الفلسفة

ماذا يعني نيتشه عندما يقول إنَّ الإله قد مَات؟

تفسير لهذه الأحجية الفلسفية الشهيرة.

  • إمريس ويستاكوت
  • ترجمة: نورة صالح
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: سهام سايح

“موتُ الإله!” بالألمانية (Gott ist tot!). هذه العبارة مرتبطة بنيتشه أكثر من أيّ عبارة أخرى، إلاّ أنّه ثمة مفارقة وهي: أنّ نيتشه لم يكن أول من استعمل هذا التعبير، بل أوّل من استعمله هو الكاتب الألماني هينريك هاين (الذي يفضِّله نيتشه). ولكن نيتشه هو الذي اضطلع بمهمة التحليل الفلسفي للتحوُّل الدرامي الثقافي الذي تصفه عبارة “موت الإله”.

تظهر العبارة لأوّل مرة في بداية الكتاب الثالث من العلم المرح (1882)، بعد البداية بقليل أصبح “موت الإله” هو الفكرة الرئيسية في الحكمة رقم (125) بعنوان المجنون/الأخرق، التي تبدأ بـ :

“ألمْ تسمع بذلك المجنون الذي أوقد مصباحه في ساعات الصباح الباكر وركض إلى السُوق صارخًا:

“أين الإله! أين ذهب الإله!”.

ولمّا كان العديد ممّن لا يؤمنون بالإله واقفين هناك، فقد أثار ضحكًا كثيرًا.

قال أحدهم: هل فقدناه؟ وقال آخر: هل تاه كالطفل؟ أم اختبأ في مكانٍ ما؟ أهو خائفٌ منا؟ أم ذهب في رحلة؟ أم هاجر؟…هكذا كانوا يصيحون ويتضاحكون.

قفز الرجل المجنون إلى وسطهم ورمقهم بعينيه وصاح قائلًا “أين الإله!…”

“سأخبركم: لقد قتلناه…أنا وأنت… جميعنا قتلناه. لكن كيف فعلنا ذلك؟ كيف لنا شرب البحر؟ من أعطانا الإسفنجة التي محونا بها الأفق بأكمله؟ ماذا سيحلُّ بنا بعدما حرَّرنا هذه الأرض من شمسها؟ إلى أين تتجه الآن؟ أبعيدًا عن كل الشُموس؟ أليس الأمر كما لو أنّنا نغُوص باستمرار؟ في الخلف، في الجانب، في الأمام، في كل الاتجاهات؟ ألاَ يزال هناك أعلى وأسفل؟  ألسنا تائهين كما لو كُنّا في عَدمٍ مُطلق؟ ألاَ نشعر بوحشة الخَواء؟ ألم يصبح الجو أبرد؟ ألم يصبح الليل أطول وأحلك؟ ألاَ نحتاج إلى ما يُضيء لنا الصباح؟ ألا نسمع شيئًا من ضجيج حُفَّار القبور الذين يدفنون الإله؟ ألا نشمُّ الآن شيئًا من رائحة التحلُّل الإلهي؟ فالآلهة أيضا تتحلَّل. لقد مات الإله، ولازال كذلك، ونحن الذين قتلناه!”.

يواصل المجنون حديثه قائلًا:

“لم يكُن هناك من قبل فِعلَةٌ أعظم من تلك، وأيًا كان من سيولد بعدنا فإنّه -بمقتضى هذه الفعلة- سينتمي إلى تاريخ أسمى من التاريخ كله حتى الآن”، كان من حوله يُحدِّقون إليه دون أن يفهموا،

اختتم كلامه قائلًا:

“لقد أتيتُ مبكرًا جدًا… لا يزال هذا الحدث الضخم في طريقه، لم يطرق سمع البشر بعد. البرق والرعد يتطلبان وقتًا، ضوء النجوم يتطلب وقتًا؛ ومع ذلك، فأيًا ما كان قد أُنجز، فإنّه يتطلب وقتًا ليُرى ويُسمع. وإنّ هذه الفِعلة لا تزال بعيدة عنهم بُعْد النجوم بل أشدُّ، ومع ذلك فهُم من فعلها”.

 

ماذا يعني كل هذا؟

النقطة الأولى الواضحة من عبارة “الإله مات” أنّها متناقضة. فالإله -بحكم تعريفه- أزليٌّ وأبدي وله مُطلق القدرة، فهو حيٌّ لا يموت. إذًا ما معنى أنّ الإله “مات”؟ هذه الفكرة لها عدَّة مستويات من التفسير.

 

كيف للدين أن يفقد مكانته في ثقافتنا؟

المعنى الأوضح والأهم هو ببساطة: أنّ الدين عمومًا -والمسيحية خصوصًا- في تراجُع مستمر في الحضارة الغربية، إذ إنّه يخسر -أوقد خسِر بالفعل- المكانة الرئيسية التي تمتع بها في الألفي عام الماضية. وهذا صحيح في كل ميدان: في السياسة والفلسفة والعلوم، والأدب، والفن والموسيقى، والتعليم، والحياة اليومية، والحياة الروحية الداخلية للأفراد.

ربَّما يعترض شخص ما قائلًا: ولكن بالتأكيد ما يزال هناك الملايين من المتديِّنين حول العالم -وفي الغرب نفسه- وهذا صحيح، ولكن ليس هذا ما أنكره نيتشه. إنّه يشير إلى اتجاهٍ مستمرٍ وكلامه يدلُّ على أنّ غالبية الناس لم يفهموه بعد، إلاَّ أنّه اتجاهٌ لا يمكن إنكاره.

في الماضي، كان الدين محور ثقافتنا. فأعظم المقطوعات الموسيقية -مثل قُدَّاس باخ في بي ماينور- كان الدين مصدر إلهامها، وأعظم عملٍ فني في عصر النهضة مثل لوحة العشاء الأخير لـ ليوناردو دافنشي كانت تتناول مواضيع دينية. والعلماء النابغين مثل كوبرنيكوس، وديكارت، ونيوتن، كانوا متدينين. كما كان لفكرة الإله دورًا أساسيًا في فكر الفلاسفة مثل توما الإكويني، وديكارت، وبيركيلي، وليبينز. وكانت الكنيسة متحكِّمة بكل أنظمة التعليم، والغالبية العظمى من الناس عُمِّدوا وتزوجوا ودُفنوا بإشراف الكنيسة، وكانوا يرتادون الكنيسة بانتظامٍ طِوال حياتهم.

أمّا الآن فقد تغيَّر كلُّ هذا، فقد تراجعت نسب الحضور إلى الكنيسة في أغلب دول الغرب إلى العشرات والآحاد بعدما كانت تقدَّر بالآلاف، فالعديد من الناس الآن يفَضلون الاحتفالات والمناسبات العلمانية مقطوعة الصلة بالدين في أعياد الميلاد، والزواج، والموت، وحتى بين المفكرين والعلماء، والفلاسفة، والكتاب، والفنانين، فإنّ المعتقد الديني ليس له أيُّ دور أو تأثير يُذكر.

 

لماذا مات الإله؟

إذن هذا هو المعنى الأول والأساسي الذي يقصده نيتشه من وراء عبارته، فإنّ العلمانية تتغلغل في ثقافتنا أكثر فأكثر، وليس من الصعب معرفة السبب. قدَّمت الثورة العلمية التي انطلقت في القرن السادس عشر طريقةً لفهم الظواهر الطبيعية أثبتت بوضوح أنّها أقوى وأفضل من مُحاولة فهم الطبيعة بالرجوع إلى المبادئ الدينية أو الكُتب المقدَّسة، وبلغ هذا التوجُّه ذروته مع دخول عصر التنوير في القرن الثامن عشر ممَّا عزَّز فكرة أنّ معتقداتنا يجب أن تتأسس على العقل والأدلة [المادية] وليس الكتب المقدسة والتعاليم الدينية. ومع بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، فإنّ القوة التكنولوجية المتزايدة التي أطلقها العلم منحت الناس شعورًا بتحكُّم أكبر في الطبيعة، فإنّ الشعور بالضآلة تحت رحمة القِوى الغامضة كان له دورٌ مهمٌ في تمزيق المعتقد الديني.

 

معاني أخرى ل “موت الإله”

كما أوضح نيتشه في أقسام أخرى من كتاب “العلم المرح“، فإنّ ادعاءه بأن الإله قد مات لا يتعلق بالمعتقد الديني فقط. فمن وجهة نظره أن قدرًا كبيرًا من طريقة تفكيرنا المُعتادة تحمل في طياتها عناصر دينية لا نُدركها. فعلى سبيل المثال، من السهل جدًا التحدث عن الطبيعة كما لو أنها مُوَجَّهة أو غائية، وإذا قلنا أنّ الكون آلة عظيمة، فإن هذا التشبيه يستلزم أنّ هناك من صمّم هذه الآلة. ولعل الأهم من هذا كله هو افتراضنا أنّ هناك ما يسمَّى بالحقيقة الموضوعية -أي الطريقة التي سيبدو بها العالم من “وجهة نظر الإله”- ولسنا نقول أنّها إحدى وجُهات النظر من بين العديد من المقاربات الأخرى، بل وجهة النظر الصحيحة الوحيدة. بالنسبة لنيتشه، فإنّ كل المعرفة تنطلق من وجهة نظر محدودة وقاصرة.

 

تداعيات موت الإله

لآلاف السنين، كانت فِكرة الإله (أو الآلهة) هي الأساس الذي تتّكئُ عليه نظرتنا إلى العالم، وقد كانت لتلك الفكرة أهمية خاصة لكونها أساس الأخلاق. فالمبادئ الأخلاقية التي نلتزمها مثل (لا تقتل، لا تسرق، ساعد المحتاجين… إلخ) كانت تقف على أرضية صلبة هي سُلطة الدين، كما قدَّم الدين الدافع للتمسك بهذه القواعد منذ أن أخبرنا أنّ للفضيلة ثواب وعلى الرذيلة عقاب.

 

ماذا يحدث عندما تهدم هذا الأساس؟

يبدو أنّ نيتشه يعتقد أن ردة الفعل الأولى ستكون مُربكةً ومرعبة، فقَسم “المجنون” المذكور آنفا مليء بالأسئلة المخيفة. إنّ الانحدار إلى الفوضى ليس إلاَّ أحد الاحتمالات. ورغم أنّ نيتشه يرى في موت الإله خطرًا كبيرًا، إلاَّ أنه في الوقت نفسه يرى فيه فرصةً عظيمةً، حيث يتيح لنا المجال لبناء “قائمة قيم جديدة” تعبِّر عن محبَّة جديدة لهذا العالم وهذه الحياة.  إنّ أحد اعتراضات نيتشه الرئيسية على المسيحية هي أنّ النظر إلى هذه الحياة على أنّها ليست إلاّ إعداد للحياة بعد الموت =يقلل من قيمة الحياة نفسها. وهكذا، بعد القلق الشديد والحيرة البادية في الكتاب الثالث، يأتي الكتاب الرابع ليقدِّم بقوة نظرةً جديدة تدفع للتمسك بهذه الحياة.

اقرأ ايضاً: مَدخل إلى فهم الإله الفلسفي أو في شَطبِ إله العَدميين


مصدر الصورة:

Friedrich Nietzsche. Photograph from the series „Der kranke Nietzsche“ (“The ill Nietzsche”) by Hans Olde, between June and August 1899. Original at Goethe- und Schiller-Archiv Weimar, signature GSA 101/37. Wikimedia

المصدر
thoughtco

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق