عام

جائزة نوبل والتفوق العلمي لليهود!

أحب أن ألفت هنا الانتباه إلى موضوعٍ مهمٍّ، ألا وهو (أثر البيئة في التفوق العلمي)، لأنَّ بعضهم يكثر استخدام موضوع التفوق العلمي أو العقلي “كحججٍ” على تفوق العنصر، وهي في الحقيقة من قبيل المغالطات. فالاستدلال على تفوق جنسٍ بذاته وتخلف آخر بذاته من خلال تميز علمي أو مادي مرحلي –له أسبابه التفسريَّة وسياقته الاجتماعيَّة- هو في الحقيقة استدلال بشواهد زائفة شعبويَّة عنصريَّة ساذجة وليست معايير علمية.

ومن تلك المغالطات الرائجة في العقود المتأخرة، الزعم بتخلف جنس العرب أو المسلمين مقابل تفوق جنس اليهود، مستخدمين معيارًا ليس علميًا من قبيل: الاستشهاد بتفوق اليهود العلمي من خلال عدد الجوائز العلمية التي حصلوا عليها، مثل (nobel) الشهيرة. فقد قيل إنَّه على الأقل 20% من الحاصلين على جوائز نوبل هم من يهود، رغم أن عدد اليهود لا يزيد على 0.2% من سكان العالم. ولا شك أن هذه نسبة عالية جدًا، وتدل في هذا العصر الحالي أنَّ الوسط العلمي الذي يعيش فيه كثير من اليهود هو وسطٌ علمي ومتقدم.

وبعيدًا عن محاججة تسيس الجائزة وملابساتها، فإن مثل هذه الحسابات السطحية المغلوطة، تتجاهل الأسباب الحقيقية لمثل تلك الظواهر، التي ترجع في حقيقة الأمر إلى عوامل متعددة ومنها: البيئة والسلطة، وغيرهما، وتنسب التفوق للأصول العرقية والجنسية العنصرية لبعض الشعوب دون بقية الشعوب الأخرى.

أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي  (419-462 هـ)، قد قسَّم  أمم الأرض إلى عدة أجناس، ثم صنف هذه الأمم على طبقتين: الطبقة الأولى: الأمم التي لها عناية بالعلم وصدرت عنها فنون المعارف. أما الطبقة الثانية: فهي الأمم التي لم تعن بالعلم عناية كافية لتصبح من أهله ويستحق أن تلقب به.

وبعد أن عدد صاعد الأندلسي الأمم التي لها عناية بالعلم بأي درجة كانت، جاء إلى الأمة الثامنة، وهم اليهود (بنو إسرائيل)، وجعلهم من الأمم التي لم تظفر بالعناية بالفلسفة لاشتغالهم وانشغالهم بشرائع التوراة وتراجم أنبيائهم ورسولهم، وأن قلة قليلة من علماء اليهود اهتموا بفروع الفلسفة. وعنه كرر حاجي خليفة هذا الكلام في كتابه (كشف الظنون).

يقول الباحث الغربي اليهودي تشارلز مانكين، وهو من المختصين بالدراسات اليهودية: “على الرغم من أن صاعدًا وضع هذا التعليق في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، إلا أنه يمثل توصيفًًا دقيقًًا للنشاط الفكري اليهودي في عالم الإسلام”. ويؤكد الباحث اليهودي تشارلز مانكين، أنَّ العلوم والفلسفة شكلت جزءًا صغيرًا من هذا النشاط اليهودي. ويعلل تشارلز مانكين هذا القصور ويرده إلى أنَّ علماء اليهود، على عكس نظرائهم من المسيحيين والمسلمين، لم يتوفر لديهم الاعتماد على الدعم المؤسسي أو الرعاية الحكومية.

ويبين الباحث تشارلز مانكين، أنَّ الكتب التي ألفها اليهود في العلوم والفلسفة قليلة، وأنها وجدت حيثما وجد اليهود في مراكز الحضارة والعلم، خصوصًا في مثل: الأندلس، وشمال أفريقيا، والعراق، واليمن.

ولهذا يفهم كيف كان جمهور اليهود في تلك العصور الممتدة والطويلة يعزفون عن دراسة ومطالعة العلوم والفلسفة التي ألَّفها غيرهم من المسلمين والمسيحيين، بل إنَّهم يعزفون عن مطالعة من شذَّ منهم في دراسته لتلك العلوم، وألَّف فيها مستفيدًا من علوم المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الأمم. ولهذا يقول الحاخام يوسف بن كاسبي: “اليهود اليوم يتركون كتاب (دلالة الحائرين)، بينما النصارى يجلونه، وأقام المسلمون في فاس وغيرها مدارس ليعلم فيها الكتاب”.

بل إنَّ اليهود وقفوا في فترة من عصورهم ضد أحد كبار علمائهم وهو موسى بن ميمون القرطبي، صاحب كتاب (دلالة الحائرين)، بسبب اشتغاله بمثل تلك العلوم وتأليفه فيها، وما حصل له حصل لغيره من علماء اليهود المشتغلين بالعلوم “الحكمية”، وغيرها من العلوم البعيدة عن التلمود والتوراة. وقد كان موقف التلمود اليهودي من العلوم الفلسفيَّة شديدًا وصارمًا، فقد جاء فيه: “ملعون الإنسان الذي يربي خنازير، وملعون ذاك الذي يُعلم ابنه الفلسفة اليونانية“.

ولذلك، على المثقف والمتعلم أن يتجنب مثل تلك الأحكام التعسفيَّّة والسطحية والاختزالية والعنصرية، التي تستشهد بالمغالطات وتتجنب عمدًا الأسلوب العلمي في تحليل مثل هذه الظواهر المعقدة التي تنشأ في محيط مركب من العوامل المختلفة والمتعددة.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى