مراجعات كتب

تنبيهات على مواضع في كتاب القوافي للأخفش

بتحقيق أحمد راتب النفاخ

  • يوسف السناري

توطئة:

هذه تنبيهات على مواضع في كتاب القوافي للأخفش بتحقيق العلامة أحمد راتب النفاخ، قيَّدتها أثناء قراءتي للكتاب، وقصدت بها توضيح بعض ما أشكل في كلام الأخفش عليه رحمة الله تعالى. والله الموفق وهو المستعان.

التنبيه (1):

 المصطلحات:

  • أولًا: القافية عند الأخفش هي آخر كلمة في البيت وعلى هذا التعريف يخاطب القارئ في كتابه، فحينما يقول عن القوافي (11): وهي ثلاثون قافية. أي (ثلاثون ضربًا)؛ لأنه قال في أول الكتاب: اعلم أن القافية آخر كلمة في البيت. وآخر كلمة في البيت هي الضرب، والضرب آخر تفعيلة تكون في عجز البيت.
  • ثانيًا: مصطلح الجزء والأجزاء. يعني به التفعيلة والتفعيلات، فيقول: ما كان على أربعة أجزاء أو ستة أجزاء.
  • ثالثًا: الكامل، قصد به في موضع: البيت التام، غير المجزوء، وسمى التام أيضًا بالقصيد. ينظر: ص (74)، (104).
  • رابعًا: حرف اللين، قصد به الردف بنوعيه: المد واللين. ينظر: ص (111).

التنبيه (2):

قال في ص (18) عن الروي: «ويلزم بعد الروي الوصل <و>الخروج».

التعليق:

الواو هذه لديَّ تُحمل على معنى [أو] أي وبعد الروي: الوصل أو الخروج. وهنا إشكال، لأن القافية المقيدة لا وصل فيها، وإذا قلنا: لا وصل فيها، كان من باب أولى لا خروج فيها؛ لأن الخروج يكون تابعًا للوصل إن وجد في القصيدة، فلكل حرف خروج في القصيدة روي ولا يلزم العكس، فلا يلزم أن يكون بعد كل روي حرف خروج؛ لأن هذا لا يلزم الشاعر الالتزام به. فتُرى لمَ قال الأخفش ويلزم بعد الروي الوصل أو الخروج؟ الجواب كما تقدَّم هو محمول على قصد القوافي المطلقة لا المقيدة، لأن القافية المقيدة لا وصل لها ولا خروج، فالمعنى على ذلك: ويلزم بعد الروي في القوافي المطلقة حرف الوصل أو حرف الخروج. والثاني لازم للأول ولا يلزم الأول الثاني. فتنبه.

التنبيه (3):

قال الأخفش ص (20): والخروج لا يكون إلا بحرف اللين.

التعليق:

حرف الخروج هو ما يكون بعد هاء الوصل نحو هذا الشكل: بهِ، لهُ، هَا.

فأما الأول والثاني يكونان هكذا بعد الإشباع: بهيْ، لهُو، وأما الثالث فهو كما هو. وحرف اللين هو الياء والواو المفتوح والمضموم ما قبلهما نحو المَوْت البَيْت. هو لم يقصد اللين الذي يكون قبل الروي، إنما قصد باللين الشكل الأول والثاني الذي ذكرته لك عند الإشباع بهِ، ولهُ.

والعبارة مشكلة إن قصد بها: أن الخروج لا يكون إلا بعد حرف اللين الذي يكون قبل الروي وهو ظاهر العبارة فإن قصد الظاهر كان التقدير هكذا: مَوْتها بيْتِه. وهذه قافية وهذه قافية، وهما لا يجتمعان في قصيدة واحدة؛ لأن حرف الخروج يلزم توحيده.

ووجه الإشكال في العبارة هو أن حرف الخروج يكون في غير حرف اللين الذي يفهم من ظاهر العبارة كأول قصيدة جاءت في ديوان المتنبي:

عذل العواذلِ حول قلب التائهِ
وهوى الأحبةِ منه في سودائِه

فهنا القافية مردوفة بالمد لا باللين، وفيها حروف الخروج، هو الياء بعد إشباعها (سودائهي).

وفي معلقة لبيد بن ربيعة العامري يقول:

عفَتِ الديارُ محلها فمقامُها
بمنى تأبَّد غولها فرجامُها

وهنا القافية مجردة من الردف والتأسيس، وقد جاء بعد حرف الوصل الهاء حرف الخروج من غير لين.

فلعله قد بدا لك الآن وجه الإشكال الذي نصصتُ عليه في كلامي آنفًا، وأراك أيضًا حملته على التقدير الأول الذي ذكرته، أعني غير ظاهر الكلام، وهو الصواب إن شاء الله، في حمله على كلام الأخفش في قوافيه؛ وذلك أيضا للأمثلة التي ذكرها على حرف الخروج بعد ذلك كقوله: بدالها، كسائهي، أعماؤهو.

التنبيه (4):

قال الأخفش في قوافيه ص (21): فأما ما يلزم من الحروف قبل الروي: فالروي والتأسيس.

التعليق:

اللزوم هنا مشكل، وعطف التأسيس على الروي بالواو مشكل ثانٍ، وبيان ذلك في الآتي:

أولا: إن أحوال ما قبل الروي في القافية ثلاثة لا غير، وهذا دليله الاستقراء والحصر والتقسيم، فما قبل الروي: إما أن يكون ردفًا، أو تأسيسًا أو خاليًا من الردف والتأسيس. فهذه الأحوال الثلاثة أقسم عليهنَّ. أضفْ إلى ذلك أن كل واحدة منهن لا يجتمع في قصيدة واحدة في الشعر القديم. وأرى الإشكال الثاني قد اتضح لك الآن في قول الأخفش: يلزم من الحروف قبل الروي: الردف والتأسيس.

وذلك لأن الواو لا تقتضي الجمع، وحمله عندي على معنى (أو). حتى ينصرف هذا الإشكال على عدم قصد الجمع المعروف.

والإشكال الذي قدَّمت به كلامي هو جعل ذلك لازمًا، كما هو الظاهر، وهو غير لازم فلا يلزم أن يكون ما قبل الروي الردف أو التأسيس، فقد يكون ما قبل الروي خاليا منهما.

وقد تقول لي: إن العبارة قد تنضبط بما ذكره من احتراز في قوله: [من الحروف]. يعني من حروف القافية. أي وما يلزم من حروف القافية الستة قبل الروي: الردف والتأسيس. فيكون الجواب: وحرف الدخيل يكون قبل الروي أيضا، فيبقى الإشكال كما هو.

فإن سألتني: فلم لم يذكر حرف الدخيل معهما وهو من حروف القافية؟!

فيكون جوابي: لأن الدخيل تابع للتأسيس، فلا يكون التأسيس إلا بحرف الدخيل، ولا يكون الدخيل إلا مع التأسيس، فلعل هذا هو الذي حمله على عدم ذكر حرف الدخيل مع حرف الردف والتأسيس.

التنبيه (5):

ذكر الأخفش جواز اجتماع الواو والياء في الردف بالمد أو اللين، وهذا أمر مستقر عند الشعراء قديمًا وحديثًا، ولكنه نقل عن الخليل شيئًا يخالف ذلك، فقال ص (23): وزعموا أن الخليل كان لا يجيز (يسُوْء) مثل: (يسُوْع) مع (يجِيء) مثل: (يجِيع) ويقول: لأن الشاعر إذا خفف الهمزة اختلف الرويان، وذهب الردفان، وذلك عندنا جائز.

التعليق:

إن الجمع بين يسوء ويجئ = جمع بين حرفي الواو والياء المدّيين وهذا جائز كما تقدم، فنقل منع ذلك عن الخليل ذكره الأخفش بصيغة التمريض زعموا. والزعم يأتي بمعنى القول أحيانًا، كقول النبي صلى الله عليه وسلم زعم جبريل أي قال، والظن يأتي بمعنى القول عند سليم مطلقًا وعند بقية العرب بشروط معروفة عند النحاة، والزعم في كلام الأخفش عندي على الشك في نسبته إلى الخليل.

الإشكال:

ولكن الأخفش نقل بعد ذلك قولًا قطع بنسبته إلى الخليل وهو مخالف لما عليه الشعراء فقال ص (23) عن الخليل: وكان من قوله أن يجيز: (آدم) مع (دِرْهم) و(آخر) مع (معمر).

ومثل هذا الجمع بين (آدم) و(درهم) في قافية و(آخر) و(معمر) في قافية = سناد بالتأسيس إن خفف الشاعر الهمزة الثانية في (آدم) و(آخر) لأن أصلهما: أادم، وأاخر. أما إنْ حقَّق الشاعر الهمزة فقال: أأدم مع درهم، وأأخر مع معمر صحت، وهذا ما يصح نسبته إلى الخليل إن شاء الله.

ومثل ذلك الجمع بين الباس والكاس والراس في قافية الحراس والجلاس والأنفاس والإحساس، فلو حقق الشاعر الهمزة فقال: البأس، والكاس والرأس= عِيبتْ عليه قافيته بسناد الردف.

التنبيه (7):

قال الأخفش في القوافي ص (27): وقال أبو الأسود، فلزم اللام في القصيدة:

حسبتَ كتابي إذْ أتاكَ تعرُّضًا
لسيْبِكَ، لم يذهبْ رجائي هنالِكَا

نعيمُ بنُ مسعودٍ أحقُّ بما أتى
وأنتَ بما تأتي حقيقٌ كذلِكَا

وقد يلزمون الكسر قبل هذه الكاف، ولا يجيزون غيره. وكذلك قاله أكثر الشعراء. وما أرى اختلاف ذلك إلَّا سنادًا، لأن الشعراء لم تقله إلَّا هكذا إذ قبله تأسيسُ. ولا أبالي الحركة التي بعد التأسيس أن تختلف، ولا أعدّه عيبًا، وهو قليلٌ. وكان الخليل يجيزه.

التعليق:

في ظاهر هذا الكلام تناقض سأبين لك وجهته بعد شرح مقصد المصنف، فأقول: هو الآن يتكلم عن القوافي المؤسسة ويذكر أن ما قبل الروي في القوافي المؤسسة الذي يسمى الدخيل = قد التزم الشعراءُ كسرَه، وهذا صحيح لا يشك فيه مطلع على قوافي الشعر العربي. وقد أخبر المصنف أنه لا يرى اختلاف الكسر إلا سنادًا إذا جاء به الشاعر. ثم ما أنْ لبث قليلًا حتى نقض هذا الكلام بقوله: «ولا أبالي الحركة التي بعد التأسيس أن تختلف، ولا أعدّه عيبًا، وهو قليلٌ».

والحركة التي بعد التأسيس هي حركة الدخيل فكيف يقول أولًا: «وما أرى اختلاف ذلك إلَّا سنادًا» ثم ينقضه بعد ذلك بقوله: «ولا أبالي الحركة التي بعد التأسيس أن تختلف، ولا أعدّه عيبًا، وهو قليلٌ».

فإن قوله الأول: وما أرى اختلاف ذلك إلا سنادًا. يدل على أنه يعيبه، لأن السناد عيب من عيوب القافية فكيف يقول بعده: ولا أعده عيبا! فهذا هو وجه التناقض الذي قصدته.

ثم يأتي الكلام على حركة ما بعد ألف التأسيس في الشعر العربي، وهو كما أخبر الأخفش في كلامه الأول الذي نقضه بقوله الثاني، وهو أن الشعراء قد التزموا كسر هذا الحرف في قصائدهم المؤسسة، وهذا الكلام أقسم لك عليه، فلن تجد شاعرًا واحدًا قال قصيدة واحدة قد التزموا فيها غير الكسر في مثل هذه القوافي، ولكن بعض المتقدمين قد جمع مع الكسر الضم في شيء من قصيدته، وهو أقل قُبحًا من الجمع بين الكسر والفتح الفتح، ولا يكاد تجده في أشعار المولدين. وقد أخبر الأخفش بأن الخليل كان يجيزه.

وهذا التناقض الذي ذكرته لك في كتاب القوافي، لا أستطيع نسبته إلى الأخفش، فقد يكون من ناسخ الكتاب أو من الناسخ الذي قبله، فإن هذا الكتاب كما هو معلوم حققه العلامة أحمد راتب النفاخ على نسخة فريدة لا نظير لها، توجد في مكتبة حسين جلبي بتركيا، وحصل على صورتها من معهد المخطوطات بالقاهرة، والمحقق عليه الرحمة لم يشر إلى شيء من هذا التناقض في حاشية الكتاب ص (27) فأردت تنبيه قارئ الكتاب إليه.

التنبيه (8):

قال الأخفش ص (37) عن حركات القافية: منها: التّوجيه. وهي حركة الحرف الذي [إلى*] جنب الرّويّ المقيد. 1-<ولا يجوز مع الفتح غيره>، نحو قوله:

قد جبر الدّين الإله فجَبَرْ

التزم الفتح فيها كلّها. ويجوز الكسر مع الضمّ في قصيدة واحدة. قال الشاعر:

مضبورةٍٍ قرواءَ هرْ جابٍ فُنُقْ

ثم قال:

ألَّفَ شتَّى، ليس بالراعي الحمِقْ

2->وقد أجازوا الفتح مع هذا>. قال:

وقاتمِ الأعماقِ خاوي المخترَقْ

التعليق:

جاء في الطبعة: [إلى*] ولعل الصواب: [يلي] فالمعنى: وهي حركة الحرف الذي يلي جنب الروي المقيد. هذا أولا.

ثانيا: ما وضعته بين هاتين العلامتين < > ورقمته بـ 1 و2. ظاهره التناقض ففي رقم [1] يقول الأخفش عن التوجيه: ولا يجوز مع الفتح غيره.

وفي رقم [2] يقول: وقد أجازوا الفتح مع هذا.

وتوجيه ذلك أن يقال: إن التوجيه قسمان: قسم منه يكون في القوافي المطلقة المجردة من الردف والتأسيس، فمثل هذا الحرف الذي قبل الروي يجوز فيه الجمع بين الحركات الثلاث في قصيدة واحدة، ولم يقل أحد بمنعه في حدود علمي، فإن وُجد أحد قال بمنعه، قلنا: إن الشعراء لا يكترثون بقوله.

والقسم الثاني من التوجيه يكون في القوافي المقيدة وينبغي حمل كلام الأخفش عليه للأمثلة التي ذكرها من شعر رؤبة وقافيتها مقيدة.

فإن تقرر هذا، قلنا: إن التوجيه في القوافي المقيدة يصح، وهو وارد في الشعر، وإن كان الأفضل توحيد حركة ما قبل الروي في القوافي المقيدة الخالية من الردف والتأسيس.

ويبقى التناقض في قول الأخفش باقيًا لقوله: ولا يجوز مع الفتح غيره.

يعني حركة ما قبل الروي في القوافي المقيدة، المجردة من الردف والتأسيس؛ لإن التزام الشاعر الفتح قبل الروي هو التزام ليس بلازم، إنما هو التزام جمالي، موسيقي، وقد التزمه عمر بن أبي ربيعة في بعض شعره، ينظر: ديوانه ص (131 ط. المكتبة الأزهرية).

وقد نقض الأخفش قوله الأول أيضًا بقول ثالث جاء في القوافي ص (38) فقال: وقد جعلتِ الشعراءُ المفتوحَ مع المكسور والمضموم فأكثرت من ذلك! ثم ذكرت أمثلة على ذلك. ومهما يكن من أمرٍ فإن جمع الشاعر بين الفتح والكسر والضم في القوافي المقيدة الخالية من الردف والتأسيس لا يعد سنادًا، وعليه العمل عند الشعراء.

التنبيه (9):

قال الأخفش في قوافيه ص (27): وإذا قفَّوا بالكلمة التي فيها حرف مضاعف 1-لم يجعلوا معه غيره نحو (ضبَّا) و (لبَّا) 2-لا يكادون يجعلون معهما (صعْبا) وهما سواء و3-<ذلك جائز جيد.

ثم نقضه بعد ذلك في نفس الصفحة فقال: 4-ويجوز مع (حيَّا) و(ليَّا): (ظَبْيا) و(رَمْيا).

التعليق:

ظاهر العبارة التناقض، ولا يصح نسبة هذا للأخفش، ووجه ذلك؛ أن قوله رقم [1]: لم يجعلوا معه غيره نحو (ضبَّا) و (لبَّا). ينقضه قوله رقم [4]: ويجوز مع (حيَّا) و(ليَّا): (ظَبْيا) و(رَمْيا).

وحمل قوله رقم [1]: على الغالب على شأنهم، بدليل قوله رقم [2] و[3].

وأوضح أكثر فأقول: إن الشعراء إن جاء بالتضعيف (التشديد في الحرف) في القافية التزموه في كل القصيدة، ويقل عندهم ترك هذا الالتزام بأن يجمع في قافية قصيدته بين [ضبَّا] و[صعْبا] لأن هذا جمع بين التضعيف وغيره.

ودليلي على عدم التزام الشعراء ذلك =قول عمر بن ربيعة في ديوانه ص (161، ط، المكتبة الأزهرية) فقد قال:

ألا حبذا نجدٌ، ومن أسكنها أرْضَا

وحيَّا حبَّذا ما همْ ولو لي حقِدوا البُغْضا

وَمِنْ أَجْلِ الهَوَى أُدْني لمنْ لم أرضهُ مَعْضَا

علِقْتُكِ ناشئًا، حتى رأيتُ الرأسَ مُبْيضَّا

فَإنْ تَتَعَاهَدي وُدِّي إذن تجدينه غضَّا

على بخلٍ، وتصريدٍ، وَقَبْضِ نَوَالِكُمْ قَبْضا

أَهِيمُ بِذِكْرِكُمْ لَوْ أَ نَّ خَيْرًا مِنْكُمُ بَضَّا

فَيَا عَجَبًا لِمَوْقِفِنا يُعاتِبُ بَعْضُنَا بَعْضا!

فقد جمع الشاعر هنا بين التضعيف وغيره فقد قال في قافيته: مبيضَّا، وغضَّا، وبضَّا. وهذا تضعيف، وتركه في باقي قوافيه.

ومثله قول عمر بن أبي ربيعة أيضًا ص (287):

أصبح القلبُ مستهامًا معنَّى * بفتاةٍ، من أسوإِ الناسِ ظنَّا

قلتُ يومًا لها وحرَّكتِ العودَ (م) بمضْرابِها، فغنَّتْ، وغنَّى

ليتني كنتُ ظهرَ عودكِ يومًا * فإذا ما احتضَنْتِني كنتُ (بَطْنَا)

فبكتْ، ثم أعرضتْ، ثم قالتْ * من بهذا أتاكَ في اليومِ عنَّا؟

لو تخوَّفْتَ جفْوَةً وصُدودًا * ما تطلبتَ ذا، لعمرُكَ منَّا

قلتُ لما رأيتُ خلَّكِ منه * بأبي ما عليكِ أن أتمنَّى؟

والشاهد أن الشاعر ترك التضعيف في البيت رقم (3)، فعلى هذا لو التزم الشاعر التضعيف في كل قصيدته كان هذا من لزوم ما لا يلزم، وإن جمع بين الضعيف وغيره صحت قافيته من غير عيب.

التنبيه (10):

قال الأخفش ص (25): ومما ألزموا أنفسهم فيه ما لا يلزمهم قوله (يعني كُثَيِّر عزة):

أطلال دارٍ بالسّباعِ فحمّتِ … سألتَ، فلما استعجمت ثم صمّتِ

صرفتَ ولم تصرف أوانًا وبادرتْ … نهالُ دموع العينِ حتىَّ تعمَّتِ

فلزمَ الميم في القصيدة كلّها.

1-وزعموا أنّهم سألوا كثيرًا عنها، فقال: لا يجوز غير الميم.

وقد قال كثيّر فغيّر ما قبل التاء:

أصابَ الرّدىَ من كانَ يهوى لك الردى … وجنَّ اللواتي قلنَ عزَّةُ جنَّتِ

وقلتُ لها: يا عزُّ، كلُّ مصيبةٍ … إذا وطّنتْ يوماً لها النفسُ ذلّتِ

2-فجاء بالنون مع اللام.

التعليق:

ما حكاه الأخفش في «قوافيه» عن كُثَيِّر، وذكره بصيغة التمريض أو التضعيف في رقم [1]: وزعموا أنّهم سألوا كثيرًا عنها، فقال: لا يجوز غير الميم. = لا يصح نسبته لكثير عزّة فقد جاء في شعره ما يخالفه كما في ديوانه الذي جمعه المحقق إحسان عباس، وقد أشار الأخفش في قوافيه إلى هذه المخالفة حيث قال في رقم [2] عن القطعة التي فيها [جنَّتِ] و [ذلَّتِ]: -<فجاء بالنون مع اللام.

ومعلوم أن التزام الميم قبل التاء المكسورة في القطعة الأولى من التزام ما لا يلزم، وأنه في القطعة الثانية خالف هذا الالتزام فجاء فيها على غالب الشعر العربي القديم، فلم يلتزم فيها إلا باللازم وهو الروي (التاء) فالروي هنا هو التاء وحرف الوصل الياء المشبعة من الكسر الذي نتج عنه حرف الوصل (الياء).

وما فعله كُثَيِّر في القطعة التي في قوافيها [جنت] و[ذلّت] فعله القدماء من الجاهليين فبعضهم التزم هذه التاء وحرفًا آخر في كل قصيدته وبعضهم لم يلتزم إلا التاء المكسورة التي أصلها السكون الذي حُرِّك من أجل ضرورة الشعر.

وإن الأبيات الأولى التي ذكرها الأخفش عن كُثَيّر بأنه التزم فيها الميم مع التاء لم نجد في ديوان كُثيّر ص (323-326) بعد الرجوع للقصيدة أنه قد التزم ذلك بل خالف، فجاء بالراء مع التاء في البيت رقم [10-12] ورقم [15]. فإما أن تكون هذه الأبيات التي جمع كُثيّر فيها بين الراء والتاء زيدت عليه، وإما أن تكون قوافيها أُبدلتْ من النسّاخ؛ وذلك لأن الأخفش أخبر بأنه التزم الميم مع التاء في القصيدة كلها، ولما رجعنا إليها في الديوان لم نجد ذلك، ولا يصح أن ينسب الخطأ للأخفش فنقول بأنه لم يطلع على كل القصيدة! كيف وقد أكّد الكلام فقال ص (25): فلزم الميم في القصيدة كلها.

فكان هذا الموضع من الإشكاليات التي نُقلت لنا في هذا الكتاب عن الأخفش.

التنبيه (11):

ذكر الأخفش قوافي تركها الشعراء في حالة الالتزام، ولو أتوا بها لم تُعَبْ عليهم، إنما تركوها؛ استحسانًا فقط، فقال الأخفش في القوافي ص (25): «1-وقد تتّقي الشعراء نحوًا مما اتقى (يعني مما اتقاه الخليل بالترك)، ولو قالوه لم يكن فسادًا. ألا ترى أنهم يلزمون ما قبل (هم) و(هما) إذا كانا قافية. 2-وما قبل التاء والكاف إذا كان كلُّ واحد منهما قافية، وليس هو بحرف روي، ولا حرف من اللّوازم. فيتّقون (منهما) مع (فيهما)، و(منهم) مع (فيهم). 3-وإذا قالوا: (لك) في قافية جعلوا ما قبل رويّها في <أكثره اللام>. فلم يستحسنوا معها <بك> وأشباه ذلك، وهو جائز. انتهى كلامه رحمه الله.

التعليق:

هو هنا يشير إلى قوافٍ التزم فيها الشعراء ما ليس بلازم، أو أنهم تركوا شيئًا لو فعلوه لم يُعَبْ عليهم، ومثَّل لذلك بقافية ضمير الغيبة (هم) و (هما) وأخبر أن الشعراء يلتزم الحرف الذي قبل قافية [هم] أو قافية [هما] فلو افترضنا أن الشاعر جاء بالباء قبل [هم] أو قبل [هما] والتزمها في القصيدة كلها؛ استحسانا فقال: جلبهم، غلبهم، أدبهم، سحبهم. وهكذا فكانت الباء التي قبل ضمير [هم] من لزوم ما لا يلزم فلو أنه قال في قصيدته، أخذهم. مع أدبهم إلى آخر الذي قيل = لم يُعَبْ عليه كما أخبر بذلك الأخفش في كلامه، ووجدنا عليه عمل الشعراء.

وقوله: 2- وما قبل التاء والكاف إذا كان كلُّ واحد منهما قافية.

يعني تاء التأنيث رويًّا المحركة بالكسر وقد تقدم الحديث عنها في أمثال: ضلَّتِ، زلَّتِ. فهو يقول: إنهم يلتزمون ما قبل التاء في القصيدة، وهو هنا اللام.

وقوله: والكاف. مثَّل بها بقافية [لكِ]. فأخبر بأنهم يتقون معها [بك].

ولتوضيح مقصده، سأذكر لك قوافيَ قصيدةِ أم السُّليك التي ذكرها أبو تمام في حماسته، فذكرت الشاعرة في القافية: فهلَكْ، قتلَكْ، ختلكْ، السلكْ، سلكْ، لك، أجلكْ، أملك، شغلكْ، سألك، ملك، بدلك.

فهنا الشاعرة التزمت قبل الكاف =اللام في كل القصيدة، ولو جاءت بغير اللام قبل الكاف لم يعب عليها هذا الصنيع.

ومثل قصيدة أم السليك = قصيدة عمر بن ربيعة في ديوانه ص (197) التزم فيها النون مع الكاف وألف الوصل فذكر في قوافيها:

لجيرانِكا، إعلانكا، عصيانكا، أحيانكا، إمهانكا، أضغانكا، أزمانكا، أوطانكا، شانكا، أخدانكا، سعدانكا، غربانكا، أقرانكا، خلصانكا، هجرانكا، إدنائكا، عهدانكا، أحزانكا.

فالشاعر هنا في كل هذه القوافي التزم النون قبل الكاف كما قال الأخفش، ولو أن الشاعر لم يلتزم النون مع الكاف لم يَعب عليه أحدٌ ذلك، فإن فعل والتزم النون مع الكاف في كل قصيدته كانت قوافيه من لزوم ما لا يلزم.

وقول الأخفش عنهم: جعلوا ما قبل رويها <في أكثره> اللام. مُشكِل؛ لأن الكلام يقتضي (في كلها) أي في القصيدة كلها، أما إذا التزم الشاعر اللام مع الكاف في أكثر قصيدته لم يفده شيئًا، ولم تُسمَّ القصيدة لزومية، ولكنهم كانوا أحيانًا يأتون بقافية أو أكثر مع أكثر الملتزم، كما أخبر الأخفش.

وقول الأخفش: فيتقون: (منهما) مع (فيهما).

يعني أنهم يستحسنون ذلك في ضمير الغيبة – فيلتزمون حرفًا قبل [هم] أو [هما] فيقولون:

أحزانهما، هجرانهما، أضغانهما سلطانهما. وهكذا إلى آخر القصيدة، يلتزمون النون مع الضمير [هما].

ولو قال الشاعر مع هذه القوافي: أعدائهما. =لم يعيبوا عليه ذلك، ولكن الشاعر يكون قد نقض الالتزام، ولم تسم قصيدته باللزومية.

ومثله قبل [هما] فيلتزمون ما قبلها كالياء في هذه القوافي: فيهما، لياليهما، هاديهما، واديهما، باريهما.

وهكذا إلى آخر القصيدة، فلو قال الشاعر مع هذه القوافي: منازلهما، لم يُعب عليه ذلك.

ومثل ذلك في قول الأخفش: فيتقون… (منهم) مع (فيهم).

يعني أنهم يقولون: منهم، حزنهم، ركنهم، مزنهم. بالتزام النون قبل [هم] وهكذا فلو قال الشاعر مع هذه القوافي: علمهم، طرقهم، لم يُعَب عليه ذلك.

وكذا قول الشاعر في قافية: فيهم، بيهم، يساويهم، وهكذا. بالتزام الياء قبل [هم] فلو قال الشاعر مع هذه القوافي: جلّهم، عندهم. لم يُعب عليه ذلك.

فكل ما ذكره الأخفش من التزامات إنما هو لوقْعٍ حسنٍ في الأذن عند سماعه، فكانوا يلتزمونه، ولا يكاد يخالفونه.

التنبيه (12):

قال الأخفش في ص (15): باب الروي.

التعليق:

هذا الباب أخذ من الكتاب شيئًا كبيرًا، ودخل فيه ما ليس منه فهو من ص (15) إلى ص (34). أي 19 صفحة.

وإذا ما تصفحنا هذه الورقات، وجدنا فيها كلامًا عن غير الروي-والروي من حروف القافية-، فقد جاء فيها كلام عن بقية حروف القافية، فتكلم الأخفش في هذا الباب عن الوصل من ص (18) إلى ص (20).

ومن ص (20) إلى ص (21) تكلم عن حرف الخروج.

ومن ص (21) إلى ص (28) تكلم عن حرف الردف.

ومن ص (27) إلى ص (34) وهو آخر الباب تكلم عن حرف الدخيل والتأسيس.

وهذه كلها حروف القافية الستة المعروفة عند العروضيين، فتسمية هذا الباب الذي جاء في ص (15) بباب الروي خطأ ظاهر، والصواب أن يقال: [باب حروف القافية] لأنه هو الذي جاء في الباب لا الروي فقط.

وقد يكون العنوان المذكور من الناسخ وهو أغلب الظن عندي، وعليه لا يصح نسبة ذلك إلى الأخفش.

التنبيه (13):

تكلمت في التنبيه السابق عن ما جاء في باب الروي، وأن الصواب في تسمية الباب بأن يسمى باب حروف القافية، لأن هذا هو المحتوى الذي جاء في هذا الباب، فإما أن يكون العنوان من الناسخ، وإما أن يكون وقع سقط من الناسخ في بقية العناوين وهذا احتمال بعيد.

وتأتي الإشارة هنا إلى شيء له تعلق بالتنبيه السابق وهو: قد ذكر المحقق العلامة النفاخ في [فهرس الموضوعات] ص (165) ما جاء في هذا الباب فذكر: الروي، والوصل والخروج والردف والتأسيس.

وقد فات المحقق عليه الرحمة النص على حرف الدخيل اللازم لحرف التأسيس، في فهرس الموضوعات، وقد تعرض لذكره الأخفش وإن لم يسمه قط في كتابه، وهذه فائدة أخرى، فلم أجد الأخفش يصرح بهذه التسمية أنما هو تعرض لوصفه فقال ص (27) عن قافيتين مؤسستين في بيتين هما: هنالكا، وكذلكا: «وقد يلزمون الكسر قبل هذه الكاف، ولا يجيزون غيره وكذلك قاله الشعراء، وما أرى اختلاف ذلك إلا سنادًا، لأن الشعراء لم تقله إلا هكذا؛ إذ قبله تأسيس.

وهذا وصف لحرف الدخيل وإن لم يصرح الأخفش باسمه.

والمحقق عليه الرحمة أضاف في فهرس الموضوعات في باب الروي، ما جاء في الباب من حروف القافية فذكر خمسة ولم يذكر السادس: الدخيل. وهو من حروف القافية. ولا يُلام المحقق في ذلك؛ إذ إن المصنف لم يصرح باسمه.

وهذا معلوم في تكشيف النصوص فإن الشيء إذا ذُكر معناه في النص ولم يصرح باسمه وعلم اسمه وضعتَ اسمه في الفهرس بين قوسين وأحلت إليه في موضعه من النص، كأن يأتي في النص قال أبو العباس في الفصيح. فنذكره في فهرس النص مع اسمه الصحيح: أحمد بن يحيى (أبو العباس)، ونحيل إليه في حرف العين بكنيته، فنقول: (أبو العباس) = أحمد بن يحيى. أي انظر (أحمد بن يحيى).

فالشاهد من هذا، أننا لا بأس بذكر حرف الدخيل في فهرس الموضوعات والحالة هكذا ونقول في فهرس الموضوعات ص (165) قبل حرف التأسيس:

(الدخيل)……………………………………………….. 17

التنبيه (14):

جاء في كتاب القوافي للأخفش ص (46-47) حديثٌ عن عيب من عيوب القافية، هو: الإقواء، وهو اختلاف حركات الروي في القصيدة فقال عنه الأخفش عليه الرحمة: «أما الإقواء 1- فمعيب، 2- وقد تكلمت به العرب كثيرا !! … 3-وقد سمعت مثل هذا من العرب كثيرًا ما لا يحصى، 4- <قلَّ قصيدة ينشدونها إلا وفيها الإقواء> 5- ثم [لا] يستنكرونه؛ 6-وذلك لأنه لا يكْسرُ الشعر، 7-وكل بيت منها شعر على حياله».

التعليق: ظاهر ما جاء في مطبوعة القوافي التعارض أو التناقض؛ إذ قال في فقرة رقم [2]: «الإقواء معيب». ثم نقضه بقوله في الفقرة رقم [2]: «وقد تكلمت به العرب كثيرا.

فكيف يكون معيبًا وتتكلم به العرب كثيرًا!

وأكد ذلك في الفقرة رقم [3] و [4] و[5].

وما جاء في فقرة رقم [4] لا أدري أقيل على سبيل الإيغال في المبالغة لتنبيه القارئ على كثرته في الشعر القديم أم ماذا؟

فإن الإقواء في القافية عيب، وقد جاء عن العرب قليلًا وقد عابوه، وعابه النابغة وإن سُمع منه ولكنه أصلحه في ما بعد في شعره حينما نُبِّه إليه كما قيل.

فكيف يقول في الفقرة رقم [5]: ثم [لا] يستنكرونه. ؟!

وعبارة [لا] زادها المحقق عليه الرحمة، فإن صحت في النسخ القديمة المنسوخ عنها فتكون العبارة غير صحيحة، لأن العرب عابت الإقواء وذمته، لأن الأذن لا تقبله، ولا يكاد تجد الإقواء في أشعار المولدين والمتأخرين، والأخفش يقصدُ في مجيء الإقواء كثيرا عنهم = الشعراءَ الجاهليين.

ويبقى هذا الموضع في كتاب القوافي للأخفش من المبهمات والإشكاليات الواردة في النص([1]).

التنبيه (15):

ذكر الأخفش في قوافيه عيبًا من عيوب القافية هو الإكفاء وهو عند الخليل نوع من الإقواء، وبعض العروضيين يفرق بين هذا وذاك، ومنهم الأخفش، = بقرب المخرج وبُعْده في حرف الروي الذي وقع فيه اختلاف الحركات، كأن يذكر الشاعر رويين في القصيدة كالصاد والزاي، أو الميم النون. وهكذا. وبعضهم يجعله اختلاف الروي مطلقًا في القصيدة.

والمشكل في ذلك ما ذكره الأخفش عن هذا العيب في قوافيه ص (51)؛ إذ قال عن قصيدة ذكر الشاعر فيها رويين: النون والميم الآتي: «وهو فيهما كثير، وقد سمعت من العرب مثل هذا ما لا أحصي. وقال عن الروي: وسمعت الباء مع اللام والميم مع الراء، كل هذا في قصيدة… والذي أنشدها (يعني القصيدة) عربي فصيح لا يحتشم (لا ينقبض، الاحتشام: الانقباض، والاستحياء) من إنشاده كذا، ونهيناه غير مرة فلم يستنكر ما يجيء به.

إلى أن ذكر الأخفش قصيدة جمع الشاعر فيها بين اللام والراء والباء في مكان الروي فقال الشاعر في القافية: [قليل] و [تدور] و [نجيب].

فقال الأخفش: وهذا من أقبح ما جاء لبعد مخارجها، فأما الميم والنون واللام فكثير.

والأخفش ممن يُفرّق بين الإكفاء والإقواء ببعد المخرج وقربه في الروي، والخليل لا يفرق بين هذا وذاك ومعه جماعة من العلماء وقد نقل الأخفش ذلك في قوافيه ص (48) فقال: وزعم الخليل أن الإكفاء هو الإقواء، وقد سمعته من غيره من أهل العلم وسألت العرب الفصحاء عن الإكفاء، فإذا هم يجعلونه الفساد في آخر الشعر والاختلاف من غير أن يحدوا في ذلك شيئا إلا أنني رأيت بعضهم يجعله اختلاف الحروف.

وهو يعني اختلاف مخرج حرف الروي في القصيدة، وعلى كل فالرأي الذي أميل إليه في ذلك هو رأي الخليل عليه الرحمة ومن معه، فالإقواء والإكفاء واحد، ومن الأفضل والأسهل الآن أن لا نفرق بينهما ببُعْد المخرج وقُربه، وكلاهما معيبان، قرُب مخرج الروي الذي بنيت عليه القصيدة أم بعُد، وهو ليس كثيرًا في الشعر العربي، وقد تجنبه وذمه المولدون والمتأخرون من الشعراء في القديم، ولم يقبله النقاد والشعراء في العصر الحديث.

التنبيه (16):

جاء في القوافي للأخفش ص (63) هذان البيتان:

يا ربِّ سلِّمْ سَدْوَهنَّ (الليلةْ)

قال المحقق: السَّدْو: اتساع خطو الناقة.

ثم قال الأخفش عن هاتين القافيتين: ليس بإيطاء؛ لأن إحداهما بالألف واللام، والأخرى بغير ألف ولام، فهذا جائز.

والأخفش يرى هنا كما هو مذهب كثير من النقَّاد إلى أنه ليس من الإيطاء إذا كانت الكلمة الأولى معرفة، والثانية نكرة مثل هذين البيتين.

التنبيه (17):

قال الأخفش ص (74): «سمعت كثيرًا من العرب يقول: جميعُ الشعرِ: 1-قصيدٌ و2-رَمَلٌ و3-رجزٌ.
أما 1-القصيد فالطويل، والبسيط التام، والكامل التام، والمديد التامّ، والوافر التامّ، والرجز التامّ. وهو ما تغنّى به الركبان، ولم نسمعهم يتغنّون إلا بهذه الأبنية. وقد زعم بعضهم أنّهم يتغنّون بالخفيف.
و2-الرّمل كلّ ما كان غير هذا من الشعر وغير الرجز، فهو رملٌ.
و3-الرّجز عند العرب كلّ ما كان على ثلاثة أجزاء، وهو الذي يترنمون به في عملهم وسوقهم، ويحدون به. انتهى كلامه رحمه الله.
التعليق:

المصنف عليه الرحمة يتكلم عن أنواع الأوزان في الشعر العربي، فقسمها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: القصيد: وهو كل شعر جاء تامَّ الوزن، وقد ذكر الأخفش أمثلته.
والثاني: يدل عليه القسم الثالث؛ إذ قال: الرجز عند العرب كل ما كان على ثلاثة أجزاء. وهو يقصد على ثلاث تفعيلات، فالأخفش يسمى التفعيلة جزءًا في كتابه هذا كما تقدّم في التنبيه (1)، إذن من كلامه هذا عن تقسيم الرجز بأنه ما كان على ثلاثة أجزاء، يفهم منه أنه يقصد به الشعر المشطور الذي جاء على ثلاث تفعيلات.
فيكون مجموعُ ما ذكَر التامَّ والمشطور، ويبقى لنا من أنواع الشعر: المجزوء وهو الذي سماه الأخفش بالرمل!. وهو النوع الثاني الذي أرجأتُ ذكره لك؛ لدلالة الثالث عليه. فيكون مقصد المصنف في فِقرته هذه الآتي:
القصيد هو: الشعر التام.
والرمل هو: الشعر المجزوء.
والرجز هو: الشعر المشطور.
وقد نسب الأخفش هذا الكلام إلى كثير من العرب.
يبقى معنا من الأقسام قسم آخر وهو الشعر المنهوك وهو ما كان على تفعيلتين، أو جزءين كما يسميه المصنف، وظاهر كلام الأخفش أنه لا يعده شعرًا، لأنه لم يذكره في أقسام الشعر هنا، وكذلك من نسب إليه هذا التقسيم، وهو رأي جماعة من النقاد، وقد وجدت في آخر الكتاب ما يفيد إدراجه في الشعر وإن لم يذكره هنا؛ إذ قال ص (114) عن الأضرُب التي تلزم الردف بالمد أو اللين: وكذلك مفعولن في المنسرح الذي على جزأين.

وقد تقدم أن المقصود بالجزء التفعيلة، فالجزءان هنا المراد بهما ما كان من المنسرح على تفعيلتين، يعني المنهوك، ومفتاحه:

مستفعلن مفعولن

فالأخفش يعد هذا المفتاح من منهوك المنسرح، وإن لم يعده في أقسام الثلاثة المذكورة: القصيد، والرمل، والرجز.

ويرى أستاذي العروضي د. عمر خلوف أن هذا الوزن من الرجز. ينظر: كن شاعرًا (بحر الرجز 75).

ومثل هذا الاختلاف اختلافهم في هذا المفتاح:

مستفعلن مستفعلانْ

وهو وزن قافيته مقيدة، مردوفة بالألف.

فقال نفرٌ: هو من منهوك الرجز. وقال آخرون: هو من منهوك المنسرح.

التنبيه (18):

قال الأخفش في قوافيه ص (91): هذا باب ما يجوز من الساكن مع المتحرك في ضرب واحد. فمن ذلك (فَعْلن) في السريع يجوز مع (فعِلن) إذا كان مقيدا ولا يجوز في الإطلاق.

التعليق:

هو رحمه الله شرع هنا في ذكر الضروب الشعرية التي يدخلها الزحاف فتتغير؛ لدخول الزحاف عليها، فالبحور نوعان في هذا التقسيم، بحور لا يدخل الزحاف ضروبها كالطويل والوافر والبسيط، وبحور يدخل الزحاف ضروبها فتتغير كالرجز، والكامل، والرمل، والسريع، وبتغير الضرب بالزحاف تتغير معه القافية في القصيدة الواحدة، فتجتمع في القصيدة الواحدة أكثر من نوع من أنواع القافية.

وقد ضرب لنا الأخفش مثالًا على ذلك من بحر السريع فذكر صورة للبحر تحدث في حالة تقييد القافية لا إطلاقها، وهو الضرب (فعِلن) بتحريك العين، فذكر أنه يجوز فيه أن يجتمع معه (فعْلن) بسكون العين. ولكنه رحمه الله لم يذكر لنا مثالًا على ذلك؛ وتوضيحًا لكلام المؤلف سأذكر لك مثالًا وقفتُ عليه في اختيار المفضل الضبي، فأقول: قد ذكر المفضل قصيدة للمرقش الأكبر برقم (54) ص (237) يقول فيها المرقش (من السريع المقيد من غير ردف أو تأسيس):

هل بالديار أن تُجيبَ صَمَمْ
لو كان رَسْمٌ ناطقًا/ =كَلَّمْ

الدارُ قفرٌ والرسومُ كما
رقَّشَ في ظهر الأ/ديـ/ـمِ قَلَمْ

فهذه قصيدة مقيدة قافيتها بالسكون، الروي: الميم، والقافية المقيدة لا وصل لها، وكلمة كلَّم هي جواب شرط (لو) وحذفت اللام في جواب الشرط وهو كثير، وأرى أصل الكلام هكذا: لتكلَّم. فحذفت التاء أيضا، والتقدير: لو كان رسمٌ ناطقًا لتكلَّمَ. وهذا تفسيري للبيت ولم أجد الشيخين أحمد شاكر وعبد السلام هارون قد تعرض لذلك، وكذا الأنباري في شرح المفضليات (2/20 ط. دار صادر).

والشاهد من المثال: الضرب في البيت الأول: كلَّمْ = [فَعْلنْ /0/0] وهو ضرب وقافية في نفس الوقت.

وفي البيت الثاني الضرب هو: مِ قَلَمْ = فعَلن (بتحريك العين) [///0] والقافية هنا هي: ديْمِقَلَمْ: مسْتَعِلنْ [/0///0].

وهذا المثال الذي ذكرته لك مطابقا تمام المطابقة لكلام الأخفش الذي لم يمثل له في قوافيه، وقد أضفت لك فيه إضافة لم يتعرض لها الأخفش عليه الرحمة، وهي أن هذا الضرب الذي تغير بدخول الزحاف عليه تغيرت معه قافية الضرب! فاجتمعت قافيتان مختلفتان في هذه القصيدة، الأولى: [فعْلن /0/0] والثانية: [مسْتَعِلنْ: /0///0] وأن كلا القافيتين يكونان في الشعر المقيد!

التنبيه (19):

قال الأخفش في قوافيه ص (92) وهو يتحدث عن اجتماع الضرب مُتُفا (فعَلن) ومتْفا (فعْلن) في بحر الكامل إذا أطلقتْ قافيته: وقد أجازوا فَعْلن مع فعِلن في الكامل إذا قيّد. ثم ذكر أمثلة على ذلك، وحكم بندرتها، وشذوذها في حالة تقييد القافية، وقد قال في حالة الإطلاق هذين البيتين (93):

لا يبعدنْ قومي الذيـ/ـنَ هُمُ
سمُّ العداةِ وآفةُ [الجُزُرِ]

الخالطينَ نحيتَهم/ بنُضَارِهمْ
وذوي الغِنى منهمْ بذي [الفَقْرِ]

فجمع في المطلقِ بين الساكن والمتحرك، فلأنّه صدرُ متفاعلن، وإسكان ثانيه جائزٌ كثيرٌ فلذلك أجازوه. انتهى كلامه رحمه الله.

التعليق:

البيتان كما قال المحقق لخرنق بنت هفان، ولما رجعت لديوانها، وجدت حاشية نقلها المحقق الدكتور حسين نصار عن العيني فقال: الجُزُر بضم الجيم وسكون الزاي بعدها راء، وأصله جُزُر بضمتين، فسكنت للوزن، وهو جمع جزور، وأراد بآفة الجزر أنهم كانوا يكثرون من نحر الجزر للضيفان. ينظر: ديوان الخرنق ص (29).

والذي قاله العيني أضمرته في نفسي من قبل أن أنظر إلى كلامه، فإن الجمع [فُعُل] يجوز فيه تسكين عينه فيقال: [فُعْل] في حالة الاختيار والاضطرار (النثر والشعر) على سواء، وقد جاء في كتاب الله وقرئ به في أمثال [سُبُل] و[رُسُل].

وقد ضبط المحقق [الجُزُر] بضمتين على الأصل، وهذا الضبط ظاهر كلام الأخفش من مثاله، وقراءة العيني وما جاء في ديوان الشاعر: [الجُزْر] بسكون الزاي، قراءة الجادة، التي لا يجتمع معه في القصيدة ضربان [متَفا] و [متْفا]، في إطلاق القافية.

وقد نبهني أستاذي العروضي د. عمر خلوف إلى شيء ثان في بيتي الخرنق وهو مجيء العروض في البيت الأول: على فعِلن (متَفا) وفي البيت الثاني على (متَفاعلن) وقال عن ذلك: جاء عن العرب اختلاط (فعِلن) مع (متفاعلن) في عروض الكامل خاصة وأذكر أنهم يسمونه (المُقْعَد).

وهو كما قال حفظه الله وأطال في عمره، وقد تكلم عن هذا العيب الخطيب التبريزي في كتابه (الكافي) فقال في معرض كلامه عن عيوب الشعر (168): ومما يجب أن يُذكر من عيوب الشعر الذي يسمى (المُقْعَد) وهو يختل بالكامل، وهو خروج الشاعر من العروض الثانية إلى الأولى، مثل ما أنشد ابن برهان النحوي رحمه اله:

إنَّا وهذا الحيَّ من [يَمَنٍ] عند الهياجِ أعزَّةٌ أكْفاءُ

قومٌ لهم فينا دما[ءٌ جَمَّةٌ] ولنا لديهمْ إحْنةٌ ودِماءُ

ثم قال الخطيب: فالبيت الأول من العروض الثانية من الكامل وبقية الأبيات من العروض الأولى منه، ومثله في شعر العرب كثيرٌ.

وهو مثالٌ مطابق تمام المطابقة لعروض البيتين اللذين ذكرهما الأخفش في قوافيه.

التنبيه (20):

قال الأخفش ص (99) : فأمَّا ما يجوز فيه التقييد والإطلاق 1- فالمتقارب، نحو:

كأنّي /ورحلي /إذا رعْـ/ـتُها
على جَـ/ـمزَى جا/زئٍ بالرْ/رِمالْ

و2- في الرّملْ:

يا بَني الصّيْـ/ـداءِ، ردُّوا/ فَرَسِي
إنَّما يُفْـ/عَلُ هذا/ بالذلِيلْ

وفي 3- الكامل نحو:

أبُنَيَّ، لا/ تَظْلمْ بمكْـ/كَةَ لا الصغيْـ/رَ ولا الكبيرْ

فليس شيء يجوز فيه التقييد والإطلاق غيرَ هذه الأبيات الثلاثة، وما كان عل بنائها.

التعليق:

من بحور الشعر بحورٌ يجوز في إنشادها وقراءتها وجهان: التقييد والإطلاق، ذكر منها المصنف ثلاثة أبحر: المتقارب، والرمل والكامل. ومثَّل ببيت واحد على كلامه.

وأقول لك: هذا الكلام الذي ذكره المصنف خاص بالبيت اليتيم، ولو أردنا كلامًا أكثر دقة من هذا = لاشترطنا شرطًا يضاف إلى هذا الكلام وهو: توحيد المحل الإعرابي في الروي، فإن خالف الشاعر المحل الإعرابي في روي القصيدة، فجعل رويًّا مرفوعًا ورويًّا منصوبًا أو مجرورًا، قلنا: لا يصح لك في هذا الروي إلا التقييد في هذه البحور الثلاثة التي ذكرها المصنف، فإن وحَّد الشاعر في قصيدته الروي فجعله كله مرفوعًا مثلًا أو مجرورًا أو منصوبًا، صح لك في قراءته ما قاله المصنف من تقييد القافية أو إطلاقها، وإلا فلا، لم يكن لك في ذلك إلا التقييد.

عودًا على كلام الأخفش الذي ذكر فيه ثلاثة أبحر يجوز في قراءة رويها: التقييد والإطلاق (السكون والتحريك) فذكر الأخفش: بحر المتقارب والرمل والكامل. وسأذكر لك أضرب هذه البحور التي يجوز فيها ما ذكر المصنف:

أولا: الضرب [فعولْ] الذي يلزم الردف بالمد أو اللين في بحر المتقارب، يجوز لك فيه إن وحَّد الشاعر مجرى الروي (حركته) قراءة القصيدة على تقييد القافية أو إطلاقها. فتقرأها على [فعولْ] بتسكين اللام أو [فعولنْ] بالتحريك، فإن جمع بين أكثر من حركة في الروي، لم يكن لك في القصيدة إلا قراءة التقييد. وتوضيحًا لكلام الأخفش أذكر لك الآتي:

1- فعولن فعولن فعولن فعولن *** فعولن فعولن فعولن [فعولْ]

2- فعولن فعولن فعولن فعولن *** فعولن فعولن فعولن [فعولنْ]

الشكل رقم [1] ليس فيه إلا التقييد، والشكل رقم [2] هو على قراءة إطلاق القافية، مثال الأخفش:

كأنّي /ورحلي /إذا رعْـ/ـتُها
على جَـ/ـمزَى جا/زئٍ بالرْ/رِمالْ

فيجوز لك أن تقرأ الروي بتحريك اللام بالكسر فتقول: [بالرمالِ] فيكون الضرب [فعولن]. ويجوز لك تسكين اللام فتقول: [بالرمالْ] على ضرب [فعولْ] ويشترط في القراءة توحيدها في الإنشاد، وقد أضفت لك شرطًا لم يذكره الأخفش وهو توحيد مجرى الروي في حركات القصيدة، فهذا ما أراده الأخفش في قوله: فأما ما يجوز فيه التقييد والإطلاق فالمتقارب. وذكر البيت.

ثانيًا: الضرب [فاعلانْ] الذي يلزم الردف بالمد أو اللين وتقييد القافية والضرب [فاعلاتن] في بحر الرمل يجوز لك في قصيدته أن تقرأه على [فاعلانْ] بسكون الروي، ويجوز لك أن تقرأه على [فاعلاتن] بتحريك الروي، وتوضيحا لهذا الكلام أذكر لك الآتي:

1- فاعلاتن فاعلاتن فاعلن *** فاعلاتن فاعلاتن [فاعلانْ]

2- فاعلاتن فاعلاتن فاعلن *** فاعلاتن فاعلاتن [فاعلاتن]

فأما الشكل رقم [1]: [فاعلانْ] فلا يجوز لك فيه إلا تقييد رويه (تسكينه) وأما الشكل رقم [2]: [فاعلاتنْ] وهو المحرك رويه، فيجوز لك أن تقرأ القصيدة التي جاءت على الضرب رقم [1] على الشكل رقم [2] شريطة أن يوحد الشاعر مجرى رويه في الحركات فإن جمع بين فتحة وكسرة وضمة لم يكن لك فيه إلا التقييد على قراءة الشكل رقم [1] والمثال الذي ذكره الأخفش هو قول الشاعر:

يا بَني الصّيْـ/ـداءِ، ردُّوا/ فَرَسِي
إنَّما يُفْـ/عَلُ هذا/ بالذلِيلْ

بالذليلْ بتسكين اللام هو صورة الشكل رقم [1]: فاعلانْ. الذي يلزم الردف بالمد أو اللين كما في كلمة [الذليل] ردف بالمد، فيجوز لك أن تحرك اللام بالكسرة فتقول [بالذليلِ] على صورة الضرب رقم [2]: فاعلاتن. فهذا ما أراده الأخفش في كلامه.

وسأذكر لك مثالًا لا يجوز في ضربه إلا التقييد، وقد وجدت أستاذي العروضي د. عمر خلوف ذكره في كتابه كن شاعرا ص (95) والمثال قطعة شعرية لأحمد شوقي جاءت على الضرب الذي ذكره الأخفش فيقول الشاعر:

1- غرس الناسُ قديمًا وبنوا * لم يدُمْ غرسٌ ولم يخـ[ـلدْ بناءْ]

2- غير غرسٍ نابغٍ أو حجَرٍ * عبقريٍّ فيهما سرْ[رُ البقاءْ]

3- من يدٍ موهوبةٍ مُلْهَمَةٍ * تغرسُ الإحسانَ أو تبْـ[نيْ العلاءْ]

تأمل معي هذا الضرب الذي جاء مطابقًا لمثال الأخفش ولكنه اختلف في اختلاف مجرى الروي، فلو أنك قلتَ للشاعر: «حركْ لنا الروي ولا تبالِ بالإقواء، وائتِ لنا به كما قال الأخفش ». = لوجدته قائلا لك: [بناءُ] على الرفع، و [البقاءِ] على الجر، و[العلاءَ] على النصب !

وهذا هو ما يسمى بالإقواء، فتجنُّبًا لذلك وجب تقييد القافية.

وسأذكر لك مثالًا مطابقًا لما قاله الأخفش جاء على الضرب [فاعلاتن] مما يجوز لك فيه تقييد رويه أو إطلاقه، يقول الشاعر أبو ريشة:

وثبتْ تستقـربُ النجـمَ مجـالَا
وتهادتْ تسحُب الذيـ/ـلَ اختيـالا

وحِيالـيْ غـادةٌ تلعـبُ فــي
شَعْرِهـا المائـجِ غُنْجًـا / ودَلالا

طَلْعـةٌ رَيـَّا وشــيءٌ بـاهـرٌ
أجَمالٌ جـلَّ أنْ يُسـَمْ/مَـى جمـالا

وتجاذبْـنـا الأحـاديـثَ فـمـا
انخفضتْ حسًّا ولا سفْ/فَتْ خيـالا

كلُّ حـرفٍ زلَّ عـن مرْشفِهـا
نثـر الطيـبَ يمينـًا/ وشـمـالا

فهنا الشاعر وحَّد المحل الإعرابي في هذه الأبيات، فيجوز لك في قراءة رويها أن تقرأها على التقييد أو على الإطلاق كما قال الأخفش.

ثالثًا: الضرب [متفاعلانْ] المذال، و [متفاعلاتن] المرفَّل في مجزوء الكامل، قد ذكر الأخفش في شاهده = ما يفيد بأنه يجوز للقارئ تقييد روي هذا الضرب مع إطلاقه فقال ص (99-100) فأما ما يجوز فيه التقييد والإطلاق فالمتقارب… وفي الكامل نحو:

أبُنَيَّ، لا/ تَظْلمْ بمكْـ/كَةَ لا الصغيْـ/رَ ولا الكبيرْ

ثم قال: فليس شيء يجوز فيه التقييد والإطلاق غير هذه الأبيات الثلاثة وما كان على بنائها.

يعني أضرُبَ الأبيات الثلاثة: [فعولْ] في المتقارب، و[فاعلانْ] في الرمل، و[متفاعلانْ] في مجزوء الكامل، ولم يذكر الأخفش عليه الرحمة اسم الضرب [متفاعلانْ] المذال في كلامه، ولكنَّ المثالَ الذي ذكره يدل عليه، وشكل ذلك في مجزوء الكامل هكذا:

1- متفاعلن متفاعلن *** متفاعلن [متفاعلانْ]

2- متفاعلن متفاعلن *** متفاعلن [متفاعلاتنْ]

فهو يريد أن يقال لك: إن هذا الضرب [متفاعلانْ] المذال، الذي جاء في البيت الذي ذكرته في كلامي، وما كان على شاكلته يجوز في قراءته تقييد قافيته بتسكين الروي أو إطلاقها بتحريك الروي على صورة الضرب [متفاعلاتن]، فأنت مخيَّر في قراءته بين هذا أو ذاك، ولكن الأخفش لم يذكر شرط توحيد المحل الإعرابي.

وبالرجوع إلى المصادر التي ذكرت البيت الذي ذكره الأخفش، تبيَّن لي أنه لم يقصد بالبيت إلا التمثيل فقط؛ إذْ إن القصيدة لا يجوز في قراءتها إلا التقييد، لعدم مراعاة الشاعر الحركات الإعرابية للروي، ولو قرأتَ القصيدةَ التي مثَّل لك الأخفشُ ببيْتٍ منها بإطلاق قافيتها بالتحريك على ما قاله لكَ = لقوَّيتَ الشاعرَ (نسبته إلى الإقواء) وهو منه براء، وقد نص ابن هشام راوي هذه القصيدة في سيرته (1/26) على خلاف ما قاله لك الأخفش؛ إذ قال بعد ذكر القصيدة: «يُوقَفُ عَلَى قَوَافِيهَا لَا تُعْرَبُ».

فإن أنت حركت الروي على الإطلاق كما قال الأخفش قوَّيتَ الشاعر كما قلتُ لك، فظهر من كلام الأخفش أنه لم يقصد إلا التمثيل فقط، أتركك الآن؛ لتقرأ تمام قصيدة الشاعر الذي مثل الأخفش بمطلعها في قوافيه يقول:

أَبُنَيَّ لَا تَظْلِمْ بِمَكَّةَ
لا الصَّغِيرَ ولا الْكَبِيرْ

واحفظْ محارمَها بنىَّ
ولا يَغُرَّنكَ الغَرورْ

أَبُنَيَّ مَنْ يَظْلِمْ بِمَكَّةَ
يَلْقَ أَطْرَافَ الشُّرورْ

أَبُنَيَّ يُضْرَبْ وَجْهُهُ
وَيَلُحْ بِخَدَّيْهِ السَّعيرْ

أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتهَا
فَوَجَدْتُ ظَالِمهَا يَبُورْ

اللَّهُ أَمَّنَهَا وَمَا
بُنِيَتْ بِعَرْصَتِهَا قُصورْ

وَاَللَّهُ أَمَّنَ طَيْرَهَا
وَالْعُصْمُ تَأْمَنُ فِي ثَبيرْ

وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبَّعٌ
فَكَسَا بَنِيَّتَهَا الْحَبِيرْ

وَأَذَلَّ رَبِّي مُلْكَهُ
فِيهَا فَأَوْفَى بالنُّذُورْ

يَمْشِي إلَيْهَا حَافِيًا
بِفِنَائِهَا أَلْفَا بَعِيرْ

وَيَظَلُّ يُطْعِمُ أَهْلَهَا
لَحْمَ الْمَهَارَى والجَزورْ

يَسْقِيهِم الْعَسَلَ الْمُصَفَّى
وَالرَّحِيضَ مِنْ الشعيرْ

وَالْفِيلُ أُهْلِكَ جَيْشُهُ
يُرْمَوْنَ فِيهَا بِالصُّخُورْ

وَالْمُلْكَ فِي أقْصَى الْبِلَاد
وَفِي الْأَعَاجِمِ وَالْخَزِيرْ

فَاسْمَعْ إذَا حُدِّثْتَ وَافْهَمْ
كَيْفَ عَاقِبَةُ الأمورْ

التنبيه (21):

قال الأخفش في قوافيه ص (102): وقد يجوز في هذا القياس تقييد الطويل إذا كان آخره مفاعيلن، لأنَّه إذا قيد جاء مفاعيلْ بين مفاعيلن، وفعولن، وقد جاء؛ قال الشاعر:

كأنَّ عتيقًا من مهارةِ تَغْلبٍ
بأيدي الرِّجالِ الدافنين ابـ/ـنُ عَتَّابْ

وقد فرَّ حصنٌ هاربًا وابنُ عامرٍ
ومن كانَ يرجو أن يؤوب/ فما آبْ

فهذا جائز. وكان الخليل لا يجيزه.

التعليق:

المسموع في تقييد أضرب بحر الطويل الثلاثة هو تقييد الضرب (مفاعلن)، أما تقييد الضرب (فعولن) و(مفاعيلن) فلم يسمع في الشعر القديم، وما نقله الأخفش من أبيات جاء فيها تقييد (مفاعيلن) إلى (مفاعيلْ) ذكر المحقق في الحاشية أنه لم يعرف قائلهما، وذكر الأخفش أن الخليل: لا يجوّز تقييد (مفاعلين) في الطويل، وما قاله الخليل دليله عدم السماع، فالمسموع -كما تقدم – تقييد (مفاعلن) في الشعر القديم.

وفي هذا يقول أبو العلاء المعري في اللزوميات: استحسنوا التقييد في الطويل الثاني فاستعمل وكثر. (يعني مفاعلن) ولا يُعلَم شيء من الشعر القديم جاء فيه الطويل الأول مقيدا (يعني مفاعيلن) إلا أن يكون شاذًّا مرفوضًا… وقد جاء في أشعار المحدثين شيء من الطويل الأول (مفاعيلن) مبنيًّا على الألف وهو الذي يسميه الناس المقصور فيقولون مقصورة فلان يعنون ما رويه ألف. ينظر: اللزوميات (1/30) .

وقال د. صفاء خلوصي: وقد استحسن الأوائل القافية المقيدة في الطويل الثاني (مفاعلن) فأكثروا من استعماله… وليس في الشعر القديم ما جاء فيه الطويل الأول مقيدا إلا على وجه الشذوذ المرفوض.

ينظر: فن التقطيع الشعري ص (44) .

وقال عبد الله الطيب: والطويل أصلح الأوزان الطوال للروي المقيد، وقد تجيء قافية الطويل منتهية بالهاء الساكنة، بعد حرف روي ملتزم، … فتحسن جدا وذكر أبياتا قوافيها: “ساهرهْ” و “سائرهْ”. ينظر: المرشد (1/53-57) بتصريف.

وقد تتبعت هذا الكلام في دواوين العشرة الجاهليين (ط. مكتبة الآداب بالقاهرة) أصحاب المعلقات فكان مجموع القصائد المقيدة من بحر الطويل سبع قصائد كلها كان ضربها [مفاعلن] كعروضها. ولم أقف على الضرب [مفاعيلن] ولا [فعولن] من بحر الطويل مقيدا في دواوينهم.

وإن كان تقييد الضربين الآخرين الأول [مفاعيلن] والثالث [فعولن] في الطويل = يصح عند بعض العروضيين المعاصرين وبه يقول الدكتور عمر خلوف.

وأبو العلاء المعري يرفض تقييد الضربين: [مفاعيلن] و[فعولن] في بحر الطويل ويعده شاذًّا غير مقبول، إن جاء، وغيره يراه أمرًا ذوقيًّا يختلف من شخص لآخر، وهذا قد يفهم من قوله الأول: [استحسنوا التقييد في الطويل الثاني].

وإليك الآن عزو صفحات القصائد التي جاءت مقيدة في دواوين العشرة على الضرب [مفاعلن]. ينظر: كتاب دواوين الشعراء العشرة، صنعة: محمد فوزي حمزة، ط. مكتبة الآداب، بالقاهرة، الثانية، ص17/38/59/70/135/412/452.

التنبيه (22):

قال الأخفش في كلامه عن الشعر المقيد ص (103): ويجوز ذلك (يعني التقييد) في الرمل الذي على 1-<أربعة أجزاء>. نحو قوله:

قيل قمْ فانظُرْ إليهمْ ثمَّ دَعْ عنكَ السُّمُوْدْ

2- ولم نسمعه، ولا أراه إلا لقلة هذا الشعر وضعه، 3- وكان في الكامل أجود؛ لأن الجزء الذي في الكامل زائد، وأنت إذا قيدت هذا نقصته فهو أضعف.

التعليق:

تقدم في التنبيه (1) أن الأخفش يقصد بالجزء والأجزاء، التفعيلة والتفعيلات، فقوله في رقم [1]: «في الرمل الذي على أربعة أجزاء». = عنى به الذي على أربع تفعيلات. وهو هنا مجزوء والرمل.

فهو يتحدث عن الضرب (فاعلانْ) المقيد في مجزوء الرمل، فذكر أنه لم يسمعه، كما في رقم [2] مع تجويزه إياه، فكان الصواب في ضبط الروي التحريك هكذا:

ثم دعْ عنْكَ السمودَا

والمحقق عليه الرحمة ضبط الروي بالتقييد بسكون الدال، وهو يجوز عند الأخفش ولكنه غير المسموع، فكان الصواب ضبط الروي بالتحريك حتى لا نوقع كلام الأخفش في التناقض.

هكذا فهمت كلام الأخفش عليه الرحمة، ثم ما أنْ لبثتُ قليلًا حتى وقفتُ في بعض المصادر على ما يؤيد كلامي، فوجدت البيت كما قلت بالتحريك على الإعراب: (السمودَا) في: غريب الحديث للحربي (2/520)، وجمهرة اللغة لابن دريد (2/648)، وتهذيب اللغة (12/263)، ومقاييس اللغة (3/100)، ولسان العرب (3/219)، تاج العروس (8/211).

وفي التنبيه رقم [3]: وكان في الكامل أجود.

أقول: ليس المقصود بالكامل هنا بحر الكامل، لا، بل المراد الرمل التام، أو الكامل الأجزاء على المصطلح الأخفشي، فهو يقول: إن تقييد بحر الرمل التام الذي ضربه [فاعلانْ] جيد مسموع.

وهو كما قال عليه الرحمة، فإن الضرب (فاعلانْ) في التام مسموع في التقييد، وهو ضرب لا يصح فيه إلا التقييد بالردف؛ لأن قافيته المترادف [فاعْ]. ينظر: الكافي للتبريزي ص (84).

فحصيلة الكلام: يجوز في بحر الرمل التام تقييد ضربه على [فاعلانْ] ، ولم يسمع في المجزوء تقييده على هذا الضرب:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلانْ

إنما المسموع:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتنْ

ويصح عند الأخفش تقييد مجزوء الرمل على الضرب [فاعلانْ]، وإن لم يسمع، فإن (فاعلانْ) في مجزوء الرمل لم يذكره الخليل. ينظر: الكافي للخطيب (86).

وقد كتب المعاصرون على [فاعلانْ] في المجزوء، ولا يمنعه الدكتور عمر خلوف، ينظر: كن شاعرا ص (93).

والتقييد في الرمل كثير جدا، فهو بحر غنائي، قيد الشعراء قديما قافيته وقد وقفت في دواوين العشرة على إحدى عشر قصيدة قافيتها مقيدة.

ينظر: دواوين العشرة. ص (14/52/52/58/61/70/71/149/227/296/384).

وانظر ديوان عمر بن أبي ربيعة فقد أكثر من تقييد بحر الرمل.

التنبيه (23):

قال الأخفش في قوافيه ص (107): باب ما يجتمع في آخره ساكنان في قافية. وذلك لا تبنيه العرب إلا أن يجعلوا الأولَ منهما حرف لين. كذلك قالوه في جميع أشعارهم.

التعليق:

الضمير في قوله: أن يجعلوا الأول منهما. عائد على الساكنين، أي إلا أن يجعلوا أول الساكنين حرف لين.

وقد يظن ظانٌّ وقوعَ سقطٍ في هذه الفقرة؛ لأن اختصاص ذلك بحرف اللين فقط غير صحيح؛ إذ يكون الساكن الأول حرف مد أيضا، ويستدل على ظنه هذا بأن الأخفش ذكر بعد ذلك القسمين فقال: فأدخلوا المد واللين… وعليه يكون أصل الكلام: وذلك لا تبنيه العرب إلا أن يجعلوا الأولَ منهما حرف لين، أو حرف مد.

والراجح أن الأخفش قصد باللين في قوله هنا: الردف بنوعيه: المد، واللين، من غير سقط في الفقرة، وسيأتي معنا في الباب التالي لهذا الباب قوله: هذا باب ما يكون فيه حرف اللين مما ليس فيه ساكنان ص (111) وسيمر هذا المصطلح الأخفشي كثيرًا في كتاب القوافي، وسأذكر لك الآن مَسْردًا مرقمًا بالفقرات التي ذكر فيها الأخفش حرفَ اللين وقصد به حرف الردف: المد أو اللين، فيقول الأخفش في باب ما يكون فيه حرف اللين مما ليس فيه ساكنان:

1- من ذلك (فعولن) في الطويل، لابد فيها من حرف لين.

2- ومنه (فعْلن) في البسيط، لابد فيه من حرف لين.

3- وأما (فعْلن) في المديد فيكون بغير حرف لين.

4- وكذلك (فعولن) في البسيط يكون بغير حرف لين.

5- وكذلك مجزوء الوافر يكون بغير حرف لين.

6- و(فعولن) في الوافر لابد فيه من حرف لين، وقد جاء بغير لين.

7- وأما فعِلاتن = (متفاعلْ) في الكامل الذي على ستة أجزاء فلا يكون إلا بحرف لين.

8- وأما فعلاتن ومفْعولن (متَفاعلْ ومتْفاعلْ) في الذي على أربعة أجزاء (يعني مجزوء الكامل) منه ففي القياس أن يكون بغير حرف لين.

9- وأما (مفعولن) في الرجز و (فعولن) فلا يكون إلا بحرف لين.

10- وأما (فعولن) في الهزج فمن جعله مجزوءا لم يجعله بحرف لين، وينبغي أن يكون مجزوءا. ومن قال: إن (فعولن) ناقصة من (مفاعيلن) ليس بمجزوء لزمه حرف اللين.

11- وأما (فعْلن) في السريع فيكون بغير لين.

12- وكذلك (مفعولن) في المنسرح الذي على جزأين (المنهوك).

13- و(فعولن) في الخفيف يكون بغير لين.

14- و(فاعلاتن) في المضارع يكون بغير لين.

15- وكذلك (فاعلاتن) في المجتث يكون بغير لين.

16- وأما فاعلن في السريع فلما نقصوه من (فاعلانْ) لم يصلوا فيه إلى حرف اللين.

ينظر: القوافي (111-115).

كل هذه الفقرات المذكورة قصد الأخفش بحرف اللين حرفَ الردف الذي تعريفه هو حرف مد أو حرف لين يكون قبل الروي فأما المد فيكون بالواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها والألف المفتوح ما قبلها، وأما اللين فيكون بالياء والواو المفتوح ما قبلهما.

فالأخفش في هذا الباب (باب ما يجتمع في آخره سكنان في قافية) يتحدث عن قافية المترادف [فاعْ] التي تلزم الردف بنوعيه اللين والمد، وهي كل قافية وقف عليها بساكنين قبل متحرك هكذا [فاعْ: /00].

فهذه القافية قياسها المطَّرد أن يكون الساكنُ الأول من ساكِنَيْها حرفَ مد أو حرف لين، وهو ما سماه الأخفش في المسرد السابق بحرف اللين، وقصد به المد واللين معًا.

وقد جاءت بعض أبيات قلائل عن العرب على غير القياس المطرد، وهو ثقيل جدا، وشاذ، لا يقاس عليه، مثل ما رواه الأخفش في قوافيه فقال ص (107):

أرْخيْنَ أذْيالَ الحِقِيِّ وأرْبَعْنْ

مشْيَ حيِيَّاتٍ كما لم يفْزَعْنْ

إن يُمْنَعِ اليومَ نساءٌ تُمْنَعْنْ

فهنا القافية: المترادف [فاعْ /00] ولم يكن الساكن الأول منهما حرف مد أو لين، فكانت شاذة ثقيلة في الإنشاد، لا يتغنى بها كحرف الردف.

والروي في القطعة المذكورة هو النون، والعين الملتزمة قبل النون لا تصلح بأن تكون رويًّا هنا وإن التزمها الشاعر في كل قطعته؛ لأن النون بعدها لا تصلح بأن تكون وصلا، لأن العرب لا تصل بالنون الروي بل تصل الروي بالهاء والتاء وحروف المد الواو والياء والألف.

فإن قلتَ: كيف وقد قال الأخفش في قوافيه ص (41): وكثير من العرب يحرك الروي المقيد ويزيد عليه نونًا في الوصل، وسمعت ذلك ممن لا أحصيه من العرب في نحو:

وقاتمِ الأعماق خاوي المخترقنْ

فأقول لك: هذه النون التي تسمى بتنوين الغالي وقد زادها الأخفش في أقسام التنوين في القوافي المقيدة، وهي نون زائدة تزاد للترنم لا غير، ولا تكون من أصل الكلمة ويصح الاستغناء عنها كما هو الحال في رواية الديوان، فجاء فيها: المخترقْ.

ينظر: شرح ديوان رؤبة بن العجاج، ط. مجمع اللغة العربية (1/4).

أما النون المذكورة في أبيات الأخفش فهي نون النسوة زيدت لمعنى لا يصح الاستغناء عنه فالأولى: أربعْنَ، والثانية: يفزعْنَ، والثالثة: تُمْنعْنَ.

التنبيه (24):

ذكر الأخفش في الباب السابق الضروب الشعرية التي تستعمل بحرف الردف ولا يكون في آخرها ساكنان [فاعْ /00] التي تسمى المترادف، فقال عن بحر الطويل ص (109): (فعولن) في الطويل لابد فيها من حرف لين.

التعليق:

لم يذكر من أضرب الطويل الثلاثة إلا هذا الضرب في استعمال الردف فيه، وتتميمًا لاستعمالات بحر الطويل في الردف بالمد أو اللين أقول: إن الضرب (مفاعلن) في الطويل، يستعمل مردوفًا أيضًا كـ(فعولن) إذا وصل بالهاء وحرف الخروج، كقولك: جلود، صعود، شهيد، عبيد، فتدخل على الكلمات الهاء والخروج فتقول: جلوده، صعوده، شهيده، عبيده، أو جلودها، صعودها، شهيدها، عبيدها.

وزِنَة هذه الكلمات في الميزان العروضي: مفاعلن. والروي الدال، والياء والواو ردف، والهاء وصل والكسرة التي على الهاء والألف بعد الهاء في (شهيدهِ) و(شهيدها) خروج.

فهذه صورة يستعمل فيها الضرب (مفاعلن) مردوفًا بالمد أو اللين.

وقد جاء في الشعر القديم من ذلك قول امرئ القيس:

أرى إبلي والحمدُ لله أصبحتْ ثِقالاً إذا ما استقْبلتها صعُودُها

رعتْ بحيالِ ابنيْ زُهيْرٍ كِلَيهما معاشيبَ حتى ضاق عنها جلودُها

ينظر: ديوانه، من زيادات نسخة السكري، ط. المعارف ص (347).

ويستعمل هذا الضرب (مفاعلن) في الطويل مؤسَّسًا وهو كثير، ومجرَّدًا من التأسيس والردف.

ثانيًا: (مفاعيلن) في الردف: ولم يذكر الأخفش استعمالات الضرب [مفاعيلن] في الطويل، وهو يستعمل مردوفًا أيضا مثل مفاعلن، وفعولن، فها هو امرؤ القيس يقول:

لقد دمعتْ عينانَ في القرِّ القَيْظِ
وهل تدمع العينان إلا من الغَيْظِ ؟!

فلما رأيت الشرَّ ليس ببارحٍ
دعوتُ لنفسي عند ذلك بالفَيْظِ

ينظر: ديوانه، زيادات نسخة أبي سهل، ط. المعارف ص (357).

وقوله من قصيدته الشهيرة:

ألا عمْ صباحًا أيها الطللُ البالي وهل يعمنْ من كان في العُصُر الخالي ؟!

ويستعمل مجردًا من الردف كقول طرفة بن العبد:

أبا منذرٍ كانت غرورًا صحيفتي ولم أعطكم بالطوعِ مالي/ ولا عِرْضي

فيخلص من هذا: أن ضروب بحر الطويل الثلاثة تستعمل قافيتها مردوفة بالمد أو اللين، وبعبارة أخرى: الضرب (مفاعلن) يستعمل مردوفًا ومؤسسًا ومجردًا من الردف والتأسيس، ومثله الضرب (مفاعيلن) في الطويل، ويختص الضرب الثالث (فعولن) في الطويل بالردف لا غير.

ولا أحب أن أسمي ما قلته استدراكًا؛ لأن هذا ليس بخافٍ على الأخفش.

والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.


[1] قال (جميل بثينة ت82هـ) من قصيدة له منتخبة:

سَبَتْني بعَيْنَيْ جُؤْذُرٍ وسْطَ رَبْرَبٍ، وصَدرٍ كفاثورِ اللُّجَيْنِ وجِيدُ

يقولون: جاهدْ يا جميلُ بغزوةٍ وأيُّ جهادٍ غيرهنَّ أُريدُ

لكلِّ حديثٍ بينهنَّ بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ بينهنَّ شهيدُ

والجُؤْذُر كفُعْلُل بضمتين بين سكون: ولد البقرة الوحشية كالمها ويدل عليه إضافته للعين، والجؤذر: تشبه به المرأة جميلة العين، فيقولون: عيون المها. كما قال علي بن الجهم، وعين جؤذر. أي ظبي. جمعه ظِبَاء.

وفاثور اللجين: طِسْتٌ (إناء كبير) أو خِوان من فضة، وبعضهم يتخذه من الرخام. وقد شبه جميل صدر المرأة بإناء من فضة لبرق بياض صدرها.

وسط ربرب: أي هذه العين في وسط وجه ربرب (ظبي).

ورفع الجيد هنا متكلف له في الإعراب فقد جاء في حاشية المنتخب من أدب العرب (2/140): وهو بالرفع على أنه مبتدأ خبره (لها) محذوف.

ولا أرى ما قيل في الحاشية يتجه، فنسبة جميل إلى الإقواء في البيت أفضل من هذا الذي غير منتظم في المعنى؛ إذ يقال: أسرني بكذا. فيتعدى للمفعول الثاني بالباء. فالياء في أسرني مفعول به، والفاعل (هي) المضمر وكذا: سبتني. التقدير هي. فإن تعدى بالباء بعد ذلك قيل: سبتني بكذا. كما قال الشاعر سبتني بعين جؤذر.

فالمعنى لقد سبتني (أسرتني) هذه المرأة بثلاث خِلال:

1-بعيني جؤذر. و 2- صدرٍ. و 3- جيدِ.

هكذا أرى توجيه بيت جميل، ومجرى روي هذه القصيدة الضم، كسره في هذه الموضع (جيدِ) وبه نقوِّي الشاعر في هذه القصيدة (ننسبه إلى الإقواء)، وقد ذكر الأخفش في قوافيه أن الإقواء لا يخلو من قصيدة عن العرب

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى