الفلسفة

الأورجانون الأصولي

أوهام العقل بين فرانسيس بيكون وعلماء أصول الفقه

  • رائد العيد
  • تحرير: عبد الرحمن الميمان

 

(1)

فرانسيس بيكون (1561-1626م) فيلسوف ومحامي ورجل دولة، يُعدّ الأب الشرعي للعلم الحديث الذي صاغ صك شهادة ميلاده، فنُقِش اسمه أعلى أحد أبواب أكبر مكتبة في العالم -مكتبة الكونجرس الأمريكي- حفظًا لجهوده وتخليدًا لاسمه.

أصدر قبل وفاته بست سنوات (1620م) كتابه الذي غيّر شكل العالم ونقض الأسس التي تقوم عليها العلوم من قبله، ورسم معالم المنهج العلمي الحديث. لم يكن كتابًا كاملًا، بل جزءًا من مخطط طويل كان يؤمل إتمامه لإصلاح العلم والنهوض بحياة الإنسان بعنوان “الإحياء العظيم”[1]. صدر الجزء الثاني من هذا المخطط تحت مسمى “الأورجانون الجديد” والتي تعني الأداة الجديدة أو الآلة الجديدة (أي: آلة الفكر)، وهو الاسم الذي وضعه الفلاسفة المدرسيون في العصور الوسطى على مجموع مؤلفات أرسطو، تعقيبًا على أورجانون أرسطو الذي أصبح أداة قديمة بالية عفا عليها الدهر ويجب استبدالها بما يناسب العصر الحديث[2].

كان الكتاب -أو بالأحرى ما خرج من الكتاب فحتى الجزء الثاني لم يصدر كاملًا- على هيئة فقرات قصيرة منفصلة متتابعة ومرقمة، وإلى حد ما مفككة وغير مترابطة، لكنها جميعًا قاطعة كالسيف، موجزة مكثفة بحيث لا تتسلل كلمة زائدة، ومكتوبة بأسلوب بليغ وبيان رائع عُدّ قمة من قمم النثر في عصره.

قَسّم بيكون الكتاب إلى قسمين: الأول: سلبي مختص بالتنويه على الأخطاء المتربصة بالعقل البشري كي يتجنبها. والثاني: إيجابي مختص بقواعد المنهجي التجريبي الذي أراد تأسيسه. وكعادة المحاولات الأولى دائما تخرج مشوبة بالتقصير والمآخذ كانت حالة القسم الثاني حتى تجاوزه الزمن، لكن الأول كان إضافة حقيقية ولفتة ثاقبة من بيكون، ومثمرة وصالحة لكل العصور. يقول كوندياك: “لم يَرَ أحدٌ أسبابَ أخطاءِ الإنسان أكثر من بيكون”[3].

وإن كان بيكون قد عرض هذه الأوهام في كتاب سابق له كتبه بالإنجليزية وأهداه إلى الملك جيمس الأول ليساعده في النهوض بالبلاد ونشره عام (1605م)، إلا أنه أعطاها أسماء وفصّل فيها في الأورجانون الجديد الذي يغلب عليه الطابع النقدي، وذلك لكي يعقد الإنسان العزم على التحرر من هذه الأوهام ويتخلص من أدرانها[4].

تَرجمَ الكتاب كاملًا الدكتور عادل مصطفى، وألّف كتابًا علّق فيه على جزئية أوهام العقل، وكُتِب حولها العديد من المقالات، لكن ما سأحاول عمله في هذا المقال ربط هذه الأوهام بما نصّ عليه علماء أصول الفقه في مدوناتهم، سواء من سبق بيكون أو لحقه، وليس الغاية بيان الأولية التاريخية أو تعسّف الربط بين المنجزات العربية بالغربية؛ فحفظ حقّ علماء الإسلام في صوغ العلم وفلسفته يُقِرُّ به كل منصف من العلماء، لكنه بيان لشيء من عظمة أصول الفقه وعلمائه، وعقليتهم الفذّة التي استطاعت من خلال استنطاق النصوص الشرعية وعلومها أن تصل إلى أسس التفكير العلمي الذي يدعو إليه كل أحد في هذا العصر[5].

(2)

إن العقل عند بيكون أداةُ مماثلةٍ وتجريدٍ وتصنيفٍ لمعطيات الحواس، وفي تجسيده لخطورة هذه الأوهام المتربصة بالعقل يطلق عليها الأوثان أو الأصنام، فهي تتحكم بالعقل تحكمًا رهيبًا وتحجبه عن جادة الصواب، فتكون بمثابة أصنام يعبدها، أو أوهام يتشبث بها. كرّس بيكون لهذه الأوهام أكثر من ثلاثين فقرة في الكتاب، وقسّمها إلى أربعة أصناف على النحو الآتي[6]:

  • أوهام الجنس أو القبيلة: والمقصود الجنس البشري بعمومه، أو قبيلة الإنسانية بأكملها، أي الأخطاء المتربصة بالعقل البشري من حيث هو كذلك. عقل الإنسان يشبه المرآة غير المستوية والتي تعكس خواصها على الأشياء المختلفة وتشوهها. إن أفكارنا صور عن أنفسنا أكثر من كونها صور للأشياء. ومن أمثلة هذه الأخطاء سرعة التعميمات والقفز إلى الأحكام الكلية، فلا ينبغي التسرع في التعميم دون التثبت الكافي كي لا نقع في أحكام خاطئة. وأيضًا سيطرة فكرة معينة على الذهن، تجعلنا نختار من الأمثلة والوقائع ما يؤيدها ونغض البصر عما ينفيها، فلا بد من توخي النزاهة العلمية من الوقائع كي ندرأ هذه النوعية من الأخطاء. ومن أمثال هذه الأخطاء الشائعة في طريقة التفكير الإنساني بشكل عام افتراض النظام والاطراد في الطبيعة أكثر مما هو موجود فيها، حتى إذا صادَفَنَا مثالٌ شاذ حاولنا إدخاله بأي طريقة في إطار القانون، فلا ينبغي افتراض أكثر مما هو متحقق فعلًا.
  • أوهام الكهف[7]: والمقصود بالكهف البيئة التي نشأ فيها الفرد، فهي إذن نوعية من الأوهام التي تخص الفرد المحدد الذي نشأ في بيئة محددة، بخلاف أوهام الجنس العامة. أوهام الكهف تتمثل في التأثير الكبير لعوامل البيئة ومكوناتها وثقافتها على عقل الإنسان، فيتصور المسائل الخاصة بهذه البيئة وكأنها حقائق مطلقة ومشتركات إنسانية، وقد يقصر عقله عن إثباتها، مما يحول بينه وبين اقتفاء جادة الصواب. بعض العقول مثلًا تنزع إلى التحليل وترى أوجه الخلاف والتباين في الأشياء أينما وجدت، وبعض العقول بطبيعتها تركيبية تميل إلى البناء والتركيب وترى أوجه الشبه بين الأشياء. وبعض العقول تميل كثيرًا إلى تقدير كل ما هو قديم، وبعضها تحتضن بحماس كل أمر جديد، والقليل منها تستطيع الاحتفاظ بالحد الوسط، فلا تقضي على ما أوجده الأقدمون من أمور صحيحة ولا تنظر بعين الاحتقار إلى الاختراعات الجديدة، لأن الحقيقة لا تعرف تحيزًا أو تحزبًا. ولو تأملنا مليًّا في مشكلة التشويه الأيديولوجي للعلوم كافة لوجدناه خير مثال لهذه الأوهام-أوهام الكهف.
  • أوهام السوق: وهي الناجمة عن الخلط اللغوي وسوء استخدام اللغة، وقد اعتبرها بيكون أبرز ما ينبغي تجنبه. فالضجيج يرتفع في الأسواق، يحجب الإنسان عن الإدراك الواضح للغة، فتنشأ الأوهام الناجمة عن هذا، كأن يستعمل أسماء لأشياء لا وجود لها، ثم نتصور وجود هذه الأشياء الزائفة، أو نترك أشياء حقيقية بلا أسماء نتيجة لقصور في الملاحظة. ويحذرنا بيكون من تلافي هذه الأخطاء عن طريق المناقشات اللفظية، فالفيصل الحق في الرجوع إلى الواقع. إن أوهام السوق تجعل الإنسان يتصور وكأنه يملك زمام اللغة ويتحكم فيها ويستعملها كما يشاء، بينما اللغة تفرض تأثيرها على العقل الإنساني دون أن يشعر. لذلك ينبغي الحذر من الوقوع في أسر أوهام السوق والاستعمالات الخاطئة للغة.
  • أوهام المسرح: وهي الأوهام الناتجة عن تأثير المفكرين القدامى على عقل الإنسان، فيصبح العقل كأنه خشبة مسرح يعرض عليها المفكرون السابقون رؤاهم المتضاربة والمنفصلة عن الواقع الراهن. إن المتفرجين قد يأسرهم الإعجاب بالممثل وبراعته في تجسيد الدور، فينسى المتفرج واقعه ومشكلاته، ويعيش بمجامع نفسه مع الممثل، يتألم بمآسيه ويفرح لظفره بالمحبوبة، حتى لو كان بين المتفرج ومحبوبته فراسخ وأميال! المثال تمامًا يحدث حين يأسر الإنسان الإعجاب بممثلي الفكر السابقين فيعيش في إطار مصنفاتهم ويلف ويدور حول قضاياهم منفصلًا عن واقعه ومستجداته. وتبدو أوهام المسرح أخطر أنواع الأوهام. ربما كان أرسطو يُلح على ذهن بيكون وهو يحذرنا من أوهام المسرح فاضطره لنقض أدواته التي وضعها من أساسها، هربًا من الافتتان بممثلي الفكر السابقين الذي لا ينجم عنه إلا خسران الواقع ومستجداته.

(3)

عندما أسس الشافعي(150-204هـ/767-820م) علم أصول الفقه وكتب قواعده مستقرئًا نصوص الوحي وتصرفات الصحابة والتابعين، كان يهدف إلى حماية العقل المسلم من التخبط في التعامل مع النصوص الشرعية، وعدم التيهان بين أقوال العلماء التي بدأ الاختلاف بينها يتّسع.

وكما جاء بيكون ليحل أزمة الركود العلمي وفشل المنطق الأرسطي في معالجة ومواكبة مستجدات عصره، جاء أصول الفقه ليوفّق بين المدارس التي بدأت تظهر بين المدن الإسلامية، والمعسكرات التي بدأت تتشكل في جوانب متباعدة نوعًا ما، ويضع قواعد راسخة تضمن سلامة التعامل مع النصوص الشرعية على مر العصور.

(4)

معالجة أوهام الجنس أو القبيلة تدخل في باب كبير من أبواب أصول الفقه، وهو باب: تحقيق المناط، والذي يبحث فيه الأصوليون متى تطبق القاعدة الأصولية أو الحكم الشرعي على فرد من الناس، فمهما كانت القاعدة عامة، وتشمل كافة الناس، إلا أن تطبيقها يحتاج إلى نظر في تحقق الأسباب وانتفاء الموانع عن المحل المراد تطبيقها فيه.

من مظاهر أوهام القبيلة أننا نُؤخَذ بالشواهد الإيجابية لأي رأي أو اعتقاد، ونغض الطرفَ عن الشواهد السلبية حتى إن كانت أكثر عددًا وثقلًا! ويبدو أن الدماغ البشري -بحكم تكوينه- يجد صعوبةً في معالجة الإشارات السلبية أكثر مما يجدها في معالجة الإشارات الإيجابية، يُسَمَّى هذا الخطأ المعرفي -بالمصطلح الحديث- “انحياز التأييد” أي البحث عن التأييد دون التفنيد.

وهذا مما نبّه عليه علماء الأصول وخاصة في جانب عرض الأقوال في المسائل الخلافية، فلا يغفل قول المخالف، ويحتفى بقول الموافق، يقول ابن تيمية: “فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تُستوعَب الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبّه على الصحيح منها ويُبطَل الباطل وتُذكَر فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه”[8].

(5)

المقصود بالكهف هنا هو كهف الفردانية، فكل فرد من الناس يعيش في كهفٍ خاص به يعترض ضياءَ الطبيعة ويشوهه. إن لكل فرد من البشر تكوينَه الجِبِلِّي الخاص وموروثَه الجِيني، وثقافتَه التي نشأ عليها، وتربيتَه وظروفَه وقراءاته وقُدوتَه وصِلاته الحياتية، وما يحب وما يكره، لكن هذه التفضيلات لا ينبغي أن تكون سبب ترجيح واختيار بين الآراء أو تقييم بين الأشياء، يقول ابن تيمية: “ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يُملك، وإنما يُلام على اتباعه”[9]، فمحبة النفس لرأي وكراهتها لآخر، هو ضرب من الهوى، لكن ذلك بمجرده لا يؤاخذ عليه الإنسان، وإنما المؤاخذة على استعمال الحب والكره في غير موضعهما. قال الإمام وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى: “أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم”[10].

أوهام الكهف كما تكون في بيئة واقعية محصورة، تكون في إطار معرفي محدد، فالإغراق في تخصص ما يجعل المرء يتعصّب له، ويوالي ويعادي به، وهذا قد حذّر منه السعدي: “ومن أعظم أنواع القسط: القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما؛ بل يجعل وجهته العدل بينهما”[11]. بل حتى قول الشخص في مجال غير مجاله لم يكونوا يقبلونه، فقد كان الأصوليون على بصيرة باختلاف التخصصات، وأن بروز الشخص في أحدها لا يعني قبول قوله في كل شيء، فمن برز في شيء دون شيء قُبِل قوله فيما يعلم دون ما يجهل، فلمّا تكلم يحيى بن معين في الإمام الشافعي، قال له الإمام أحمد: “لست تدري يا أبا زكريا شيئًا من معاني قول الشافعي، ومن جهل شيئًا عاداه”[12]. ولمّا تكلم سفيان بن عيينة في بعض المسائل قال له الشافعي: “يا أبا محمد، ليس هذا من صنعتك؛ إنما صنعتك الحديث، وإنما هذا لأهل النظر”[13]. وقال الفخر الرازي: “فلا عبرة بالمتكلم في الفقه، ولا بالفقيه في الكلام، بل من يتمكن من الاجتهاد في الفرائض دون المناسك، يعتبر وفاقه وخلافه في الفرائض دون المناسك، ولا عبرة أيضًا بالفقيه الحافظ للأحكام والمذاهب إن لم يكن متمكنًا من الاجتهاد”[14].

(6)

تنشأ أوهام السوق من ظن الناس أن عقلهم يتحكَّم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضًا أن الألفاظ تعود وتشن هجومًا مُضادًّا على الفهْم؛ ومن تفاوت المعاني المرادة من المصطلحات بين المتحدثين مما يؤدي إلى نقاشات عقيمة.

للأصوليين اهتمام واسع وجهود كبيرة باللغة وضوابط استعمالها وتحرير مصطلحاتها، ومن أسباب هذا الاهتمام: أنهم جعلوا العلم باللغة العربية من شروط المجتهد التي لا يُقبل اجتهاد من لا تتوفر فيه، لأن “الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيّان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز”[15] كما يقول الشاطبي. وهذا جعلهم يغوصون في أعماق اللغة ودهاليزها حتى فاقت جهودُهم جهودَ علماء اللغة نفسِها، يقول السبكي تعليقًا على تعريفات ذكرها: “وكل هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة، وإن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم. وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة”[16]. بل حتى البحث في المسائل المشتركة يتميّز الأصوليون في استنباط المعاني والدلالات ويزيدون مباحث ولطائف لا توجد في كتب اللغة، لاختلاف جهة النظر في هذه المسائل[17]. حتى كانت مباحث دلالات الألفاظ “غَمرة علم أصول الفقه ومعظَمُه”[18].

ومن آثار هذا الاهتمام والتمحيص في مسائل اللغة: وضعُهم ضوابط عديدة لصك المصطلحات وفهمها؛ وعيًا منهم بوسيلية اللغة وأن “اللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود”[19]، فوضحوا متى يُحتكم في معاني الألفاظ إلى الشرع أو العرف أو اللغة، حسب سياق الكلام وحال المتكلم، يقول نجم الدين الطوفي: “الألفاظ الشرعية كالصلاة ونحوها، إذا صدرت من الشارع أو عن الفقهاء في تصانيفهم، فإما أن يُعلم بنص أو قرينة أن المراد بها الموضوع اللغوي، أو أن المراد بها الموضوع الشرعي”[20]. ونبّه بيكون على أن الألفاظ تكوَّنت في الأصل لكي تلائم قدرةَ عامة الناس، وهي تحدِّد الأشياء بخطوط وتقسيمات تسهل على الذهن العامي، وحالما أراد الذهن العلمي أن يغيِّر هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصوب للطبيعة فإن الألفاظ تعترض الطريق وتقاوم التغيير، يقول د.محمود زيدان: “الألفاظُ لا تُحدَّد مدلولاتها بكل دقة ولسنا في حياتنا اليومية بحاجةٍ إلى تلك الدقة، ولكن إذا استخدمنا تلك الألفاظ في الحياة العلمية بانَ قصورُها”[21]، لكن الأصوليين في الحقيقة لم يواجهوا هذه المشكلة؛ إذ إنهم كانوا يتعاملون مع المعاني وليس مع الألفاظ وحدها، وحتى عندما فتحوا البلاد غير العربية لم يغيروا اصطلاحاتهم أو يُلزِموا الناس قاطبة باتباع ألفاظهم[22]، لأن القاعدة الأصولية تقول: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني[23].

وحتى لا تنتهي كثير من الحوارات العلمية والفكرية إلى خلافات حول ألفاظٍ وأسماء بَدَلًا من أن تدخل في صميم موضوعاتها؛ لذا فإن علينا أن نواجه الأشياء مباشرة، ولا نكتفي بمواجهة الأشياء من خلال الألفاظ اللغوية. كان من الضوابط التي اشترطها الأصوليون لوضع المصطلحات العلمية: أن يتفق على المصطلح جماعة تحصل الـمُواضَعة بمثلهم؛ ويكثر استعمال هذا اللفظ بذلك المعنى بينهم؛ فالمصطلح كالطريق التي إن سار عليه الناس كانت بينة المعالم، وإلا عفت ودرست آثارها[24]. وأيضًا من الضوابط العلمية للمناظرات والحوارات العلمية التي حث عليها الأصوليون: وحدة المصطلحات واتفاق المرجعيات، وألا تستعمل الألفاظ إلا في حقيقتها، حتى لا تؤدي إلى الالتباس واختلاف المقصود بين المتناظرين، وأن يتحدث كل طرف باصطلاحات قومه ومذهبهم[25].

وفي سياق شرح كلام أحد أو الرد عليه، نبهوا على ضرورة معرفة حدود المصطلحات التي يستعملها ذلك الشخص، يقول ابن تيمية: “فكل من شرح كلام غيره وفسّره وبيّن تأويله فلا بد له من معرفة حدود الأسماء فيه”[26]. وإدراك السياقات التي يتحدث فيها المرء مهمة لفهم مرامي كلامه، فالقرينة شطر الدليل، وإهمالها إهدار للدليل جملة، إذ لا يُراد الفهم إلا على ضوئها، “ومن هنا يُقصّر بعض العلماء ويتوحّل خضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يُقلّبه ويحلله ويأمل أن يستخرج لُبّه، ويُهمل الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق”[27].

(7)

أوهام المسرح هي الأوهام التي تسربت إلى عقول البشر من النظريات والمذاهب التي تفرض نفسَها على الأذهان نتيجة احترامنا الزائد لآراء القدماء. التحذير من أوهام المسرح والوقوع تحت أسر المفكرين أو منتجاتهم كان دأب الأصوليين، ومَنعُهم إغلاق باب الاجتهاد دليل وعي بتأثير المستجدات وأحوال العصر على الأحكام، وأن الكتب وحدها لن تكون كافية على مواكبتها دون علماء يسبرون أغوار واقعهم، بدءًا من الشافعي الذي حُكي أنه قال: “من تَفقَّه من بطون الكتب ضيّع الأحكام”[28]. فتحذيرهم من الاكتفاء بالتفقه بالكتب كان بسبب قصورها عن الوفاء بالعوامل المستجدة في كل وقت، بل كانوا يدعون إلى العودة إلى الأصول الثابتة التي لا تتبدل مع الأيام، ولا تبلى مع الأعوام، بل إليها في كل وقت الاحتكام، قال الإمام أحمد لعثمان بن سعيد: “لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع إسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل[29]. لكن هذا لا ينفي فائدة الانتفاع من الكتب، يقول الفخر الرازي في معرض كلامه عن تقليد الميت: “فإن قلت: فلم صُنّفت كتب الفقه مع فناء أربابها؟ قلت: لفائدتين: إحداهما استفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعض، والأخرى معرفة المتفق عليه من المختلف فيه”[30].

ومن التحيزات التي كان الأصوليون يحذرون منها ويدعون إلى التمحيص في أصحابها، ما قاله المعلمي: “أن أكثر العلماء المنتسبين إلى المذاهب لم ينصبوا أنفسهم منصب القضاة، بل منصب المحامين، كلٌّ عن المذهب المنتسب له. فعلى طالب الحق أن يُنزلهم منازلهم فلا يعدهم قضاة يُقبل قولهم في تأييد المذهب المنتسبين إليه وتخطئة غيره، بل عليه أن يعرف أنهم محامون عن مذاهبهم، فلا يسمع من أحد منهم إلا كما يسمع القاضي من المحامي… فإن أحدهم يحب نفسه حتى لا تطاوعه نفسه إلى الاعتراف بأن آباءه أو مشايخه أو أهل مذهبه أخطؤوا؛ فلذلك تجده لا يميل إلى الاعتراف بأن إمامه أخطأ، وإن قامت الحجة عليه، بل يذهب يحرف الحجج ويؤلها”[31].

بل حتى الإجماع رغم ارتفاع رتبته بين الأدلة كان من شروط قبوله شدةُ التمحيص فيه، وعدم الأخذ بكل نقلٍ للإجماع على إطلاقه، والتحذير من دعوى الإجماع ونسبة الأقوال إلى أهلها دون تأكد، يقول ابن حزم: “هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع، فإن لم يمكنهم ذلك؛ لم تكن عليهم مؤنة من دعوى: أنه قول الجمهور، وأن خلافه شذوذ. وإن خصومهم ليَرْثُون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة، نعوذ بالله من مثلها. وأيم الله لا يُقْدِم على أن ينسب إلى أحد قول لم يثبت عنده أن ذلك المرء قاله إلا مستسهلٌ للكذب، مُقدِم عليه، ساقط العدالة”[32].

(8)

قد يكون كثير من القواعد الأصولية السابقة مقصود بها بالأصالة النصوص الشرعية، انطلاقًا من تعريف أصول الفقه الذي من تتبع تاريخ تطوره يجده متأثرًا بكل مبحث استدعت تلك الحقبة إدخاله، حتى استقرّ على أنه “معرفة دلائل الفقه إجمالًا، وكيفية استفادة الأحكام منها، وحال المستفيد”[33]، لكنه حان الوقت لتعميم المنهجية الأصولية لتكون منهج بحث وتفكير في مختلف جوانب الحياة، وليس فيما وضعت له ابتداء، قد يكون هذا توسيعًا لموضوع العلم، ويمكن اعتباره تطبيقًا وتنزيلًا للمنهجية في مواضع جديدة؛ لصلاحيتها لتلك المواضع.

الاحتفاء بعلم أصول الفقه وأنه المنهجية العقلية التي ابتكرها علماء الإسلام وقتما كانت أوربا ترزح في ظلمات الجهل والتخبط، لا يكفي فيه تضييق نطاق استعمال هذه المنهجية، بل المفترض الانطلاق بها في رحاب أوسع، ليس ادعاء وافتخارًا عبثيًّا، وإنما اختبارًا واستثمارًا لها في ميادين جديدة؛ فكما كان هذا العلم يستفيد من مختلف ينابيع العلم وقت تأسيسه ويتكئ على مختلف الأعمدة في بدايات سيره، حان الوقت ليعود بالعطاء على مختلف العلوم بمنهجية رصينة أثبت التاريخ متانتها وعلو كعبها بين منهجيات العلوم.

تقول أستاذة فلسفة العلم الدكتورة يمنى الخولي: “إن أصول الفقه ميثودولوجيا إسلامية. إنه جهاز منهجي ناضج، موروث من ماضينا، تخلّق بفعل الوحي المنزّل، الكتاب المسطور، من أجل قراءته واستكشاف سبل تفعيله بالوصول إلى الأحكام الشرعية. وفي بحثنا عن التجديد والتحديث والانطلاق نحو المستقبل المرتَهن بالتقدم العلمي، يمكن أن نجد فيه أصولًا أصيلة غير مجلوبة لمنهجية قراءة الكتاب المنظور أيضًا.. كتاب الكون والطبيعة والعالم والإنسان، والوصول إلى قوانين العلوم الطبيعية والإنسانية، أي منهجية القراءتين أو قراءة الكتابين كليهما، لتحمل أصول الفقه بثقة واقتدار أصلًا أصيلًا للمنهجية العلمية الإسلامية، القادرة على الاتجاه نحو المستقبل”[34].

 

وصلى الله وبارك على نبينا محمد..


[1] آفاق الفلسفة، فؤاد زكريا، ص82-83

[2] حتى الأورجانون الجديد جاء من يتعقبه ويبيّن عدم صلاحية أفكاره للعصر الحديد، منهم وليم هيوول في كتابه “إحياء الأوجانون الجديد” والذي صدر عام (1858م).

[3] أوهام العقل، قراءة في «الأورجانون الجديد»، د. عادل مصطفى، ص17

[4] ينظر: فلسفة العلم في القرن العشرين، د.يمنى الخولي، ص82

[5] أول من نبّه على هذا د. سامي النشار في كتابه المهم: مناهج البحث عند مفكري الإسلام.

[6] ينظر: الأورجان الجديد، فرانسيس بيكون.

[7] رغم أن استعارة الكهف مأخوذة عن أفلاطون، فإن أسطورة الكهف وسجناء الكهف عند أفلاطون تتعلَّق بالجنس البشري كله، وتشير إلى قصورٍ في الطبيعة البشرية بوجه عام (أي هي أقرب إلى أوهام القبيلة عند بيكون)، بينما الكهف عند بيكون يشير -على العكس- إلى الأوهام الخاصة بكل فرد على حِدة نتيجةَ تكوينه الخاص وثقافته الخاصة.

[8] مجموع الفتاوى 13/368

[9] مجموع الفتاوى 10/132

[10] أخرجه الدارقطني في سننه، ونسبه ابن تيمية للإمام عبدالرحمن بن مهدي.

[11] تفسير السعدي، ص208

[12] الانتقاء، ابن عبد البر، ص178

[13] مناقب الشافعي، البيهقي، 2/240

[14] المحصول، الرازي، 4/198

[15] الموافقات 5/53

[16] الإبهاج شرح المنهاج 1/21

[17] قارن إن شئت بين مبحث “حروف المعاني” من شروح “جمع الجوامع” مع المبحث نفسه في “مغني اللبيب” وفروعه. أو بين مبحث “الحقيقة والمجاز” بين الأصوليين والبلاغيين.

[18] المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم، أبو شامة، ص170

[19] الموافقات 2/138

[20] شرح مختصر الروضة 1/501

[21] الاستقراء والمنهج العلمي، د. محمود فهمي زيدان، ص٦٤.

[22] ينظر: لغة العلم في الإسلام، د. إبراهيم مدكور

[23] ينظر: شرح القواعد الفقهية، الشيخ أحمد الزرقا، ص55

[24] ينظر: الصياغة الأصولية في العصر الحديث، د. هيثم الرومي، ص263

[25] ينظر: علم الجدل والمناظرة، د.سعد الشثري، ص115-116، والجدل والمناظرة أصول وضوابط، د. محمد رفيع، ص44-53

[26] مجموع الفتاوى، ابن تيمية 9/59

[27] مقاصد الشريعة الإسلامية، الطاهر ابن عاشور، ص81

[28] تذكرة السامع والمتكلم، ابن جماعة، ص97

[29] ينظر: مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي ص263

[30] المحصول، الرازي، 6/71

[31] رفع الاشتباه 2/216-220

[32] المحلى 8/67

[33] الحاصل من المحصول 1/230

[34] نحو منهجية علمية إسلامية، د.يمنى الخولي، ص131-132

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق