عام

تكلفة الفرصة البديلة

  • يارا العلي
  • تحرير: إيثار الجاسر

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا الكريم، وعلى عباد الله الصالحين، وبعد:

يعدُّ مفهوم تكلفة الفرصة البديلة من المفاهيم الأساسيَّة في عمليَّة اتخاذ القرارات الاقتصادية.

لنأخذ على سبيل التقريب مثالًا بسيطًا -لشدة بساطته قد يضُرُّ بأهميَّة المفهوم – لكنه سيكون مدخلًا جيدًا لهدف هذا المقالة.

لنقل أنَّك اخترت أن تشتري منتجًا أيًّا كان، ولديك خياران: الأغلى ذو الجودة (منتج أ) وأمَّا الأرخص فهو الأقل جودة (منتج ب).

عند اختيارك للأغلى (منتج أ) فالفرق بين سعر المنتجين هو تكلفة تُضاف لتكلفة شرائك للمنتج الأغلى، فتكون المعادلة (سعر المنتج أ الكلِّي= سعر المنتج أ+ التوفير الذي كان من الممكن أن يحصل لو اخترت المنتج ب).

أمَّا إذا اخترت الأرخص فستكون المعادلة أكثر تعقيدًا وأصعب حسابيًّا كقيمة لأنَّ العامل المتغيِّر يصعب قياسه. (سعر المنتج ب الكلِّي= سعر المنتج ب + الجودة التي كان من الممكن الحصول عليها لو اخترت المنتج أ).

يقوم الإنسان بهذه الحسابات بديهيًّا في أمور الحياة البسيطة، والتي لا تكون فيها الدِّقَّة مطلبًا!. تذكَّر آخر مرة اشتريت فيها منتجًا وسترى أنَّك قمت بحساباتك بطريقة تلقائيَّة دون الحاجة لصعلوك اقتصاديٍّ ينبِّهك على هذا المفهوم؛ لكن الإشكاليَّة تكمن في أنَّ كثيرًا من العوامل المتراكبة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في حساب تكلفة القرار، وتختلف أهميَّتها وقيمتها من شخص لآخر.

تكلفة الفرصة البديلة من المفاهيم الاقتصاديَّة التي يكون إسقاطها عن واقع حياتنا سهلًا أحيانًا ومعقَّدًا أحيانًا أخرى.

“فائدة كان من الممكن أن يحصل عليها الشَّخص، ولكنَّهُ تخلى عن ذلك، لتحقيق هدفٍ آخرٍ.”

هكذا يعرفونها الأخوة الاقتصاديون.

لنوسِّع تطبيق هذا المفهوم على حياتنا قليلًا، وسنرى أنَّ تكلفة الفرصة البديلة تدخل في كلِّ شيء حتَّى في تنظيفك لأسنانك صباحًا.

في هذا الوقت من السنة التي غزتها الغرابة وأناخ عليها كورونا بظلاله، تجلَّت العديد من العادات والاعتقادات الاجتماعيَّة الجيِّد بعضها، والآخر الذي ينخر فيها، وعرَّتها وسائل التَّواصل الاجتماعي. من تقديس العمل المؤسسي بصفته الهدف الأسمى والأوحد ومعيار الإنجاز والنَّجاح الأهم حتَّى والعالم والاقتصاد والأرواح التي تنهار إلى التَّصويت لمرزوقة مرورًا بالشخصيات الأنانيَّة ألا مبالية بتبعات رعونتها على غيرها.

لكن أكثر ما أثار حيرتي هو شكوى الغالبيَّة من الحجر لشعورهم بخواء اليوم لزيادة وقت الفراغ وفقدانهم السَّيطرة على المشاعر السَّلبيَّة في غياب النشاطات التي اعتاد المرء عليها قبل الحجر.

من المفهوم والمتوقَّع الشُّعور بالضيق الشَّديد جراء الحجر، لكن هذا جعلني أتساءل عن جدول يوم المجتمع قبله وطبيعة حياته.

جعلني ذلك أشرعُ في تنفيذ “دراسة إحصائية” والتي كانت الأسوأ على مرِّ التاريخ، مررت بوسائل التَّواصل الاجتماعي، كما سألت تقريبًا كلَّ من أعرف عن نمط حياتهم قبل الحجر.

أقرُّ وأعترفُ أنَّ جودة النَّتائج أقلُّ ما يقال عنها سيِّئة؛ لكن دفاعًا عنها كانت العيِّنة من فئات متنوعة من المجتمع والنتائج واضحةً عيانًا للمتبصِّر من دون دراسة حتَّى.

المهم.. أجمع الأغلب تقريبًا بالخروج للتَّنزُّه في المطاعم والمقاهي مع الأصدقاء والعائلة على الأقلِّ مرتين أسبوعيًّا -مع استثناء نهاية الأسبوع- بمعدَّلِ ثلاث ساعات للمرة الواحدة.

بعيدًا عن تأثير هذه العادة على صحة الشَّخص أو حالة العائلة الماديَّة أو الدافع لها، ما يهمني هو تأثيرها على وقت الإنسان.

بغضِّ النَّظر عن طبيعة التَّرفيه، ولكن مع مرور الوقت يخلق الإكثار منه للإنسان وهمًا أنَّ هدفه الوحيد هو استدامة شعوره بالراحة والمتعة، وأيُّ أمرٍ لا يحقِّق له شخصيًّا هذا الشُّعور يقوم به مقهورًا مجتمعيًّا أو بطبيعة الحياة وسنَّتها، ولن يعسف نفسه على أمر لا يحبُّه ولا يريده ولا يستهويه حتَّى وإن كانت فائدته واضحة لا تُغطَّى بغربال. ليس واجبًا ولا أحبه إذًا لن أقوم به. (تظهر هنا إشكالية الحصر المخزي لما يجب على الإنسان فعله لنفسه وغيره ومجتمعه.)

أصبح الفردُ منَّا يتخفَّف من أمور كثيرة فائدتها تعود عليه، ومصبُّ اهتمامه فيما يمتِّعه.

وهنا تظهر أزمة الفرصة البديلة.

ساعة ونصف يوميًّا قضيتها في الحديث مع الأصدقاء، أو ساعتين قضيتها في مشاهدة فيلم (هل ينبغي أن نذكر حكمه الشَّرعي أم سيحتاج النهار إلى دليل؟)، أو حتَّى نصف ساعة قضيتها في انتظار دورك في مقهاك المفضَّل.. هل نعي فعلًا تكلفتها؟

كلَّفتك هذه المتع إنجاز عمل ما تؤجله مذُّ سنوات أو قراءة كتاب أو أو أو وهلمَّ جرًا… ثمَّ يزيد عيار الحيرة قليلًا؛ ولنقل أنَّ قراءة هذا الكتاب كلَّفت قراءة ذاك الكتاب، وإنجاز هذا العمل كلفك إنجاز ذاك.. أنا آسفة لكن مفهوم تكلفة الفرصة البديلة هو أسوأ\أنفع مفهوم وغالبًا سيسبِّبُ لك وعكةً في الأفكار لأنَّ معايير الأفراد لتقيِّيم المنفعة تختلف فيختلف عندها الحكم. تتَّسع رقعة المفهوم حتَّى إلى العبادات، فمثلًا الدُّعاء والذِّكر بين الأذان والإقامة أفضل من قراءة القرآن في هذا الوقت تحديدًا وإن كان في كلاهما أعظم الأجر والموفَّق من وفقه الله.

الفكرة أنَّ تكلفة الفرصة البديلة ليست فقط في الأمور الواضح قلة نفعها وإنما تتسلل في كلِّ شيء. لكن لنحصر الأمر قليلًا في مفهوم الوقت.

قال رسول الله ﷺ: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتَّى يُسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟)[1]

عمره فيما أفناه.. عمره فيما أفناه.. عمره فيما أفناه. لا أعرف والله كيف يكتب شيئًا بعد هذا الحديث.

في ماذا أفنيتُ نفسي؟ هل في طاعة الله بصورها الواسعة (وسبحانه ما أوسع رحمته وفضله حتَّى صار كلُّ أمر يقوم به الإنسان مخلصًا لوجهه موافقًا لسنَّة نبيِّه طاعة يُثاب عليها وإن كانت شربة ماءٍ تروي ظمأه) أو قضيتها في غيرها؟ هل أفنيتُ نفسي فيما لا طائل منه لا دنيًا ولا آخرة؟ هل أفنيتُ نفسي بالاستكثار من المباحات أكثر مما ينبغي؟

لابن القيم كلام شديد اللُّطف والدِّقة في هذا.

ذكر ابن القيم -رحمه الله- سبعة مداخل يدخل بها الشيطان إلى الإنسان، يبدأ من المطلب الأوَّل يحاوله من ابن آدم، فإن لم يستطع وعجز عنها؛ حاول بعد ذلك في غيره، وهي:

المدخل الأول: بالكفر بالله وبدينه.

المدخل الثاني: البدعة.

المدخل الثالث: الكبائر.

المدخل الرابع: الصغائر.

المدخل الخامس: المباحات.

والمباحات؛ هي التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التَّزوُّد لمعاده، ثمَّ طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السُّنن، ثمَّ من ترك السُّنن إلى ترك الواجبات، وأقلُّ ما ينال منه تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية.. ولو عرف سعر ما فوَّت على نفسه من القربات، ولكنه جاهل بالسِّعر!.

المدخل السادس: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات.

فأمره بها وحسَّنها في عينه وزيَّنها له وأراه ما فيها من الفضل والرِّبح، ليشغله بها عمَّا هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا، لأنَّه لمَّا عجز عن تخسيره أصل الثَّواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الرَّاجح، وبالمحبوب لله عن الأحبّ إليه، وبالمرضي عن الأرضى له.

المدخل السابع: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللِّسان والقلب. على حسب مرتبته في الخير، فكلَّما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التَّسليط.. وهذه العقبة لا حيلة له في التَّخلُّص منها، ولا شيء أحبُّ إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له.

“لكن يا حنظلة ساعة وساعة”

قد يتوهم القارئ أني أدعو إلى نبذ حظِّ النَّفس وحقّها في التَّرفيه والتَّرويح عنها الذي يعيدُ لها قوتها ويجدِّدُ عزمها ونشاطها في ابتغاء هدفها وهذا ليس المقصود ولا المطلوب شرعًا، وإنَّمَا إيجاد التَّوازن، فلا يطغى جانب التَّرفيه؛ فتكسل النفس ويخور العزم، ولا يطغى جانب الجد؛ فتكلّ النفس ويفتر العزم. ولكن يسدِّد الإنسان ويقارب. ساعة عبادة وساعة للقيام بما يصلح العيش من أمور لا مفرَّ للمرء منها، وهذه سنَّة الله في خلقه.

تظهر المشكلات حين يختل التَّوازن وتختلط الأمور ويُغلِّب الإنسان جانبًا على جانب، ويُؤتى من حيث يظنُّ أنَّه أصلح.

يغرق الإنسان في نفسه ومتعته ظانًّا أنَّها خلاصه ومنتهى بهجته، فلا يرفع رأسًا الا لهواه ويتخذه ربًّا يُطاع ولا يُعصى، فلا تريد النَّفس شيئًا ولا تشتهي أمرًا إلا أُعطيت كطفلٍ يُرضَّى، فتهلك نفسه في دنياه الغالية عليه قبل آخرته. لكن من نهى نفسه عن هواها وأيقن أنه لم يخلق عبثًا ولن يترك سدًى، وجاهد نفسه وسايسها مسايسةً تستقيم معها، وأعطى من نفسه ووقته وعمره -الذي هو أغلى ما يملك- ورحم نفسه الغالية عليه من حسابٍ طويل نرجو الله أن يكون يسيرًا؛ فعسى أولئك أن يكونوا من المفلحين.

أخيرًا، شرفُ العلمِ بشرف المعلوم. ولا شيء أنفس أن تستثمر فيه وقتك من كتاب ربك وسنَّة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-.

اقرأ وافهم واعمل بالقرآن فإنه يأتي لك شفيعًا، وتعلَّم حكمة نبيِّك قبل تعلُّم حكمة البشر. ثم اعلم أنَّك فردٌ من أمة محمَّدٍ لك ما لها وعليك ما عليها. فلا امتيازات دون تكليفات، وما جُعلت هذه الدنيا إلا سجنًا للمؤمن يعسف فيها نفسه ويرجو من الله أن يتغمده برحمته وينعمه بفردوسه.. جمعنا الله فيه.

والحمد لله ربِّ العالمين.


[1] أخرجه الترمذي (2417)، والدارمي (537)، وأبو يعلى (7434) باختلاف يسير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق