الدين

ست الكل المتسلطة: في التاريخ الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية

  • عبد الله الوهيبي
  • تحرير: لطيفة الخريف

 

“المؤرخ لا يقبل إلا الملوك والوزراء وجنرالات الجيش، وكل تلك الشخصيات البارزة التي أدت إلى ازدهار الدولة ونكساتها بما لها من عبقرية، وما ارتكبته من أخطاء. أما البرجوازي في مدينته، والمزارع في ضيعته، والنبيل في قصره، أي الفرنسي منهمكًا في أعماله، وفي لذاته، ما بين أهله وأطفاله، فهذا الذي لم يستطع [المؤرخ] تصويره”

(لوسيان فيفر ت 1956)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى صحبه وآله ومن والاه، أما بعد:

(1)

فقد ولد أبوعبدالله محمد بن محمد العبدري المشهور بـ”ابن الحاج” في فاس بالمغرب في أواسط القرن السابع الهجري (قدّره بعضهم عام 657هـ)، وترعرع بها، وتعلم العلم، ثم قدم إلى الديار المصرية، ولا تذكر المصادر زمن قدومه، بل وسكتت عن كثير من شؤونه، فلا تكاد ترجمته تتجاوز الأسطر في كل المصادر المتاحة لنا الآن، ولزم بعض مشايخ مصر كابن أبي جمرة، وانتفع به، واشتهر بها، وكتب الكتب، ثم توفي عام 737هـ بالقاهرة ودفن بالقرابة. وأشهر كتبه كتاب سماه (الْمَدْخَلِ إلَى تَنْمِيَةِ الْأَعْمَالِ بِتَحْسِينِ النِّيَّاتِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ الْبِدَعِ وَالْعَوَائِدِ الَّتِي اُنْتُحِلَتْ وَبَيَانِ شَنَاعَتِهَا وَقُبْحِهَا)، وهو كتاب كثير الفوائد كما يقول ابن حجر، وكما يعلم ذلك كل من طالعه.

وقد بعثه على تصنيفه ما طلبه منه بعض أصحابه أن يلخص لهم ما يحتاجون في قصد القلب و”بِأَيِّ نِيَّةٍ يَخْرُجُ بِهَا الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِد، وَإِلَى حُضُورِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَإِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ مِنْ السُّوقِ وَغَيْرِهِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ وَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَمْكُثُ فِيهِ”، وبعد أن جمع بعض الكراريس، لم يطمئن لما عمل، وأعطاها لبعض أصحابه، وقال له أن “يُثَقِّلُهَا بِحَجَرٍ وَيُلْقِيهَا فِي الْبَحْر”، وبعد عام، زاره أحد الفقهاء وطلب الكراريس، ويبدو أن أمر تصنيفه لها قد شاع بين أصحابه ومن يليهم، فأخبره بما جرى، فقال له الفقيه: فاطلبها من صاحبك فلعله لم يلقها في البحر، يقول ابن الحاج: “فَسَأَلْت الشَّخْصَ الَّذِي أَمَرْته بِتَغْرِيقِهَا فَقَالَ لِي: هِيَ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنَ! فَسَأَلْته عَنْ مُوجِبِ تَرْكِهِ لَهَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعٍ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَتَفَرَّغَ فَيُلْقِيَهَا فِي الْبَحْرِ، وأنه عزم عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا ثم نسي”، فأعادها، ونظر فيها ذلك الفقيه –وهو أبو عبدالله محمد بن عبدالمعطي الشهير بابن السبع، وقال له: “يَحْرُمُ عَلَيْك إتْلَافُهَا” فأتم الكتاب بسبب ذلك.

وقد اعتنى رحمه الله ببيان كثير من العادات المبتدعة الرديئة التي فشت في زمنه، وإن كان يقع له نوع من المغالاة في الإنكار، فبعض ما أنكره –كما سترى- “مما يحتمل” كما يقول ابن حجر رحمه الله، ولهذا الاهتمام بإنكار البدع الواقعة كثر في كتابه بيان كثير من أحوال أهل عصره، لا سيما أهل مصر التي استقر بها، وفيها صنّف الكتاب وهو يخاطب أهلها، وقد ساعده في تلك التنبيهات والإشارات حرصه الشديد على اتباع السنة وإنكار البدع، وقد أفادته نشأته بفاس في المغرب، فإن الإنسان إذا لم ير غير أهل بلده خفي عليه كثيرٌ من أحوالهم لغلبة الطبع، واستيلاء العادة، وهذا ما دعا ابن الحاج للمقارنة المتكررة مع ما خبره من أحوال الناس بفاس كما سأشير قريبًا.

وفي هذا الموضع لن أتناول مادة الكتاب الأساسية التي من أجلها صنف مصنفه، وإنما سأعرض نماذج ذكرها مما يتصل بأحوال الناس وعاداتهم وخفايا تقاليدهم في مصر وغيرها، في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجري، لما ذلك من العبرة.

(2)

المساجد من أظهر شعائر أهل الإسلام، وقد كثرت المساجد بل بولغ في بناءها في الأماكن المتقاربة، منذ زمن قديم، وصرفت المرتبات للقائمين عليها من المؤذنين والأئمة، وقد اشتكى ابن الحاج من ضعف الانضباط في الإمامة والأذان، والأشد هجران المسجد إذا لم يكن فيه “معلوم” أو رزْق، أو مرتب كما نقول الآن، فقال: “الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِنَا الْيَوْمَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَهُ مَعْلُومٌ حِينَئِذٍ يُعْمَرُ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْض،ٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ تُرِكَ مُغْلَقًا حَتَّى يُخْرَبَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ بِالْهَدْمِ وَالْبَيْعِ”.

ويرى المؤلف أن يبادر الإنسان إلى الإمامة لمن يعرف من نفسه الأهلية، لا سيما إن كان في مصر، وينقل المؤلف عن شيخه ابن أبي جمرة أن يفرق في التدقيق في حال الإمام وأهليته، وما يلزم المأموم من إعادة الصلاة من عدمها، بين مصر والمغرب، وعلة ذلك: “أنَّ بِلَادَ الْمَغْرِبِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلَدِ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَتَقْدُمَتِهِ فِي الْعِلْمِ، وَالْخَيْرِ، وَالصَّلَاحِ، وَسَائِرَ الْمَسَاجِدِ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِيهَا إلَّا مَنْ أَجْمَعَ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ عَلَى فَضِيلَتِهِ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَةَ فِيهَا بِالدَّرَاهِمِ غَالِبًا، وَهِيَ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا يَتَوَلَّاهَا إلَّا صَاحِبُ جَاهٍ أَوْ شَوْكَةٍ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ رِقَّةُ الدِّينِ”.

كما ينكر المؤلف رحمه الله توسع المؤذنين في الأداء، فـ”يطْرَبُونَ تَطْرِيبًا يُشْبِهُ الْغِنَاءَ حَتَّى لَا يُعْلَمُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ إلَّا أَصْوَاتٌ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ”، ويرى أنها بدعة قريبة الحدوث “أَحْدَثَهَا بَعْضُ الْأُمَرَاءِ بِمَدْرَسَةٍ بَنَاهَا ثُمَّ سَرَى ذَلِكَ مِنْهَا إلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا الْأَذَانُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الشَّامِ فِي هَذَا الزَّمَانِ”.

وعرض المؤلف لعادات الناس في عصره فيما يتعلق بالتسحير، ففي القاهرة “يَقُولُ الْمُؤَذِّنُونَ تَسَحَّرُوا كُلُوا وَاشْرَبُوا”، “وَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَأَهْلُ الْيَمَنِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فَيُسَحِّرُونَ بِدَقِّ الْأَبْوَابِ عَلَى أَصْحَابِ الْبُيُوتِ وَيُنَادُونَ عَلَيْهِمْ قُومُوا كُلُوا… وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَإِنَّهُمْ يُسَحِّرُونَ بِدَقِّ الطَّارِ وَضَرْبِ الشَّبَّابَةِ وَالْغِنَاءِ وَالْهُنُوكِ وَالرَّقْصِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ”.

ومما شاع في زمنه، إشهار إسلام المسلم الجديد وسط خطبة الجمعة، فـ”يَأْتِي الْكَافِرَ إلَى الْخَطِيبِ فَيُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَعُودُ وَيَأْتِي ثَانِيًا وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَيَقْطَعُ الْخَطِيبُ الْخُطْبَةَ بِسَبَبِهِ وَتَقَعُ ضَجَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ يُنَزَّهُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا”.

وكثر في عصره الأذان الجماعي، وأنكره الشيخ رحمه الله: “أَمَّا مَا اعْتَادَهُ الْمُؤَذِّنُونَ الْيَوْمَ مِنْ الْأَذَانِ جَمَاعَةً مُتَرَاسِلِينَ نَسَقًا وَاحِدًا مُجْتَمَعِينَ، فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ جَوَازُهُ، وَهَا هُوَ الْيَوْمَ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ، وَأَتَى بِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْهَدُ”.

(3)

شاع في المتأخرين التكني بتقي الدين ونجم الدين وفلان الدين، وكثر ذلك جدًا، حتى صار هو الغالب، كما تراه في تراجم المتأخرين، هذا للرجال، وكذلك الأمر للنساء، فظهرت التكنية بـ”سِتِّ الْخَلْقِ، وَسِتِّ الْإِسْلَامِ، وَسِتِّ الْحُكَّامِ، وَسِتِّ الْقُضَاةِ، وَسِتِّ الْعُلَمَاءِ، وَسِتِّ الْفُقَهَاءِ، وَسِتِّ النَّاسِ، وَسِتِّ النِّسَاءِ، وَسِتِّ الْكُلِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ”، ويؤكد ابن الحاج على بدعية تلك الكنى، وأنها حادثة من قريب، يقول: “وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى وَالدِّينِ يَقُولُ: إنَّهُ أَدْرَكَ أَبَاهُ وَمَنْ كَانَ فِي سِنِّهِ لَا يَتَسَمَّوْنَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا يَعْرِفُونَهَا”، ولما فيها من التزكية غير المرضية.

ويذكر الظروف التاريخية والاجتماعية التي ولدت الاهتمام بهذه الكنى، وأصل هذا الولع بالألقاب جاء مع دخول الترك للسياسة، وقد عرف ولعهم بالألقاب، فجاراهم في ذلك بعض العوام، وانتشر الأمر حتى استقر بلا نكير:

“وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ التُّرْكَ لَمَّا تَغَلَّبُوا عَلَى الْخِلَافَةِ، تَسَمَّوْا إذْ ذَاكَ هَذَا شَمْسُ الدَّوْلَةِ، وَهَذَا نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَهَذَا نَجْمُ الدَّوْلَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَشَوَّفَتْ نُفُوسُ بَعْضِ الْعَوَامّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ إلَى تِلْكَ الْأَسْمَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْفَخْرِ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلَيْهَا لِأَجْلِ عَدَمِ دُخُولِهِمْ فِي الدَّوْلَةِ فَرَجَعُوا إلَى أَمْرِ الدَّيْنِ، فَكَانُوا فِي أَوَّلِ مَا حَدَثَتْ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ مَوْلُودٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُكَنِّيَهُ لِفُلَانِ الدِّينِ إلَّا بِأَمْرٍ يَخْرُجُ مِنْ جِهَةِ السَّلْطَنَةِ، فَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْوَالَ حَتَّى يُسَمَّى وَلَدُ أَحَدِهِمْ بِفُلَانِ الدِّينِ.

فَلَمَّا أَنْ طَالَ الْمَدَى وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى التُّرْكِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالدَّوْلَةِ مَعْنًى، إذْ أَنَّهَا قَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ فَانْتَقَلُوا إلَى الدَّيْنِ، ثُمَّ فَشَا الْأَمْرُ وَزَادَ حَتَّى رَجَعُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ يُعْطُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا عَمَلَ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ مُتَعَارَفًا مُتَعَاهَدًا حَتَّى أَنِسَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ”

وحاول المؤلف أن يبين سبب اختصاص المشارقة دون المغاربة بهذه الكنى المفخمة، فرأى أن الغالب على أهل المشرق “حُبُّ الْفَخْرِ وَالرِّيَاسَةِ” فأزلهم الشيطان من هذا الوجه، أما أهل المغرب فـ”الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ التَّوَاضُعُ وَتَرْكُ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاء” فلم تستهوِهم تلك الكنى، إلا أن الشيطان أزلهم من وجه آخر، “فَأَوْقَعَهُمْ فِي الْأَلْقَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، بِنَصِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ حَمُّو، وَلِأَحْمَدَ حَمْدُوسٌ، وَلِيُوسُفَ يَسْو،َ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَن رَحْمُو إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُم”.

(4)

ومما شدد المؤلف النكير فيه، اختصاص العالم والفقيه وطالب العلم بنوع خاص مميز من اللباس، وهي طقوس من الزي خاصة -كما يظهر- بعلماء مصر في ذلك الوقت، فهو يقول إن “علَمَاءَ الْمَغْرِبِ إلَى الْآنَ لَا يَعْرِفُونَ ثِيَابَ الدُّرُوسِ، وَلَا يَعْرُجُونَ عَلَيْهَا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَقَّى مِنْ الْأَمْرِ بَقِيَّةً تُعَرِّفُ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْمُقَلَّدَ فِي النَّوَازِلِ الَّذِي يَحْضُرُ عِنْدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ إذَا قَعَدَ لِأَخْذِ الدُّرُوسِ لَا يُعْرَفُ مِنْ بَيْنِهِمْ بَلْ هُوَ أَقَلُّهُمْ لِبَاسًا”، وهنا يظهر أثر النشأة في إدراك الخلل والزلل الواقع بعادات أهل البلد.

ومن مفاسد هذه الطقوس في الألبسة، أن جرّت بعض الناس إلى ترك التعلم لعدم القدرة على شراء هذه الألبسة، يحكي المؤلف هذا المشهد الحزين: “فَلَقَدْ رَأَيْت وَبَاشَرْت مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ يُرِيدُ أَنْ يُشْغِلَهُمْ بِالْعِلْمِ فَيُمْتَنَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَجْلِ قِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ، لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَصِّلَ لِأَحَدِهِمْ تِلْكَ الثِّيَابَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يُحْضِرَهُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ بِغَيْرِهَا، فَتَرَكُوا تَعَلُّمَ الْعِلْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ!”.

بل وأدى اختصاص الفقيه بذلك اللباس إلى تسهيل الاستهزاء به، والسخرية بمظهرهم، وذلك في مسرحيات (خيال الظل) التي اشتهرت وراجت في تلك الحقب، وهي الأصل الأول للسينما المعاصرة -كما يقول عبدالسلام هارون في كناشته-، وفكرتها أن يحرك المخايل أشخاص وأشكال من دمى وعرائس خلف ستار، وقد سلّط عليه الضوء فتبدو صورًا متحركة، وأقدم النصوص المنقولة في ذلك تعود لابن الجوزي ت597.

وهنا ينقل ابن الحاج عن “بَعْضَ الْمُخَايِلِينَ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ إذَا عَمِلُوا الْخَيَالَ بِحَضْرَةِ بَعْضِ الْعَوَامّ وَغَيْرِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يُخْرِجُونَ فِي أَثْنَاءِ لَعِبِهِمْ لُعْبَةً يُسَمُّونَهَا بِأَبَّةِ الْقَاضِي، فَيَلْبَسُونَ زِيَّهُ مِنْ كِبَرِ الْعِمَامَةِ، وَسِعَةِ الْأَكْمَامِ، وَطُولِهَا، وَطُولِ الطَّيْلَسَانِ، فَيَرْقُصُونَ بِهِ وَيَذْكُرُونَ عَلَيْهِ فَوَاحِشَ كَثِيرَةً يَنْسِبُونَهَا إلَيْهِ، فَيَكْثُرُ ضَحِكُ مَنْ هُنَاكَ وَيَسْخَرُونَ بِهِ وَيُكْثِرُونَ النُّقُوطَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ”، ويؤكد المقريزي (ت845) شيوع الأمر ذاته وذيوعه، حتى إنه يشبه بعض القضاة -ساخرًا من طريقته المتكلفة في الزي- بما يظهر في “السينما” القديمة، فيقول عن أحدهم: “كَانَ ضخماً بطيناً فَأشبه فِي حالاته هَذِه الصفاعنة من المخايلين، الَّذين يَضْحَكُونَ أهل المجانة، وماذا بِمصْر من المضحكات!”، وهذا من شؤم المخالفة، ويعلّق ابن الحاج على سخرية المخايلين بزي الفضلاء: “لَوْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ لَسَلِمُوا مِنْ هَذِهِ الْإِهَانَةِ”.

(5)

ومما شاع من العادات الاجتماعية ولا يزال يقع في زمننا هذا، تكلف المهاداة، فحين “يُهْدِي أَحَدُ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا حَتَّى يَرُدَّهُ بِطَعَامٍ، وَكَذَلِكَ الْمُهْدِي إنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْوِعَاءُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ“، ورأى المؤلف أن ذلك يسبب “ِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ”، ومثل ذلك “مَنْ عَادَ مَرِيضًا فلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَإِلَّا وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي“، وأثر ذلك في العلاقات الاجتماعية، حتى يقول المؤلف: “فَتَجِدُ بَعْضَهُمْ إذَا اشْتَكَى صَاحِبُهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَدْخُلُ بِهِ عَلَيْهِ تَرَكَ عِيَادَتَهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْقَطِيعَةِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالِ.”

(6)

لما كان عماد البيت وأس الأسرة المرأة، ولكثرة الجهل الواقع من جهتهن، كثر كلام المؤلف عن عادات النساء وما أحدثنه من التقاليد الرديئة، فمن ذلك ما يتعلق بالتجمل والتزين ورعاية البدن بتطلّب السمنة؛ “لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي الْحُسْنِ وَتَغْتَبِطُ الرِّجَالُ بِهِنَّ”، ويفعلن لذلك الأفاعيل، فمن عادة بعضهن:

“أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَتَتْ إلَى فِرَاشِهَا، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تَعَشَّتْ وَمَلَأَتْ جَوْفَهَا، فَتَأْخُذُ عِنْدَ دُخُولِهَا الْفِرَاشَ لُبَابَ الْخُبْزِ فَتُفَتِّتُهُ -مَعَ جُمْلَةِ حَوَائِجَ أُخَر-َ فَتَبْتَلِعُ ذَلِكَ بِالْمَاء،ِ إذْ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى أَكْلِهِ؛ لِكَثْرَةِ شِبَعِهَا الْمُتَقَدِّمِ، وَرُبَّمَا تُعِيدُ ذَلِكَ بَعْدَ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ يَمْضِي عَلَيْهَا”، وهي عادة رديئة تورث الأسقام والعلل، والأقبح من ذلك والأشنع أن “الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مُبْدِنَةً وَتَخَافُ أَنَّهَا إنْ صَامَتْ اخْتَلَّ عَلَيْهَا حَالُ سِمَنِهَا فَتَفْطُرُ لِأَجْلِ ذَلِكَ”، بل يدفع بعض الأهالي بناتهم للفطر للسبب نفسه، فـ”بَعْضُ الْبَنَاتِ الْأَبْكَارِ يُفْطِرُهُنَّ أَهْلُهُنَّ خِيفَةً عَلَى تَغَيُّرِ أَجْسَامِهِنَّ عَنْ الْحُسْنِ وَالسِّمَنِ”!.

وفي شأن اللباس، ينعى الشيخ رحمه الله حال بعض نساء زمانه من تبذلهن في بيوتهن وتجملهن إذا خرجن للناس، في مضادة للأحوال الشرعية المطلوبة، وعبّر عن ذلك بعبارة بليغة:

“تَقْعُدُ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا -عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عَادَتِهِنَّ- بِحَفْشِ ثِيَابِهَا، وَتَرْكِ زِينَتِهَا وَبِحَمْلِهَا، وَبَعْضُ شَعْرِهَا نَازِلٌ عَلَى جَبْهَتِهَا، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَوْسَاخِهَا، وَعَرَقِهَا، حَتَّى لَوْ رَآهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَنَفَرَ بِطَبْعِهِ مِنْهَا –غَالِبًا- فَكَيْفَ بِالزَّوْجِ الْمُلَاصِقِ لَهَ؟!، فَإِذَا أَرَادَتْ إحْدَاهُنَّ الْخُرُوجَ تَنَظَّفَتْ، وَتَزَيَّنَتْ، وَنَظَرَتْ إلَى أَحْسَنِ مَا عِنْدَهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ فَلَبِسَتْهُ، وَتَخْرُجُ إلَى الطَّرِيقِ كَأَنَّهَا عَرُوسٌ تُجَلِّي، وَتَمْشِي فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ وَتُزَاحِمُ الرِّجَالَ”.

ويزيد في نكارة هذه الحال، ما يكون من بعضهن من مفارقة الخفر والوقار في المشي وخلع الحياء: “وَلَهُنَّ صَنْعَةٌ فِي مَشْيِهِنَّ، حَتَّى أَنَّ الرِّجَالَ لَيَرْجِعُونَ مَعَ الْحِيطَانِ، حَتَّى يُوَسِّعُوا لَهُنَّ فِي الطَّرِيقِ -أَعْنِي الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ-، وَغَيْرُهُمْ يُخَالِطُوهُنَّ وَيُزَاحِمُوهُنَّ وَيُمَازِحُوهُنَّ قَصْدًا”.

وبعض نساء ذلك الزمان شابهن نساء الكفار، فناقضن العادة، فخرجن للأسواق ومكث الرجال في البيوت، وفي هذا يقول: “… وَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ شَبَهٌ؛ فَإِنَّ نِسَاءَهُنَّ يَبِعْنَ وَيَشْتَرِينَ وَيَجْلِسْنَ فِي الدَّكَاكِينِ وَالرِّجَالُ فِي الْبُيُوتِ، وَالشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ مِنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ”.

وأطال المؤلف رحمه الله في ذكر ما يستنكر من أفعال الرجال والنساء في المقابر، في كلام طويل، وتأكيدًا لاختصاص الديار المصرية بتلك المخازي، نقل حكاية في ذلك، وعبارته:

“قَالَ لِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ وَرَدَ إلَى مَدِينَةِ مِصْرَ: وَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا أَحَدٌ بِبَغْدَادَ، يَفْعَلُ هَذَا، وَلَا يَرْضَى بِهِ، وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ عِنْدَنَا، وَنَفَرَ النُّفُورَ الْكُلِّيَّ مِنْ إقَامَتِهِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ. وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى بَغْدَادَ، إذْ أَنَّهَا عِنْدَهُ أَقَلُّ مَفَاسِدَ مِنْ مِصْرَ”.

ومن العادات التي خصها بفصل في النكير على أصحابها، الأفعال التي تكون عند البحر، أو النيل، من التكشف، وغيره، حتى بلغ الأمر “أَنَّ النِّسَاءَ يَتَعَرَّيْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى إنَّهُنَّ لَا يُبْقِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ السُّتْرَة بِالثِّيَابِ شَيْئًا لَا مِئْزَرًا وَلَا سَرَاوِيلَ، ثُمَّ يَدَّهِنَّ بِالْكِبْرِيتِ وَيَقْعُدْنَ فِي الشَّمْسِ أَكْثَرَ يَوْمِهِنَّ عَلَى تِلْكَ الْحَال،ِ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِنَّ بَرًّا وَبَحْرًا وَلَا يَسْتَحِينَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بَعْضُ الرِّجَالِ”!.

(7)

ومما أوضحه المؤلف ضرورة أن يأخذ الأولياء بزمام الأمر، وأن يمنعوا من تحت أيديهم عن اعتياد مثل هذه المناكر، وأشار مرارًا إلى معنى يلفت النظر، وهو صلف النساء وتسلطهن وتعنتهن على أزواجهن، وكون الإنكار عليهن يفضي إلى تكدر العلاقة الزوجية، بل قد يفضي إلى الطلاق، فمثلًا في بعض الأيام التي يكون فيه احتفالات بدعية تطلب الزوجة الخروج، فـ”لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ أَهْلَهُ مِنْ الْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَوَقَعَ التَّشْوِيشُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يؤول الْأَمْرُ إلَى الْفِرَاقِ”. ومثل ذلك فيما لو امتنع الزوج عن “شراء الزَّلَابِيَةِ وَالْهَرِيسَةِ يوم النَّيْرُوزِ”!

وكذا في شؤون النفقة المبتدعة، كتجديد “كِسْوَةً لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَيْتُ حَتَّى الْحَصِيرُ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِهَا” وذلك بعد ولادة المولود، فإن لم يفعل الزوج اضطربت الزوجة عليه، وغاضبته، أو فارقته، وربما فعلت فعلًا ذميمًا وهو “الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَا شَاكَلَهُ”، فطلبًا للسلامة يقنع الزوج بالسكوت والمراضاة والمداهنة.

(8)

يشير المؤلف رحمه الله في بعض الفصول إلى كثرة توقف الدروس العلمية، لأدنى الأسباب، وهذه حال غالبة في زمننا هذا:

“وَقَدْ كَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَيُبْطِلُونَ الدَّرْسَ لِأَجْلِ الصُّحْبَة لِأَجْلِ الْمَيِّتِ أَوْ الثَّالِثِ لَهُ أَوْ تَمَامِ الشَّهْرِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْفَرَحِ كَالْعَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا كَالسَّلَامِ عَلَى الْغَائِبِ وَالتَّهْنِئَةِ بِوِلَايَةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ”.

وينبه الشيخ في فصول عقدها للمؤدبين ومعلمي الصبيان إلى أن تدريس الصبي وإقراءه إنما يكون في سن السابعة، بينما “الْغَالِبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ أَوْلَادَهُمْ الْمَكْتَبَ فِي حَالِ الصِّغَرِ بِحَيْثُ إنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يُرَبِّيهِمْ وَيَسُوقُهُمْ إلَى الْمَكْتَبِ وَيَرُدُّهُمْ إلَى بُيُوتِهِمْ بَلْ بَعْضُهُمْ يَكُونُ سِنُّهُ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْسِكَ ضَرُورَةَ نَفْسِهِ بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَكْتَبِ وَيُلَوِّثُ بِهِ ثِيَابَهُ وَمَكَانَهُ”، وهو لا ينتفع بهذه القراءة كما يرى المؤلف في هذه السن الصغيرة.

ويفسر سبب دفع الأهالي بأولادهم للمؤدبين في هذه السن المبكرة برغبتهم في الارتياح من رعايتهم، يقول: “الْغَالِبَ أَنَّهُمْ يُرْسِلُونَ أَوْلَادَهُمْ إلَى الْمَكْتَبِ فِي حَالِ صِغَرِهِمْ لِكَيْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِهِمْ لَا لِأَجْلِ الْقِرَاءَةِ”!

وينكر الضرب العنيف الذي يفعله بعض المؤدبين، باتخاذهم “آلَةً لِضَرْبِ الصِّبْيَانِ مِثْلَ عَصَا اللَّوْزِ الْيَابِسِ وَالْجَرِيدِ الْمُشَرَّحِ وَالْأَسْوَاطِ النُّوبِيَّةِ وَالْفَلَقَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ”.

ومن طريف ما حكاه فعل بعض المؤدبين حين لا يكون عنده طلبة، فيضطر لنشر ما يشبه “الإعلانات” في عصرنا، لحث الناس على إلحاق أولادهم في مكتبه، يقول: “وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُؤَدِّبِينَ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَلَّ عِنْدَهُ الصِّبْيَانُ أَوْ فَتَحَ مَكْتَبًا وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ أَوْرَاقًا وَيُعَلِّقُهَا عَلَى بَابِ الْمَكْتَبِ لِيَكْثُرَ مَجِيءُ الصِّبْيَانِ إلَيْهِ”، فإن قلت وما وجه الإنكار؟ يجيبك المؤلف: لأن “َهَذَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا سُفَهَاءُ النَّاسِ، وَفِيهِ اسْتِشْرَافُ النَّفْسِ لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا”.

وقد أوسع المؤلف في إنكار الاستعانة بالنصارى واليهود في الطب، لأنهم لا يؤمنون، والأشد عند المؤلف “مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ بِأَوْلَادِهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ الْمَكْتَبِ الَّذِي يَقْرَءُونَ فِيهِ كِتَابَ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهِ شَرِيعَةَ نَبِيِّهِمْ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – وَيَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى كُتَّابِ النَّصَارَى لِتَعْلِيمِ الْحِسَابِ”، وفي المسلمين غنية، وأورد فصلًا في مفاسد هذا التعليم الأجنبي!

(9)

ومما ذكره من أحوال من يتظاهر بالكرامات من ضعفة المتصوفة وأشباههم، وكثير منها من قبيل أفعال خفة اليد والحيل، وهي تروج على جهلة العوام، وقال:

“وَكُنْتُ أَعْهَدُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ تُفْعَلُ عَلَى أَبْوَابِهَا، وَيَتَضَاحَكُ النَّاسُ عَلَيْهَا فِي لَهْوِهِمْ وَلَعِبِهِمْ وَيَسْتَغْنُونَ بِسَبَبِهَا، وَهُمْ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ يَعُدُّونَهَا مِنْ الْكَرَامَاتِ ويَعْتَقِدُونَهُمْ بِسَبَبِهَا”.

ومما أحدثه بعض المتصوفة، فرض الاعتراف الكنسي على التائب: “وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلًا قَبِيحًا حِينَ يَأْخُذُ الْعَهْدَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَرِيقِهِ فَيُكَلِّفُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ مِنْ الذُّنُوبِ”، وأشار المؤلف لمشابهة ذلك لفعل النصارى: “وَفِي هَذَا تَشَبُّهٌ بِالْقِسِّيسِينَ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِمْ الذَّمِيمَةِ إذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ لِيَتُوبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ يُطَالِبُونَهُ بِأَنْ يُسَمِّيَ لَهُمْ ذُنُوبَهُ ذَنْبًا ذَنْبًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ”.

(10)

وحين ذكر الشيخ مفاسد الحمامات العامة للرجال والنساء، وما فيها من التعري المحرم، وترك النساء لعمل حمامات في البيوت لأجل الطهارة والستر، قيل الغالب على الناس الفقر وقلة ذات اليد والسكنى بالإيجار “فَلَا يَتَأَتَّى لِأَكْثَرِهِمْ عَمَلُ مَوْضِعٍ فِي الْبَيْتِ لِلِاغْتِسَالِ فِيهِ؟”، فأجاب المؤلف: “أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْبُيُوتِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا خِزَانَةٌ، أَوْ مَوْضِعُ كَنِيفٍ فَيَتَّخِذُهُ لِلْغُسْلِ فَيَجْعَلُ فِيهِ إنَاءً يَقْعُدُ فِيهِ مِثْلَ الْمَاجُورِ وَغَيْرِهِ”.

(11)

هذا والكتاب مملوء بهذه الأخبار والإشارات والتنبيهات، وهو مصدر هام لتأريخ العادات والسلوكيات الاجتماعية في مصر وبلاد المغرب في تلك الحقب، وفيه أخبار فاضلة وحكايات عديدة عن شيخه ابن أبي جمرة، وغيره من مشايخ القاهرة وفاس، والعجب أن يترك مثل هذا الكتاب إلى هذا الوقت بلا تحقيق علمي معتبر، ولا نشرة مصححة مزينة بالتنبيهات والتوضيحات الكاشفة!

اقرأ ايضاً: التاريخ الاجتماعي لمرحلة “الطفولة” وتحولاتها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق