العلم

الداروينية الجديدة والانفجار العظيم لنشأة الإنسان

  • وولف – إيكهارد لونيج  Wolf-Ekkehard Lönni
  • ترجمة: عبد الله الشامي
  • مراجعة: خالد الشايع
  • تحرير: سهام سايح


حمل المقال PDF

     عندما سئل أستاذ القانون فيليب إي. جونسون(1) إن كان قد تجاوز تخصصه عندما كتب في التطور، والداروينية الجديدة(2) والتصميم الذكي، فقدم الإجابة المثيرة التالية، وهي إجابة ذات صلة وثيقة بجميع القراء والباحثين المهتمين بأصل الإنسان ممن ليسوا من علماء آثار الإنسان القديم paleoanthropologists:

حسنًا إن كنتُ تعديت اختصاصي، فلا ريب أنّ تشارلز داروين قد تعدى اختصاصه أيضًا لأنّه قد تعلم الطب واللاهوت(3) لكنه كان بالفعل عالِمًا جيدًا جدًا، تعلم ذاتيًا، فهو من السادة الهواة كآخرين من معاصريه، فقد كان تشارلز ليل Charles Lyell مؤسس علم الجيولوجيا الحديثة محاميًا. بطبيعة الحال وكما تعلم يتميز التطور الدارويني اليوم بأنّه مفهوم فلسفي عام يربط بين العديد من مجالات العلوم المنفصلة، حتّى أنك ترى عالم الأحياء الجزيئي يعتمد على خبراء الحفريات، وعلماء الآحافير، والعكس بالعكس. ويعتمدون جميعهم على علماء الوراثة، إنّ كل عالم من العلماء عندما يتعدى تخصصه يتصف بالمعرفة العامة فقط generalist، أي يكون مجرد شخص عادي كأي شخص آخر، ولذلك لا يوجد فعلاً أي متخصص في التطور، فهذا مجالٌ معرفي مشترك.

     كان بإمكانه أيضًا ذكر الرّاهب الأوغسطيني غريغور مندل(4)، الذي يطلق عليه غالبًا “مؤسس علم الوراثة”، والكثير غيره من علماء الأحياء إلى وقتنا الحالي(5). وقد ذكر جونسن أمرًا آخر يتعلق بالقارئ العام كتعلقه بأي فيلسوف أو عالم أو باحث آخر:

الشيء الآخر الذي يجب قوله بخصوص تعدِّي المرء لاختصاصه الدقيق هو أنّ كل شخص من المراجع الرئيسية في الداروينية، بدءًا من تشارلز داروين، وتي اتش هكسلي، مرورًا بدوبزانسكي، وسيمبسون، وجوليان هكسلي في جيل سابق، وصولاً إلى ستيفن جاي جولد، وريتشارد دوكينز، وما بعدهما اليوم، قد ألفّ كل من هؤلاء الشخصيات المرجعية في الدارونية كتبًا وجهوها لعامة الناس. لقد خاطبوا الجمهور العام ولم يقل أحد منهم “هذه الأدلة لا يمكنكم إدراك كُنهها. ولا تحاولوا معرفتها لأنّكم لا تستطيعون فهمها”. وواقعيًا فإنّ الفرضية الضمنية في كل الكتب التطورية؛ أن التطور مسألة سهلة الفهم، ويمكن لأي شخص غير متحيز تمامًا أو جاهل أن يرى صحتها بوضوح. ولذلك أرغب في أن أعتبر نفسي القارئ الذي وجهت كل هذه الكتب إليه، وأردُّ على المؤلفين ما خاطبوني به، وأشرح لهم الشيء الذي تجاهلوه، وهو أنّ كتبهم ليست مقنعة في الواقع، لأنّهم يفترضون في بداية البحث النقطةَ التي يزعمون أنّهم أثبتوها في خاتمته، وبالتالي يوجد خلل في التفكير … [التأكيد مضاف](6)

      أي يخبرنا أنصار النظرية الحاكمة ببساطة أننا جميعنا بلا شك يتمتع تمامًا بالذكاء الكافي لفهم نظريتهم، طالما أنّنا نتفق معها. لكننا سنكون مجرد غرباء غير مؤهلين على الإطلاق إذا طرحنا أسئلة ناقدة لأي من مبادئها الأساسية، أو إذا توصلنا إلى نتيجة مفادها أنّها غير صحيحة في معظمها. ونجد تطبيق لهذه الطريقة على جونسون نفسه عندما كتب أحد التطوريين في موسوعة ويكيبيديا: “على الرغم من أنّه لم يدرس رسميًا علم الأحياء، فقد شعر أنّه يمكن أن يضيف رؤية في مقدمات النظرية وحججها”.(7) ومع ذلك فإن قام شخص ذكي من خارج الاختصاص بمراجعة حجة ما بصدق وعناية، وطرح أسئلة واعتراضات أساسية، فينبغي أن يؤخذ على محمل الجد.

     ولذلك دعونا نرفض هذا المقياس المتناقض ذاتيًا للداروينية الجديدة، ونعيد تقييم النظرية. ودعونا على وجه الخصوص نتحقق ونبحث في بعض النقاط المهمة عن نشأة البشر.

 

  • النظرية السائدة للتطور

     وفقًا لنظرية التطور السائدة اليوم – أي الداروينية الجديدة، والتي تسمى أيضًا “النظرية التركيبية للتطور” أو “التركيبية الحديثة” – [سميت بذلك لأنّها تركيب من الدارونية القديمة ونظرية مندل للوراثة – المترجم] تطور البشر تدريجيًا من القردة عديمة الذيل apes المنقرضة. حدثت هذه العملية عبر الانتقاء الطبيعي لمجموعة طفرات لا نهاية لها تقريبًا مع “تأثيرات طفيفة أو حتى غير مرئية على النمط الظاهري” (على حد تعبير ماير، أحد مهندسي التركيبية الحديثة)، أو مع تأثيرات في النمط الظاهري، كما صاغها داروين تمامًا في نظريته بين 1859 و 1882 عبر “اختلافات طفيفة لا حصر لها”، و”اختلافات طفيفة للغاية”، و”اختلافات موروثة متناهية الصغر”.(8)

     لا نبالغ في التأكيد على أنّ النقطة الرئيسية في النظرية، وخلاصة القول فيها، ولبُّها، وجوهرها، التي تبقى “نفسها في الأمس واليوم وإلى الأبد”(9) هي نزعة التدرج gradualism بالاشتراك مع الانتقاء الطبيعي فائق القدرة.(10) لذلك أودُّ أن أشير إلى أنّ داروين تخيل بناءً على ذلك أصلَ الأنواع (في الحقيقة جميع أشكال الحياة) عن طريق انتقاء “تغييرات متناهية الصغر”، و”اختلافات متناهية الدقة”، و”درجات بطيئة”. وهكذا تخيل “خطوات لا تتجاوز تلك التي تفصل بين الأصناف المتقاربة” و”خطوات دقيقة بالكاد يمكن إدراكها” و” تدرُّجات دقيقة بالكاد يمكن إدراكها”. لأنّ “الانتقاء الطبيعي لا يمكن أن يعمل إلا من خلال الاستفادة من الاختلافات المتتالية الطفيفة؛ ولا يمكنه أبدًا القفز، ولكنه يجب أن يتقدم بخطوات أقصر وأبطأ”، أو “لا يمكن أن يحدث الانتقال [بين الأنواع]، وفقًا لنظريتي، إلا عن طريق تدرجات صغيرة لا تعد ولا تحصى”(11) (تم إضافة التأكيد). يقال الشيء نفسه تقريبًا من قبل الداروينيين الجدد اليوم.(12)

     فكم عدد الحلقات الانتقالية المطلوبة في الطريق التطوري المفترض للبشر؟ وواقعيًا كم رابط انتقالي يجب أن يوجد فعليًا وتاريخيًا خلال آخر17 مليون سنة تقريبًا من الزمن الجيولوجي، وهو الزمن المقدر لآخر سلف مشترك بين البشر والقردة العليا؟(13)

     حسنًا وفق النظرية الحاكمة: يوجد بالتأكيد ملايين الحلقات الانتقالية! على حد تعبير داروين نفسه في كتاب أصل الأنواع (في نسخته المحدثة تمامًا) “عدد الأصناف الوسيطة، التي وجدت سابقًا على الأرض، [يجب] أن يكون هائلاً حقًا”، و”عدد الحلقات الوسيطة والانتقالية، بين جميع الأنواع الحية والمنقرضة، يجب أن يكون كبيرًا فوق التصور” ومن ملايين الحلقات هذه عرض عددًا قليلاً من الأمثلة الموحية عبر صورة شائعة كالصورة التالية(14) (قدمت مع اختلافات صغيرة في جميع أنحاء العالم تقريبًا) إنّها صورة كاريكاتورية خاطئة، ومع ذلك يُعتقد أنّها كافية لتنقل بصريًا ad oculus إلى القارئ غير المتعلم الأصل التدريجي للبشر:

 

     لكن مقتضى النظرية الذي لا مفرَّ منه، بالإضافة إلى الأعداد “الهائلة جدًا” و”الأكبر مما يمكن تصوره” من الحلقات الانتقالية اللازم وجودها من أجل الاستمرارية المفترضة، يوجد أيضًا أعداد لا حصر لها من الحلقات الوسيطة على الفروع الجانبية المنقرضة. يُلمح إلى هذا الأمر بالرسم التوضيحي الوحيد الذي ورد في كتاب داروين أصل الأنواع (1859، الصفحات 116-117)، المعروض أدناه:

ومع ذلك فإنّ التبسيط المفرط في الدعاية يمكن إهماله عند مقارنته بالأخطاء العلمية الأساسية والمفاهيم الخاطئة للصورة الأيقونية، والتي وسمها برنارد وود Bernard Wood أستاذ النشوء البشري بجامعة جورج واشنطن بأنّها “وهم”:

هناك صورة شائعة لتطور البشر نجدها منشورة في كل مكان، بدءًا من الغلاف الخلفي لعبوات الحبوب إلى دعايات المعدات العلمية باهظة الثمن. على يسار الصورة يوجد قرد … وعلى اليمين إنسان … وبينهما سلسلة شخصيات تتدرج لتصبح أشبه بالبشر … ويبدو تقدمنا ​​من القرد إلى الإنسان سلسًا جدًا، ومنتظمًا جدًا. إنّها صورة مخادعة لدرجة أنّ الخبراء يترددون بالتخلي عنها. لكنها مجرد وهم.(15)

 

  • وهم نزعة التدرُّج

     إنّ التحليل الدقيق للأيقونة الموضحة أعلاه واختبارها علميًا يكشف أنّها بالواقع وهمٌ على عدة مستويات.

     المستوى الأول: بصرف النظر عن مضامين تشير إلى التطور الموجه orthogenesis، أي “الفرضية البيولوجية بوجود ميل متأصل في الكائنات الحية لتتطور باتجاه محدد نحو هدف (الغائية) نتيجة لآلية داخلية أو قوة دافعة”(16) (مفهوم ينكره جميع أنصار التركيبية الحديثة بشكل قاطع)؛ أود أن أشير إلى أنّه مع الافتراضات المسبقة للداروينية الجديدة للتطور عن طريق الطفرة والانتقاء، لا يمكن توثيق وإثبات العملية التدريجية المفترضة أساسًا لنشأة الإنسان. على الرغم ممّا بذل من الجهود الهائلة والنفقات المالية الوفيرة. وعلى العكس تمامًا: لقد أثبتت اكتشافات علم الإنسان القديم خلال 150 عامًا مضت تقريبًا أنّها ليست اكتشافات سلسة ولا منتظمة. وقد وثقت هذه الملاحظة باختصار في البيانات التالية الواضحة للعديد من العلماء المرموقين لآثار الإنسان القديم (المتعارف بأنهم “أهل العلم”):

إيان تاترسال Ian Tattersall (أستاذ ورئيس قسم الأنثروبولوجيا في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في مدينة نيويورك من عام 1971 إلى عام 2010؛ وهو الآن أمين فخري):

إنّنا نختلف عن أقرب أقربائنا المعروفين في العديد من السِّمات كالجمجمة، والهيكل العظمي بعد الجمجمة، في سمات مهمة لنماء الدماغ، وبالتأكيد نختلف في سمات مهمة للتنظيم الداخلي في الدماغ أيضًا. توجد هذه الاختلافات على نطاق واسع غير عادي. فما يبدو للعين البشرية على الأقل، لا تختلف معظم أنواع الرئيسيات كثيرًا عن أقرب أقربائها، وتميل الاختلافات غالبًا أن تكون سمات خارجية مثل لون الغطاء الخارجي أو حجم الأذن أو اختلاف الأصوات فقط، وتميل الاختلافات في البنية العظمية إلى أن تكون طفيفة، في المقابل حتّى إن تجاوزنا عن سجلنا الضعيف لأقرب أقربائنا المنقرضين، يبدو الإنسان العاقل Homo sapiens  مميزًا ولا نظير له. ومع ذلك من الثابت أنّنا وصلنا إلى هيكلنا التشريحي وقدراتنا غير العادية مؤخرًا: وبالتأكيد لا يوجد دليل على الفكرة القائلة بأنّنا أصبحنا تدريجيًا ما نحن عليه بطبيعتنا خلال فترة طويلة، سواء كان ذلك بالمعنى المادي أم الفكري [التأكيد مضاف](17)

ويقول برنارد وود المذكور أعلاه:

لازال الوصول إلى فرضية مقنعة عن نشأة الإنسان أمرًا صعب المنال، رغم كل الأدلة الأحفورية والتقنيات التحليلية في السنوات الخمسين الماضية.(18)

     جيفري هـ. شوارتز Jeffrey H. Schwartz (أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة بيتسبيرج، رئيس سابق للأكاديمية العالمية للفنون والعلوم) 

لا ينبغي توقع العثور على سلسلة من الأشكال الأحفورية الوسيطة بأصابع قدم كبيرة يتناقص تباعدها بالتدريج، وفي الوقت نفسه تتناقص سماتها الشبيهة بالقرود مع ظهور عدد متزايد من السمات البشرية الحديثة.(19)

     الأساتذة جون دي. هوكس John D. Hawks، كيث هينلي Keith Hunley، سانغ هي لي Sang-Hee Lee، ميلفورد وولفوف Milford Wolpoff (انظر التعليق الختامي للاطلاع على جامعاتهم ومناصبهم الأكاديمية)(20)

… لا توجد سلسلة تدريجية من التغييرات في مجموعات القردة الجنوبية australopithecine السابقة تؤدي بوضوح إلى الأنواع الجديدة [أي، الإنسان العاقل]، وليس من المؤكد إن كان أيًا من القرود الجنوبية هي أشكال انتقالية. قد يبدو هذا بيانًا غير متوقع، لأنّه قد فُسّر على مدار ثلاثة عقود بأنّ أنواع الإنسان الماهر habiline مجرد تصنيف انتقالي، فيتم الربط بين القردة الجنوبية عبر الإنسان الماهر إلى أنواع الإنسان التالية.

ونفسِّر مثل كثيرين آخرين الدليل التشريحي لنبيِّن أنّ الإنسان العاقل المبكر كان مختلفًا اختلافًا كبيرًا وهامًا عن القردة الجنوبية “الأسترالوبثيكينات” المبكرة المعاصرة له تقريبًا (21) في كل عنصر من عناصر هيكله العظمي تقريبًا، وفي كل ما سوى ذلك من سلوكه.

… إنّ تفسيرنا هو أن تغييرات مفاجئة ومترابطة تشكل عنق الزجاجة الذي نشأ بسبب عزلة مجموعة صغيرة من أنواع القردة الجنوبية الأم. في هذه المجموعة الصغيرة، أسفر مزيج من الانجراف الوراثي والانتقاء الطبيعي عن تحول جذري في تواترات الأليل allele، ممّا أدى إلى تحول جذري في المعقد التكيفي adaptive complex (رايت 1942)؛ بمعنى آخر، لقد حدثت ثورة جينية (Mayr 1954؛ تمبلتون 1980) [تم اضافة التأكيد]

     للاطلاع على مزيد من الوثائق راجع الشروح العلمية الممتازة لعالم الحفريات جونتر بيكلي Günter Bechly (2017 إلى 2019)(22) والبيولوجيان كريستوفر روب Christopher Rupe وجون سانفوردJohn Sanford (2019) (23)

 

  • الانفجار العظيم لنشأة الإنسان؟

لتكرار النقاط الرئيسية المذكورة أعلاه، يمكننا تأكيد:

1. “الاختلافات موجودة على نطاق غير عادي”.

2. ” يبدو أنّ الإنسان العاقل […] مميز ولا نظير له”.

3. “بالتأكيد لا يوجد دليل على الفكرة القائلة بأنّنا أصبحنا تدريجيًا ما نحن عليه بطبيعتنا خلال فترة طويلة، سواءً كان ذلك بالمعنى المادي أم الفكري”.

4. “… من الثابت أنّنا وصلنا إلى هيكلنا التشريحي وقدراتنا غير العادية مؤخرًا “.

5. “… لازال الوصول إلى فرضية مقنعة عن نشأة الإنسان أمرًا صعب المنال.”

6. ” لا ينبغي توقع العثور على سلسلة من الأشكال الأحفورية الوسيطة بأصابع قدم كبيرة يتناقص تباعدها بالتدريج، وفي الوقت نفسه تتناقص سماتها الشبيهة بالقرود مع ظهور عدد متزايد من السمات البشرية الحديثة.”

7. “… لا توجد سلسلة تدريجية من التغييرات في مجموعات القردة الجنوبية australopithecine السابقة تؤدي بوضوح إلى الأنواع الجديدة [أي، الإنسان العاقل]، وليس من المؤكد إن كان أيًا من القرود الجنوبية هي أشكال انتقالية.”

8. “… الإنسان العاقل المبكر كان مختلفًا اختلافًا كبيرًا وهامًا عن القردة الجنوبية “الأسترالوبثيكينات” المبكرة المعاصرة له تقريبًا في كل عنصر من عناصر هيكله العظمي، تقريبًا وفي كل ما سوى ذلك من سلوكه.”

9. “إنّ تفسيرنا هو أن التغييرات مفاجئة ومترابطة”، “لقد حدثت ثورة جينية”.

 

     لقد حدّد علماء الأحياء التطورية نشأة الإنسان على أنّه “انفجار” و”ظهور تطوري مفاجئ”(24) وبالمقابل قد يتفق المرء مع تعليق ديان سوانبرو Diane Swanbrow، مديرة الاتصالات في ISR، ممثلة العلاقات العامة الرائدة في جامعة ميشيغان، تتحدث عن “نظرية الانفجار العظيم للتطور البشري”.(25)

     لكن ينبغي أن نضع في اعتبارنا أنّ المفردات المستخدمَة من قبل العديد من علماء الأحياء التطورية في بعض الأحيان لا تتطابق مع المفردات التي تستخدم في اللغة الشائعة/الطبيعية. فعبارة “في الآونة الأخيرة”، على سبيل المثال، قد تعني مائة ألف عام وأكثر. على الرغم من ذلك، فإنّ المصطلحات عن الظهور المفاجئ للإنسان أكثر بيانًا من غيرها لأنّ بيانات علماء الحفريات التطورية المقتبسة أعلاه لم تتضمن فرضية خلقوية أو فرضية تصميم ذكي (على حد علمي). وبالتالي يبدو أنّ هؤلاء الباحثين كانوا مدفوعين بحقائق ونتائج تشريحية و أحفورية فقط لاختيار مفردات تتعارض صراحة مع نزعة التدرج.

     من ناحية أخرى يوجد بلا شك العديد من المؤلفين الآخرين الذين يفضلون غالبًا التركيز على التشابهات بين البشر والقردة، والتغاضي عن الاختلافات الهائلة المشكلة بين البشر والحلقات الرابطة الشبيهة بالقرود. إنّهم يذهبون إلى حد الحديث وكأنه لا توجد أي تباينات أو اختلافات ملحوظة بينهم على الإطلاق.

     لكن كما قال عالم الإنسان القديم جوناثان م. ماركس Jonathan M. Marks بشكل واضح ومقنع:

ليس صعبًا أنّ تميِّز الإنسان عن القرد، ففي نهاية المطاف، الإنسان هو الذي يسير أو يتكلم أو يتعرق أو يصلي أو يبني أو يقرأ أو يتاجر أو يبكي أو يرقص أو يكتب أو يطبخ أو يمزح أو يعمل أو يزين أو يحلق أو يقود سيارة أو يلعب كرة قدم. يمكن للمرء التمييز المباشر بسهولة لجزء البشر عن جزء القرود إن كان يعرف ما يبحث عنه، وذلك حرفيًا من أعلى رأسنا (حيث ينمو الشعر باستمرار، على عكس الغوريلا) إلى أطراف أصابع أقدامنا (فأغلظهما غير متقابلين)، إن بياض العينين، والأنياب الصغيرة، وفقدان الحرارة التبخيري، والأذرع القصيرة، والسيقان الطويلة، والأثداء، والركب، وبالتأكيد قدراتنا المعرفية في التواصل وتشريح اللسان والحلق المفيدان، كلها دلائل ظاهرة.(26)

      ويمكن للمرء المتابعة مع آن غوجر Ann Gauger، التي ركزت على النقاط التالية (يتداخل بعضها مع تلك التي ذكرها ماركس، ولكنها كتبت من منظور آخر، مع إضافة ملاحظات مهمة أخرى):

نكتب الأناشيد، ونحسب المعادلات التي تأخذنا إلى الفضاء، ونكتب أغاني موسيقى الجاز عن الطيران إلى القمر و نغنّيها ونحن في سن السابعة، ونخطط أساليب لتغيير كوكب المريخ (لا يوجد شمبانزي يفعل ذلك!) وندرس المسرحيات اليونانية التي كتبها أشخاص قد ماتوا منذ فترة طويلة، نستخدم برامج إملاء الصوت التي صنعها آخرون منا، التي تكاد تكون شعرية في تحليلها لما قد نطقنا به للتو، إنّها شاعرية فعلاً لدرجة أنّنا لا نعلم ماذا يفترض أن تكون، لا يوجد شمبانزي يفعل ذلك.

نبني مدن لا تصدق، نقوم بأشياء فظيعة تفوق قدرة الحيوانات على فعلها لبعضها. نملك لغة، تلك المنحة الرائعة والمذهلة والغادرة. نملك موسيقى، تلك النعمة المجيدة الخطرة. ونملك فنًا، تلك النعمة الجميلة والراقية والمؤلمة. كل هذه النعم أشياء تفقدها الحيوانات. إنّها تختلف نوعيًا، وليس كميًا فقط. وتتخطى أي شيء قد يتطور.(27)

     وفق ما ذكره إيان تاتيرسال ربما كان السبب الذي دفع الآخرين لإطلاق تسمية الانفجار العظيم لنشأة الإنسان أنّه “حدث قصير الأمد لإعادة تنظيم تنموي كبير”، “مدفوعًا بابتكار بنيوي بسيط على مستوى الحمض النووي”. وأجبت على هذه الفرضية بما يلي:

لكن يبدو بحسب منتهى علمنا حاليًا أنّ افتراض “… ابتكار بنيوي بسيط على مستوى الحمض النووي”، غير مقبول إلى حدٍ ما للحصول على تعليل لنشأة 696 سمة جديدة (من أصل 1065 سمة) تميز الإنسان عن الشمبانزي، و711 سمة تميزه عن إنسان الغاب، و680 سمة تميزه عن الغوريلا، و948 سمة عن قرد الجبون (Hylobathes). ويفترض مسبقًا مقدار مماثل من اختلاف السمات التشريحية وغيرها من السمات (“المميزة والتي لا نظير لها”) عن سلفه الحيواني المفترض، “أقرب أقربائنا المنقرضين” هذا دون أن نذكر نسبة خمسة عشر ونصف بالمائة من الاختلاف على مستوى الحمض النووي DNA بين الإنسان وما يزعم أنّه أقرب أقربائه، الشمبانزي، مما يعني بالأرقام الفعلية، أكثر من 450 مليون زوج من الأسس من نحو 3 مليارات زوج من الأسس تشكل الجينوم كله.(28)

     لا يشمل هذا معظم النقاط الأخرى التي أشار إليها ماركس وغيجر. وهكذا فنحن الآن بعد أكثر من قرنين من التكهنات المادية (بدءًا من لامارك عام 1809) بالإضافة للنظرية الداروينية الجديدة السائدة، وتشمل هذه الفرضيات اللاماركية الجديدة (Jablonka)، والتوازن المنقط (Gouldand Eldredge)، والتطور المحايد (Kimura)، والتطور دون (أي) انتقاء (Limade Faria)، والتطور السيبراني (Schmidt)، والتطور بواسطة العوامل الوراثية القافزة transposons (مكلينتوك)، والتطور القافز (غولدشميت)، وغيرها من الافتراضات التطورية. لم ينتج عن أي منها تفسير مقبول لنشأة الأنواع بشكل عام، أو لنشأة البشر على وجه الخصوص. يمكن عندئذ طرح السؤال: لماذا لا يُسمح لنا بإدراج التصميم الذكي في نظرياتنا؟ (من فضلك، انظر أدناه).

 

  • الإنسان “لم يكن مخططًا له” – علم أم وهم؟

     المستوى الثاني: أحد الآثار الكثيرة للأيقونة الداروينية الواردة أعلاه هي فكرة أنّ الإنسان لم يكن مخططًا له. وهذا يتماشى إلى حدٍ ما مع الفرضية الأساسية للمادية: “صنع العدم كل شيء دون سبب، وصنع الحياة من المادة غير الحية دون سبب، وصنع الروبوتات اللحمية التي تعتقد أنّ لديها غايات وليست كذلك، دون سبب.” (29).

     أو كما قال جازمًا “جورج جايلورد سيمبسون” George Gaylord Simpson، الذي أسس التركيبية الحديثة في علم الحفريات:

الإنسان ثمرة عملية مادية غير هادفة لم تضعه في اعتبارها. ولم يكن مخطط لوجوده. إنّه حالة مادية، شكلٌ من أشكال الحياة، نوع من الحيوانات، ونوع حيٌّ من رتبة الرئيسيات …. بالتأكيد لم يكن الإنسان غاية التطور، وبكل وضوح لم يكن للتطور غاية. لم يكن مخططًا للإنسان، وجاء بعملية غير مخططة على الإطلاق.(30)

     الآن، يمكن طرح الأسئلة: كيف عرف سيمبسون – مثل الغالبية العظمى من علماء الأحياء التطوريين اليوم – كل هذا؟ وكيف يمكن اختبار هذه البيانات علميًا؟ وبتعبير ستيفن جاي جولد وغيره من علماء الأحياء، فإنّ عملية التطور “لا يمكن التنبؤ بها أبدًا، ولا يمكن تكرارها إطلاقًا”(31) وحسب ما فهمته من ذلك، فإنّ التأكيد على “العملية المادية غير الهادفة” لنشأة الإنسان يبدو بعيدًا تمامًا عن أي اختبار علمي صارم. أو بعبارة أقوى: يبدو أنّه ليس سوى جزء مشكوك فيه من نظرية لا يمكن التحقق منها أساسًا، وتقبل الخضوع لاختبار الدحض، ولا يمكن حسابها كميًا. تحتل “الصدفة” في هذه النظرية (من الطفرات العشوائية إلى التصادف التاريخي) مكانًا مهمًا. كجزء أساسي من بنيتها التعليمية، ويشمل مبدأ عدم قابلية التكرار للأحداث الرئيسية والنتائج المفترضة – بالتأكيد على النقاط الرئيسية في كلام غولد –  (التطور الكبير macroevolution) بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ المستقبلي للتطور الكبير. وهكذا فالنظرية تقع غالبًا خارج نطاق العلم. لا تشكل في نهاية المطاف سوى سراب مخادع صنعته الرؤية الكونية المادية، لا يخلو فقط من أي أساس حقيقي، بل يعمل بكفاءة على صرف الباحثين عن الحقيقة بعيدًا عن الأسئلة البيولوجية والفلسفية الجوهرية، مثل سؤال إن كان “ممكنًا على سبيل المثال نشأة البشر من زوج واحد”.(32)

 

  • لا علاقة للأمر بالعشوائية؟

المستوى الثالث: هناك ميل غريب عند مؤيدي نظرية التطور الداروينية الجديدة لإنكار الأهمية الكبيرة للصدفة في نظريتهم. فيعلق ريتشارد دوكينز، على سبيل المثال:

من أين أتت هذه الفكرة السخيفة لعلاقة التطور بالعشوائية؟ … التصريح بأنّ “التطور يشير إلى الاعتقاد غير المثبت بأنّ القوى العشوائية غير الموجهة [أنتجت عالمًا من الكائنات الحية]” لم يدحض نفسه فحسب، بل إنّه قول غبي. لا يمكن لأي شخص عاقل أن يعتقد بإمكانية قوى عشوائية على إنتاج عالم من الكائنات الحية.(33)

 

     ويقرُّ بعد الجملة الأولى المذكورة أعلاه بأنّ “نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي ذات عنصر عشوائي – أي الطفرة” لكنه يحاول التقليل من شأن هذا الإقرار بقوله “إنّ الجزء الأكثر أهمية في نظرية التطور هو الجزء غير العشوائي: أي الانتقاء الطبيعي”.

ولذلك قد يكون أول سؤال نطرحه، هل الانتقاء الطبيعي لا علاقة له بالعشوائية حقًا؟. علق ثيودوسيوس دوبزانسكي Theodosius Dobzhansky في كتابه “علم الوراثة وأصل الأنواع(ويعد غالبًا نقطة تبلور منشأ ونمو النظرية التركيبية الحديثة):

بيَّن داروين بمهارة فائقة أنّ الانتقاء الطبيعي نتيجة مباشرة للقوى التناسلية العظيمة الهائلة للكائنات الحية. فإن فردًا واحدًا من فطر Lycoperdon bovista ينتج 7×1011 بوغًا؛ وينتج كلاً من Sisymbrium sophia وNicotiana tabacum، على التوالي، 730،000 و 360،000 من البذور [ويوجد في مبيض نبتة الأوركيد Cycnoches   3751000، أي عند وجود 30 زهرة للنبات الواحد سيكون 112530000 من البذور]، وتضع سمكة السلمون 28،000،000 بيضة في الموسم الواحد [سمك cod 6500000، وسمك turbot 9000000]؛ أما المحار الأمريكي فيصل إلى 114،000،000 بيضة في السّرء الواحد. وهكذا فحتّى أبسط أشكال التكاثر تنتج ذرية أكثر مما يمكنها البقاء لو بقي عدد المجموعة ثابتًا إلى حدٍ ما. فيحدث موت وتدمير غالبية الأفراد المنتجة بلا شك. عندها إن تألفت المجموعة من مزيج من أنواع وراثية، بعضها أكثر تكيّفًا مع البيئة وبعضها أقل تكيفًا، فمن المتوقع أن تبقى نسبة أكبر من الأنواع الأولى أكثر من بقاء الأخرى. ويعني هذا باللغة الحديثة أنّه سيوجد بين الناجين تواتر أكبر من الناقلات لجينات معينة أو بنى صبغية أكثر من الأسلاف…(34) [أضيفت الأنواع الحية المذكورة بين أقواس معقوفة]

     ومع ذلك فإنّ علماء الأحياء الفرنسيون ممن لم يتبعوا النظرية التركيبية الحديثة؛ مثل كونو Cuénot  (ت 1951) و أندريه تتري Tétry  (ت 1992) و ريمي شوفانChauvin  (ت 2009)، أثاروا منذ الخمسينيات فصاعدًا بصورة خاصة الاعتراض التالي على هذا النوع من التفكير وفقًا لليتنسكي Litynski) ):

من بين 120000 بيضة مخصبة للضفدع الأخضر، بقي فردان فقط على قيد الحياة. فهل لنا أن نستنتج بأنّ هذين الضفدعين من بين 120.000 قد انتقتهما الطبيعة لأنّهما الأفضل؟. أو بالأحرى – كما قال كونوCuenot   إن الانتقاء الطبيعي ليس سوى وفيات عمياء لا تنتقي شيئًا على الإطلاق.(35)

     لقد علقتُ في مقال موسوعي بأنّ أسئلة مماثلة قد تثار حول 700 مليار بوغ من Lycoperdon، و114 مليون بيضة محار أمريكي مضروبة في عدد مواسم التفريخ، وحول 28 مليون بيضة لسمك السلمون وهكذا. كتب الملك سليمان (عليه السلام) حوالي عام 1000 قبل الميلاد: “وَتَطَلَّعْتُ فَرَأَيْتُ شَيْئًا آخَرَ تَحْتَ الشَّمْسِ: إِنَّ الْفَوْزَ فِي السِّبَاقِ لَيْسَ لِلسَّرِيعِ، وَالظَّفَرَ فِي الْمَعْرَكَةِ لَيْسَ لِلأَقْوِيَاءِ، […] لأَنَّهُمْ كَافَّةً مُعَرَّضُونَ لِتَقَلُّبَاتِ الأَوْقَاتِ وَالْمُفَاجَآتِ” (طبعة الملك جيمس 1611) [الترجمة العربية المعتمدة تختلف قليلًا]. 

     علاوة على ذلك، إذا كان عددٌ قليل فقط من الملايين بل من مليارات الأفراد، هم من سيبقون على قيد الحياة ويتكاثرون، فمن الصعب أن نعتقد بلزوم بقاء الأقدر منهم فعلاً. قد تظهر قدرات مختلفة اختلافًا كبيرًا وظروف بيئية مختلفة خلال مراحل مختلفة من النمو الجنيني ontogenesis. إنَّ أماكن الاختفاء للمفترس والفريسة، والمسافات بينهما، والاختلافات المحلية للموئل الحيوي الطبيعي والظروف الجغرافية، والظروف المناخيّة والطقس المحلي، تنتمي جميعها إلى مجموعة من المتثابتات المتباينة بدقة بالغة. تعتبر المصادفات والحوادث ووقوع الصدف ذات أهمية كبيرة في حياة جميع الأفراد والأنواع الحيّة. علاوة على ذلك، فقد يكون لتأثير التعديلات التي لا تورث بحسب التعريف، أثرًا أقوى بكثير من تأثير الطفرات التي لها “تأثيرات بسيطة أو حتى غير المرئية على النمط الظاهري”، وبالأخص لأنّ تحديد هذا النوع من التأثيرات الطفرية هو الأكثر تفضيلاً للانتقاء الطبيعي والتطور في المدرسة الداروينية الجديدة. في مواجهة الأعداد الهائلة للأنسال والتغيرات التي لا تنتهي لمتثابتات بيئية مختلفة، والأرجح على ما يبدو ليس بقاء وتكاثر الحالات النادرة جدًا “للأصلح” من الكائنات الطافرة أو المعاد تركيبها وراثيًا، بل بقاء وتكاثر الكائنات المتوسطة.

     وهكذا فهل هناك أدنى شك في أنّ الانتقاء الطبيعي يحوي أيضًا عنصرًا قويًا من الصدفة والعشوائية؟ 

      في الواقع تؤكد الوراثة السكانية هذا الاستنتاج. وتنتمي معظم هذه الظواهر الطفيفة إلى مجموعة محايدة من الاختلافات الجينية، والتي تبقى فعليًا بعيدة عن فعل الانتقاء الطبيعي. حتى الكائنات المتطفرة التي تتمتع بميزة انتقائية تبلغ 1 بالمائة – وفقًا لعلم الوراثة السكانية – يجب أن تحدث 50 مرة على الأقل بشكل مستقل عن بعضها البعض للحصول على فرصة لانتشارها في مجموعة ما.

     علاوة على ذلك، فإنّ البقاء بحسب الانتقاء الطبيعي يعتمد بوضوح على وظيفية جميع بنى وأعضاء الكائنات الحية: من المفترض أن يكون الأرنب أسرع، وأن يقفز الأسد وثبة أبعد، وأن يشعر الحمار الوحشي بالمفترسين بشكل أفضل، وأن يحدد الصقر مكان فريسته من مسافة أبعد، يستجيب الشمبانزي بشكل أكثر كفاءة من مشابهات نوعه، لماذا؟ لأنّه – وفق العقيدة الداروينية الجديدة – أعطتهم أحداث الصدفة طفرات بحسب حاجتهم، مع نشوء كل البنى متزامنة مع التحسينات المكتسبة حديثًا أيضًا. يفترض حدوث كل هذا في عملية تطور مستمرة من خلال “اختلافات طفيفة لا حصر لها”، “اختلافات طفيفة للغاية”، و”اختلافات وراثية متناهية الصغر”. وهكذا تحدِّد أحداث الصدفة كل شيء في التطور: شكل ووظيفة جميع البنى التي تسيطر على الانتقاء الطبيعي في الكفاح من أجل الحياة، وبالتالي تحدّد السلالة الكاملة “الفيلوجينية” للنباتات والحيوانات.

    ولذلك فقد كان جاك مونو الحائز على جائزة نوبل محقًا في وصف النظرية التركيبية الحديثة مؤكدًا أنّ “الصدفة المحضة الحرة تمامًا ولكن عمياء، هي أساس جذر الصرح الهائل للتطور”.(36)  وقد كان دوكينز محقًا تمامًا في قوله ” لا يمكن لأي شخص عاقل أن يعتقد بإمكانية قوى عشوائية على إنتاج عالمٍ من الكائنات الحية “.

 

  • إطار زمني لتطور الإنسان

المستوى الرابع: في تجربتي خلال عدد لا يحصى من المناقشات التي أقدم فيها سلسلة من الحقائق البيولوجية، التي لا يمكن لمحاوريّ من الداروينية الجدد أن يفسروها وفقًا لنظريتهم، فإنّ العالِم المحبط (أو أيا كانت صفته) قد يعتمد في النهاية على الحجم الهائل من الزمن الجيولوجي: “ولكن تأمل في ملايين السنين، كل شيء يغدو ممكنًا عن طريق الطفرة والانتقاء ضمن إطار زمني كهذا، أشياء لا يمكننا شرحها بنظريتنا اليوم”.

     ومع ذلك فقد بيّن سانفورد وزملاؤه أنّ أي إطار زمني طُرح حتى الآن، هو بالتأكيد أقصر مما يلزم للطفرات والانتقاء الطبيعي لتحويل القرود إلى إنسان:

لإنشاء سلسلة من خمسة نيوكليوتيدات يتطلب في المتوسط زمنًا قدره ​​2 مليار سنة. وجدنا أنّ أوقات الانتظار تنخفض عند ارتفاع معدلات الطفرة، وعند المنافع الأقوى للتكيُّف، وفي أحجام المجموعات الأكبر. ولكن حتى مع استخدام أكثر إعدادات المتثابتات الممكنة سخاءً، فإنّ وقت الانتظار اللازم لإنشاء أي سلسلة من النكليوتيدات المحددة ضمن هذا النوع من المجموعة يشكل حاجزًا دومًا…

بعض الأوراق التالية كانت حاسمة. ومع ذلك فإنّ تلك الأوراق تبيّن أنّ إنشاء طفرتين معينتين يعتمدان على بعضهما البعض في جمهرة من أشباه البشر hominin تبلغ 10 آلاف من البشر يمكن أن يتطلب وقت انتظار يتجاوز 100 مليون سنة (انظر المناقشة). لذلك فلا يجادل كثيرًا بأنّ وقت الانتظار قد يمثل مشكلة خطيرة، ويمكن أن يكون عاملاً مقيدًا في التطور الكبير.(37)

     وبالتالي لن تحدث مئات الطفرات المنسقة اللازمة حتى في إطار زمني يبلغ مليارات السنين من أحداث التطفر العشوائي random mutagenesis.

 

  • مغالطة ربط الحلقات

المستوى الخامس: يعرض تقريبًا أي متحف علوم كبير في جميع أنحاء العالم سلسلة حلقات منقرضة تصل بين القرود والبشر مثل الإنسان المنتصب Homo erectus، الإنسان الماهر Homo habilis، القردة الجنوبية الإفريقية Australopithecus afarensis (لوسي)، أردي Ardipithecus ramidus، أورورين توجنسيس Orrorin tugensis وغيرها. للحصول على نظرة عامة موجزة عن هذه الحلقات المفترضة، انظر لونيج (2019)(38) أدرجت هناك سلسلة من الإشارات إلى أوراق وكتب لا تفترض ببساطة مسبقًا التطور والداروينية الجديدة، باعتبارها الحقيقة النهائية لأصل الأنواع التي لا يوجد أي بديل علمي لها (كما هي الممارسة الشائعة في الوقت الحالي). وبدلاً من ذلك تناقش هذه الأعمال بدقة التفاصيل ذات الصلة، وتبيِّن عدم إمكانية إثبات السيناريوهات التطورية التي تعطى عادة لهذه الحلقات المرشحة التي تُطرح عمومًا كحقائق علمية لا جدال فيها.

     وضع حاليًا علماء الأحياء التطوريون على العموم، وعلماء الإنسان القديم خصوصًا مجموعة من الأنساب “الفيلوجينية” لنشأة الإنسان. ولكن هذه الأنساب تناقض بعضها البعض بوضوح بشأن الأسئلة الأساسية (ومنهم الباحثون الذين يقرُّون بأمانة بوجود أعداد أكبر من علامات الاستفهام لجميع الحفريات، التي لا يمكنهم تعيين مكانها الأكيد بما يمكن اختباره علميًا في مخططاتهم التطورية)، مما يبيّن عدم كفاية الإجابات المقدمة حاليًا. للاطلاع على مناقشة مفصلة لمثل هذه السلالات المتناقضة.

 

راجع: “تطور الإنسان: ماذا نعرف حقًا؟ اختبار نظريات التدرج، والتطور القافز والتصميم الذكي”

“The Evolution of Man: What do We Really Know? Testing the Theories of Gradualism, Saltationism and Intelligent Design.”

 

  • تشارك 98.5 % من هوية الحمض النووي إنسان/شمبانزي؟

     على الرغم من دحض هذا الرقم منذ فترة طويلة، إلاّ أنّ التأكيد على أنّ الحمض النووي البشري والشمبانزي يتشاركان هوية 98.5 في المائة تقريبًا ما زالت تُكتب في العديد من الأوراق والكتب. تمّ التعبير بوضوح عن الوضع الحالي من قبل ريتشارد بوجز، أستاذ علم الجينوم التطوري في جامعة كوين ماري في لندن. فسأل “ماذا تقول البيانات اليوم في عام 2018، وكيف يمكن وصفها للجمهور بطريقة مناسبة؟”  الإجابة الرئيسية كانت: “النسبة المئوية الإجمالية للجينوم البشري التي يمكنني أن أعرف يقينًا تطابقها مع جينوم الشمبانزي هي 84.4 بالمائة” (“رابطنا بالحد الأدنى”)(39)، أي يوجد أكثر من 450 مليون اختلاف (15 في المئة من 3 مليارات زوج من الأسس = 450 مليون) وكذلك “فقد بدأنا نرى وجود اختلافات عميقة بين القرد/الإنسان تتجاوز تسلسلات الحمض النووي. ويشمل ذلك العديد من الأنظمة اللاجينية (فوق الجينية) مثل تشكيل تفاضلي للجسيم النووي nucleosome، بنية الحمض النووي ثلاثية الأبعاد، عملية متيلة الحمض النووي methylation، النسخ، ربط الحمض النووي الريبي، تحرير الحمض النووي الريبي، ترجمة البروتين، وارتباط البروتين بالغيكوزيل.glycosylation (40) 

 

  • ما الذي يحفِّز علماء آثار الإنسان القديم؟

     نشر ريتشارد ج ديلزل Richard G. Delisle، عالم آثار الإنسان القديم التطوري والفيلسوف في جامعة ليثبريدج، كندا، سلسلة ملاحظات آسرة في مقالته بعنوان “البحث الخادع عن ‘الحلقات المفقودة” في تطور الإنسان، 1860-2010: هل يعمل علماء آثار الإنسان القديم دائمًا وفق أفضل مصلحة لاختصاصهم؟” أود توجيه القارئ إلى بعض النقاط تحت عنوانه الفرعي، “ ما الذي يحفز علماء آثار الإنسان القديم ؟”(41)

     ويصفها بأنّها “ممارسة شائعة في اختصاص علم آثار الإنسان القديم: وهي إستراتيجية ذات شقين؛ تتمثل في الادعاء بأنّ ما اكتشفه المرء يرجح أن يكون حلقة تطورية مباشرة للبشر، وإزالة عينات أخرى من هذا الموضع (إذا لزم الأمر).”

     لماذا؟ حسنًا، لأنّ الشهرة العلمية على المحك. “لا شك أنّ اكتشاف “الحلقة المفقودة “المزعومة يجذب الانتباه أكثر من اكتشاف عينة تُعتبر “نهاية طريق تطوري مسدود.” وواقعيًا فإنّ السعي وراء التقدير داخل وخارج حدود اختصاص المرء هو سمة مشتركة للمساعي العلمية، علم آثار الإنسان القديم هو أحدها.”

     يكتسي اهتمام وسائل الإعلام أهمية قصوى: “على سبيل المثال، فإنّ الإذاعة والتلفزيون والأفلام الوثائقية والمجلات العلمية الشعبية والكتب شبه الشعبية وحتى المجلات والدوريات العلمية ذات معامل التأثير الكبير – من الأرجح أن تغطي حدثًا يعلن اكتشاف “حلقة مفقودة” جديدة، لا سيما إذا كان ذلك سيؤثر على وجهات نظر التطور البشري. وإن تم هذا مع وجود خطر تشويه الرسالة العلمية في سبيل جذب انتباه الجمهور” (انظر مراجع عديدة لهذه العبارات في المقال الأصلي).

     تلعب ضرورات التمويل دورها: “تكون وكالات التمويل عادة أكثر سخاءً في الاكتشافات المهمة، مثل تلك التي تتعامل مع الحلقات المفقودة” ويواصل قائلًا: “لسوء الحظ، بالنظر لشح الموارد المالية المتزايد، تُجبر وكالات التمويل على تقييم التأثير المحتمل لمشاريع البحوث التي تدعمها. وبالتالي يكون البحث عن الحلقات المفقودة المحتملة أكثر جاذبية في جوهره من مجرد إضافة عينة أخرى إلى سجل أحفوري معروف، خاصة إذا كان هذا البحث يؤكد هوية طريق تطوري مسدود فقط.”

     ونوقشت المزيد من النقاط في المقال. “بالمجمل: (1) غالبًا ما يُدفع علماء التطور البشري باعتبارات غير علمية، بما فيها الشهرة، واهتمام وسائل الإعلام، والتمويل، والحظ (مع أسباب أخرى)؛ و (2) يعود معظم هذا إلى علم اجتماع العلوم أكثر منه إلى الصرامة العلمية أو المعرفية. … يدَّعي المكتشفون مرارًا وتكرارًا عثورهم على حلقات مفقودة، رغم أنّ معظم ذلك غير صحيح – كما يشكون بذلك أنفسهم – وهو أمر مقلق، ويكشف عن افتقار علم آثار الإنسان القديم إلى الصرامة العلمية والنضج العلمي.”

 

  • دفاع عن التصميم الذكي

     نُشرت سلسلة شاملة من الكتب والمقالات حول هذا الموضوع في العقود الأخيرة. ومن المؤلفين فيها: آكس Axe، بيهي، بيثيل Bethell، ديمبسكي، دنتون، جونسون، ليسولا، لونيج، ماير، موريلاند Moreland وزملائه، ريمين ReMine، سانفورد Sanford، شيرير Scherer، سيويل Sewell، سويفت Swift، ويلز Wells، وكثيرون غيرهم.

     وغاية ما يمكنني فعله هنا هو إعطاء تلميحات ودعوة القارئ للاطلاع على منشورات المؤلفين، والتي يمكن العثور عليها بسهولة على محرك بحث غوغل (يكفي عادةً البحث عن أسماء المؤلفين المعنيين وإضافة عبارة “التصميم الذكي”).(42)

     ربما نقدم ملاحظة إضافية أخرى من عالم فيزيولوجيا الخلية سيغفريد ستراغر Siegfried Strugger: “إنّ الخلية هي النظام السيبراني الأكثر مثالية(43) على الأرض [تتكون من آلاف وظائف الجينات المتطابقة بشكل دقيق من الناحية المكانية وتفاعلات الجينات وشلالات التفاعلات والمسارات في شبكة مستقرة من العمليات الفيزيولوجية المعقدة ببراعة، تتميز بالتعقيد المحدد وغير القابل للاختزال (في كثير من الأحيان) بما في ذلك وفرة من المعلومات، ربما بحجم غيغابايت إلى تيرابايت وأكثر]. إن كل الأتمتة في التكنولوجيا البشرية، عند مقارنتها بالخلية، ليست مبدئيًا سوى انطلاقة بدائية للإنسان للوصول إلى التكنولوجيا الحيوية.”(44)

     تأمَّل من فضلك: الفعل الواعي، والمخيلة، والإدراك، والذكاء، والفكر، والحكمة، والمفاهيم العقلية، والروح، والعقل التي كانت فعلاً ضرورية للغاية في “الانطلاقة البدائية”. فكم يلزم زيادة منها للاستدلال على التصميم الذي يطالب به أصل أنظمة سيبرانية في الحياة هي أكثر تعقيدًا ودقة(45) “أشكال لا نهاية لها، غاية في الجمال والروعة”(46) وهذا يشمل طبعًا جميع بنى علم الأحياء ذات التعقيد النوعي وغير القابل للاختزال!(47)

     من وجهة نظري فما يمكن أن يقدم تفسيرًا وافيًا للانفجار الكبير لنشأة الإنسان هو التصميم المبتكر – وليس العشوائية والفلسفة المادية التي تقول “صَنَع العدم كل شيء دون سبب”. النزعة التدريجية هي وهم. تمّ اختبار الطفرة والانتقاء الطبيعي ووُجد أنّهما قاصرين. جميع الأُطُر الزمنية التطورية المقدمة قصيرة جدًا لدرجة لا يمكنها الوفاء بالمهام. إنّ السلالات المتناقضة والتفسيرات المتعارضة تمامًا لكل الحلقات المفترضة تقريبًا بيّنت أنّه “مع كل الأدلة الأحفورية والتقنيات التحليلية في الخمسين عامًا الماضية، لا يزال وجود فرضية مقبولة عن نشأة الإنسان أمرًا بعيد المنال” أود الإضافة إلى “… نشأة الإنسان أمرًا بعيد المنال ” إنّ نسبة 98.5 % المشتركة لهوية الحمض النووي بين الشمبانزي والإنسان قد كشفت قناع الوهم الفعال للدعاية. وهذا لا يتناول حقيقة أنّه “غالبًا ما يدفع علماء التطور البشري باعتبارات غير علمية، بما فيها الشهرة، واهتمام وسائل الإعلام، والتمويل، والحظ (مع أسباب أخرى)”.

     الأدلة وافرة لتؤكد التفرد البشري وكذلك التعقيدات المذهلة للبنى المتزامنة على جميع مستويات الكائن الحي، من الحمض النووي، والحمض النووي الريبي، والأنظمة الخلوية والنسيجية المضبوطة مثاليًا بدقة في الأعضاء وشبكات الأعضاء المنسقة، أدمجت في كائنات حية كاملة وأنواع حيوية متعايشة biocenoses والعكس بالعكس تنطوي على نشأة كميات هائلة من المعلومات لتوليد خصوصيتها اللازمة وعدم قابليتها للاختزال. وآمل أن يدعو كل هذا القارئ غير المتعصب إلى التفكير بجدية في نظرية التصميم الذكي في دراساته العلمية القادمة.

اقرأ ايضاً: التطور: نظرية فنّدتها الحقائق


المراجع:

 

  1. Phillip E. Johnson: 18 June 1940 – 2 November 2019, professor at Boalt School of Law at the University of California, Berkeley (faculty member from 1967 to 2000 and subsequently emeritus professor).
  2. For the usage and development of the term “neo-Darwinism” please see http://www.weloennig.de/BegriffNeodarwinismus.html See also http://www.weloennig.de/PlantGalls.pdf footnote p. 1. For more recent examples you may check, for example, Denis Noble 2020: https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/B9780128160534000213 and many more instances at Google Scholar (https://scholar.google.de/): Neo-Darwinism 2020 and/or since 2016 or any time.
  3. “…this [being an outsider] could perhaps also be said of Darwin (Wuketits, 2015) who after two years of studies dropped out of medical school in Edinburgh and then decided to become a clergyman, enrolling at Christ’s College, Cambridge, for the necessary BA — the first step to prepare him for a career in the Church of England.” Wolf-Ekkehard Lönnig, “Mendel’s paper on the laws of heredity (1866): Solving the enigma of the most famous ‘sleeping beauty’ in Science.” ELS (March 2017, p. 2). For an abstract, see https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/9780470015902.a0026823
  4. See, please, again: Wolf-Ekkehard Lönnig, “Mendel’s paper on the laws of heredity (1866): Solving the enigma of the most famous ‘sleeping beauty’ in Science.” ELS (March 2017). For an abstract, see https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/9780470015902.a0026823
  5. Cf. for a comprehensive book on the topic: Harman and Dietrich: Outsider Scientists. Routes to Innovation in Biology (Chicago: University of Chicago Press, 2013). https://www.press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/O/bo16643152.html .
  6. Focus on Darwinism – An Interview with Phillip E. Johnson. https://www.youtube.com/watch?v=yc4Pz_f4OPo (online 13 August 2014). For an independent analysis of the Darwinian method regarding outsiders see Lönnig http://www.weloennig.de/mendel06.htm 1998 and 2001.
  7. https://en.wikipedia.org/wiki/Phillip_E._Johnson (retrieved 3 December 2019; emphasis added)
  8. For all the references of the Darwin quotes, see, please http://darwin-online.org.uk/
  9. Hebrews 18:8; Authorized King James Translation 1611: https://books.google.de/books?redir_esc=y&hl=de&id=SF1CAQAAMAAJ&q
  10. Wolf-Ekkehard Lönnig,“Evolution by Natural Selection – Unlimited and Omnipotent?” See http://www.weloennig.de/OmnipotentImpotentNaturalSelection.pdf (2018): and Wolf-Ekkehard Lönnig (2016): “On the Limits of Natural Selection.” Cf. http://www.weloennig.de/jfterrorchipmunks.pdf
  11. See please again http://darwin-online.org.uk/
  12. See documentation by Wolf-Ekkehard Lönnig, “The evolution of man: What do we really know? Testing the theories of gradualism, saltationism and intelligent design.” http://www.weloennig.de/HumanEvolution.pdf
  13. Various numbers are given for the assumed split between Homininae and Ponginae: 14 to 18 million years ago, for example in: https://en.wikipedia.org/wiki/Orangutan%E2%80%93human_last_common_ancestor (retrieved 31 December 2019) 7 to 10 million years: https://www.britannica.com/science/human-evolution/Background-and-beginnings-in-the-Miocene However, the latter source seems to refer only to the hypothesized split between the tribes Hominini and Gorillini.
  14. https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/c/c2/Human_evolution_scheme.svg/1024px-Human_evolution_scheme.svg.png?uselang=de (Original by José-Manuel Benitos) See also: comment at https://latentparadigm.wordpress.com/2016/12/12/neo-lamarckian-confusion-as-a-weak-attack-on-nativism/ Illustration below: https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/4/4b/Origin_of_Species.svg
  15. Bernard Wood, “Who are we?” New Scientist 176 2366: 44-47. 26 October 2002: https://www.newscientist.com/article/mg17623665-300-who-are-we/
  16. Wikipedia: “Orthogenesis” (retrieved 12 January 2020).
  17. Ian Tattersall, Masters of the Planet: The Search for our Human Origins (New York: Palgrave MacMillan, 2012, and New York: St. Martin’s Griffin, 2013), 207.
  18. Bernard Wood, “Human evolution: Fifty years after Homo habilis.” Nature 508: 31-33 (2014).
  19. Jeffrey H. Schwartz, Sudden Origins. Fossils, Genes, and the Emergence of Species (New York: John Wiley and Sons, 1999), 378. See also: Jeffrey H. Schwartz (Ed.), Rethinking Human Evolution (Cambridge, Mass. Massachusetts Institute of Technology 2018. For a critical discussion of the hypotheses of Schwartz (1999), see Stephen C. Meyer (2013/2014): Darwin’s Doubt, pp. 317-321.
  20. John D. Hawks: Associate professor of anthropology at the University of Wisconsin–Madison; Keith Hunley: Associate Professor Department Chair, the University of New Mexico; Sang Hee Lee: Professor of Anthropology at the University of California, Riverside; Milford Wolpoff: Professor of Anthropology, University of Michigan, Museum of Anthropology.
  21. As to “penecontemporary australopithecines”: See, however, Chapter 11 Coexistence Australopith & Man: Pp. 233-267 of Christopher Rupe and John Sanford, Contested Bones (Canandaiguam NY 14424: FMS Publications, First edition, Second [revised and enlarged] Printing 2019).
  22. Günter Bechly: Check please https://evolutionnews.org/ there all eight contribution by Bechly on Human Origins up to 6 Sept. 2019.
  23. Christopher Rupe and John Sanford, Contested Bones (Canandaiguam NY 14424: FMS Publications, First edition, Second [revised and enlarged] Printing 2019). Since apart from the exquisite scientific analyses, sometimes (although rarely and briefly) specific religious ideas are implied or addressed by Rupe and Sanford (“Our Personal Perspective”, pp. 351-353), I would like to mention that I can follow the authors only partially on this level, yet would have to contradict them on several basic points. This can also be said about the materialist religion of the Darwinian authors, as in part discussed in the present article (“re-ligio”: bound to a postulate). For more on this point, see http://www.weloennig.de/HumanEvolution.pdf p. 33 (2019). In brief: I respect their different world views without following them.
  24. For the references cf. “Missing transitions: Human origins and the fossil record,” Chapter 14, pp. 437-473 in J. P. Moreland et al. (ed.): Theistic Evolution. (Wheaton, Illinois: Crossway, 2017).
  25. http://ns.umich.edu/Releases/2000/Jan00/r011000b.html
  26. Marks J., “What is the viewpoint of hemoglobin, and does it matter?” Hist Philos Life Sci 31(2):241-62, p. 246, 2009.
  27. https://evolutionnews.org/2019/01/on-being-human-a-reflection/
  28. See again: http://www.weloennig.de/HumanEvolution.pdf (now pp. 10/11)
  29. Michael Egnor, “Atheism Is a Catastrophe for Science,“ https://evolutionnews.org/2016/09/atheism_is_a_ca/ (September 2016).
  30. George Gaylord Simpson, The Meaning of Evolution (New Haven: Yale University Press, 1950). Quoted according to Richard Weikart, The Death of Humanity and The Case for Life. Introduction. (Washington and New York: Regnary Faith, 2016). Simpson similarly in his revised edition of 1967, pp. 295, 345.
  31. Stephen Jay Gould, Wonderful Life. The Burgess Shale and the Nature of History (New York and London: W.W. Norton & Company, 1989). Paperback 1990.
  32. Ola Hössjer and Ann Gauger, “A single-couple human origin is possible“ BIO-Complexity (2019) (1): 1-20, See also https://bio-complexity.org/ojs/index.php/main/article/view/BIO-C.2019.1/BIO-C.2019.1
  33. Richard Dawkins, “The Alabama Insert”. Excerpted from: Charles Darwin: A Celebration of his Life and Legacy. Editors: James T. Bradley and Jay Lamar.
  34. Theodosius Dobzhansky, Genetics and the Origin of Species. (New York: Columbia University Press, 1937).
  35. Litynski, Z. (1961). “Should we burn Darwin?” Science Digest 51 (1961): 61-63.
  36. Jacques Monod, Chance and Necessity (New York: Vintage Books, 1972) 112 below: https://monoskop.org/images/9/99/Monod_Jacques_Chance_and_Necessity.pdf
  37. John Sanford, Wesley Brewer, Franzine Smith, and John Baumgardner “The waiting time problem in a model hominin population”. Theoretical Biology and Medical Modelling(2015, Sep 17), 1-22. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4573302/
  38. Wolf-Ekkehard Lönnig, “The Evolution of Man: What do We Really Know? Testing the Theories of Gradualism, Saltationism and Intelligent Design” (2019, 70 pp.) http://www.weloennig.de/HumanEvolution.pdf
  39. https://discourse.biologos.org/t/human-chimp-genome-similarity/38409/6 Further Details at: http://richardbuggs.com/index.php/2018/07/14/how-similar-are-human-and-chimpanzee-genomes/ (retrieved 7 December 2019)
  40. Christopher Rupe and John Sanford, Contested  Bones (Canandaiguam  NY  14424: FMS  Publications, First edition, Second [revised and enlarged] Printing 2019, p. 311).
  41. Text at https://azpdf.tips/rethinking-human-evolution-pdf-free.html (retrieved 7 December 2019).
  42. “Unbiased as I am,” I have enumerated here only some authors pro intelligent design, presently the minority position in biology. There are of course also many critics of the theory.
  43. For the principal identity of cybernetic systems in technology and organisms, see please Wolf-Ekkehard Lönnig, Auge widerlegt Zufalls-Evolution (Cologne: Naturwissenschaftlicher Verlag Köln, 1989): Chapter Die Entstehung des Auges: http://www.weloennig.de/AuIEnt.html
  44. Siegfried Strugger: Botanik (Frankfurt am Main: Das Fischer Lexikon. Fischer-Taschenbuch-Verlag, 1962). Text in square brackets added by W.-E. L.
  45. On the depth of the problems involved in the origin of life, see, for example James Tour, “Time out, an appeal to the OOL research community,” Inference 4, Issue 4, July 2019: https://inference-review.com/article/time-out For several further critical articles on the topic of the origin of life by the author, see https://inference-review.com/author/james-tour
  46. Darwin: Formulation in the last sentence in the Origin: See http://darwin-online.org.uk/
  47. Michael J. Behe, Darwin Devolves (New York: HarperOne, 2019).

 

Photo: An artist imagines Australopithecus afarensis, Hall of Human Origins, Smithsonian National Museum of Natural History; reconstruction by John Gurche; photographed by Tim Evanson / CC BY-SA.

 

المصدر
EvolutionNews

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى