الفلسفة

لماذا يحتاج العلم إلى الفلسفة؟

  • لويس لابلين، باولو مانتوفاني، رالف أولفس، هاسوك تشانغ، ألبيرتو مانتوفاني، مارغريت مكفول-نغاي، إليوت سوبر، توماس براديو
  • ترجمة: وجدان الودياني
  • تحرير: زينب بنت علاء الدين حنفي

“إن المعرفة بالخلفية التاريخية والفلسفية تعطي نوعًا من الاستقلالية بمنأى عن الزَّهو الذي يمتاز به جيلنا، والذي وقع ضحيته معظم العلماء. إن هذه الاستقلالية الناجمة عن النظرة الفلسفية -برأيي- هي العلامة الفارقة التي تميز طالب العلم الحقيقي عمن اتخذ من العلم مهنة له.”

ألبرت آينشتاين، من “رسالة إلى روبرت ثورنتون” 1944م

على الرغم من الأواصر التاريخية الوطيدة بين العلم والفلسفة، إلا أن علماء العصر غالبًا ما ينظرون إلى الفلسفة باعتبارها كيانًا مستقلًا تمامًا عن العلم، أو حتى مناهضًا له. إن هذا البحث يناقش عكس هذه الفكرة، وهي أنه يمكن للفلسفة أن تؤثر على العلم بشكلٍ كبيرٍ ومثمرٍ.

هناك ثلاثة أمثلة تدعم وجهة النظر هذه، مستقاةٌ من عدة مجالاتٍ من علوم الحياة المعاصرة. وكل منها مبنيٌ على أسسٍ علميةٍ متينةٍ معروفةٍ تمامًا بالنسبة للباحثين الممارسين، باعتبارها إضافةً إثرائيةً للعلم. توضح هذه الأمثلة -وأخرى غيرها- أن مساهمات الفلسفة لا تخرج عن أحد أربعة أشكال: توضيح المفاهيم العلمية، والتقييم الناقد للفرضيات والمناهج العلمية، وصياغة مفاهيمٍ ونظرياتٍ جديدة، ودعم الحوار بين العلوم المختلفة من جهةٍ، وبينها وبين المجتمع من جهةٍ أخرى.

على الرغم من الأواصر العريقة التي تربط العلم بالفلسفة على غرار مدارس أفلاطون وأرسطو وغيرهم -نذكر هنا مدرسة رفائيل الشهيرة في أثينا-، إلا أن العلماء المعاصرين غالبًا ما ينظرون إلى الفلسفة باعتبارها كيانًا مستقلًا بل وحتى مناهضًا للعلوم، وعلى خلاف ذلك، فإننا نعتقد بأنه يمكن للفلسفة أن تؤثر على العلوم بشكلٍ كبيرٍ ومثمر.

 

الإيضاح المفاهيمي والخلايا الجذعية

أولاً: تقدم الفلسفة إيضاحًا (مفاهيميًّا). إن الإيضاحات (المفاهيمية) لا تعمل على تحسين دقّة واستخدام التعابير العلمية وحسب، بل إلى تجارب جديدةٍ كذلك، ذلك أن اختيار إطارٍ نظريٍ ما على نحوٍ مفاهيمي، يحدّ بشدة من رؤيتنا وإدراكنا لماهية التجارب.

إن تعريف الخلايا الجِذعية خير مثالٍ على ذلك، بما يبين أن للفلسفة باعًا طويلًا في مجال البحث العلمي، حيث أن خاصية “الجَذعية” التي تعرف بها الخلايا الجِذعية، تمت باستخدام أدوات فلسفية بحثية. قام أحد أعضاء فريقنا البحثي بالكشف عن أربعة أنواعٍ مختلفة من الخصائص تندرج تحت مصطلح “الجَذعية” في العلوم المعاصرة.(1) إذ أنه وبالاعتماد على نوع النسيج، يمكن للجَذعية أن تتمتع بـ:

  • خاصية التخصص والتصنيف (categorical): وهي خاصية داخلية للخلايا الجذعية، بغض النظر عن أماكن تواجدها.
  • كما يمكن لها أن تلعب دورًا انتقائيًا (dispositional): وهي خاصية داخلية للخلايا الجذعية تقع تحت سيطرة البيئة الدقيقة.
  • ودورًا علائقيًا (relational): وهي خاصية خارجية تُمنح للخلايا غير الجذعية من قبل البيئة الدقيقة.
  • ودوراً نظاميًا في الجهاز الذي تنتمي إليه(systemic): وهي خاصية يتم الحفاظ عليها والتحكم فيها على مستوى مجموعة الخلايا بأكملها.

يشير هانس كليفرس -الباحث في علوم أحياء السرطان والخلايا الجذعية- إلى أن التحليل الفلسفي يسلِّط الضوء على المسائل الدلالية و(المفاهيمية) في علم الأورام والخلايا الجذعية، كما يقترح قابلية هذا التحليل للتطبيق على مستوى التجارب(2) في الواقع، بالإضافة إلى التوضيح (المفاهيمي)، فإن هذا العمل الفلسفي له تطبيقات في العالم الحقيقي كما هو موضح في حالة الخلايا الجذعية السرطانية في علم الأورام.

تعتمد الأبحاث التي تهدف إلى تطوير عقاقير لاستهداف الخلايا الجذعية السرطانية أو بيئاتها الدقيقة على أنواعٍ مختلفة من الجذعية، وبالتالي؛ فمن المرجح أن يكون لها معدلات نجاح مختلفة تعتمد على نوع الورم السرطاني. علاوة على ذلك، فإنها قد لا تغطي جميع أنواع السرطان لأن الاستراتي    جيات العلاجية الحالية لا تأخذ في الاعتبار التعريف المنهجي للجذعية. إن تحديد نوع الجذعية الموجودة في كل نسيج وورم سرطاني يفيد بالتالي في توجيه تطوير واختيار العلاجات المضادة للسرطان. وقد أدى هذا الإطار النظري في الممارسة العملية، إلى البحث عن عقاقير تجمع بين استهداف الخواص الأساسية للخلايا الجذعية السرطانية وبيئاتها وبين نقاط التحقق المناعية، لتغطية جميع أنواع الجذعية الممكنة.(3)

علاوة على ذلك، فقد طُبق هذا الإطار النظري مؤخرًا في مجالٍ آخر، ألا وهو دراسة (العُضَيّات). ففي مراجعة منهجية متعددة المصادر للبيانات التجريبية الخاصة بـ (العُضَيّات)،(4) وصف بيكوليت-داهان، وآخرون القدرة على تكوين (عُضَيّات) بأنها خاصية انتقائية. وبالتالي، يمكن القول بأنه لزيادة كفاءة واستنساخ إنتاج (العُضَيّات)، فإن التحدي الحالي الرئيسي في هذا المجال هو حاجة الباحثين إلى فهمٍ أفضل للجزء الجوهري من الخاصية الانتقائية التي تتأثر بالبيئة الدقيقة. وللتعرف على الخواص الداخلية للخلايا التي تتمتع بالانتقائية، فإن هؤلاء الباحثين يعملون حالياً على تطوير طرق (جينومية) وظيفية عالية الإنتاجية، مما يتيح التحقيق في دور كل جينٍ بشري تتقريبًا في تكوين العُضَيّات.

 

المناعية والميكروبيوم

إن من شأن الفلسفة الإسهام في نقد الفرضيات العلمية واستباق صياغة نظريات تنبؤيةٍ جديدة قابلة للاختبار تساعد في وضع مسارات جديدة للبحث التجريبي.

فعلى سبيل المثال، أدى أحد الانتقادات الفلسفية الموجهة للإطار العملي للمناعة الذاتية/الخارجية إلى مساهمتين مهمتين(5): الأولى كانت بمثابة وضع إطار عملي جديد ألا وهو “النظرية الانقطاعية للمناعة the discontinuity theory of immunity ” والتي تعد مكملة للنماذج الذاتية/الخارجية والنماذج الخطرة، بافتراض أن النظام المناعي يستجيب لتعديلات مفاجئة للمحسنات المضادة للجينات.(6) وتسلط هذه النظرية الضوء على عدة ظواهر مناعية مهمة بما فيها أمراض المناعة الذاتية، والاستجابة المناعية للأورام، والتحمل المناعي للجزيئات المرتبطة بروابط قوية. لقد طُبقت نظرية الانقطاع على عددٍ وافرٍ من الأسئلة بهدف المساعدة في اكتشاف نتائج عوامل العلاج الكيماوي على تكوين المناعة في مرض السرطان، وشرح كيفية قيام الخلايا المضادة الطبيعية باستمرار بتعديل أنماطها الظاهرية ووظائفها من خلال تداخلها مع الجزيئات المرتبطة على نحوٍ يضمن تقبل المكونات الذاتية الجسدية.(7) تساعد النظرية كذلك في شرح عواقب اللقاحات المتكررة لدى الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة،(8) وتقترح نماذجًا حسابية فعّالة لتنشيط المناعة. جميع هذه التقييمات التجريبية العديدة توضح كيف أن الفرضيات المستوحاة فلسفيًا يمكن أن تقود إلى تجارب جديدة، مما يفتح آفاقًا جديدةً للبحث.

ثانياً، إن النقد الفلسفي يُسهم -إلى جانب مناهج فلسفية أخرى- في إيضاح أن فكرة أن كل كائن حي، بعيداً عن كونه متجانسًا وراثيًا، هو مجتمع تكافلي يُؤوي ويتقبل عدة عناصر غريبة -بما فيها البكتريا والفيروسات-، ولكنها غير مستبعدة بواسطة جهازه المناعي. إن الأبحاث المتعلقة بالتداخل التكافلي والتقبل المناعي ذات نتائج بعيدة المدى لمفهومنا حول ما يشكل كائنًا فرديًا، والذي يتمثل على نحو متزايد باعتباره نظامًا بيئيًا معقدًا، تتأثر وظائفه الأساسية من التطوير إلى الدفاع والإصلاح والإدراك، بالتفاعلات مع الميكروبات.(9)

 

التأثير على العلوم المعرفية

تقدِّم دراسة المعرفة والعلوم العصبية المعرفية مثالًا منقطع النظير على تأثير الفلسفة طويل الأمد على العلم. وعلى غرار علم المناعة، فإن الفلاسفة صاغوا نظريات وتجارب مؤثرة كانت بمثابة حجر الأساس لبرامج بحثية محددة كما أدت إلى تحوّلات منهجية، ولكن حجم التأثير هنا يقزم حالة علم المناعة. لقد لعبت الفلسفة دورًا هامًا في الانتقال من السلوكية إلى المعرفية والحوسبة خلال ستينيات القرن الماضي.(10) وربما ظلت أكثرها وضوحًا نظرية (نمذجة) العقل للفيلسوف جيري فودور. إن تأثيرها على نظريات هندسة المعرفة لا يمكن تجاهلها. وكمساهمة بعد رحيل فودور عام 2017م، تحدَّث عالم النفس االإدراكي جيمس راسل في مجلة المجتمع النفسي البريطاني عن “علم النفس التطوري المعرفي” قبل فودور وبعده.

تشير (التركيبية) (Modularity) إلى فكرة أن الظواهر الذهنية هي مُحصِّلة عدة عمليات فريدة وليست عملية عادية واحدة. ونظرًا لتأثر فودور بأدلة من علم النفس التجريبي واللُّغويات (التشومسكية)، ونظريات حاسوبية فلسفية حديثة حول العقل، فقد تبنى نظرية مُفادها أن المعرفة البشرية عبارة عن وحدات معرفية مختصة مختلفة، منخفضة المستوى، ومحدودة النطاق، تتداخل معها نماذج أخرى عالية المستوى، وذات نظام مركزي واسع النطاق للتفكير الاستدلالي، تتجه المعلومات فيه عمودياً للأعلى وليس أفقياً أو للأسفل (فيما بين الوحدات).(12.11) بالإضافة إلى ذلك، فقد صمم معيارًا دقيقًا لـ (التركيبية). إن مقترح فودور، إلى يومنا هذا، يسنُّ القوانين لمزيد من النظريات والبحوث العملية في عدة مجالات من العلوم المعرفية والعصبية، بما فيها التطور المعرفي، وعلم النفس التطوري، والذكاء الاصطناعي، وعلم الإنسان المعرفي. وعلى الرغم من أن نظريته قد رُوجعت وكانت عُرضة للتحدي، إلا أن العلماء لايزالون يرجعون إلى أسلوبه وأدواته (المفاهيمية) البسيطة فيحرِّفونها تارة ويناقضونها تارة أخرى.

إن مهمة المعتقد الخاطئ هي مثالٌ آخر مهم لأثر الفلسفة على العلوم المعرفية، ويعتبر الفيلسوف دانيال دينيت أول من أدرك المنطق الأساسي لهذه التجربة، باعتبارها مراجعةً لاختبارٍ استُخدم لتقييم نظرية العقل، أي القدرة على عزو الحالة الذهنية للفرد ذاته أو للآخرين.(13) تختبر المهمة القدرة على وصف الأفراد الذين يتبنون معتقدات تعتبر خاطئة بالنسبة لآخرين بأنها الفكرة الرئيسية باعتبار أن التفكير حول معتقدات الآخرين الخاطئة -مقابل المعتقدات الصحيحة- يتطلب رؤية الآخرين باعتبارهم يمتلكون تصورات ذهنية تختلف عن تصوراتنا وعن الطريقة التي يكون عليها العالم في الحقيقة. طُبِّقَت هذه النظرية لأول مرة في عام 1983م(14) في مقال علمي بعنوان “معتقدات حول المعتقدات: الوظيفة التصوريِّة والمُقيَّدة للمعتقدات الخاطئة في استيعاب الأطفال لفكرة الخداع”، وهي بحد ذاتها مساهمة تُعزَى مباشرة لدينيت.

“تتقاسم الفلسفة والعلم أدوات المنطق والتحليل المفاهيمي والمناقشات الدقيقة. غير أن الفلاسفة يوظفون هذه الأدوات بدرجة من الشمول والحرية والتجرد النظري يفتقر إليها الباحثون الممارسون في نشاطاتهم اليومية.”

إن مهمة المعتقَد الخاطئ تظهر بمثابة تجربة فريدة في عدة مجالات من العلوم المعرفية والعصبية واسعة التطبيق والتنفيذ. إذ تتضمن هذه المهمة اختبار مراحل التطور المعرفي لدى الأطفال، وتناقش تصميم المعرفة البشرية وقدراتها الفريدة، كما تقيّم نظرية قدرات العقل لدى الأفراد، وتطور نظريات التوحد باعتبارها عملًا ذهنيًا -وفقًا للصعوبات في اختيار مهمة المعتقد الخاطئ والمرتبطة بالحالة-، وتحديد أي مناطق الدفاع تحديدًا هي المرتبطة بالقدرة على التفكير حول ما تحويه عقول الآخرين.(15)

لقد ساعدت الفلسفة كذلك العلوم المعرفية في غربلة الفرضيات القديمة والمعضلة، مما ساعد في توجيه التغيير العلمي. إن المفاهيم حول العقل والذكاء والوعي والعاطفة تُستخدَم بشكل كبير في عدة مجالات مختلفة قد تتفق غالبًا بعض الشيء حول معانيها.(16) كما أن هندسة الذكاء الاصطناعي وبناء النظريات النفسية حول متغيرات الحالة الذهنية واستخدام أدوات علم الأعصاب للبحث في الوعي والعاطفة تتطلب جميعها الأدوات (المفاهيمية) للنقد الذاتي والحوار متعدد المجالات، وهي تحديدًا الأدوات التي توفرها لنا الفلسفة.

 

الفلسفة والمعرفة العلمية

إن الأمثلة سالفة الذكر ليست الوحيدة في علوم الحياة، فقد لعب التفكير الفلسفي دورًا هامًا في مسائل عِدَّة كتنوع الإيثار التطوري(17)، والجدل حول وحدات الاختيار(18)، وبناء شجرة الحياة(19)، وسيطرة الميكروبات في المحيط الحيوي(20)، وتعريف الجينات(21)، والفحص الناقد لمفهوم الفطرة.(22) وبطريقة مماثلة، فقد أثار الفلاسفة أسئلة أساسية كتعريف الوقت، وتحليل عدم القدرة على عكس الزمن الذي قدمه هو-برايس، والمنحنيات الزمنية المغلقة التي قدمها ديفيد لويس، ساعدت في إزالة اللبس (المفاهيمي) في الفيزياء.(23)

وبالنظر إلى هذه الأمثلة، وأخرى غيرها، فإننا ننظر للفلسفة والعلم على أنهما ينتميان إلى نفس السلسة المتصلة. إذ يتقاسم كلاهما أدوات المنطق والتحليل (المفاهيمي) والمناقشات الدقيقة. غير أن الفلاسفة يوظفون هذه الأدوات بدرجة من الشمول والحرية والتجريد النظري يفتقر إليها الباحثون الممارسون في نشاطاتهم اليومية. إن الفلاسفة ذوي المعرفة العلمية يمتلكون القدرة على الإسهام بشكل كبير في تطوير العلوم على كافة أصعدة المبادرات العلمية بدءًا من النظرية وحتى التجربة، كما شاهدنا في الأمثلة السابقة.

ولكن، كيف يمكننا تسهيل التعاون بين العلماء والفلاسفة من خلال التجربة؟ قد يكون الجواب واضحًا لأول وهلة، بحيث يتوجب على كل مجموعة أن تملك زمام المبادرة، ولكن قد يكون من الخطأ النظر إلى هذا الحل باعتباره خطوة سهلة، فهناك الكثير من المعوقات. حاليًا، يزدري عدد لا بأس به من الفلاسفة العلم، أو قد لا يرونه يمت لعملهم بصلة. حتى فيما بين الفلاسفة الذين يميلون للحوار مع الباحثين، فقليل منهم على دراية كافية بالعلوم الحديثة. وعلى العكس، فالنزر اليسر من العلماء يدركون أهمية الإضاءات الفلسفية. ضمن السياق العلمي الحالي، والذي يقع تحت سيطرة التخصصات المتزايدة والطلب المتزايد على الدعم المادي والإنتاجي، هناك قِلَّة من الباحثين الذين يملكون الوقت والمناسبة لكي يكونوا على علم بالأعمال التي يقدمها الفلاسفة في مجال العلوم، ناهيك عن قراءتها.

ولتجاوز تلك العقبات، فإننا نرى أنه بإمكان سلسلة من التوصيات البسيطة التي قد تكون قابلة للتنفيذ، تجسير الفجوة بين العلم والفلسفة. إن إعادة ربط العلم بالفلسفة أمر مرغوب فيه بشدة، وقابل للتحقيق أكثر مما تم اقتراحه على مَرِّ عقود من الفرقة بينهما.

  1. إفساح المزيد من المجال أمام الفلسفة في المؤتمرات العلمية. وهذه آلية في غاية البساطة بالنسبة للباحثين لتقييم الفوائد المحتملة لرؤى الفلاسفة حول أبحاثهم، وبالمثل، فإنه يمكن إشراك باحثين أكثر في مؤتمرات الفلسفة لتوسيع جهود المنظمات كالمجتمع الدُّولي للتاريخ والفلسفة، والدراسات الاجتماعية لعلوم الأحياء، وجمعية فلسفة العلوم، ومجتمع فلسفة العلوم الاجتماعية.
  2. استضافة الفلاسفة في المعامل والأقسام العلمية، وهذه من أهم الطرق -تم اكتشافها بواسطة بعض الكتاب وغيرهم- لجعل الفلاسفة يتعلمون العلوم ويقدمون تحليلات أكثر ملائمة وذات أصول متينة، ولتمكين العلماء من الاستفادة من الرؤى الفلسفية بشكل عام. قد تكون هذه الطريقة أكثر الطرق فاعلية لمساعدة الفلاسفة على التأثير على العلم بشكل سريع وقوي.
  3. الإشراف المشترك على طلبة الدكتوراه. إذ يمثل الإشراف المشترك من قبل الفلاسفة والعلماء فرصة ممتازة لتمكين تعدُّد المرئيات من كلا المجالين. إن من شأن ذلك تسهيل إنتاج أطروحات ثرية علميًا وقوية فكريًا، وتدرب الجيل القادم من العلماء الفلاسفة في تلك الأثناء.
  4. تصميم مناهج متوازنة تجمع بين العلم والفلسفة لتعزيز حوار حقيقي بينهما. بعض هذه المناهج موجود بالفعل في بعض البلدان، غير أن توسيعها لابد أن يصبح أولوية. بحيث يمكنها منح طلاب العلوم منظورًا يخوِّلهم للتحديات (المفاهيمية) للعلوم الحديثة، وتزويد الفلاسفة بقواعد متينة للمعرفة العلمية التي ستضاعف تأثيرهم على العلوم. قد تشمل المناهج العلمية مادة في تاريخ العلوم وفلسفة العلوم، في حين قد تشمل المنهج الفلسفية محاضرات علمية.
  5. القراءة في العلم والفلسفة. إن القراءة في العلوم هي جزء لا يتجزأ من ممارسة فلسفة العلوم، غير أن القراءة في الفلسفة قد تشكل أيضًا مصدرًا مهمًا لإلهام الباحثين، كما هو واضح من خلال الأمثلة السابقة. على سبيل المثال، قد تشكل أندية المجلَّات العلمية التي تسلط الضوء على المساهمات العلمية الفلسفية طريقة فعَّالة لدمج المجالين.
  6. افتتاح أقسام جديدة مُخصَّصَة للمسائل والمفاهيم الفلسفية في المجلات العلمية. قد تكون هذه الإستراتيجية وسيلة ملائمة وجذابة لاقتراح استمرارية العمل الفلسفي (المفاهيمي) مع العمل التجريبي، إلى الحدّ الذي تكون فيه الفلسفة مصدر إلهام للعلماء ومُلهَمة بهم. فقد تجعل التفكير الفلسفي حول مجال علمي محدد أكثر وضوحًا للمجتمع العلمي ذو الصلة أكثر منها عند نشرها في المجلات الفلسفية التي نادرًا ما يقرؤها العلماء.

إن الفلسفة التي قد يشار إليها في بعض الأحيان بالحرف الإغريقي Phi  قد تساعد في تطوير كافة مستويات المبادرات العلمية بدءًا من النظرية وحتى التطبيق. إن مساهمات علم أحياء الخلايا الجذعية، وعلم المناعة، والتكافل والعلوم المعرفية تُعد أمثلة حيّة على ذلك. حقوق الصورة للفنان ويبكي بريتنغ.

إننا نأمل أن تؤدي الخطوات العملية سالفة الذكر إلى نهضة في دمج العلم بالفلسفة. علاوة على ذلك، فإننا نرى أن حفظ الوَلاء للفلسفة سيُعزز حيوية قوة العلم.

إن العلوم الحديثة ليس لها أية قيمة بدون الفلسفة، إذ إن تضخم البيانات ضمن كل مجالٍ سيجعل تفسيره أكثر صعوبةً، كما أن إهمال شموليّة التخصصات العلمية الفرعية وتاريخها سيُضاعف الفجوة فيما بينها، بينما سيقود التركيز على المناهج والنتائج العلمية إلى تدريبٍ أكثر سطحية للطُلاب. وقد كتب كارل ووسي (24): “إن المجتمع الذي يسمح للأحياء أن تصبح تخصصًا هندسيًا ويسمح للعلم أن يلعب دور تغيير العالم الحالي دون محاولة فهمه، هو خطأٌ بحدِّ ذاته.” إننا بحاجة إلى تفعيل العلم على كافة الأصعدة، مما يضمن الاستفادة من روابطه الوثيقة مع الفلسفة.


References:

  1. LaplaneL (2016) Cancer Stem Cells: Philosophy and Therapies (Harvard Univ Press, Cambridge, MA).
  2. CleversH (2016) Cancer therapy: Defining stemness. Nature 534:176–177.
  3. BialkowskiL, et al. (2018) Immune checkpoint blockade combined with IL-6 and TGF-β inhibition improves the therapeutic outcome of mRNA-based immunotherapy. Int J Cancer 143:686–698.
  4. Picollet-D’hahanN, Dolega ME, Freida D, Martin DK, Gidrol X(2017) Deciphering cell intrinsic properties: A key issue for robust organoid production. Trends Biotechnol 35:1035–1048.
  5. PradeuT, Carosella ED(2006) On the definition of a criterion of immunogenicity. Proc Natl Acad Sci USA 103:17858–17861.
  6. PradeuT, Jaeger S, Vivier E (2013) The speed of change: Towards a discontinuity theory of immunity? Nat Rev Immunol 13:764–769.
  7. BoudreauJE, Hsu KC (2018) Natural killer cell education and the response to infection and cancer therapy: Stay tuned. Trends Immunol 39:222–239.
  8. RinaldiS, et al.(2014) Antibody but not memory B-cell responses are tuned-down in vertically HIV-1 infected children and young individuals being vaccinated yearly against influenza. Vaccine 32:657–663.
  9. McFall-NgaiM, et al. (2013) Animals in a bacterial world, a new imperative for the life sciences. Proc Natl Acad Sci USA 110:3229–3236.
  10. FodorJA (1983) Modularity of Mind: An Essay on Faculty Psychology(MIT Press, Cambridge, MA).
  11. BarrettHC, KurzbanR (2006) Modularity in cognition: Framing the debate. Psychol Rev 113:628–647.
  12. KanwisherN (2000) Domain specificity in face perception. Nat Neurosci 3:759–763.
  13. DennettDC (1978) Beliefs about beliefs. Behav Brain Sci 1:568–570.
  14. WimmerH, PernerJ (1983) Beliefs about beliefs: Representation and constraining function of wrong beliefs in young children’s understanding of deception. Cognition 13:103–128.
  15. FrithU, FrithCD (2003) Development and neurophysiology of mentalizing. Philos Trans R Soc Lond B Biol Sci 358:459–473.
  16. AdolphsR(2018) The Neuroscience of Emotion: A New Synthesis (Princeton Univ Press, Princeton).
  17. SoberE, WilsonDS (1998) Unto Others: The Evolution and Psychology of Unselfish Behavior (Harvard Univ Press, Cambridge, MA).
  18. OkashaS (2006) Evolution and the Levels of Selection(Oxford Univ Press, London).
  19. KooninEV (2011) The Logic of Chance: The Nature and Origin of Biological Evolution(FT Press, Upper Saddle River, NJ), 1st Ed.
  20. MameliM, BatesonP (2006) Innateness and the sciences. Biol Philos 21:155–188.
  21. PriceH (1996) Time’s Arrow and Archimede’s Point: Philosophical Reflections on Time and Physics(Oxford Univ Press, London).
  22. LewisD (1976) The paradoxes of time travel. Am Philos Q 13:145–152.
  23. RovelliC (2018) Physics needs philosophy. Philosophy needs physics. Found Phys 48:481–491.
  24. WoeseCR (2004) A new biology for a new century. Microbiol Mol Biol Rev 68:173–186.

أعجبني المقال

المصدر
pnas

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى