عام

الإطاحةُ بالأسرة: عالمٌ جديد شُجاع كنموذجٍ مُتحقّق

  • زيدان الدِّين محمد
  • تحرير: غادة الزويد

– استجمع أحدهم شجاعته أخيرًا ورفع يده وقال: كان البشر قديمًا… -تردّد واحمرّ وجهه- ثم اندفع قائلاً: “كانوا يولدون وكان لهم والدين.”

لأنّنا في عالمٍ من الاحتمالات المُتحقّقة التي تدبّجها براعة الأدب الديستوبي، قد يتحقق ما قرأتموه أعلاه، وهذا اقتباسٌ من روايةٍ ديستوبية بائسة لألدوس هكسلي بعنوان “عالم جديد شجاع (١٩٣٢)”. هذه الرواية كلماتها الوصفية تنطبقُ على عالمنا اليوم، فـ “الجديد” هو جيلُ ما بعد الحداثة، التوّاقُ لتكنيس القديم، التقليدي بكل ما أوتي من قوّة، -والشُجاع- المتهوّر للهدم من أجل البناء الدّبق وهمًا وهشاشةً. جديدٌ شُجاع ومفاهيمه للعالم تتسيّدُ فيها الاستعارة على الحجة.

 

سأقتصرُ الحديث على استهداف الأسرة النووية (التقليدية)

أنْ تُصبح العائلة مجرد شيءٍ كدّه القِدم وطواه الزمن في عجلةِ «التحضّر» مما يجعلها أطلالًا بدائية يستنفرها «الإنسان المتحضّر» قد يبدو واقعًا متحقّقًا في المستقبل إذا لَم تُحبَط جهود المعسكر اليساري وجنوده من الإشتراكيين والبيروقراطيين الحكوميين والنسويات. وسنُركّز على هذا المعسكر؛ لأن أهدافه في تدمير الأسرة جليًا لنا بعكس النظرة المُحافظة التي تدعم وجود الأسرة النووية التقليدية وبقوّة.

 

رواية “عالم جديد شجاع” هي أشبه ما يكون بجَرسٍ لحربٍ مُنظّمة من قِبل نظامٍ عالمي جديد. ومع العديد مِمّا تطرحه هذه الرواية من استهدافٍ مُباشر لمنظومات الحضارة -من أجل الحصول على السعادة-، كان موضوع استهداف الأسرة التقليدية النووية حاضرًا. وعندما تُصبح السعادة هاجسًا مطلقًا، عندها تتحوّل الطُرق المُؤدية لها تمهيدًا للوصول إلى شموليةٍ كئيبة، والسعادةُ هنا كعينٍ قَذتْ وقد يكون حكّها سببًا في ذهابها كلها. الأسرة التقليدية هي عائقٌ للوصول للسعادة المُتخيّلة في عالم جديد شُجاع الذي هو انعكاسٌ رمزي لعالم ما بعد الحداثة الذي نحياه، ولأنها عائقٌ قائم فحُتِّم تفكيكها أو تدميرها. لكَ أن تُبصر في هذا الاقتباس من الرواية:

“إنّ مولانا فورد، أو فرويد كما كان يدعو نفسه لسببٍ مبهم عند حدثيه في مجال علم النفس، كان مولانا فرويد هو أوّل من كشفَ عن الأخطار المروعة للحياة العائلية، كان العالم وقتها مليئًا بالآباء؛ وبالتالي: كان مليئًا بالشقاء، وبالأمهات؛ ولذا: كان حافلاً بكل أنواع الانحرافات، من السادية حتى العفّة، مزدحم بالأخوة والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات، متحشدٌ بالجنون والانتحار.”

يبدأ تقويض المنظومة الأُسرية من خلال تصويرها كصراعٍ بين أفراد الوحدة العضوية الواحدة، كشرٍّ لابُد من الإطاحة به و كمنظّمة قمعية تُعيق تحقّق عالم أفضل، والاقتباس أعلاه لا يختلفُ أبدًا عن نظرةِ أشهر الإشتراكيين في القرن التاسع عشر “روربرت أُوين” بأنّها ضمن ثُلاثية الشر التي أمطرت اللعنة على عالمنا، إلى جانب الزواج والملكية الخاصة. بل أنّ من يقرأ ولو خُلاصةً عن هذا الإشتراكي ومعاونه الفعلي ويليام ماكليور، سيجد فيهم الكثير من التجسيد لعالم جديد شجاع، من حيث أن الأوّل دعا إلى رعاية مُؤسّسية للأطفال من خلال جمعية علمية، وألّا نسمح للعائلة بأي دورٍ من التدخّل في امتلاك الأطفال وتربيتهم، والثاني فعلاً طبقها من خلال تطويره ذاك النظام التعليمي التقشّفي الذي يفصل الأبناء عن آبائهم ليزجّهم في بيئة تربوية مشتركة.

العائلةُ هي العمود الفقري للمُجتمع وهي أساس الوحدة الاجتماعية الأصيلة له، فضلاً عن كونها حيوية الحضارة، وإن تفكّكت منظومتها تفكّك المُجتمع وغرقتِ الحضارة في ويلاتِ الفوضى وأقانيم الفساد، بيدَ أنَّ المُعسكر اليساري يتبنَّى وجهة نظر مستهترة تجاه هذه المنظومة ويسعون لتدميرها، ففهمهم للمُجتمع مغلوط وعليها خرجوا لنا بسلاطةٍ في التفكير، وهَذَرٍ في التفسير. لنا أن ننظرَ إلى استنفارِ ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي من النظام الأسري، فهُم لا ينظروا إلى الآباء إلّا كرغباتٍ تستغلّ الأبناء، فأخذَ بهم هذا التفكير مأخذ حكمهم على العائلة بأنها جريمة وذنب يتعيّن عليهم إنقاذ الأبناء منها، وهكذا كما أتى في البيان الشيوعي:

«العلاقة المقدسة بين الوالدين والطفل ليست أكثر من هُراء برجوازي»

إنّ “عالم جديد شُجاع” ليست إلّا صوتًا مدويًا على عالمٍ يتسيّدهُ اليسار الإشتراكي، والمُقاربات كثيرة، فمثلاً الرعاية العامَّة للأطفال في عالم جديد شُجاع دون آباء -فلَم يعرف أحدهم مفهوم الأبّ قط- هي موجودة عندنا بصورة لا بون بينها وبين عالم جديد شُجاع، فالدولة أصبحتْ تتدخّل في التربية وتقلّص أو تقوّض دور الأسرة فضلاً عن أنّ هناك مساعٍ جادّة لقتل الذكورة في دور الأب، ونَلحظ هذا بشدّة في الغرب، و لا كلل من قِبل المعسكر اليساري في تجريده المُمنهج للأفراد من الأواصر الواضحة المعالم، وخلق الفردانية لمزيدٍ من الإستهلاك ولا شيء غير الإستهلاك، وتحت مسمّيات حُرية واستقلال وشجاعة، فذاكَ المعسكر تمامًا نظرته للعلاقات العضوية المتماسكة هي ذاتها نظرة مُراقبي عالم جديد شُجاع:

“الأسرة، الزواج الأحادي، الأمور العاطفية، في كل مكان تجد الاقتصار على شريك واحد، وهذا تضييقٌ على العغوية والحيوية.”

من ناحيةٍ أخرى، فالأطروحات النسوية في معظم مضامينها تنطوي على رؤية إنجلز ولينين بأنَ العائلة هي مرتعٌ سحيق تفوح منه بذرة اضطهاد المرأة، وهذا بالطبع لا يُعنى بحقّ المرأة، بل استغلالها في نظامهم الصناعي الاقتصادي. من سمعَ عن كولونتاي مفوضة الرعاية الاجتماعية في الحكومة السوڤييتية؟

في عام ١٩٩٠م كتبت شيئًا يدلُ على أنّا في مواجهة كومة من العقليات التي لديها وجهة نظرٍ خاطئة عن الحياة لكنها تصرُّ على فرضها علينا، هنا أقتبسُ سطرًا ممّا قالته:

«الأسرة التقليدية إنها أسوأ من عديم الفائدة، لأنها تعيق الأنثى بلا داعٍ…»

ومثيلتها الناشطة النسوية موريسون التي تُحارب الأسرة النووية بلا هوادة، وتصرّح أكثر من مرة أنه نظام بائس لا يعمل وعلينا أن نكفّ بالتشبّث به.

هذه الأنشودة بدأت تتسرّب إلى أوطاننا العربية وتلقى رواجًا بين خِفاف العقول، فالنضالُ النسوي عندنا نضالٌ هدّام أكثر ممّا يُعنى بإنصاف المرأة واسترداد حقوقها الأصلية، ولا ينتابني أي شكّ بأنكَ ذات يوم مررتَ على بعض المقولات النسوية التي أصبحتْ تستهتر بدورِ الأم ورعايتها لبيتها وعائلتها، بل أنّ هذا أصبحَ شبيهاً عند المنطق النسوي بالخطيئة والفجور، ولا يسعني أن أجمع هنا أقوال الناشطات النسويات التي تَدعي إلى تدمير الأسرة، فهي مقولات مهوّلة تُصيبك بالأسى الديستوبي أكثر من تَبكيتك ضحكاً لشدّة الهراء الذي فيها، لكني سأكتفي باقتباسٍ قد يكون كفيلاً بإضاحةِ أحد أركان المعسكر اليساري في حربه على العائلة، وهو اقتباسٌ من إعلان الناشطة النسوية الراديكالية ليندا جوردون، تقول:

«يجب تدمير الأسرة النووية ،على الناس أن يجدوا طُرقًا أفضل للعيش معًا، مهما كان معناها النهائي، فإن تفكّك العائلات الآن هو عمليةٌ ثورية موضوعية. لقد دعمتِ العائلات الإضطهاد من خلال تقسيم الناس إلى وحداتٍ صغيرة ومعزولة، غير قادرةٍ على الانضمام معًا للقتال من أجل المصالح المشتركة.»

قد تتساءل مالمصالح المُشتركة؟ النظر لكيفية عمل السياسة العالمية التي توجهّنا سيكفل الإجابة لسؤالك. إنها ماكينة عالمية تطحننا بإسم المصالح المُشتركة.

“تورّدتْ خجلاً من منظرِ امرأتين ترضعان صغيريهما، فأشاحات عنهما بوجهها، إنها لَم ترَ في حياتها كلها مشهدًا بذيئًا كهذا…” أتُرانا منفيين عن هذا المشهد الذي وردَ في عالم جديد شجاع؟ تقريبًا لا، نحن نشهده، وسنشهده قادمًا بشكلٍ مُكثّف إذا تخاذلنا في محاربته. أصبحتْ المرأة التي تُعبِّر عن رغبتها بالعيش لزوجها وأطفالها أشبه بالعاهرة اليوم. فنحنُ في انقلابٍ قِيمي نَسيجُ أفكارٍ ملوثة، ومهما تبادر لذهنك أنّ هذا الأمر لن يصل إلى مجتمعاتنا، ستكون مخطئًا، فالأمر هذا وصلنا والفرق بيننا وبين الغرب هو الكمية في ظهور هذا الأمر لا غير، وحتمية تكاثره عندنا معقولة بالنظر لميل الشباب اليوم في استيراد كل ما يُطلى بصوتٍ غربي.

يكتبُ الأنثروبولوجي توماس غارلينغوس عن كيفية عمل الأكاديميا وخدمتها اليوم في تدمير الأسرة:

“غالبًا ما يُقال لهؤلاء الطلاب أن الزواج وتكوين أسرة هو خيانةٌ للأنوثة. بعبارةٍ أكثر وضوحًا: يتمّ تعليمهن أن الزواج وإنجاب الأطفال وتولّي دور ربة المنزل هو بمثابة أن تكونَ عبدة أو عاهرة.”

كلّا، ليس ببعيدٍ عنّا المشهد هذا الذي ورد في عالم جديد شجاع:

حاوِلوا أن تتخيلوا كيف كان الحال عندما كان للفتى أمٌ تَلده. آهٍ، تلك الكلمة البذيئة مرةً أخرى […] حاوِلوا تخيُّل مالذي يعنيه العيش في أسرة.”

الأسرة بلغةِ ما بعد الحداثة هي مجرد “بناء اجتماعي” لذا ستجد الأطروحات في النشاط النسوي واليساري -بناءً على لغة ما بعد الحداثة- تسهبُ في إغراقك بوهمِ أن الأسرة مجرد وهم اجتماعي يمكننا تفنيده والقضاء عليه وإحلال بدائلٍ عنه، فالأسرة عندهم ليست إلا ظاهرة عابرة، حدث طارئ في تاريخنا البشري، تعسّفٌ قديم يجب التخلّص منه أو تغيير نظامه، استبدادٌ عظيم يقف عائقًا في وجه الإستقلال المجيد، ومالمُراد من هذا؟ الإستقلال، وإلى أين يؤدي الإستقلال (الإستقلال بأفهومهِ الحديث) الذي يدعون إليه؟ المزيد من الإستهلاك والتفسّخ والغرق في اللاشيئية نهاية المطاف خدمةً للأنظمة البيروقراطية/الماركسية.

أوّاه أيها العالم الجديد الشُجاع! إنّ الأفكار لها عواقب، وعواقب هذه الأفكار نشهدها في المجتمع الغربي وبشهادة منهم، فالكثير منهم بدأ يلاحظ الأمراض الاجتماعية والفوضى التي استفحلت هناك كعواقب لتلك الأفكار، وإن كنتَ بعيدًا عن هذا ومازلت في نظرتك المثالية للغرب فانظر للمرآة وتأكّد من طول أُذنيك. وإذا جِزنا لأنفسنا المُبالغة بهذهِ الأخطار -رغم أني أرتاب بأنّ هناك فرصة للمبالغة مع واقعية كل ما يحدث- حريٌ بنا فعل ذلك، إذ أنّ المبالغة في مواضع الخطر هذه وقايةٌ لنا ودافعٌ لمُبالاتنا والقيام بدورنا للحفاظ على الأسرةِ التقليدية، فليس لنا المجازفة البلهاء بأنّا نملكُ بدائلاً لتنظيم الأسرة، وهذه البدائل التي يطرحها اليسار مُفلسة فكريًا ولَم تتدارسها التجربة ولا حتى الآثار المُدمّرة على المدى البعيد. جُل ما نثق به نحنُ أنّ هذا النظام الأسري لم يقطعه التاريخ سادراً، وأنّ علينا مواجهة الحرب اليسارية على العائلة بأنْ نشيع بين الناس مَخاطر الثقافة الماركسية المُدمِّرة، فنحنُ على وشك استبعاد أي مجال للتساؤل “هل سيحدث هذا الإنهيار أم لا” وعوضًا عنه نواجه استمرارية السؤال: “متى سيحدث الانهيار؟”.

أمّا ما يتمّ الترويج له من قِبل المعسكر اليساري تحت مسمّياتٍ كثيرة، فلا إقبال على هذه الفكرية ذو الرطانة السوقية إلا من قِبل مَن كان سوقيًا وعاشقًا لمسامير جُحا، ولا ريب أنّه لا يختلف عن ذات الفكرة عن النظام العائلي التي ضمّنتها رواية عالم جديد شُجاع:

“البيت مكانًا حقيرًا بائسًا نفسيًا بقدرِ ما كان كذلك ماديًا، لقد كان حجرًا للأرانب، كومة قاذروات، حارًا بالاحتكاكات الناتجة عن حياة مزدحمة ومحاصرة من جميع الاتجاهات، تطفحُ منه العواطف كالروائح الكريهة. يا لها من حميمية تبعثُ على الاختناق! ويا لها من علاقاتٍ خَطرة مجنونة بذيئة تلك التي كانت تربط بين أفراد العائلة! فالأم المهووسة تكون حاضنةً لأطفالها (أطفالها!)، تمامًا كما تفعل القطة مع أطفالها، ولكنها قطة تستطيع الحديث، ويمكنها أن تقول: طفلي.. طفلي!

تكررها المرة تلوى الأخرى: طفلي.. آهٍ يا طفلي..

تعالَ لأضمّك إلى صدري لتتغذَّى منه، يا ليديك الصغيرتين، يا للجوع، ويا لهذه اللذة الأليمة! ثم ينام طفلي أخيراً، ينام بفقّاعة من اللبن الأبيض على جانب شفّته، طفلي الصغير ينام.

وأومأ مصطفى موند برأسه وهو يشاهد تأثير كلماته عليهم قائلاً: نعم، يحق لكم الارتجاف.


المراجع:

– عالم جديد شجاع، ألدوس هكسلي.

– البيان الشيوعي.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى