الدين

ليلة الشَّرف الأسمى!

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر:1-5].

إذا كانتْ أيَّامُ رَمَضَانَ ولَيَالِيه مَيْدانًا للبَاقِيَاتِ الصَّالحات، ومِضْمَارًا لاستباق الخيرات، يتنافَسُ فيهِ المتنافِسون، ويجتهد فيه الـمُخْبِتون، فإنَّ آمالَ المتنافسين المجتهدين تَرْنُو إلى مطلبٍ عزيز، وغايةٍ عُظمى، ومَطمَعٍ كبير، أَلَا وهو إدراكُ هذهِ اللَّيْلة العظيمة المباركة، التي أُنزل فيها هذا الكتابُ العظيم المبارك، والليلةِ التي تجري فيها أقلامُ القضاءِ بإسعادِ السُّعَداءِ، وشَقَاوَةِ الأَشْقِياءِ، وبرِفعة منازل الأبرار، وخَفْضِ درجات الفُجَّار، كما قال سبحانه:

(حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)) [الدخان: ١ -6].

قال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة وغيرهم: إن الليلة المباركة التي أُنْزِل فيها القرآن هي ليلةُ القَدْر.

وهي الليلة التي (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٤]؛ أي: تُكتب مقاديرُ الخلائقِ في ذلك العام؛ من سعادةٍ، وشقاوة، ورزق، وحياة، وموت، وغير ذلك[1].

وقد روى عبد الرزاق في تفسيره هذا المعنى عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم بأسانيد صحيحة[2].

وقال النووي رحمه الله[3]: «قال الْعُلَمَاءُ: وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ لِمَا يُكْتَبُ فِيهَا لِلْمَلَائِكَةِ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَقَوْلِهِ تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [القدر: ٤]».

وعلى هذا المعنى: فإنَّ القَدْرُ-بسكون الدال- هو كالقَدَر -بفتح الدال– كما ذكر الجوهري في الصحاح[4]، فيجوز فيها الضَّبْطَانِ.

وقيل في بيان المراد بالقَدْر أقوالٌ أخرى متعدِّدةٌ، منها:

التَّعظيم؛ كقوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الأنعام: 91]، والمعنى: أنها ذاتُ قَدْرٍ؛ إما لنزول القرآن فيها، أو لما يكون فيها من تنزُّلِ الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة لمن قامها[5]؛ كما في الصحيحين[6] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» أو لما يحصل لـمُحْيِيها بالعبادة من القَدْرِ العظيم[7].

– وقيل: القَدْرُ هنا هو: التَّضْييق؛ كقوله تعالى:(لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) [الطلاق: ٧].

والمراد بالتَّضْييق: إخفاءُ العلم بتعيينها، أو لأنَّ الأرض تَضِيقُ فيها عن الملائكة؛ لما يكونون عليه من الكثرة[8].

وقد كان الأمرُ بتحرِّي هذه الليلة المباركة، والحثُّ على الْتِمَاسها، من الأدلة أيضًا- على فضل منزلتها؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه[9] عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: «تَـحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، وأخرج البخاري أيضًا نحوَه عن ابن عباس رضي الله عنهما[10].

وجاء في بعض روايات الحديث: الأمرُ بالْتِمَاسها في السَّبْعِ الأواخر؛ فقد أخرج البخاري في صحيحه[11] من طريق الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه؛ أنَّ أُنَاسًا أُرُوا ليلةَ القدر في السبع الأواخر، وأنَّ أُناسًا أُرُوا أنها في العشر الأواخر، فقال النبيُّ ﷺ: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». قال الحافظ في فتح الباري: «وكأنَّه نظر إلى المتفق عليه من الروايتين فأمر به»[12]. انتهى كلامه.

وذكر الحافظ العراقي -رحمه الله- أنه لا يُعلم الآنَ قائلٌ بانحصارها في السبع الأواخر[13].

• وقد كان تحديدُ هذه اللَّيْلَة مما أعلمَ اللهُ به رسولَه ﷺ ، ثم أُنْسِيَه بعدُ؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «اِعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُها أَوْ نُسِّيتُهَا- فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ…» الحديث[14].

• وقد ثبت في صحيح البخاري[15] أيضًا بيانُ سبب ذلك، وهو ما وقع من تلاحي رجلين من المسلمين –أي: تنازعهما وخصومتهما- فعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: خرج النبي ﷺ لِيُخبِرَنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ؛ فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالخَامِسَةِ».

ووقع في حديثٍ آخرَ سببٌ آخرُ للنسيان؛ ففي صحيح مسلم[16] من طريق أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أُرِيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنُسِّيتُهَا؛ فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الغَوَابِرِ».

ويمكن الجمع بينهما –كما قال الحافظ ابن حجر[17] -: «بأَنْ يُحمَل على التعدُّد؛ بأن تكون الرؤيا في حديث أبي هريرة منامًا، فيكون سبب النسيان الإيقاظ، وأن تكون الرؤية في حديث غيره في اليقظة، فيكون سببُ النسيان ما ذُكر من المخاصمة. أو يُحمَل على اتِّحاد القصة، ويكون النسيان وقع مرتين عن سببين. ويحتمل أن يكون المعنى: أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرجلين، فقمت لِأَحْجُزَ بينهما، فنسيتها؛ للاشتغال بهما. وقد روى عبد الرزاق من مُرسَلِ سعيد بن المسيب أنه قال: «أَلَا أُخْبِرُكُم بليلةِ القَدْرِ؟» قالوا: بلى. فسكت ساعةً ثم قال: «لقد قلتُ لكم وأنا أعلمها ثم أُنسيتها». فلم يذكر سبب النسيان، وهو مما يقوي الحمل على التَّعَدُّد» انتهى.

والحمل على تعدُّد الواقعة أحد طرق الجمع بين الحديثين المتعارضين، كما هو مقرَّرٌ في علم مختلف الحديث، وبه يرتفع الإشكال، ويندفع التعارض وتتفق السنن الثابتة ولا تفترق.

والمراد بقوله ﷺ: «فرُفِعَتْ»؛ أي: من قَلْبِه ، فنسي تعيينها بسبب الاشتغال بالمتخاصمَين[18]، وقيل في معناها أقوال أُخَر:

منها: أن المعنى: فرُفعت بركَتُها في تلك السنة[19].

ومنها: أن التَّاء في قوله: «رُفِعَتْ» للملائكة، لا لليلة القدر[20].

والأول أَوْلَى؛ لدلالة الأدلة عليه، وبه بوَّب الإمام البخاري رحمه الله، فقال: «بابُ رَفْعِ معرفة ليلة القَدْر؛ لتلاحي النَّاس»[21].

• وإذا تقرَّر أنَّ المراد رَفْعُ العِلم بتعيين وقتها؛ فإنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ أُعلِم بعد ذلك بتعيينها، ويدلُّ له ما ذكره البخاري رحمه الله في ترجمة «باب فضل ليلة القدر»، عن سفيان بن عيينة -رحمه الله- أنه قال: «مَا كَانَ فِي القُرْآنِ: (مَا أَدْرَاكَ) فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ) فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ»[22].

وقد وَصَلَ هذا التَّعليقَ محمد بن يحيى بن أبي عمر في كتاب «الإيمان»[23].

• وأما قوله ﷺ: «فالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالخَامِسَةِ»؛ فإمَّا أن يكون المرادُ بالتاسعة: تاسعَ ليلة مَضَتْ من العشر الأواخر، وهي ليلة تسع وعشرين.

وإمَّا أن يكون المرادُ: تاسعَ ليلةٍ تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين، بحسب تمام الشهر أو نُقصَانه.

وكِلَا المعنَيَيْنِ مما يحتمله اللفظ، لكن يُرَجِّحُ الاحتمالَ الأوَّلَ ما جاء في روايةٍ للبخاري في كتاب الإيمان من جامعه الصحيح[24] بلفظ: «اِلْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ، وَالتِّسْعِ، والخَمْسِ» يعني: في سبع وعشرين، وتسع وعشرين، وخمس وعشرين.

وأمَّا الحكمةُ مِن رَفْعِ العلم بوقت هذه الليلة، فقد ذكر بعض أهل العلم أن الله تعالى أخفى هذه الليلة عن عباده؛ لئلَّا يتَّكِلوا على فضلها، ويُقَصِّروا في غيرها، فأراد منهم الجدَّ في العمل أبدًا، فلا ينقطعَ منهم الإحسانُ والمراقبةُ، ولا ينقطعَ منه الإكرام والإنعام والتطوُّلَ([25]).

ولعل هذا هو بعض ما أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله في رفع العلم بوقتها: «وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ»[26].

وبه يُعلمُ أنَّ إخفاء ليلة القدر لم يكن شرًّا نزل بالأمة كما قد يظنُّه بعض الناس، بل فيه مصالحُ ومنافع للناس وخيرٌ كثيرٌ لهم.

• وقد كانت لأهل العلم –مع ذلك– أقوالٌ كثيرةٌ في تحديد ليلة القدر، أَوْرَدَ منها بعضُ شُرَّاحِ الحديث سبعةً وأربعينَ قولًا، ولكنَّ أرجحَ هذه الأقوال كلِّها -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر رحمهما الله-: أنها في أوتار العشر الأواخر، وأنَّ أرجاها عند جمهور أهل العلم ليلةُ سبعٍ وعشرينَ[27].

وقد جزم أُبَيُّ بنُ كعبٍ رضي الله عنه بذلك، وحلف عليه، كما أخرج مسلم في صحيحه[28] عنه رضي الله عنه أنه قال: «وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».

وأخرج مسلم أيضًا في صحيحه[29] من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: تَذَاكَرْنَا ليلةَ القَدْر عند رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: «أيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ القَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ؟» قال أبو الحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين؛ فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة[30].

وفي صحيح مسلم[31] –أيضًا- عن ابن عمر-رضي الله عنهما- أنه قال: «رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فقال النبيُّ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَاطْلُبُوهَا فِي الوِتْرِ مِنْهَا».

وأخرج أحمد في مسنده[32] عن ابن عمر –أيضًا- مرفوعًا: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَها؛ فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».

ولأبي داود[33] عن معاوية رضي الله عنه مرفوعًا: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» ، وللطبراني في الأوسط عن جابر بن سَمُرة نحوه([34].

وأخرج الطبراني[35] من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: «أيُّكُمْ يَذْكُرُ الصَّهْبَاوَاتِ؟» قُلْتُ: أَنَا. وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.

وقد رواه ابن أبي شيبة عن جماعة من الصحابة منهم عمر وحذيفة رضي الله عنهما[36].

وقد استنبط بعضُ أهل العلم تحديدَها بليلة سبع وعشرين: بأنَّ ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أُعيدت في السورة ثلاثَ مرَّاتٍ، فذلك سبع وعشرون[37].

ولا حاجة لهذا مع وجود النصوص الصحيحة الصريحة في ذلك.

• وقد وردت لِلَيْلَةِ القدر علاماتٌ تُعْرَف بها، وأكثرها لا يظهر إلَّا بعد انقضائها.

° فمن ذلك: ما تقدَّم في صحيح مسلم[38]، عن أبي بن كعب رضي الله عنه: « وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا ».

وفي رواية لأحمد في مسنده[39]، وأبي داود في سننه[40] عن أبي بن كعب رضي الله عنه: «وَآيَةُ ذَلِكَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَتِها مِثْلَ الطَّسْتِ، لَا شُعَاعَ لَهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ».

وأخرج أحمد في مسنده[41] عن ابن مسعود رضي الله عنه : «تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدَاةَ إذٍ صَافِيةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ».

° ومن ذلك: ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه[42]، والطيالسي في مسنده[43] بإسناد صحيح، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبيَّ ﷺ قال: «لَيْلَةُ القَدْرِ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً».

° ومن ذلك: ما أخرجه الطبراني[44].بإسنادٍ حسن، عن واثلةَ بنِ الأَسْقَعِ رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، لَا يُرمَى فِيهَا بِنَجْمٍ» ومعنى «بَلْجَة»؛ أي: مضيئة.

° ومن ذلك: ما أخرجه أحمد في مسنده[45] عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعًا:

«إنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ القَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ، سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى يُصْبَحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَها أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَـهَا شُعَاعٌ، مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ». وفي إسناده انقطاع. لكن يشهد له ما تقدَّم من الأخبار الصحيحة.

° ومن ذلك: ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه[46] عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا –في ليلة القدر-: «هِيَ لَيْلَةٌ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمْرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، وَلَا يَخْرُجُ شَيْطَانُـهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا».

وأخرج ابن خزيمةَ –أيضًا- في صحيحه[47] من طريق قتادةَ، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «وَإِنَّ الـمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ فِي الأَرْضِ مِنْ عَدَدِ الحَصَى».

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضَّحَّاكِ: «يَقْبَلُ اللهُ التَّوْبَةَ فِيهَا مِنْ كُلِّ تَائِبٍ، وَتُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَهِيَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا»[48].

• على أنَّ هناك جملةً من العلامات التي يتناقلها ويَلْهَجُ بها بعضُ الناس، ولم يَصِحَّ منها شيءٌ، ولم يَثبُتْ فيها خبرٌ.

° فمن ذلك: ما ذكره ابن جرير الطبري -رحمه الله- عن قومٍ: أنَّ الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها. وأن كلَّ شيء يَسجدُ فيها[49].

° وما رواه البيهقي في فضائل الأوقات عن عبدة بن أبي لبابة؛ أنه سمع أبا لبابة يقول: إن المياه المالحة تَعْذُب تلك الليلة[50].

° وما ذُكِرَ أنَّ الكلاب لا يُسمَع لها نُبَاحٌ ليلتَها.

° وأنَّ الأنْوارَ تكون في كلِّ مكان حتى ما أظلمَ منها.

° وكذلك ما قيل: إنَّ الناس يسمعون التسليم فيها.

وكلُّ ذلك مما لا يصحُّ فيه شيءٌ، بل يَدفعَهُ الحسُّ ويُكذِّبُه.

لكن لا يمتنع أن يَـمُنَّ اللهُ على بعض عباده بما شاء من ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية[51] رحمه الله: «وقد يكشفها اللهُ لبعض الناس في المنام أو اليقظة؛ فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يُفتَح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر. والله تعالى أعلم»

• ويُسَنُّ إحياءُ هذه الليلة بألوان القُرُباتِ عمومًا، وبالدعاء والقيام خصوصًا؛ فعن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[52].

• وتحصلُ فضيلةُ القيام بقيام غالب الليل، وبقيام جُزءٍ ولو يسيرًا منه، وبصلاة العشاء والفجر في جماعة؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه[53]  عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ».

ورواه أبو داود[54] بلفظ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ».

وعند التِّرمذيِّ[55]: «مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ».

ولا يُشتَرَط لحصول ثواب إحياء هذه الليلة معرفتُه بها، بل لو قامها وهو غيرُ عارفٍ بها، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه؛ إذ المعوَّل عليه هو الاجتهادُ والإخلاصُ في العبادة، والدُّعاءُ والاستغفارُ، والتضرُّعُ والإلحاحُ، وصِدقُ التوجُّهِ.

ولا يعارِضُ هذا ما جاء في روايةٍ لمسلم في صحيحه بلفظ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ فَيُوَافِقَهَا…»[56]؛ فإنَّ المراد بقوله ﷺ: «فَيُوَافِقَهَا» هو -كما قال الحافظ أبو زرعة العراقي- «أنْ يكون الواقع أنَّ تلك الليلة التي قامها بقصدِ ليلةِ القدر، هي ليلةُ القَدْر في نفس الأمر وإنْ لم يعلم هو ذلك»[57].

والمرادُ بالذنوب: الصَّغائرُ منها دون الكبائر، كما سبق؛ فإنَّ مذهب أهل السنة أن الكبائر لا تُكَفِّرُها إلَّا التوبةُ النَّصوح.

ومما يدلُّ لذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه[58] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الْـخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِـمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجتَنَبَ الْكَبَائِرَ».

ويتأكَّدُ استحبابُ الدُّعاءِ والاجتهادُ فيه في هذه الليلة. ومن أشهر الدعاءِ في ذلك: ما أخرجه أحمد[59]، والترمذي[60]، وابن ماجه[61] بأسانيدهم عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ علمتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدْر: ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». وإسنادُهُ صحيحٌ.

فاللَّهُمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ، فاعفُ عنَّا؛ اللهمَّ آمينَ-


[1] – انظر: جامع البيان، للطبري (3/190)، (21/6)، الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب (10/6719).

[2] – انظر: تفسير عبد الرزاق (3/180)، فتح الباري (4/255).

[3] – شرح النووي على مسلم (8/57).

[4] – انظر: الصحاح، مادة (قدر)، (3/786).

[5] – انظر: فتح الباري (4/255).

[6] – صحيح البخاري (1901، 2014)، وصحيح مسلم (760).

[7] – انظر: فتح الباري (4/255).

[8] – انظر: فتح الباري (4/255).

[9] – صحيح البخاري (2017).

[10] – انظر: صحيح البخاري (2021).

[11] – صحيح البخاري (6991).

[12] – فتح الباري (4/256).

[13] – انظر: طرح التثريب (4/151).

[14] – أخرجه البخاري (2016).

[15] – صحيح البخاري (2023).

[16] – صحيح مسلم (1166).

[17] – فتح الباري (4/268).

[18] – انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (2/322).

[19] – انظر: فتح الباري، لابن حجر (4/268).

[20] – انظر: فتح الباري، لابن حجر (4/268).

[21] – صحيح البخاري (3/ 47).

[22] – صحيح البخاري (3/45).

[23] – انظر: عمدة القاري (11/130).

[24] – صحيح البخاري (49).

[25] – انظر: طرح التثريب (4/158).

[26] – صحيح البخاري (2023).

[27] – انظر: فتح الباري (4/260)، مختصر الفتاوى المصرية، (ص85).

[28] – صحيح مسلم (762).

[29] – صحيح مسلم (1170).

[30] – انظر: فتح الباري (4/260).

[31] – انظر: صحيح مسلم (1165).

[32] – مسند أحمد (4808).

[33] – سنن أبي داود (1386).

[34] – انظر: فتح الباري (4/265).

[35] – المعجم الكبير (10289).

[36] – انظر: مصنف ابن أبي شيبة (8667، 9514).

[37] – انظر: فتح الباري (4/265).

[38] – صحيح مسلم (762).

[39] – مسند أحمد (21209).

[40] – سنن أبي داود (1378).

[41] – مسند أحمد (3857).

[42] – صحيح ابن خزيمة (2192).

[43] – مسند أبي داود الطيالسي (2802).

[44] – مسند الشاميين (3389).

[45] – مسند أحمد (22765).

[46] – صحيح ابن خزيمة (2190).

[47] – صحيح ابن خزيمة (2194).

[48] – انظر: فتح الباري (4/260).

[49] – انظر: فتح الباري (4/260).

[50] – انظر: فتح الباري (4/260).

[51] – الفتاوى الكبرى (2/476).

[52] – أخرجه البخاري (1901، 2014)، ومسلم (760).

[53] – صحيح مسلم (656).

[54] – سنن أبي داود (555).

[55] – سنن الترمذي (221).

[56] – صحيح مسلم (760).

[57] – طرح التثريب (4/164).

[58] – صحيح مسلم (233).

[59] – مسند أحمد (25384).

[60] – سنن الترمذي (3513).

[61] – سنن ابن ماجه (3850).

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى