عام

تمكين المرأة بين الادعاء والحقيقة

  • أم خالد
  • ترجمة: سارة عبد المنعم
  • تحرير: بلال الخصاونة

لدينا في مجتمع المسلمين الغربي بعض الأصوات -سواء في العالم الافتراضي أو الواقعي- التي تقدم أطروحات بشأن المرأة المسلمة، رغم أن هذه الأصوات ناشئة عن نية حسنة لكنها تظل مجرد ترهات لا أكثر. إنها تقدم أفكاراً تخدم من يظنون أنهم يردون عليهم من المعادين للإسلام.

يتجلى هذا النمط من التفكير في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فبعدما رأى بعض الرجال المسلمين النظرة السلبية التي يُنظر بها للمرأة المسلمة في المجتمع الغربي، جاء رد فعلهم على هيئة حركة مناهضة للصورة التقليدية السائدة عن المرأة.

كيف حاولوا القيام بذلك؟

لقد سلطوا الضوء على صورة النساء العاملات المسلمات، وقدموا هذا المشهد كدليل ضد تلك الصورة التقليدية؛ رافعين شعار: “انظروا! المرأة المسلمة ليست مضطهدة”.

وهذا عين الامتهان!

إذن، ما الخلل في هذا الأسلوب؟

الخلل هو أنها معركة خاسرة! حين نحاول إثبات مكانة النساء المسلمات بالاستدلال بوجودهن بحجابهن في العديد من المجالات العلمية والتقنية= إنه استدلال عقيم يقوم على مقدمة فاسدة!

بداية، طريقة التفكير هذه لن تقنع أعداءك الذين تحكمهم الأيديولوجية أبدا! فما داموا مقتنعين بأن الإسلام يضطهد النساء، فإن إبراز صور لمهندسات ورياضيات مسلمات لن يغير من الأمر شيئا. إن كراهيتهم للإسلام متأصلة فيهم، وبالتأكيد بضعة صور هنا وهناك لن تجتث تلك الكراهية من نفوسهم. لذا سيظلون على ما هم عليه. وستكون حجتهم بكل ببساطة: “حسنا، حسنا، قد لا تكون هؤلاء النسوة تحديدا يتعرضن للاضطهاد، لكن غيرهن مما لا يحصى يتعرضن، الحجاب بحد ذاته صورة من صور القمع. الإسلام قائم على التمييز بين الجنسين، لذا فهو ذكوري، يضطهد النساء”.

ولهذا، فإن عرض تلك المشاهد الجذابة لعالمات محجبات لن يجدي في معالجة الادعاء الأساسي.

ثانيا، إن هذه الاستراتيجية تتعاطى مع الأمر بانهزامية، إنها بمثابة إذعان لسلطة الثقافة الغالبة؛ فعندما حاولت التحول عن طرف، جنحت إلى طرف آخر.

إن تسليط الضوء على المرأة العاملة المستقلة وكأن هذه هي صورة التمكين المثالية= يزعزع الجانب الآخر، حيث الأم والزوجة التي تَقَرُّ في بيتها تُقِيمه وتصلحه. إنها عِماد البيت، ثم المجتمع تباعاً. إن المجتمع الصالح يتشكل من أُسرٍ صالحة في مساكنها نساء عزيزات صالحات. إنها مرفأ السكن الذي يرخي ظلاله على أفراد العائلة لينشؤوا نشأة مطمئنة. وإن غياب هذه المرأة عن المنزل وتخليها عن دورها الهام الذي تقوم به، سيُحدث صدعاً يستحيل رأبُه.

بالنظر للتاريخ؛ فيمكنننا أن نؤرخ لبدء انهيار الأسر ببدء مزاحمة المرأة في سوق العمل. إننا ندّعي الجهل بهذه الحقائق عندما نتبنى استراتيجية إبراز صور النساء العاملات بُغية تقرير تمكين الإسلام للمرأة.

ثالثًا، تعتبر استراتيجية إبراز النساء المسلمات في المجال العام أمرًا مثيرًا لسخرية أي شخص اطلع على تاريخ الاحتلال في العالم الإسلامي. لقد ثبت أن الحجاب وقرار المسلمات في منزلهن في الجزائر يشكلان عقبة أمام القوى الاستعمارية الفرنسية. وصف فرانز فانون -الطبيب النفسي والمفكر المناهض للاستعمار المولود في مارتينيك- عقيدة الاستعمار الفرنسي على النحو التالي:

“إذا أردنا تدمير بنية المجتمع الجزائري، وقدرته على المقاومة، فعلينا قبل كل شيء إخضاع النساء. يجب أن نذهب ونبحث عنهن خلف جلابيبهن المُسدلة عليهن حيث يختبئن، وفي المنازل حيث يصونهن رجالهن بعيداً عن الأنظار”.(1)

بينما يصر العلمانيون على أن تكون المرأة متاحة وظاهرة دائما في العلن، يحفظ الإسلام على المرأة خصوصيتها وشرفها عن طريق حمايتها من أنظار الرجال الغرباء، وتجنب الاختلاط بين الجنسين، وعدم جعلها متاحة بسهولة في المجال العام؛ وهذا من جماليات الإسلام ومراعاته نقاء قلوب الأفراد، وسلامة المجتمع بشكل عام. وبدلا من هذا فإن ما يحدث هو نشر صور النساء المسلمات على وسائل التواصل الاجتماعي، فيتمكن آلاف الرجال الغرباء من مشاهدة صورهن، والتحديق في وجوههن متى شاءوا. هذه صفاقة!

رابعًا، هذه الطريقة في إظهار تمكين المرأة المسلمة من خلال إبرازها على أنها تقوم “بأشياء عظيمة” في مجالات العلوم والتكنولوجية والهندسة والرياضيات تنم عن عقدة نقص؛ حيث يتبنى مروجو هذه الصورة رُؤىً غير مستمدة من الوحي، ويتخذونها كمُسلّمات؛ وبدلاً من التشكيك في المعايير التي وضعها الطرف الآخر، يحاولون – ببساطة- الإذعان لها.

 إن الجانب الآخر، الذي يتبناه غير المسلمين وكارهو الإسلام ينبني على مجموعة افتراضات محددة:

  1. يجب أن تعمل المرأة وتحصل على المال لكي يتم اعتبارها “ناجحة” و”مفيدة للمجتمع” و”تسهم في جعل المجتمع أفضل”.
  2. يجب تشجيع النساء على اقتحام المهن المرموقة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والتي يهيمن عليها الرجال.
  3. يجب أن تقوم المرأة بنفس العمل الذي يقوم به الرجل بنفس الطريقة لكي يُنظر إليها على أنها “متمكنة” و”متحررة”.
  4. كلما ارتقت المرأة في سلم الشركات وكلما حصلت على درجات تعليمية أكثر، كانت أفضل حالًا.

إن كل هذه المقدمات الخاطئة لا تلزمنا كمسلمين؛ فنحن لا نتبنى هذه الآراء ولا نذعن لها، ولسنا مضطرين لذلك.

نحن كمسلمين نؤمن بالقيم السامية التي أنزلها الله لنا بخصوص الجنسين وأدوار كلٍّ منهما، وطبيعتيهما، وكيف يعملان معا ويكمل كلاهما الآخر من أجل رقيّ المجتمع والإنسانية.

إن ما نؤمن به انطلاقا من روح الإسلام يتلخص في التالي:

1- هناك أساليب أخرى للعمل جليلة القيمة ولا يمكن أبدا الاستغناء عنها، أساليب ليس لها علاقة براتب من صاحب العمل. إن تسليط الضوء على العمل [بصورته الرأسمالية] بصفته دليلاً على التمكين والنجاح هو ببساطة إذعان للادعاء المُضل أن المهنة هي التمكين. لماذا يجب أن نقبل هذا بشكل أعمى بينما العديد من النساء في عالم الشركات يبدين استياءً شديدا من حياتهن؟ لماذا يجب أن نُسَلّم بهذا في حين جميع البيانات تثبت أن النساء في الغرب أصبحن أقل سعادة كلما أصبحن أكثر “تمكينا” على حد قولهم؟

2- إن اضطرت المرأة إلى العمل خارج المنزل -إما بسبب الحاجة المالية أو ظروف أخرى ملحة- فلماذا نفترض أن وظائف العلوم الهندسة والتكنولوجيا والرياضيات هي الأفضل لها؟ ليس من الحكمة دفع النساء لاقتحام المجالات التي يهيمن عليها الذكور كمحاولة للبرهنة على تمكينهن، إنها ردة فعل! غالبًا ما تتطلب هذه المجالات التنافسية أن تمضي النساء سنوات عديدة في الدراسة للحصول على شهادات عليا. وبعد ذلك، فإن الوظائف نفسها لا تؤدي دائمًا إلى أفضل توازن بين الحياة الشخصية والحياة المهنية، لذا فهي تزعزع اتزان الأسرة المسلمة. في كثير من الحالات، يتعين على المرأة المسلمة التضحية بالأسرة كلها من أجل إحراز التقدم في وظائف مثل: العلوم والهندسة والتكنولوجيا والرياضيات.

3- إن الفكرة التي تزعم بأن المرأة يجب أن تثبت جدارتها من خلال السعي جاهدة للتنافس مع الرجال والتغلب عليهم في ملعبهم هي مجرد فكرة بائسة. تدفع النسوية المرأة إلى محاولة أن تكون مثل الرجل، ودخول نفس المجالات، والعمل لساعات طويلة، والحصول على نفس المستوى من الاختلاط، وتُغرر بهن حين تمنيهن بأن المرأة ستحقق نفس النتيجة التي يحققها الرجل. إن للرجل والمرأة طبائع مختلفة وكذلك احتياجات كلٍّ منهما، لذا فإن محاولة ملاحقة الرجال في مجالاتهم بُغية إثبات أنها تقدر وتستطيع، لن يجلب السعادة الحقيقة للمرأة. وبحلول الوقت الذي تنكشف فيه عبثية التنافس مع الرجال في مجالاتهم، يكون قد فات الأوان للتراجع والاستدراك والقيام بذلك بشكل مختلف، يكون قد أُغلق المنفذ الذي كان بشأنه أن يضمن للمرأة السعادة الحقيقة؛ الأطفال والأسرة الهانئة المستقرة. حينها يكون قد قُضي الأمر، وولى زمن الاستدراك.

4- تميل النساء الطالبات الحريصات على مستقبلهن المهني إلى الاهتمام بالمستقبل المهني على حساب الأسرة. تعِد النسوية النساء وتمنيهن بالقيام بكل شيء والحصول على كل شيء؛ يمكنهن تسلق سلم الشركة والحصول على العديد من درجات الدكتوراه بينما يكون لديهن أيضاً زوج وعائلة وأطفال. إن هذا محض خيال لا يحدث على أرض الواقع. إن عدداً لا يُحصى من النساء العاملات في المهن المرموقة يعشن حياة أسرية واجتماعية مختلة، وذلك لأنهن يضعن المهنة في المرتبة الأولى، أما الأسرة فتحصل على فتات الوقت والاهتمام. حتى النساء اللواتي لسن محاميات بارزات أو لديهن وظائف أخرى تتطلب متطلبات غير معتادة، تكشف الإحصائيات أن صحتهن العقلية تعاني من الضغط المستمر نتيجةَ الانجراف في العديد من الاتجاهات المختلفة. إنهن غير قادرات على التركيز بشكل كامل على حياتهن المهنية و أيضًا غير قادرات على تكريس أنفسهن بشكل كامل للمنزل أو الأسرة أو الأطفال، لذا فهن يعانين من اكتئابٍ يغمرهن وقلقٍ مزمن. إنهن يحاولن فعل كل شيء، ولكنهن ببساطة لا يستطعن ذلك، ويرهقن أنفسهن جرّاء ذلك.

أحقا هذا ما نريده لأخواتنا؟ في حين أن الإسلام شرع لنا الأمثل!

إلى معادي الإسلام الزاعمين أن النساء المسلمات مضطهدات: نحن بوضوح لا نحتاج إلى المشاركة في لعبتكم والانسياق وراء ثقافتكم. يمكننا كمسلمين قلب الطاولة عليهم، ونجيبهم: في الواقع، إن النساء الغربيات هن اللاتي يعانين من أعلى مستويات الاستياء والاكتئاب على الرغم من “تمكينهن” المفترض في الحياة. فبدلاً من القلق بشأن النساء المسلمات، أقبل على شأنك، وأصلحه أولاً. وإذا كنت بحاجة إلى أي نصائح منا نحن المسلمين، فسنكون سعداء لمساعدتك!

اقرأ ايضاً: عمل المرأة: لماذا أصبح ضرورة؟


(1) Frantz Fanon, A Dying Colonization, Translated by Haakon Chevalier; GROVE PRESS New York, p.38.

أعجبني المقال

المصدر
muslimskeptic

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى