الإدارة

مؤشرات الأداء: ما لا يمكن استشراف مستقبله؛ لا حاجة لقياس حاضره!!

  • إبراهيم بن محمد الحجي

اللون الأخضر، ذلك اللون الذي ينشر البهجة في المكان، يطربك حتى في أدق حركاته، فالنفس تبتهج بتراقص أوراق الشجر، ألم يقل إيليا أبو ماضي: (لذة عندي أن أسمع تغريد البلابل وحفيف الورق الأخضر أو همس الجداول وأرى الأنجم في الظلّماء تبدو كالمشاعل)

هذه اللذة التي احتار هو في مصدرها، متسائلاً هل هي نابعة من ذاتها، أم من ذاته؟ لذلك لا عجب حين تأسرنا تلك اللوحة البراقة ذات الألوان الفاتنة كلما ازدادت خضرتها، لأننا ندرك من خلالها ما نحن عليه، ومقدار الجهد المبذول، بل ونُكَافَأُ أيضا بفضلها، ونُعاقب بسببها أحياناً!!

لوحة تصطف بها مجموعة من الأرقام تُعبر عن مقاييس ومؤشرات لأهداف قد رسمها أو اعتمدها شخصٌ يقوم بمراقبتها لكي يدرك ما لرغيفه وما عليه، يقلق عندما يحمّر خشية ما بعد تلك الحمرة، ويبتهج متى ما فارق ذلك اللون، وخرج سالماً، ويتسابق العاملون أيضاً، لمتابعة تلك اللوحة أيضاً بشغف ونهم، وآخرون بقلق وحذر.

هناك من يربط بين قدرة المنظمة على الاستمرار والبقاء والنمو والتكيف مع البيئة تبعاً لما تقره من مؤشرات لقياس الأداء (1). ونحن هنا عبر هذا النص الصغير سنحاول أن ندحرج بعض الأفكار التي تجتهد للإجابة عن سؤال رئيس مفاده: كيف لنا أن نفيد من مؤشرات الأداء؟

وللإيضاح لا يسعى هذا النص لإظهار ما لمؤشرات الأداء من أهمية في منظمات الأعمال، فهذا من المعلوم بمكان؛ لكثرة الحديث عنه، وقدر من تحدث بذلك، ولسنا ننفي هذا على الإطلاق؛ بل نقره ونؤكد عليه، ولكن هذا النص يُفتِّش عن الزوايا المعتمة قصد أن يطالها ذلك النور الذي تُضاء به تلك اللوحة.

عبادة الحاضر

يقرر بارمنتر بأن مؤشرات الأداء عبارة عن أدوات تُستخدم من قبل المنظمة بغية قياس وتقرير وتحسين الأداء. شريطة أن يتم بناء تلك المؤشرات بالاعتماد على استراتيجيات المنظمة (2) ، لذلك تهرع كثير من منظمات الأعمال إلى صناعة خططها الاستراتيجية عبر تحليل البيئتين الداخلية والخارجية؛ مفترضةً أن هناك تماسكًا واستقرارًا في العالم المحيط بها، ومن ثَمّ يمكنها التنبؤ به، فهي أقرب إلى النظرة الوضعية التي تتكئ على معلومات تاريخية، معتبرةً الاستراتيجية على أنها متغير تابع ،  كما أنها تركض نحو الكم كمنهج رئيس في مراحل إعداد الاستراتيجية ، وكل ذلك أرغمها على إعمال العقل الأداتي، فوقعت أسيرةً -رغما عنها- في اللازمنية واللاتاريخية، وألفت نفسها مكبلةً في الحاضر كما يقول روبرت نيسبت.

عند ذلك ستظهر لوحة المؤشرات مقياساً كمياً، وتقوم الألوان بدورها المنشود في المراقبة ومحاولة التصحيح، غير آبهة بمن يرى أن ذلك التصحيح ليس إلا أحد أشكال الكسل العقلي، عبر التحايل على ذلك الرقم المصمت، فهي أقرب إلى تحايلية بوبر منها إلى أي شيء آخر!!

ليس ذلك فحسب، بل تحولت تلك المؤشرات من أدوات ووسائل إلى غايات! فالتاريخ يحكي لنا كثيرا من القصص كما حدث مع روبرت ماكنمارا في حرب فيتنام، أو بيفرلي هول ونموذج أطلنطا التعليمي، هذان الحدثان وغيرهما من الإخفاقات التي تصدمك بعد وهم النجاح لم تكن إلا نتيجة حتمية عندما تتحول الوسائل إلى غايات، تحولٌ يعزز من افتراض أن المستقبل قضية إمكانات تكنولوجية وموارد، ذلك الافتراض الذي عطّل من مكنة الاستشراف المستقبلي، وضاعف من وقوع المنظمات في سياسات عدم التصرف والتخلف كما أشارت بذلك ماري كونواي.(3)

استشراف المستقبل

في المقابل يعترف نموذج الاستراتيجية بوصفها ممارسة بأننا نعيش في التعقيد، على عكس النموذج التقليدي لبناء الاستراتيجية! وذلك لأن العالم متغير ومتسارع، فلا يوجد ثمة تماسك أو ثبات في العالم، لذلك يُنظر إلى الاستراتيجية بوصفها متغيرا مستقلاً لا تابعاً، مُغلبةً العقل النقدي أو المتجاوز، لكونه قادراً على الكشف عن الدوافع والغايات والحقائق، وكذلك يعين على الإبداع والتحليل، ويسعى نموذج الممارسة إلى المقاربة النوعية بوصفه منهجاً رئيساً في مراحل إعداد الاستراتيجيات، حيث إن الحقائق تتركب وتبنى في الأذهان وفق نظرة تفسيرية بنائية، فهي تقوم على صياغة الاستراتيجية وفق تحليل وفهم عميق للفعل والممارسة عبر بوابات ثلاث: الممارسات، الممارسون، التطبيق العملي.

الاستراتيجية بوصفها ممارسة لا تكتفي بالسلوكيات المقصودة وحسب، بل تمد ذراعيها للوصول إلى السلوكيات غير المقصودة، والتقاط العوامل الناشئة، وإعمال العين السوسيولوجية، والمزج بين مفاهيم الحياة اليومية ومفاهيم العلوم الاجتماعية؛ مقررةً أن الحقيقة المجتمعية إنما تتشكل بالممارسة(4).

البحث عن الرقعة المشتركة

لا يمكن القول بالاستغناء عن المؤشرات، أو التقليل من شأنها، وحذف حسناتها بالكلية، كما لا يمكننا الاستغناء عن اللون الأخضر في حياتنا، ولذلك لا بد من التعقل في التعامل مع هذا اللون، والسعي لوضعه في مكانه من اللوحة، كشأن مؤشرات الأداء بوصفها أدوات ووسائل تعين على تشغيل مكنة اليقظة والفطنة الاستراتيجية عبر إعمال الانغمار في التفكير بالمستقبل واستشرافه، لا الاطمئنان للَّون دون قدر من الشك على أدنى تقدير.

إن السير باتجاه المستقبل رحلة شاقة، تتطلب قدراً كبيراً من الأسئلة، ولذلك لا بد للنظر إلى المستقبل بوصفه قضية إمكانات روحية وذهنية، وبحثاً عن الحقيقة، والسعي نحو المساءلة والشك المنهجي، فما الرحلة دون تفكير؟ وما الأمان الذي تنشده وأنت تثق في الأخضر، دون أن تتحقق وتشك، فديكارت يقول: أنا أشك إذاً أنا أفكر إذاً أنا موجود، ولذلك “لا بُد من صنعاء ولو طال السفر” فالاكتفاء والركون إلى اللحظة الآنية، والابتهاج بالأخضر الخلاب، لا يغني ذلك كله عن السعي الحقيقي، والوصول إلى المراد باتخاذ المؤشرات وسيلة معينة لا غاية مقصودة، فهي تعين على المسائلة وقدح زناد الشك المنهجي، لا اليقين التام والاستسلام.

إن صناعة المستقبل أمر ممكن، وذلك عبر التفكير والانغمار فيه، فألان يقول: “المستقبل لا وجود له إلا حينما نفكر فيه”، وما دام الأمر ممكناً، فلا شك أن السعي إلى صناعته لا يتأتى إلا عبر الوسيلة التي تقود لذلك، فالتفكير ليس مفردة تُطلق في الهواء، وإنما الطريقة التي نفكر بها هي التي تقرر ماذا سنصنع؟ والمؤشرات بوصفها أدوات تعين على توجيهنا نحو التفكير بالمستقبل، هي وسيلتنا لما سنتخذه من قرارات حتى بشأنها، فالشك في الوسيلة أمان في الطريق(5).

إن الأرقام بوصفها ثوابت تقودنا إلى قطعية ربما ساقتنا إلى نهايات لا تُحمد عقباها، كما قادت روبرت ماكنمارا وبيفرلي هول من قبل، ولذلك هل من الممكن تسييل تلك الأرقام، وجعلها أكثر مرونة وقدرة على تجاوز العقبات؟ فالرحلات أثبتت أن الوصول ليس دوما بسلوك الخط المستقيم، وما دمنا في رحلة باتجاه المستقبل، فلا بد من التفكير بوسيلة من قبيل أن تكون هناك ثمة مؤشرات «سائلة»، تستطيع التعامل مع شدة تغير وتعقيد أشكال الحياة الاجتماعية والعالم المحيط، وكذلك الذوبان في المستقبل ما دام الأمر ممكنا!!

دائما ما يتردد في معرض التأكيد على أهمية مؤشرات قياس الأداء “ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته”، ولذلك لا بُد من التوقف قليلاً عند مقولة (دربك أخضر)، فالوقائع تثبت عدم ثبات تلك المقولة على الدوام، وواحدة من النكبات كفيلة بالتشكيك وعدم الاطمئنان لهذا اللون، ولعل الحقيقة تقودنا إلى ما يمكن القول به بأن (ما لا يمكن استشراف مستقبله لا حاجة لقياس حاضره !!)


المراجع :

  1. ربوح, أم الخير, بن جروة, & حكيم. (2019). أهمية مؤشرات الأداء التسويقي في استدامة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ذات التسيير النسوي.
  2. بارمنتر، ديفد (2014). مؤشرات الأداء الرئيسة: بناء وتنفيذ واستخدام مؤشرات الأداء الرئيسة التي تؤدي للنجاح. ترجمة أحمد عكاوي. الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر. ص19
  3. كونواي، ماري. (2009). مراجعة جديدة للتخطيط الاستراتيجي منظور مستقبلي، في: الاستشراف والابتكار والاستراتيجية نحو مستقبل أكثر حكمة. ترجمة صباح الدملوجي، ط1 ، بيروت: المنظمة العربية للترجمة. ص 462& لومابردوا ص451.
  4. ناشيد سعيد (2019) التداوي بالفلسفة ، دار التنوير ط2 ص 119.
  5. Cambridge Handbook of Strategy as Practice (pp.23-45 & 47-60 & 64-74). Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139681032.002‏

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى