الفلسفة

الفلسفة: تاريخ من الإخفاق

  • جيروين بوتيرس
  • ترجمة: الجراح القويز
  • تحرير: مريم العريني

قد حاولنا تاريخياً أن نتفلسف ثلاث مرات، وانتهت كلٌ منها بطريقة محرجة، حيث حلّت محلّها أنشطة أخرى ساهمت في فشل تحقيق المنافع الموعودة، وتتوافق هذه المحاولات كلّها مع جزء مما ذكره كتاب ستيفن غوكروجر Stephen Gaukroger الأخير “إخفاقات الفلسفة The Failures of Philosophy”، والذي سأناقشه في السطور القادمة، إذ كلّ مرة من هذه المرّات كان منهج الفلسفة مختلفاً: ففي العصور القديمة، كانت الفلسفة متعلقة بالسعي للحياة الطيبة، ثم بعد إحيائها في العصور الأوروبية الوسطى؛ ترقت إلى مرتبة أخرى بصفتها المسؤولة عن العلوم الأساسية في شكلها الميتافيزيقي، وبعد ذلك عند تفكك هذا المشروع الميتافيزيقي؛ أعادت اختراع نفسها كمؤلِّفة لنظرية كل شيء المابعد علمية، وفي نهاية المطاف أصبحت مصاحبة للعلم الطبيعي؛ وهي آخر فرصة لها لإثبات أهميتها.

في الواقع، هذا يعني أنّ آخر فرصة جادة لإنقاذ الفلسفة قد تلاشت في العقود الماضية، بخلاف دايفد هيوم David Hume الذي يعتبره الكاتب أحد المفكرين القلّة في الثقافة الغربية الذي شاهد وواجه مباشرة المشكلات المتأصلة في الطموح الفلسفي، فإن غوكروغر لايعتبر نفسه يكتب في “عصر فلسفي”، فلا أحد ينظر للفلاسفة على أنهم يمتلكون شيئا مميزاً يساهمون به، كنظرتنا نحن للعلماء الطبيعيين (وإن كان غوكروجر لديه بعض التحفظات تجاههم عليهم)؛ فعلى صعيد المقاصد والأغراض نحن نعيش في عصر مابعد الفلسفة، وإن كانت نهاية الكتاب غير متوقعة، فإن غوكروجر لايرفض مطلقا فكرة أنّ هناك أشياءً خلقت لتبقى.

يعرّف غوكروجر الفلسفة على أنها استقصاء من الدرجة الثانية، وهذا يوحد التجسيدات الثلاث المنفصلة، والتي فيما عدا تلك السمة، ليس بينها سمات مشتركة كما هو سائد. هذا التعريف يؤدي إلى رسم الحدود بين التفكير الفلسفي وغير الفلسفي، كما أنّه ينتهي بمعرفة السبب الرئيسي للاضمحلال الحاصل؛ ولكن في كلّ الحالات فإن هذا الاضمحلال لم يحدث صدفة، إلّا أنّه متعلق بكونه استقصاء محدود جدا من الدرجة الثانية، من ناحية أخرى فإنّ مفهوم أنشطة البحث من الدرجة الثانية يعتمد على فكرتنا عن البحث من الدرجة الأولى؛ فالفلسفة هي تجريد شيء ما، والهدف الذي تسعى إليه بوصفها بحثاً من الدرجة الثانية يختلف في كل حالة.

يرى غوكروجر أنّ الزاوية المفهومية في العصر القديم هي التفريق بين (mētis) و(epistēmē) أي التفريق بين المعرفة والذكاء، كما أنّ مفهوم الـ “ماقبل فلسفي” للذكاء والحكمة رغم أنه ينطوي على أبعاد إدراكية أو عقلية، إلّا أنّه قريب من شؤون العالم المعيش. وكما يقول غوكروجر أن زيوس Zeus يدين بمنصبه كملك للآلهة لـ “بقاءه دائماً متقدماً بخطوة واحدة”، والشاهد هنا أن الذكاء لا يطمح في أن يتعمق وراء الحدث نفسه. فإن الفيلسوف طاليس في زعمه بأن الماء هو أصل الأشياء، جعلناه أول فيلسوف، بينما في الحقيقة هو رجل عملي كما يقول غوكروجر، فلا يبدو أنه يفكر في الحقيقة العامة حول الأشياء بصفتها توفر فهماً أعمق. فهو لايعتبر حتى عملا من الدرجة الثانية.

فالتفكير يصبح فلسفياً عندما يبدأ في توجيه نفسه على مستويات عدّة؛ حين يشكل بنيّة خلف العالم المتغير (كما يفعل هيرقليط)، أو في العالم نفسه (كما يفعل بارامينيد). وذلك يكون بشكل أساسي مطبقاً على الأخلاق. فأفلاطون على وجه الخصوص، كان قلقاً حول تعددية السفسطائيين والخطابات المفتوحة التي تفكك الفضائل التقليدية مثل الشجاعة والاعتدال وتطلب فضائل على مستوى آخر. فهو يقترح أن الفضائل التقليدية ليست ذات قيمة إذا لم تكن مرتبطة بالخير بصفته فكرة مجردة.

ويشير غوكروجر أن ذلك يقود إلى نظرة قاصرة عن الاخلاق، التي بدورها تفشل في الانخراط مع تعقيدات الحياة كما فشلت التراجيديا اليونانية. وعلى الرغم من أن أفلاطون لم يكن المفكر الأول لكنه كان أكثرهم تطرفاً عندما يتعلق الأمر بنقل الأخلاق بشكل كامل إلى المجال العقلي، بينما من جاء بعده من المفكرين لم يتوقفوا عن محاولة اكتشاف طريقة النزل  بالطموح الفلسفي لخدمة فهم العالم بشكل عام بما يتفق مع محاولات عقلنة الأخلاقيات اليومية، أما بالنسبة لأرسطو، الذي يعتبر أقل تحفظاً وأكثر تفتحاً من أفلاطون فيما يتعلق بفكرة أنّ هناك أكثر من شيء جيد واحد، فهو يعتقد أن التفكر يجب أن يكون هو القيمة العليا؛ لأنه لا يخدم الممارسة العملية.

بالمختصر، كانت الأخلاق هي محط اهتمام الفلاسفة القدماء، في الواقع إنّ المفهوم القائل بأنّ الفلسفة يمكنها تنظيم حياتك كلها يعتبر مفهوم مركزي للمدرسة الهلنستية- ولكنهم عانوا في توحيد المجرد، وتدقيق الفكر والنظر الذي يمنح الفلسفة مكانتها المميزة في نظرتها الثرية والكافية للحياة، حتى الأبيقوريون والرواقيون، لم يتوقعوا من الفلسفة أكثر من هدفهم السلبي المتمثل في تجنب ضربات وسهام القدر. بصرف النظر عن تلك الملاحظة، فإنه لم يتضح لي تماماً كيف يعتبر غوكروجر بأن هاتين المدرستين معيبتان، لكن قضيته على أي حال هي أن الفلسفة القديمة تحاول أن تقوم بأمور اتضح أنّ الديانة المسيحية تفعلها بشكل أفضل، وبتكلفة أقل، على اعتبار أنّها منظومة غير فلسفية. وفي العصور الأخيرة، عندما تطورت الفلسفة الهلنستية إلى أن صارت تركيب أفلاطوني جديد مفرط التجريد، تبين أن ماوراء الفلسفة (meta-philosophy) في حاجة ماسة إلى المحتوى غير الفلسفي، أو بالأصح إلى المحتوى الذي تم إدراجه فعليا من علم اللاهوت. وقد تم ذلك على يد أوغسطين عندما أعاد تفسير الفلسفة القديمة، وقالوا إنها بالأساس هي المسيحية ولكن دون الطقوس الدينية والأسرار المقدسة.

وهذا يعتبر أول فشلٍ فلسفي؛ يتمثل بالبحث عن فهم موحد وعقلاني للحياة الطيبة، وهذا البحث كان دائماً غير مكتمل، وأن النجاح المسيحي أخيراً حل محلها تماماً. ولكن لنتجاوز الفترة مابين القرن الحادي عشر إلى القرن الثالث عشر وسنجد الأشياء اختلفت قليلاً. فالتوسع الأوروبي وضع الديانة المسيحية اللاتينية في مواجهة ثيولوجيا ديانة أخرى (الاسلام)، مما جعل علماء اللاهوت يفكرون في “الطبيعة”، وهي رؤيا ذات مؤهلات مستقلة عن اعتقادهم. وهنا نقرأ أطرف ماسطره غوكروجر في هذا الكتاب بقوله:” هنا برز شيء فريد في تاريخ الفلسفة وهو: الحاجة الاصيلة للفلسفة”.

وعلى وجه الدقة إنما هي حاجة لأرسطو؛ فالمفكرون المدرسيون لاحظوا بسرعة بأن نصوص أرسطو المترجمة حديثا قد تساعد في توضيح المفاهيم اللاهوتية الغامضة التي تملك الديانة المسيحية الكثير منها. وسارع البعض الآخر بملاحظة أن الفلسفة المستقلة تشّكل تهديدا للأخلاق. ويعتبر ألبرتوس ماغنوس/ ألبير الكبير  Albertus Magnus هو من وضع هذا الأساس التوفيقي، بقيامه بالتعريف عن مجالين منفصلين كـ “الطبيعة” و “مافوق الطبيعة”، وللحقيقة وطريقة الوصول إليها. وبنى على هذا الاساس بعده توما الأكويني Thomas Aquinas، باقتراحه أن الميتافيزيقا متوسطة بين مؤسسات الفلسفة الطبيعية المستقلة (العلمانية) والعقيدة المسيحية المنزّلة.

ومن خلال تبنّي هذه التسوية، فإن الكنيسة تقبل بأن تسير الفلسفة الطبيعية في مسارها الخاص، في مقابل أن الديانة المسيحية تستفيد من نتائجها. وهذا سيؤدي إلى آثار كبيرة على الدين المسيحي في القرون التي أعقبت ذلك. أولها أن ذلك سيؤدي إلى مواقف متوترة نوعا ما، ما دام العديد من المفكرين (مثل مومبازي) يتابع نزوع أرسطو الطبيعي ومآلاته، حتى في تقويضه للأساس الفلسفي لأحد المبادئ العقدية الأساسية كخلود الروح. فكان من الطبيعي أن نرى في القرن السادس عشر، الفيلسوف الفرنسي مارين ميرسني Marin Mersenne يقرر بأن هناك مشكلة مركزية في نظرية أرسطو للمادة، لأنها تخلص إلى استنتاجات هرطقية، وأنه قد اعتمد بها على الميتافيزيقيا التي تعتبر المادة بها خاملة (غير فعالة) تماماً.

وقد تم تطوير نظام آلي مشابه من قبل ديكارت، في اللحظة التي اشتدت الحاجة فيها للمصالحة بين الطبيعة والدعاوى الدينية بسبب إدانة الكنيسة للثورة الكوبرنيكية. نظام ديكارت كان مهماً بسبب نظريته المعرفية. ولا ترجع تلك الأهمية إلى شكه المتطرف، بل إلى آثاره التمثيلية؛ ففي نظرية المعرفة الديكارتية، يصاغ التصور بعد ما يمر عبر أجهزة بصرية كالتلسكوب، وما يمكن أن نستنتجه أن أذهاننا لاتعي الأشياء نفسها، بل ما تتمثل به الأشياء. (وعلى النطاق الأكبر، فإنه يمكن أن نقارن هذا مع نظرية الإدراك الأرسطية، عندما يكون هناك سمة ما في الشيء المُدرك يكتسب نفس شكل الشيء الذي تم إدراكه)، وهذا كما يقول غوكروجر بإنّه يفصل الداخل عن العالم الخارجي، وينتج نموذج للمعرفة نفسها قد تمت صياغته في البحث العلمي، فالعقل الذي يستقبل المدخلات من العالم ثم يحولها إلى معرفة، ليس حقا جزءاً من العالم الذي يعرفه. فكل المعارف تصبح مسألة عقلية منفصلة، إلى حد كونها مسألة من الدرجة الثانية.

وهذا يجعل هناك فجوة بين الصورة الظاهرة والصورة العلمية، بين الفلسفة الطبيعية وبين الحس المشترك. حاول جون لوك John Locke سد هذه الفجوة، وقد تعاطف غوكروجر مع هذه المحاولة كثيرا. فجون لوك يربط المعرفة مباشرة بالأحساس، وعندما يحاول مفكرو التنوير الفرنسيون شرح فكره، يظهر مفهوم واسع (للحساسية sensibility) بدلاً من أسلوب ديكارت الفلسفي المنهجي. فالحساسية مسألة تعتبر من الدرجة الأولى مطلقاً: فهي شيء يمكن للأطباء وعلماء التشريح أن يتتبعوه في الجسد؛ وفي نفس الوقت هو مفهوم ذو دلالات أخلاقية واجتماعية – فنحن نملك مشاعر أخلاقية. فمفهوم الحساسية يعيد الشيء المدرك للعالم، ويرفض عزل الإدراك عن علاقاته فيه؛ وهذا يعيد الحالات الوجدانية في الصورة، ليست كمصدر إلهاء بل كأساس للفهم.

يؤدي نجاح الحساسية في إعادة التفكير في حالة العقل. فهيوم قد اشتهر بتسميته للعقل بـ”عبد الأهواء”. وعلى نطاق أوسع فإن غوكروجر، فهم أن ما يقوله هيوم أن المفهوم الفلسفي للعقل ماهو إلا منظور الدرجة الثانية في العالم بحيث يفضي بالنهاية إلى عدم توافقنا مع العالم اليومي. بالنسبة لغوكروجر، أن هذه الرؤية على حدود النشاط الفلسفي تجعل هيوم مفكرا أكثر أهمية مما هو عليه، باعتباره قد تم حصره وتصنيفه من قبل القراء المتأخرين كأحد الشُكاك. هيوم يفضل التفكير الناقد، ولكنه أيضا يبين أنه لايوجد ماهو مميز في الفلسفة سوى أدواتها.

بغض النظر عن النقد الهدام من قبل هيوم، فإن القرن الثامن عشر شهد تجاوزات علمية على مجالات كانت محتكرة سابقاً من الدين والفلسفة: بناءً على مفهوم الحساسية؛ فإن الطب الفرنسي أصبح يمتلك أدوات قوية جدا موجهة فقط لجسم الأنسان، وأصبحت الفلسفة منشغلة بنفسها في أسئلة حول العقل البشري، والتنظيم الأجتماعي أيضا. وفي ألمانيا على وجه الخصوص، قد تعرضت شخصية “الفيلسوف المدرسي” للهجوم؛ الذي قد ساهم في توقف نضج شخصيته بدلاً من حثّها، بسبب ميوله المعادية للمجتمع وعزلته في البرج العاجي، التي تجذرت تبعا لمساعيه الأكاديمية.

هنا فشلت الفلسفة مرة أخرى، فمثل الهجمات لا تتجنب دائماَ مصطلح الفلسفة، لكنها تتراكم حتى تصنفها كنشاط من الدرجة الثانية؛ فقد أظهروا الحدود المتجذرة في العقل الفلسفي، وأثبتوا وجود بديل له ولجوانبه غير المرغوبة، علاوة على ذلك، فهم ليسوا مخطئين؛ فعند قراءة رواية غو كروجر، بقدر إحساسك القوي بما تقترحه الرواية إلا أنه يشعرك أن الفلسفة حصل لها ذلك مرة أخرى. فهو يقترح أن هجمة القرن الثامن عشر “شهدت انهيار واستبدال للفلسفة مساوٍ لما حصل لها في القرن الخامس” وربما تكون هذه المرة مبالغة منه في تقدير الحالة.

بعد ذلك يظهر إيمانويل كانط لإنقاذ الموقف، بإنشاءه فلسفة نقدية بدلاً من الفلسفة الدوغمائية ليحفظ للعقل مساحته. فتصبح مسؤولية العقل أن يفهم نفسه وحدوده لا أن يفهم الأشياء. من التقليدي أن تكون المساحات الفلسفية كالدين والأخلاق خارجة عن حدود العقل النظري، لكن كانط لايمكن أن يتركها هكذا، خصوصا أن تحرياته الفائقة ماتزال تسمح له بادعائات بديهية حول الله والمفاهيم الأخلاقية. في الظاهر يبدو ذلك بديلاً عن الأستمرار في تطلعات أسلافه الميتافيزيقية، لكن بالنسبة للعقل، فهو اصبح يسعى لتأسيس حالة من التجربة لتلك الأشياء، بدلاً من ادعائه أنه يملك حقيقة خارجية عنها.

إذا كان العقل وحده يمكنه أن يستكشف الاشتراطات المسبقة لتجربتنا لكل الأشياء أساساً، فيعني ذلك أن الفلسفة مازالت طموحة. في الواقع أن غوكروجر يرى أن محاولة كانت هي إنشاء نظرية “كل شيء” الفلسفية. وقد واصل أتباع كانط المثاليين في دعم وحدة الأدراك الفلسفية، وطبقوا على غالبية الأشياء التي لم يذكرها كانط لكونها خارجة عن اختصاص النظرية. هذه المحاولات مجتمعة شكلت “جهوداً متظافرة لتأسيس أقصى فهم شمولي ممكن للعالم”، هذه الجهود التي تحاول إنجاح الفلسفة، هي نفس مافعله اوغسطين للديانة المسيحية.

مع ذلك لم تكن الفلسفة وحدها في هذا المجال. فهناك “نظريات كل شيء” علمية موجودة، مثل الموجودة عند المادية العلمية الألمانية، أو الرؤية الشاملة عن التفكير العلمي والأخلاقي التي قدمها جون ستيوارت مل. لذلك كان على الفلسفة أن تستجمع قواها وتقلل خسائرها، من خلال تكييف نفسها مع النجاح العلمي الملحوظ. وفعلت ذلك من خلال تحويل نفسها إلى فلسفة العلم (مثل ماحصل في أواخر القرن التاسع عشر عن الكانطيين الجدد) أو أن تصيغ نفسها عبر البحث العلمي (كالفلسفة الوضعية).

غوكروجر يعتبر فكرة أنّ العلم مشروع نظري موحد، وأنّ نموذج واحد لكل القيم المعرفية ما هو إلا سوء فهم، ودراسته ذات الأربعة أجزاء عن العلم وتشكيل الحداثة، لبناء نقد تاريخي لهذه الفكرة (خصوصا في الكتاب الأخير الذي ظهر أيضا عام 2020). فهو لم يتطرق لهذه النقطة في كتابه إخفاقات الفلسفة، لكن بالطبع هناك الكثير من التداخل بين الروايات. مثلا، نفس العملية التي أدت إلى انسحاب الفلسفة في القرن الثامن عشر متضمنة لتشكيل الفهم الحديث للعلم. وقد أشرت إلى ذلك هنا لكي نفهم أن غوكروجر يستنكر تودد الفلسفة للعلم بهذه الطريقة التي تحولها إلى كونها فلسفة ما بعد النظرية، أو تتركها فقط للتحليل اللغوي.

ومع ذلك فهو لايرى أولئك المفكرين الذين يحاولون الابتعاد عن المسار العلمي العقلاني لأنهم يملكون بديلا مقنعا. على سبيل المثال، عندما يحاول هايدجر العودة إلى العالم ماقبل السقراطي، فهو يحاول الوصول إلى شيء ما لا يعتبر فلسفة. وهذا ما يحاول يوضحه لنا غوكروجر، أنها حالة تكون فيها الفلسفة مشوهة الآمال والمفاهيم بسبب العلم مرة أخرى (بعدما حصل ذلك مع المذهب التمثيلي في القرن السابع عشر)، وأن تدفع الثمن بسبب فقدان أهميتها الثقافية، وسواء استحقت ذلك أو لا، إلّا أنّه شيء مؤسف.

الرواية التي يرويها غوكروجر تعتبر إبداعية ومقنعة، غزيرة جدا وظريفة في نفس الوقت، تستند على اتساع وعمق معرفي مثير للاهتمام. وإن كنت أتمنى أن يمضي قدما في الجواب عن ما كانت ستصير الفلسفة عليه لو لم تفشل.

 ومادام هذه الحدود في قراءة غوكروجر، فهذه الحدود مرتبطة بكونها استقصاء من الدرجة الثانية، ومن المنطقي أن الحل لا يكمن في إتقان المحتوى الفلسفي حتى تستطيع الوصول إلى المستحيل، لكن يكمن في وضعها تعريف لذاتها يضع تحقيقها من المرتبة الثانية في مكانه الصحيح.

ومع ذلك فأنا لا أوافق تقييم غوكروجر التشاؤمي للمؤسسات العلمية. أولا، من الظاهر عندي أن هناك فلاسفة في القرن العشرين خلّدت أعمالهم أو على الأقل يحومون حولها ذهاباً وعودة بانتظام، سعيا في الخروج من المساحة التي يعتبرها غوكروجر استقصاء من الدرجة الثانية، ولكن بحياء دون أن تكون تجريداتهم مثالية أو ميتافيزيقية أو متعالية. وأسمي منهم ريتشارد رورتي Richard Rorty، الذي يتفق معه غوكروجر في هجومه على المذهب المثالي في الفلسفة، وتأثيره الضار.

ثانيًا، إذا كانت الفجوة تعكس بطريقة ما استقصاء الدرجة الثانية على أنه استقصاء لايتم إلّا تحت راية الفلسفة. وهو التقييم نقدي لقيمنا ومؤسساتنا الأجتماعية الذي يمكن أن يتم سواء تاريخيا أو من ناحية علم الأجتماع كما قد يكون فلسفيا في المعنى الضيق. على سبيل المثال، فأن التاريخ، يستقصي الكثير من النطاقات، وكذلك تاريخ العلم له قيمة خاصة هنا. فهو ينتج تصورات نقدية مختصة بالقيم والمؤسسات التي تشكل حياتنا، وهي تفعل ذلك من خلال تجهيز تلك القيم والمؤسسات للعديد من الأفهام المختلفة، مثل النتائج العرضية للعمليات التاريخية بدلا من كونها نماذج ذاتية الدلالة وغير قابلة للجدل عندما نكون على علم بها.

وانا أعجز في رؤية عدم كون ذلك نشاطا من الدرجة الثانية، لكنه وأن كان كذلك إلا أنه لايأتي مع تلك المغريات المتجذرة في أغلب الغطرسات الفلسفية التي تضمنتها دارسة غوكروجر، فالفلسفة تعتبر نفسها ممتلكة لسلطة خاصة (العقل) ويمكنها بذلك أن تنتشل نفسها من العالم التاريخي. وقد فعلت ذلك بنفسها وليس هناك طريقة عودة من ذلك. ومع ذلك، فإن التاريخ لا يحمل هذا النوع من التظاهر. فهو في أفضل اشكاله يعتبر نموذج عملي ومناسب أكثر من كون استقصاء نقدي من الدرجة الثانية. فإن كان لايملك مكانة ثقافية مساوية، فربما ذلك يتماشى مع المسعى الفكري الذي لايلقى مايستحقه، كما في تلك الفلسفة القديمة فربما لاتستحق كل مافعلته الديانة المسيحية لها.

وأن هذا كله ماهو إلا طريقة معقدة لقول إنّه من رأيي؛ أن خسائرنا ليست كبيرة كما يبدو، فحقيقة أنه في أيدينا دراسات غوكروجر العبقرية، قد تعوضنا بقراءتها جزءاً كبير من إخفاقات الفلسفة.


إخفاقات الفلسفة: بحث تاريخي لستيفن جوكروغر. مطبعة جامعة برينستون، 2020.

أعجبني المقال

المصدر
3quarksdaily

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى