الإدارة

الشبكات غير الربحية: طريقة جديدة للنمو

  • مارثا لاغاس
  • ترجمة: سارة رزيق
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: حنان عاطف

كيف يمكن للمنظمات غير الربحية زيادة تأثيرها الاجتماعي؟

سيقول الكثير أنها بحاجة إلى أن تنمو بشكل كبير لتكون قوية، وبدلاً من ذلك، تقول أستاذة HBS جين وي سكيليرن، يمكن أن يكون الجواب في قوة الشبكات الاستراتيجية.

سواء كانت مهمتها حماية الحياة البرية، أو مساعدة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، أو تقديم إعانات مادية في البلدان النامية، فغالبًا ما تعتقد المنظمات غير الربحية أنها تحتاج إلى النمو بشكل أوسع قبل أن تتمكن من تحقيق تأثير اجتماعي أكبر.

وتستكشف جين وي سكيليرن – أستاذة في كلية هارفرد للإقتصاد – شيئًا مختلفًا: حيث تشير أبحاثها إلى أن وجود دوافع أقوى لزيادة التأثير الاجتماعي غير الربحي قد يكون عبر التركيز على بناء شبكة علاقات مع مجموعات ذات تفكير مشابه، أو حتى مع المنافسين.
وتتعمد المنظمات الفريدة من نوعها مثل “Guide Dogsوهي منظمة لرعاية المكفوفين، والمصرف العالمي للمرأة (الذي يمنح القروض الصغيرة) استخدام استراتيجية الشبكات، لاكتشاف قدرتها على خدمة المزيد من الناس بشكل أكثر فعالية.

تقول وي سكيلرن: “أنا مهتمة بالشبكات عالية الأداء، وفَهم كيفية إنشاء هذه الشبكات وإدارتها”. إن منهجية “بناء الشبكات” كاستراتيجية إدارة رشيدة للمنظمات غير الربحية لا تزال غير شائعة نسبيًا. في كثيرٍ من الأحيان، قد تنخرط منظمة في شراكة في مرحلةٍ ما، أو أن تصبح عضوًا في منظمة جامعة، لكن في الحقيقة إن منهجية بناء الشبكات لا تلعب دورًا حاسمًا في العمليات اليومية، كنشاط أساسي للأعمال الرئيسية للمنظمات غير الربحية”

في حوار على “شبكات من أجل التأثير الاجتماعي” ناقشت وي سكيلرن نتائجها مع أساتذة وباحثين آخرين، في ندوة كلية HBS للمؤسسات الاجتماعية، وقد ربط عملها الأخير بين أبحاثها على مدار السنوات القليلة الماضية في HBS، وبين النمو غير الربحي والمنظمات غير الربحية متعددة الأنشطة والمواقع.

على الرغم من أن سياسة بناء الشبكات ليست جديدة من الناحية العملية، وهي في الواقع شائعة جدًا في كل من القطاعين غير الربحي والقطاع التجاري؛ تؤكد وي سكيلرن إن مسألة كيفية إنشاء هذه الشبكات لا تزال غير معروفة نسبيًا. قليل من الناس يفهمون المبادئ الأساسية الخاصة بكيفية إنشاء وبناء والحفاظ على علاقات فعالة مع المنظمات التي تشاركك نفس الأفكار والمهام، لتحقيق أهداف اجتماعية بشكل أفضل.

نصَّ بحث سابق تم إعداده مع الزملاء حول النمو، إن النمو ليس بالضرورة أن يُترجم إلى خلق قيمة اجتماعية وتأثير أكبر. واستنادًا إلى المقابلات والمسح الذي أجري على قادة مؤسسات غير ربحية، أشار المديرون غالبًا إلى تفضيل النمو من خلال التفريع، أي إنشاء فروع أخرى من المؤسسة في أكثر من موقع، والحفاظ على السيطرة المركزية والملكية للوحدات الجديدة.

ولكن ما وجدته وي سكيلرن وزملاؤها الباحثون هو أن النمو لا يأتي دائمًا بالفوائد التي كانت تتوقعها المنظمات. على سبيل المثال، توقعت العديد من المنظمات أن يكون جمع التبرعات أسهل بمجرد زيادة حجمها. في الواقع، لم يكن جمع التبرعات أسهل بالضرورة مع زيادة النمو التنظيمي، وذلك بسبب التكاليف الجديدة اللازمة لإدارة وتنسيق العمليات عبر مواقع متعددة، وتحتاج إلى عدد موظفين أكبر.

انتقل بحث وي سكيلرن حول النمو غير الربحي إلى التركيز على المنظمات غير الربحية متعددة المواقع، ومزايا وعيوب مختلف الهياكل متعددة المواقع. وتقول سكيلرن: “قررت أن أركز على قطاع واحد للتحكم في التباين الواسع في المهام والأنشطة التي تركز عليها المنظمات غير الربحية. بالإضافة إلى ذلك، كان لدي اهتمام بمنظمات الحفاظ على البيئة ووجدت أن الأهداف الاجتماعية لهذه المنظمات تؤدي تدريجيا إلى ضرورة إنشاء هياكل متعددة المواقع”، وأوضحت وي سكيلرن بعد ذلك أنها ضيقت تركيزها على دراسة حركة Audubon على وجه التحديد.

“إن حركة Audubon مثيرة للاهتمام من حيث إنها في الواقع مجموعة من أنواع مختلفة من المنظمات التي تتقاسم مهمة حماية الطيور والبيئة، من خلال الدعم والتعليم والحفاظ على الأراضي، وعلى الرغم من أن هذه المنظمات تشترك في نفس المهمة، إلا أنها تتابع مهامها من خلال مختلف الهياكل التنظيمية.”

تشرح وي سكيلرن إن جمعية Audubon الوطنية في الولايات المتحدة هي عبارة عن شبكة من المنظمات، بعضها مملوكة للشركات وبعضها ذات فروع مستقلة، أو كان لها أقسام مستقلة وأصبحت مملوكة من طرف الحركة الوطنية. في المقابل، فإن بعض الولايات الأمريكية، مثل نيو هامبشاير وماساتشوستس، لديها منظمات Audubon مستقلة تمامًا، أكبرها هي جمعية Massachusetts Audubon، وMass Audubon for short والتي تحافظ على ثلاثة وأربعين أرضا للحياة البرية.

 

منهجية بناء الشبكات كاستراتيجية إدارة رشيدة للمنظمات غير الربحية لا تزال غير شائعة نسبيًا

لاحظت وي سكيلرن كيف أن كل وحدة من فروع  Audubon تعمل بشكل مستقل تمامًا. حاول مدير تنفيذي جديد مواءمة الوحدات بشكل أفضل على أساس يومي، من خلال إنشاء هيكل إقليمي جديد ومتطلبات إعداد تقارير إضافية.

أعجبت “وي سكيلرن” بالإدارة الجديدة وتأثير التغييرات الهيكلية المفرزة، إلا أنها اعتقدت أن النظام الجديد لم يستفد بشكل كامل من القيمة المحتملة للعلاقات الحالية والجديدة بين الموظفين، والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى مزيد من التماسك والالتحام بين جميع أفرع المنظمة، والأهم من ذلك توليد قدرة أقوى على أداء المهام.

 

ما هي الشبكات وكيف تعمل؟

ترى وي سكيلرن أن الثقة هي جوهر الشبكات. تشير كلمة الشبكة بين الباحثين الأكاديميين إلى مجموعة من الجهات الفاعلة والعلاقات بينها. لقد وثق بحث سابق أن الشبكات شائعة جدًا في الصناعات الحرفية (مثل البناء ونشر الكتب)، والمناطق الصناعية (المنسوجات الألمانية والسلع الاستهلاكية الإيطالية والآلات الهندسية)، والتكنولوجيا عالية الأداء (استخراج النفط والمواد الكيميائية والأدوية) .

المنظمات الشبكية حسب العديد من العلماء تشترك في ثلاث خصائص، وفقًا لـ وي سكيلرن هذه الخصائص هي:

1- يفضل أن يناقش الطرفان المشكلة والعمل عليها بدلاً من مجرد التخلي عن العلاقة الجامعة.

2- وجود مستوى عالٍ من الثقة.

3- يتشاركون ويساعدون بعضهم البعض: عملا بقاعدة “المعاملة بالمثل”.

تشمل فوائد الشبكات التي وثقها الباحثون: التعلم المتبادل، تعزيز الشرعية ووضع الأعضاء، القوة الاقتصادية،  وتعزيز القدرة على الإدارة والتعامل مع حالة عدم اليقين. وقالت إن عمل المنظمات غير الربحية يفضي بدرجة أكبر إلى أشكال المنظمات الشبكية، لأن القضايا التي تحاول هذه المنظمات حلها هي مشاكل كبيرة ومعقدة ولا يمكن أن يقوم بها كيان واحد. ونظرًا لأن المنظمات تسعى إلى خلق قيمة ومكانة اجتماعية، وليس فقط قيمة تنظيمية؛ فإنها تعمل على نشر هياكل الحوكمة، والاعتماد على الخبرات والمعرفة الضمنية، كما أنها تواجه صعوبة في قياس الأداء، وتعتمد بشدة على الثقة والعلاقات لإنجاز أعمالها.

 

شبكتان فعالتان

تقول وي سكيلرن أن هناك منظمتان تعتمدان استخدام استراتيجية “الشبكات الرشيدة” وقد كان ذلك وسيلة قوية لإنجاز المهام، حيث قامت منظمتا:  Guide Dogs لرعاية المكفوفين والمصرف العالمي للمرأة “برفع الموارد إلى ما هو أبعد من حدودهما التنظيمية لتحقيق التأثير الاجتماعي، والاضطلاع بمهامهما التنظيمية، وفي الوقت نفسه بناء قدرة أكبر داخل قطاعاتهما”.

 

لقد مكنتها سياسة الشبكات من رؤية الصورة من زاوية أكبر.

تُعد منظمة Guide Dogs لرعاية المكفوفين، ومقرها في المملكة المتحدة، أكبر رابطة لمربي ومدربي الكلاب في العالم. أدركت المديرة التنفيذية، جيرالدين بيكوك، أن القطاع الذي كان من المفترض أن يقدم الخدمات إلى ضعاف البصر لا يعمل بشكل جيد. فقررت رفع قدرات المنظمة بطرق مختلفة.

أولاً، قامت بتجريد العمليات التي كانت المنظمة مسؤولة عنها، مثل تشغيل الفنادق وبرمجة العطلات للمكفوفين. “لقد بحثت عن شركاء لديهم القدرة على تحمل ملكية هذه البرامج ومواصلة تشغيلها. وكان العقد أنه إذا لم يتم الحفاظ على جودة عالية، فإن المنظمة ستتحكم مرة أخرى في هذه الأصول”. في الوقت نفسه، لم تحتفظ الجمعية بأي سيطرة مباشرة أو مشاركة في أي أرباح يمكن إنشاؤها من خلال هذه الكيانات.

تتشارك المنظمة أيضًا مع الحكومات المحلية التي تتحمل مسؤولية عامة عن خدمات مثل التدريب على التنقل، ومهارات المعيشة المستقلة، ومهارات الاتصال، لتحسين الخدمات المقدمة للمجتمعات و للمكفوفين خاصة. قالت بيكوك أن المنظمة كانت على استعداد للقيام بمهمة المساعدة في التنقل لأن ذلك كان مجال خبرتها؛ حيث تقدم خدمات التنقل مباشرة أو تدفع منظمات غير ربحية أخرى للقيام بذلك. وفقًا لـ بيكوك، فقد كان من المهم توفير الخدمات، سواء كانت من قِبل الحكومة أو منظمات غير ربحية “منافسة”، طالما أنها تُقدم بجودة عالية. في المقابل، فإن الحكومة بحاجة إلى إعادة تخصيص الأموال الممنوحة للتنقل نحو الخدمات الأخرى المقدمة للأشخاص ضعاف البصر “والتي لم توفي بها”، كما ذكرت سكيلرن.

“ما أرادت القيام به وفق خطط مدروسة هو بناء القدرات داخل القطاع. من الناحية التاريخية، كانت المنظمات المختلفة في قطاع رعاية ضعاف البصر ينظرون إلى بعضهم البعض كمنافسين أكثر من كونهم شركاء، وكان الأشخاص الذين يعانون من هذه المنافسة هم ضعاف البصر. كانت هناك ازدواجية كبيرة في الخدمات في بعض المناطق، وفجوات كبيرة في مناطق أخرى، وإهدار للموارد.

لقد رفعت “بيكوك” قدرة المؤسسات الخيرية الخاصة بالإعاقات البصرية من خلال إنشاء منظمة شاملة، لها جدول أعمال موحد، ولها اتجاه واحد في القضايا المهمة. ولكن المؤسسات المشاركة لا تزال تحتفظ بعلاماتها التجارية الخاصة، وجمع التبرعات الخاصة بها، وتزاول عملها بشكل مستقل.”

وأضافت سكيلرن: ” لقد مكنتها سياسة الشبكات من رؤية الصورة من زاوية أكبر”. “إن ما يلفت الانتباه في نموذج مؤسسة Guide Dogs هو أن بيكوك سعت إلى إنشاء شبكات مع مجموعة من المنظمات الأخرى، لم تكن تسعى لتنمية منظمتها بشكل أكبر لتنفيذ مهمتها. لقد رأت أن هناك بالفعل منافسين سابقين يقدمون نفس الخدمات بنفس المستوى أو بجودة أفضل، لذلك قررت أن تستثمر فيهم، وعملت جنبا إلى جنب مع الوكالات الحكومية، لأن ذلك كان آلية لجلب موارد أكبر لخدمة مجتمعها دون الاضطرار إلى جلب الموارد من خلال جمع التبرعات. لقد قررت بيكوك العمل على مستوى القطاع بشكل عام بدلاً من التركيز على منظمتها الخاصة فقط .”

من ناحيةٍ أخرى، تستخدم منظمة المصرف العالمي للمرأة – ومقرها في نيويورك – “استراتيجية الشبكة” في عملها. عندما تولت إدارتها نانسي باري (الحاصلة علىMBA at Harvard Business School, in 1975 :) في عام 1990؛ خدمت المنظمة ما يقرب من 50000 شخص بخدمات التمويل الصغرى. بعد عشر سنوات، باتت المنظمة تخدم حوالي 10 ملايين شخص عبر شبكاتها المتعددة، بميزانية عالمية لا تقل عن 10 ملايين دولار.

رأت باري أن النمو لا يجب أن يكون من خلال نموذج المحاور والمتحدث التقليدي، ولكن عبر الاستثمار في الشركات التابعة والزميلة التي بدأت محليًا وكانت منظمات مستقلة. تقول سكيلرن إنها أرادت بناء ثقافة تخص الجودة والمساءلة، والحصول على المزيد من الخدمات للسكان بهذه الطريقة.

تضم الشبكة الآن مقدمي الخدمات المباشرين، والمؤسسات المالية المنظمة، وعدد من مؤسسات التمويل الصغرى الأخرى. كانت طريقتها بسيطة: تطوير عملية بناء التوافق حول معايير الجودة التي ستعتمد. تقول سكيليرن في هذا السياق؛ كانت هذه المعايير تحدد الحد الأدنى من الجودة المطلوبة، وفي الواقع يمكن لأي “عضو” في الشبكة أن يكون “مستاء” إذا فشل في الالتزام بالقواعد والممارسات، وكانت تطبق هذه المعايير من خلال مراقبة الأقران.

في الختام تقول سكيلرن أن هذا البحث قد يساعد المديرين الذين يحاولون خلق قيمة اجتماعية من خلال مؤسساتهم، وكذلك الممولين “الذين يقودون بالتأكيد الكثير من الحملات داخل القطاع”. التفكير في إنشاء وإدارة الشبكات قد يساعدهم على التركيز على قضيتهم الاجتماعية بطريقة ريادية للغاية، بدلاً من التفكير في تحديات الإدارة على المستوى التنظيمي، يجب على القادة التفكير في أفضل طريقة لتعبئة الموارد داخل وخارج حدود المنظمة لتحقيق أهدافهم الاجتماعية.

تخطط سكيلرن لمواصلة بحثها ودراستها عن “الشبكات” عبر فحص كيفية إنشاء وبناء شبكات غير ربحية فعالة مجتمعيا.
ومن بين الأسئلة التي ستجيب عليها: كيف يتم إنشاء الشبكات داخل المنظمة وبين المنظمات، وما هي الهياكل التي تتخذها، وما هي الجهات الميسرة لعملهم وماهي الحواجز والعراقيل الممكنة؟ وكيف تتم إدارتها من حيث معايير الأداء، وأنظمة المساءلة، والحوكمة؟ وكيف يمكن أن تغير الشبكات طريقة تفكير أعضاء مجلس الإدارة في أدوارهم؟ وأخيرًا، ما الشروط التي تجعل منهجية الشبكات أكثر قابلية للتطبيق من غيرها؟ وختمت قائلة: “قد تكون سياسة بناء الشبكات طريقة قيّمة للغاية في القطاع غير الربحي، والذي غالبًا ما يتم تجاهله.”*


  • للاطلاع على مزيدٍ من المعلومات حول الحوكمة الرشيدة، والمنظمات غير الربحية؛ انظر: “الحوكمة الرشيدة في المنظمات غير الربحية بأدوات التقنية” لهدى الميداني، على منصة “مزن” لتقنية القطاع غير الربحي

أعجبني المقال

المصدر
hbs.edu

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى