عام

ذواتنا بين الحقيقة والوهم

(أثر وسائل التواصل في تصوراتنا)

  •  عائشة عادل

مقدمة

قبل مدة قابلتني صديقة عرفتها على وسائل التواصل، بعد قضاء بعض الوقت معًا علقت قائلة: أنت مختلفة تمامًا عن تلك التي تصورتها، سألتها عن السبب فأجابت بأنني أضحك أكثر مما توقعت،

الغريب أن صديقة أخرى مرت معي بنفس الظرف لكنها قالت حينها: أنت جادة أكثر من اللازم، تخيلتك أكثر بساطة.

لم أفهم كيف يمكن أن تختلف رؤيتهما وأنا الشخص ذاته في الحالتين، كيف تتغير انطباعات الآخرين عنا من مجرد كلمة أو صورة، ولماذا بنت كلتاهما تصورًا عني في مخيلتيهما رغم أنه مجزوء؟ والسؤال الأهم: من أنا من بين هذه التصورات؟ إنسانة جادة أم تلك التي تضحك أكثر من اللازم؟ وإن كانت هذه رؤيتهما لي في عالم افتراضي، فمن أنا على الحقيقة؟

في عالم غزت فيه التقنية الحديثة أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ أصبحت للإنسان رؤيته الجديدة تجاه حياته ومجتمعه ونفسه، ظواهر عديدة نشأت من تقحم العوالم الافتراضية في عوالمنا الواقعية، وتأثيرات سلبية وأخرى جيدة يقررها الباحثون حول أثر وسائل التواصل في عالمنا اليوم.

وأنا هنا أبحث في إحدى تلك الظواهر؛ حين نسأل أحد مرتادي هذه المواقع عن سر إعجابه بها فإنه يجيب عادة: لقد منحتني مساحة جديدة لأكون أنا، أكتب كما أشاء وأعبر كما أريد بلا ضغوط من الواقع وتقييدات الناس الخانقة.

فنتساءل مرة أخرى: ماذا يعني كونه هو؟ أليس هو ذاته الذي في الواقع؟ إنسان له طبائع وسمات وأفعال، هو هو في غرفته وبيته ومجتمعه ومع عائلته وأصدقائه؟

لماذا تتغير الصورة في العوالم الافتراضية إذن؟ ولماذا يحس هو من نفسه أو يتلمس فيه غيره انقسامًا يغاير طبيعته الحقيقية؟

إن المشاهَد أن الناس يتحولون فجأة إلى أشخاص أكثر تهذيبًا ولطافة وجمالًا، حياتهم منمقة وعقولهم أكثر اتزانًا ورؤيتهم أكثر عمقًا وفاعلية..

هل تمنحنا الشاشات عصا سحرية نتحول بها من وحوش همجية إلى قطط وديعة؟ وهل نحن في حقيقتنا وحوشًا أم قططًا تموء ليس إلا؟

لماذا تنقسم حقيقتنا بين العالمَين؟ ومن نحن في كل منهما؟

وسائل التواصل.. حياة كاملة

مثّلت وسائل التواصل نقلة نوعية في وعي الإنسان المعاصر، لا في معارفه وأفكاره فحسب، بل في تشكل وعيه بنفسه وبمجتمعه من حوله، ومع تغلغلها الشديد في حياته ومساهمتها الفعالة في صناعة رؤيته؛ فقد منحها ذلك بعدًا واقعيًا حقيقيًا يلعب دورًا مؤثرًا في إعادة النظر للحياة، فلم تتوقف عند كونها عالمًا افتراضيًا يقوم على صورة مصغرة للحياة الواقعية وبديلة عنها، بل كبرت الصورة على نحو مخيف حتى ابتلعتنا وهمشت إلى جوارها أي واقع آخر.

ولم يقتصر نشاطها على مساحات التعبير وتبادل التعليقات أو الاتصال بأصدقاء بعيدين، بل احتكرت بشكل مبالغ فيه ميادين الاجتماعيات والثقافات والنفسيات كذلك، مرآةً وحيدة نرى من خلالها انعكاساتنا، نصحو صباحًا فنسألها كيف أصبحنا؟ فتجيبنا ببضعة إعجابات وقلوب، نطرقها في المساء لنسأل عن جيراننا الذي يسكنون الجوار فتبعث لهم بالتحية أصداءً من العبارات الودودة والتعليقات، وهكذا..

وحول هذا التأثير يقول عالم النفس إريك فروم:

لقد أعيد تكوين الإنسان العصري ورؤاه عن طريق الأشياء التي صنعها، فمثلًا إذا التقى المرء بإنسان شاهده على التلفاز في الواقع فإنه يشبّهه تمامًا بما رآه في التلفاز. فالواقع إذن هو التلفاز نفسه، وعن طريق هذا الواقع نقيس مشاهداتنا للإنسان.

واليوم لا يكون الإنسان واقعيًا إلا إذا كان موجودًا في الخارج الذي صنعه (كالتلفاز مثلا) حيث يعاد تكوينه عن طريق الأشياء ودوره الاجتماعي وشخصيته فيها.(1)

لقد أصبحت هذه العوالم الافتراضية واقعًا أساسيًا نضيف إليه مشاهداتنا ونقيس به شخصياتنا الحقيقية وأدوارنا في الحياة، وبه كذلك تشكلت خلفية في أذهاننا حول انطباعاتنا عن الناس وآرائنا فيهم، حتى إذا ما جمعنا بهم الواقع (الذي صار بديلًا افتراضيا) شبهناهم بالصورة الأصلية التي شهدناها في صفحاتهم.

لوحة ناقصة

الإنسان بطبيعته كائن متعدد الجوانب، جبلّة معقدة ولوحة مترامية الجهات يعسر على أحدنا أن يقبض على كل تفاصيلها أو يتأمل ملامحها، لأجل هذا كان من المقبول أن نتفهم اختلاف زواياه طبقًا لاختلاف أدواره التي يؤديها..

ما الذي فعلته وسائل التواصل؟

حصرت وسائل التواصل أدوارنا الحياتية في مجرد تعاريف مجردة وبضعة كلمات؛ فلا نرى من خلالها الرجل أبًا وزوجًا وأخًا وعاملًا، إنما إنسان ينثر التعليقات هنا ويحصد الإعجاب بكلامه المؤثر هناك، هذا الاختزال الشديد لدور الإنسان وفاعليته في الحياة كفرد مؤثر ومتأثر؛ يورثنا رؤية قاصرة عنه

ولم يقتصر تأثيرها على اختزال حقيقة الإنسان فحسب، بل جردت ذاته وأحداث حياته من عوامل الزمان والمكان، “حياة مسجلة” كما عبر عنها بيونغ شول في حديثه عن أسراب المجتمعات الرقمية(2)، فأهملت وسائل التواصل تأثر الذات بواقعها الحي، ومنحتنا عوضًا عن ذلك تسجيلًا بفارق أزمنة واسعة تنقل لنا فيه جزءًا من الصورة ليس إلا.

إضافة إلى أنها قلصت المسافة اللازمة لتكوين صورة الذات والانطباع الناجم عنها، لقد صارت الأشياء أكثر قربًا مما يبدو، والناس لا تفصل بينهم حدود بها يدركون حقائقهم؛ تلاشت المسافة تمامًا بين الذات والعالم(3) هذه المراقبة من مسافة صفر لا تسمح بتكوين رؤية واسعة شاملة تستوعب حقيقة الإنسان بمجموعها وتراكيبها المختلفة.

والنتيجة أن الإنسان غدا كلوحة ناقصة من لعبة تركيب القطع، نملك منها قطعتين فقط ثم تُترك لمخيلاتنا حرية استنتاج بقيتها.

وتكمن المشكلة في أن الجزء المفقود يتشكل وفقًا لمعايير كل فرد من أفراد الجمهور، وتبعًا لخلفياته ومعارفه وثقافته هو، بغض النظر عن أصل الصورة

ثنائيات متناقضة (عقل طفولي)

في دراستها عن التكوين النفسي للأطفال؛ ترى المحللة النفسية ميلاني كلاين أن الأطفال عندما يكونون صغارًا جدًا فإنهم لا يفهمون حقيقة الوجود المشترك للجوانب المكافئة لنفس الكائن، ويرون في أمهاتهم موضوعا إما جيدا أو سيئا باعتبارها منقسمة إلى شخصين، ويستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى يفهموا أن الأم السيئة والأم الجيدة هما في الحقيقة شخص واحد(4)

عبر هذه الثنائيات يبدأ الأطفال في استيعاب حقائق الأشياء، فلا يرون الحياة إلا أبيض أو أسود، والناس إما أبطال أو أشرار، ومع تقدم العمر يبدأ فهمهم لتدرجات الحقائق والمناطق الرمادية من الأشياء.

وفي عالمنا الافتراضي، لا مجال لاستيعاب مثل هذه الحقائق، هذه الصورة المختزلة للحياة والإنسان لا تترك مساحة كافية للتخلي عن تصوراتنا الطفولية للأشخاص من حولنا، إنهم أبطال أو أشرار بشكل كامل، بل تمنحنا مبررا كافيا للقفز إلى تصنيف الناس حسب ما يبدو لنا منهم، وتعتمد تصنيفاتنا بشكل كبير على مجرد إعجاب أو تعليق، والأسوأ: أن الصورة النهائية غير قابلة للتغيير.

وحاصل كل هذا أننا نخلق في أذهاننا ذواتًا وهمية، قائمة على معطيات ناقصة وناتجة عن تصوراتنا نحن، نؤطرها في قوالب جامدة من تصنيفات سطحية لا أساس لها، هذا جيد، وهذا سيئ، فلان جاد لأنه لا يتفاعل كثيرا، وفلانة ساخرة لأنها تستخدم تفاعل الضحك دائمًا، ونحن إما أولئك الذين يتلبسون أردية العقل والحكمة حين يكتبون، وإما أولئك البسطاء الذين لا تروقهم الاجتماعيات ولا يتحدثون إلا لمامًا.

من نحن إذن؟

نحن مجموع هذا كله، حقائق مركبة من كل ما يظهر منا، ولوحة كاملة تشمل الصور المنثورة هنا وهناك، لا تعبر الصورة بالضرورة عن اللوحة كاملة، لكنها جزء حقيقي منها، “جميعنا خليط مربك من الجيد والسيئ”(5) وذوات لا تنفصل عن عوالمها بحال؛ إنما تتخذ الأدوار اللازمة حسب ما يقتضي كل موطن منها،

واستصحاب حقيقة أن مثل هذه العوالم جزء ناقص من الحياة نتقلد فيه أدوارًا محدودة؛ يساعدنا في ضبط رؤيتنا لذواتنا وذوات الناس من حولنا، ويمنحنًا اتزانًا كافيًا للتفريق بين الوهم والحقيقة.


(1)كتاب الإنسان المستلب ص 51

(2)كتاب من داخل السرب- آفاق رقمية ص 95

(3)المصدر السابق ص 20

(4) نظرية التحليل النفسي لميلاني كلاين، انظر أيضا محاضرة: لماذا ستتزوج الشخص الخطأ- آلان بوتون

(5) المحاضرة السابقة

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى