عام

فتحُ رتاج العلم

  • إبراهيم بن ممدوح الشمري
  • تحرير: عبد الرحمن الميمان

١

كثيرًا ما تعرِض آية كريمة في موقف مناسب لها فيقول الشاهد: (سبحان الله كأني لأول مرة أقرؤها)!

ويضاهي ذلك أن طالب العلم قد يرتوي من فن ما، لكنْ في نفسه شيءٌ من أخذه إياه؛ إذ ينبعث معنًى مستكنّ بين جوانحه ينطق قائلًا: لم أحذقها بعد، وربما يبحث عن موطن المرَض فيقع في عجزٍ أمَض.

ثم ربما يقرأ كتابًا ما، أو يتلقَّى شرحًا، فإذا به يشعر كأن عماوة على عينيه قد زالت، وأن غشاوة على قلبه قد مالت!

ولا تفسير لذلك إلا أنه (الفتح) من الله، ومن الطريف أن من المعاني المجازية للفظ (الفتح): أنه (أوّلُ المطر الوسمي)، فقلبُ طالب العلم أرضٌ جدباءُ فيَسِمها وابلُ الفتح فتزهر ورقتُها، وتورق شجرتُها.

٢

كم من أُناس كانوا على حظّ عظيم من العلم، ولكنهم بحاجة إلى (شيخ فتّاح) يضع أيديهم على سر الصنعة، فيفتح الله على يديه (النهر الماد)، أو (البحر المحيط)، ولا يجف إلى قيام الساعة.

ومن ذلك ما وقع على يد الخليل رحمه الله لما توسع في استنباط علل العربية، فقد أقام بنيانًا شامخًا لا تقوّضه المعاول، فتقاطر الناس على جادَّته، وكأن الفرزدق يقول على لسانه:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

وكذلك الشافعي لما أبان بعبارة فصيحة وفكرة واضحة عن أصول الفقه تتابع الناس يَقْفُون أثره إلى اليوم، وكان له تأثيره الرحيب على كبار عصره، حتى قال الإمام أحمد: (إذا ذهب عقل هذا فأين أجده)؟

وما ذلك إلا لأن العقول التي تفتح القلوب للفهم نادرةُ الحضور، وهذا مُشاهَد، تجد أن المنتسبين للعلم كُثر، ولكن إذا استوقفك إشكال تطيش منه الألباب لم تجد إلا واحدًا أو اثنين، لذلك نقل صاحب نفح الطيب أن أحدهم قال: (إن علمي علم رواية، وليس بعلم دراية)، لأن الدراية هي التي تبرز فيها زواهر النصوص، وجواهر الفصوص، ولا يتجاسر عليها إلا فرسان العلم، ولا ترفرف فيها إلا بيارق الفهم.

وربما كان في بعض العلماء مَن تحمله نفسه النديّة على الارتقاء بتلميذه؛ فيفتح له خزائن العلم، فتفوح بعطرها الزاكي، كما ذكروا أن الخليل صنَّف كتاب العين (إكرامًا) لليث، وخصَّه به دون الناس.

وقد حدثني بعض الإخوة أن أستاذًا درَّسهم مرتين، في الأولى كان يشرح بطريقة في غاية الفوضى، كأن المادة العلمية خارجةٌ عن سيطرته، فهو يتلقَّفها من جوانبها يحاول المواءمة بينها، لكن بطريقة تبعث على الشفقة، ثم في المرة الثانية بعد سنتين أو ثلاث، أصبح يشرح بطريقة تعليمية مُحْكَمة، يعرف ما يقول، وعن أي شيء يتحدث، يقول صاحبنا: سألنا الأستاذ: ما سر التغير في الطريقة؟

فقال: كنت في وادٍ، والكتاب في وادٍ آخر، ولم نلتقِ إلا بعدما قرأتُ الكتابَ على الشيخ فلان.

٣

ومما يؤكد أن الاستغناء عن الشيوخ بالقراءة الشخصية مَهْواة ما لها مرقاة نقولٌ قد جمعتُ لك (زبدة مخضها، وصفوة محضها) قيلتْ في بعض العلماء، ومن ذلك:

يقول الحكيم المتطبب: (هذا الرئيس أبو علي ابن سينا مع جلالة قدره ومكانه من الذكاء والحذق لما اتّكل على نفسه وثوقًا بذهنه وسلم من سوء الفهم لم يسلم من التصحيف).

وقال السخاوي عن السيوطي: (كل ذلك مع كثرة ما يقع له من التحريف والتصحيف، وما ينشأ من عدم فهم المراد؛ لكونه لم يزاحم الفضلاء في دروسهم، ولا جلس بينهم في مسائهم وتعريسهم، بل استبد بأخذه من بطون الدفاتر والكتب..).

ونقل السيوطي في بغية الوعاة أن الإمام النحوي (ابن مالك لا يحتمل المباحثة، ولا يثبت للمناقشة؛ لأنه إنما أخذ هذا العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه).

كما جاء في الضوء اللامع للسخاوي أن العلامة ابن خلدون كان (يُقدّم البديع لابن الساعاتي على مختصر ابن الحاجب قائلًا: إنه أقعد وأعرف بالفن) والسبب في رأيه (أن ابن الحاجب لم يأخذه عن شيخ).

٤

ومع ذلك فإن العجز لا يرفعه محضُ الأخذ عن الأشياخ، فكم من عالم نزعتْ نفسه إلى علم آخر فتقاصر دونه، ولا تخفى القصة الذائعة التي وقعت للأصمعي؛ إذ تلقى العَروض عن مبتَكِرِه الخليل فانصرف عنه خالي الوفاض.

فطالبُ العلم لا يزال الفن مستغلقًا عليه حتى يهبَّ عليه من العطايا الإلهية نسيم، ويغشاه من الرحمة سديم، فإذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِل.

فربما فتح الله عليه ما أُوصد دون غيره، فأفاض عليه نورًا تتكشف عنه الظلمات، أو سخّر له من العلماء من يبدد له ديجور الجهالات، فيكون فارسَ علم يفلقُ هام المسائل لا تعتاص عليه، ولا تتمنّع منه.

ومما قيل في معنى الفتح أنه (توسعة الضيِّق حسًّا ومعنىً)، ولا ريب أن توشيح اللسان بأردية المباني، وترشيح الجنان بعرائس المعاني؛ هو الجنى الداني، فاستبشروا ﴿إِذا جاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى