكن من البيانات والمعلومات بدرجة عالية من الانتظام؛ وإخضاعها للتحليل المنهجي؛ دون الوقوع في أسر تلك البيانات والتوقف عند تلك التحليلات، فالهدف هو إذابة التعقيد وإزالة الغموض المحيط بالجذور المولدة للمشكلات المراد معالجتها والعمل على بناء الحلول لها، ويتطلب ذلك قدرة فائقة على إزاحة البيانات والتفاصيل غير الهامة أو غير الحرجة، واقتراح التدخلات المناسبة والتأكد من جدواها قبل التكلّف بتطبيقها تمهيدًا للمضي قدمًا في تقديم ما هو نافع وممكن وقابل للخير في مجتمعاتنا.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى