عام

نظام الملك الطوسي مرحلة تاريخية فارقة؟

يُمكن اعتبار الوزير نظام الملك الطوسي (485هـ) رحمه الله، أحد أهم الشخصيات القوية، وأشهر الوزراء في الدولة السلجوقيَّة، وشخصية ذات رؤية استراتيجيَّة واعية، أتت في مرحلة مفصليَّة وحرجة من مراحل تطور المذهب الأشعري وتثبيت مكانته. فقد وجد في المذهب الأشعري في الأصول، والشافعي في الفروع، بغيته الدينية والسياسية في مواجهة خصومه.

وكان من أهم وأخطر أعماله في ترسيخ قدم المذهب (الأشعري في الاعتقاد/والشافعي في الفقه)، هو قيامه بمأسسة (Institutionalization) مشروعٍ ضخمٍ يضمن انتشار وترسيخ المذهب، في مقابل ضمور غيره من المذاهب تدريجيًا. هذا المشروع الضخم هو بناء وتأسيس ونشر الجامعات النظاميَّة، المعروفة تاريخيًّا بـ: (المدارس النظامية)، في أهم العواصم والمدن الفاعلة، والتي بدأت في منتصف القرن الخامس الهجري.

ومن الإجحاف اليوم تسميتها بالمدارس، بل هي في الحقيقة جامعات مرموقة متكاملة النظام الإداري والتعليمي واللوجستي، وكانت من أشهر الجامعات (المدارس) التي كانت معروفة في العالم الإسلامي، بل والحضارة الإسلاميَّة، بل كانت أكبر جامعات في ذلك الوقت في العالم كله.

وقد تم افتتاح أكبرها في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، في سنة (459هـ)، وكان يُدرِّس بها كبار العلماء، ومن أشهر الذين درَّسوا فيها الغزالي (505هـ). كما أنَّ بها مكتبة ضخمة وكبيرة تحتوي على آلاف الكتب والمراجع النفسية. ومما يُميز هذه المدرسة أنها أول مدرسة أعطت الطلاب مرتبات يتقاضونها مقابل تفرغهم للدراسة (التفرغ العلمي الكامل للدراسة=منحة دراسة كاملة)، وكذلك كانت تلك المدارس تُوفر لهم السكن والإعاشة وما يحتاجونه، وباختصار كانت هي حلم أي أستاذ أو طالب في سائر أنحاء العالم الإسلامي.

وقد ظلت هذه المدارس العديدة، وأكبرها مدرسة بغداد، فاعلة في استقطاب العلماء والطلاب من أنحاء العالم الإسلامي، ونشطة في تغيير المناخ العقدي والفقهي في طبقة العلماء والمثقفين لعقود طويلة. وحين جاء الغزو المغولي في عام (656هـ) تعرضت هذه المدرسة لما تعرضت له مدينة بغداد أثناء الغزو المغولي، فقد احترقت بعض أبنيتها، وتعطلت الدراسة فيها سنة (656هـ)، لكن حاكم العراق، بالنيابة عن السلطات المغولية في إيران، وهو الوزير ملك عطا الجويني، وهو فارسي سني، قام بتجديدها وعمارة ما قد احترق منها، فعاودت المدرسة نشاطها في سنة (657هـ)، وقيل سنة (658هـ).  وتؤكد كتب التاريخ المعاصرة لتلك الأحداث أنَّ المدرسة حَفِلت سريعًا بالنشاط والتدريس، حيث استُدعي لها بعض المدرسين المتميزين في سنة (658هـ)، وكذلك في سنة (665هـ). وكان للمدرسة تفاعل علمي واجتماعي بمحيطها، كما كانت مكتبتها تُزود بالكتب الثمينة كل فترة، ومن ذلك ما تم تزويدها بها من كتب سنة (674هـ). وقد استطاعت هذه المدرسة أن تستمر في عطائها سنين طويلة بعد كارثة المغول، فقد ذكر الرحالة ابن بطوطة أنه حين قَدِمَ بغداد سنة (727هـ) زار المدرسة النظاميَّة، وأعجب بحسنها وعظمتها. لكنها بعد ذلك بفترة زمنية تلاشت واندثرت، وانتقلت قوة زخم المدارس الأشعرية، بطبيعة حال النـزوح الحاصل بعد الغزو المغولي، من المشرق إلى المغرب، في بلاد الشام ومصر على وجه التحديد.

ولمكانة النظاميَّة والهدف من تأسيسها، ولأهمية الانضمام إليها، فإنه لم يكن يُعيَّن بها إلا بمرسوم من السلاطين أو الوزراء. وكان يُدرس فيها بالدرجة الأولى الفقه وأصول الفقه، كما كان أيضًا يُدرس فيها علم الكلام وغيره ذلك من العلوم الشرعية. والأمر الذي يحسن الإشارة له هنا هو: أنَّ المصادر أكدت أنَّ مؤسس هذه المدارس، وهو الوزير نظام الملك الطوسي، كان يتعصب للشافعية ضد المذاهب الأخرى وخصوصًا الحنفية، وأنَّ هذه المدرسة العريقة إنما تم إنشاؤها لتدريس المذهب الشافعي في الفروع، والمذهب الأشعري في الأصول، بل نصَّ مؤسسها في كتاب شرطها، أنَّها موقوفة على الشافعية والأشعريَّة حصرًا، كما اشترط أن يكون الموظف بها، كالمدرس والمعيد والواعظ وأمين المكتبة ونحو ذلك، شافعيًا في فروعه أشعريًا في أصوله.

وباستعراض أسماء الكتب التي جَمَعَها المستشرق الألماني هاينريش فيرديناند فوستنفيلد، من كتاب (طبقات الشافعية) للشيخ تقي الدين أبي بكر بن أحمد الأسدي الدمشقي المعروف بابن قاضي شهبة، والتي كانت عبارة عن مناهج دراسية كانت تُدرس في المدرسة النِظاميَّة في الفقه وأصول الفقه وعلم الكلام، يمكن بوضوح ملاحظة أنها كانت كتب شافعية في الفقه وأصوله، وكتب أشعرية في أصول الدين.

وقد كان يُعرض على غير واحدٍ من العلماء والطلاب تغيير مذهبهم مقابل تعيـينهم في منصب مرموق في إحدى هذه المدارس. وفي الحقيقة، لم يكن من المستغرب أن يحرص الطلاب والعلماء في أنحاء العالم الإسلامية على الانتماء إلى المدارس النظاميَّة تلك الجامعة العريقة، فالانتماء لها يُعد مفخرة ومطلب لأي عالم، وذلك لأسبابٍ كثيرة؛ علمية ومادية، كل ذلك جعلها مُقَدَّمة على غيرها من المدارس. بل وصل الحد في الرغبة في الانضمام ونيل شرف الانتساب إلى هذه المدارس أن يُغيَّر الشيخ والطالب مذهبه كي ينضم إليها، تغيّرًا حقيقيًا أو تظاهرًا بذلك.

ومن الأمثلة على ذلك، المبارك بن سعيد الدَّهَّان النَّحْويَُ (612هـ)، حيث كان حنفي المذهب فانتقل إلى المذهب الشافعي، من أجل أن تنطبق عليه شروط الوقف، فيصح أن يُدَرِّس في المدرسة النظاميَّة. كذلك، وهذا ما يظهر، أنَّ الفقيه والأصولي والمتكلم الحنفي الماتريدي عمر بن محمد الخبازي الخجندي الحنفي (691هـ)، حين قَدِمَ من خُوارزم إلى بغداد، أراد الانضمام كمعيد إلى نظاميَّة بغداد، وبالفعل تم قبوله فيها، وتمكن من الانضمام إليها لبعض سنين. لكنَّه يبدو أنَّ تحوله كان تظاهرًا فقط، فحين تركها وغادر إلى دمشق انضم إلى مدارس الحنفيَّة هناك، وصار يُدرس فيها كتبه التي ألفها على مذهب الحنفيَّة في الفروع، وعلى مذهب الماتريدية في الأصول.

وهكذا بدأت -منذ تأسيس هذه الجامعات النظاميَّة– تترسخ أقدام المذهب الأشعري/الشافعي، بعد أن تعرض لأزمات خطيرة، ونفي وطرد وكفر وبدع على المنابر أتباعه، وتم ملاحقتهم ومطارتهم من قبل السلاطين والخلفاء والوزراء (الخليفة العباسي والاعتقاد القادري/ السلطان محمود بن سبكتكين، مثلاً)، مما حمل جملة من علماء الأشعرية إلى الهرب بعيدًا عن خُراسان وبغداد، خوفًا على أنفسهم.

 ومع تغير الحال على يد الوزير نظام الملك الطوسي، هبت رياح المذهب الأشعري باستخدام قوة ونفوذ ومال السلطة والدولة، فانتصر لرجالات الأشعرية ومكن لهم، وشيد لهم المدارس، مما أحدث استعلاء لهم ووثوقيَّة زائدة، وهجومًا من قِبَلِهم على المذاهب الأخرى، وطعنًا في عقائد المسلمين من المذاهب الأخرى خصوصًا الحنبليَّة، مما أوقع الفتنة بينهم وبين غيرهم من المذاهب الأخرى في بغداد، وجرى ما هو معروف في التاريخ.

لكن رياح المذهب ما كانت لتتوقف وفي حوزتهم مثل المدارس النظاميَّة، التي كانت بمثابة القلاع الحصينة لبث المعرفة واستقطاب الطلاب، فتجاوزوا الحد إلى درجة أن قام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (476هـ) رحمه الله، مثلاً، وهو العالم الأشعري الشافعي المعروف، بتكفير كل مسلم لا يعتقد بمذهب الأشعري، حيث قال ما نصه: “فمن اعتقد غير ما أشرنا إليه من اعتقاد أهل الحق المنتمين إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله فهو كافر“. وأبو إسحاق الشيرازي هذا هو الذي جعله الوزير نظام الملك يُدرس في نظاميَّة بغداد، ويـبث فيها علومه وآراءه، من أمثال تلك الفتوى المؤسفة.

وقد عزم الوزير نظام الملك ومن جاء بعده ممن ورث آثار تلك المدارس النظاميَّة، كالأيوبيين وغيرهم من السلاطين المماليك والبربر، على توطين المذهب الأشعري ليكون هو مذهب جمهور المسلمين، بعد أن كان مذهبًا حادثًا يُنادى على أصحابه في منابر مساجد العالم الإسلامي بأنهم مبتدعة.

قال العلامة المؤرخ تقي الدين المقريزي (845هـ): “عقدوا الخناصر وشَدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم أيام مواليهم الملوك من الأتراك”.

وكان تأثير المدارس النظاميَّة عظيمًا ليس في بغداد وخُراسان والمشرق فحسب، بل سرى تأثيرها بسريان أمواج الطلاب الذين يقصدونها، علمًا ومادةً، من المشرق والمغرب، ومن ذلك قدوم المغاربة للدراسة ثم عودتهم لبث المذهب هناك، ونشر الفتن بين المخالفين لهم. وكان أحد المغاربة الخطرين سياسيًا، رجل قد رحل من بلاده في المغرب إلى بلاد المشرق، حيث درس في المدرسة النظاميَّة ببغداد، وتتلمذه لمشايخ الأشعريَّة. وهو ابن تومرت (524هـ)، مُدعي المهدويَّة، ذلك الشخص التكفيري المتطرف الخطر، الذي كَفَّر كل مخالفٍ له، واستباح دمه، وشبه المسلمين في بلاده في المغرب، الذين كانوا على مذهب الإمام مالك، من غير الأشعرية، بالشرك والوثنية، واستباحهم وقاتلهم.

قال تقي الدين المقريزي في نصٍ مهم: “.. توجُّه أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزالي مذهب الأشعري، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقام في المصامدة يُفقههم ويُعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم، ثم مات، فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ الميسي، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسمَّوا بالموحدين، فلذلك صارت دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت؛ إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء خلائق لا يحصيها إلا الله خالقها سبحانه وتعالى -كما هو معروف في كتب التاريخ- فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب وجهل، حتى لم يـبق اليوم مذهب يُخالفه”.

ويقول العلامة المؤرخ ابن خلدون (808هـ) : “وانطوى هذا الإمام [ابن تومرت] راجعًا إلى المغرب… وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية… وأخذ منهم واستحسن طريقهم.. وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن اتباعهم في التأويل، والأخذ برأيهم فيه، اقتداء بالسلف في ترك التأويل، وإقرار المتشابهات كما جاءت. ففطن أهل المغرب في ذلك، وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعريَّة في العقائد كافة.. مُظهرًا النكير على علماء المغرب في عدولهم عنه”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة (728هـ): “أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن التومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب، في أوائل المائة الخامسة [القرن السادس] من نحو مائتي سنة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفًا من العلم… ولما رجع إلى المغرب، صعد إلى جبال المغرب، إلى قومٍ من البربر، وغيرهم، جهال لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله… فصاروا يحسنون الظن بذلك الشخص… واستحل دماء ألوف مؤلَّفة من أهل المغرب المالكية، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة، يقرؤن القرآن والحديث: كالصحيحين، والموطأ وغير ذلك، والفقه على مذهب أهل المدينة، فزعم أنهم مشبهة مجسمة، ولم يكونوا من أهل هذه المقالة، ولا يعرف عن أحدٍ من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم. واستحل أيضًا أموالهم، وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه”.

وهكذا فقد كان من المتوقع -كما يقول العلامة المؤرخ تقي الدين المقريزي– أن يسود هذا المذهب بحكم الحديد والنار. يقول رحمه الله: “أصول عقيدتهم [الأشعريَّة] التي عليها جماهير أهل الأمصار الإسلاميَّة، والتي من جَهَرَ بخلافها أريق دمه”.

لقد كانت المدارس النظاميَّة هي القاعدة الصُلبة، والقلب النابض، الذي استطاع أن يبث الأشعرية تدريجيًا في أرجاء العالم الإسلامي، ويثبت أقدامها، ويرسخ وجودها وشرعيتها، وهذا المذهب في انتشاره والتمكين له في معظم عصوره، قد تصاحب الكتاب والسيف، والمذهب والنار، فلا اختيار في القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى