فكر وثقافة

الطبيعة، علاجٌ لمرض الحداثة

  • نشر: TheSchoolOfLife
  • ترجمة: يوسف عسيري
  • تحرير: أسامة خالد العمرات

تعاطى العصر الحديث مع الطبيعة بشكل غير مسبوق؛ ربما لم تتعامل العصور السّابقة مع الطبيعة بهذا الاحترام، فقد أزال اليونانيون القدماء معظم الأشجار من سواحلهم، وقام الرومان بإتلاف الغابات في أماكن كثيرة في شمال إفريقيا، وقتلوا جميع الحيوانات البرية لاستخدامها في الطعام والمعارك والمصارعة، فهذا هو المؤرخ الروماني بليني، يرثي كيف قتل النبلاء أفيال افريقيا لإشباع شهوتهم في الحصول على العاج المُزيِّن لفرشهم، لكنّ العالم القديم لم يكن فيه عنجهية هوجاء، وديناميت ومناشير ومبيدات حشرية وبنادق ومصانع معالجة.

عندما أُنشِئت السّكَك الحديدية في القارة الأمريكية، اُختُرِقت الطبيعة بتوسع غير مسبوق، ففي القرن السادس عشر كان هناك ٢٥ مليون ثور أمريكي، لكن بحلول نهاية القرن التاسع عشر أصبح العدد أقل من مئة، كان هناك مليار شجرة، وبحلول عام ١٩٠٠ اختفى ٨٥٪ من تلك الأشجار.

جماجم الثيران الأمريكية تنتظر المعالجة الصناعية في ميتشغان، 1892 Michigan Carbon Worksديترويت؛ استخدمت العظام لصنع الغراء والاسمدة والحبر.

 

غابة قُطعت على الطريق بين نيويورك واكرون، اوهايو – جيمس ريدير، (المحيط الاطلسي والسكك الحديدية الغربية الكبرى) – المعرض الوطني للفنون، واشنطن.

في البلدان الحديثة، عرف الناس أنّهم يفقدون شيئاً مهماً، وأجريت العديد من المحاولات لإبطاء الانقراض، حيث وضع وادي يوسمايت تحت الحماية من قبل إبراهام لينكولن في عام ١٨٦٤، وأنشأ الكونغرس منتزه يلوستون الوطني في عام ١٨٧٢، وأنشأ ويلسون خدمة المنتزه الوطني في عام ١٩١٦ في إنجلترا، كانت منطقة البحيرة محميّة بالقانون في أواخر القرن التاسع عشر في أستراليا، وأُنشِئت الحديقة الوطنية الملكيّة جنوب سيدني عام ١٨٧٩، وأَنشَأت سويسرا أول حديقة وطنية أوروبية في عام ١٩١٤، كما أَنشَأت معظم المدن الحديثة حدائق مجانية لسكانها؛ ففي ميونخ عام ١٧٨٩ تأسست حديقة إنقلشير غارتن، وفي ١٨٤٦ تأسست حديقة فيكتوريا في لندن، وافتتحت حديقة لينكولن في شيكاغو عام ١٨٦٥، وسنترال بارك في نيويورك عام ١٨٧٦.

عند تبرير أهمية الطبيعة ووجوب المحافظة عليها؛ هناك جواب واحد يطرحُه مروّجُو الحدائق الوطنية والحضرية، وهو أنّ المجتمعات الصناعيّة -بمصانعها وشوارعها المزدحمة وتكتُّلات المساكن- جعلت من الضروريّ للناس أنْ يحصلوا على فرصة للخروج إلى الطّبيعة والهواء النقيّ ومُمارسة الرياضة، كان لا بدّ من الحفاظ على الأشجار والحدائق حتى يتمكنوا من الحفاظ على لياقتهم.

ولكن هناك شيء آخر أقل ذكراً ولكنّه أجدر بالإشارة؛ وهو فكرة أنّ الطبيعة ضروريّة للغاية “لأرواحنا”. ولَئِنْ كانت الأصوات التي تتجرّأ على قول هذا قليلة؛ فيبدو أنّ الطبيعة كانت مُهمّة في علاج العِلل النّفسية التي وُلِدَتْ من رَحِم الحداثة، كما كانت علاجاً للعِلَلِ الجسديّة؛ لقد جَعَلتْنا الحداثة غير مستقرين عقلياًّ، ولكن ما تزال الطبيعة تحتفظ ببعض العلاجات.

 

فماذا قد تكون الفوائد العلاجيّة؟

هناك -على الأقل- خمس أفكار مقترحة:

أولاً: إعادة المعايير

عندما بدأ الرُّوّاد الأوروبيون قطع طريقهم عبر القارّة الأمريكيّة في بدايات القرن التّاسع عشر، كان هناك رجل أعمال فرنسي – أمريكي صغير يدعى جون أودوبون، لم يكن يسعى وراء الجُلود أو الذهب أو الثيران، لقد كان مُهتمّاً بالطيور، كان مفتوناً بها منذ طُفولته، وأعلن عن نيّته في رسم كل أنواع الطيور في أمريكا، واستطاع أن يرسم ٤٣٥ من أصل ٢٠٠٠، والتي كان قد نقشها على لوحات كبيرة من النّحاس وجمعها معاً في أحد أكثر الكتب نجاحاً في القرن التاسع عشر: “طيور أمريكا” – منشور بين ١٨٢٧ و ١٨٣٨ (كان لدى الملكة فيكتوريا نسخة منه وكذلك تشارلز ملك فرنسا والرئيس الأمريكي جيمس بولك).

جون أودوبون، بطة مالارد ١٨٣٨

كثير من طيور أودوبون كانت فريدة، أبعد من أن يكون قد رآها جمهورُه، لكنّ أحد أكثر رُسوماتِه التوضيحيّة شيوعاً هي بطة المالارد (بطة برية) برؤوسها الخضراء ورقابها البيضاء، ويمكن التّعرُّف عليها بسهولة لأي أحد قُدِّر له أن يجلس في حديقة عصريّة في أوروبا أو أمريكا الشمالية.

وبالرغم من شهرتها؛ فقد تكون علاجاً بمجرد رؤيتها، حيث أنّ جزءاً مما يجعل تلك الحيوانات كذلك؛ هو أنّها غير مُكتَرِثة بماهيّتنا أو من نكون؛ يجدّفون حولنا وبجانبنا، ويبحثون عن اليعسوب أو الدّيدان دون خوف أو محاباة، كل ما يُثيرُنا ويُقلِقنا ويجعلنا نشعر بالخجل أو يشعرنا بالشوق؛ لا يهم تلك البطة.

قد تكون شخصاً مهماً في المجتمع، أو واحداً من أكثر النّاس تفاهةً وإضراراً، كل هذا لا يعني شيئاً عند البطة، فهي لا تهتم بتاريخنا المُضطرِب ومِزَاجِيّة حكوماتنا، والانتكاسات في اقتصاداتنا، وصدماتنا في حياة المشاهير لدينا من المُمَثّلين.

يرى البطُّ الأمور كما هي وبنفس الطريقة منذ قرون، لم يكن فقدان المُستعمرات الامريكية أو هزيمة نابليون في واترلو ولا العواطف التي تعذّبنا اليوم؛ تثير شيئاً في البطّ.

قد يبدو البَطُّ وحيداً في مواجهة هذه العزلة، ولكنّها في الواقع أعظمُ راحةً من عذاب الحياة في خليّة النّحل البشريّة؛ حيث كل ما نقوله أو نفعله، وكل الثرثرة عنّا، وسعيُنا للسُّمْعَة، وكبريائنا المجروح؛ كل هذا يستهلِك الكثير من طاقاتنا العصبية، ويُزلزِلنا في ليالينا المضطربة.

في تورُّطِنا بإحكام مع بشر آخرين؛ نحن لا نقطع عن أنفسنا الهواء النقي فقط، بل نحرم أنفُسَنا من تجربة “الآخر” من المخلوقات التي تضع موسيقاها الخاصّة كمعيار تجاهل لوجودنا المتغطرس، وتركِّز على أولوياتها المختلفة تماماً عن أولوياتنا.

عند السّير في طريق عصري حديث؛ يظهر ارتجافُ وكَدَحُ عِرقنا البائس باستمرار، تَنْجَذِب أفكارنا إلى ما لم نحقّق وما نزال نريده بشدة، وتدعونا الإعلانات إلى تغيير رغباتنا، وتثير غضبنا وتزعجنا، ومعلوماتنا عن زملائنا ومعارفنا تُلْهِبُ حماستنا التنافسية.

إذن، بطّةُ المالارد ليست مجرد مخلوق مثير للاهتمام في منتصف الطريق يمكن اكتشافه أثناء المشي؛ إنّها تُعَد ركيزة من الحقيقة تنتظرنا في إحدى البِرَكِ في فيكتوريا بارك، أو لينكولن بارك، أو سنترال بارك، تنتظر أن تُخبِرَنا بشيءٍ لن يُطْلِعنا عليه أيّ أحد في هذه المدينة الكبيرة، ليس شيئاً عنّا -جيداً أو سيئاً أو مُؤسِفاً أو مُبهِجاً، أو له أي منفعة لأيّ شخص خارج فُقاعتنا؛ باختصار، ولحسن الحظ، نحن غير مُهِمّين، إنّها واحدة من أكثر الرسائل سخاءً ولطفاً وضرورةً؛ يأمُل أيّ شخص من الحداثة في سَمَاعِها.

عشر دقائق سيراً علي الاقدام The Lustgarten and the relief of a mallard بول هونيغر، سبتلماركت ١٩١٢

 

ثانياً: الضرورة

تقوم الحداثة على فكرة أنّه بإمكاننا -من خلال قوة الإرادة والبَرَاعة- تغيير ظروفنا، حيث يُمكِنُنا تحويل الأنهار، أو تحويل ثرواتنا أو ابتكار آلات خارقة، أو بدء حياة جديدة في قارات أخرى.

لكن تَخَيّل لِلَحْظَة شجرةً في الخريف، شجرةً كبيرة، بَلُّوط أو أسبن، أواخر أكتوبر في عام معتدل، لفتره طويلة صَمَدت الأوراق، لكنّها الآن تَذبُل، تحكي قصّةً فضيّةً رماديةً، أو مغارةً مَشُوبَة بالسّواد، وفي غضون بضعة أسابيع وعاصفة أو عاصفتين عاتيتين من الشرق؛ ستذهب مِئتا ألف ورقة من الغابة أدراج الرياح، حيث تنتظر اليرقات وقوالب الوحل وديدان الأرض والبكتيريا؛ تَحَلُّلَ هذه الأوراق إلى نشارة أوليّة.

لا شيء يمكن أن يُوقِف عملية الاضمحلال تلك، طوال الصيف قامت الأوراق بحمايتنا وتصفية قسوة ضوء الشمس الساطع، ورسم أنماط متقاطعة لطيفة عند الغسق، وفي الربيع؛ كان مظهر الأوراق رمزاً للأمل والبدايات الجديدة، والآن؛ تنبعث من الهواء رائحة الموت والانحلال.

حياتنا ليست أقلّ عُرضة من هذه الأشجار لقوانين الطبيعة، نحن أيضاً نولد ونكبر ويجب أن نموت، هناك خريف في سنواتنا لا يمكن لشيء أن يحمينا منه؛ ولكن بالتفكير في عمليات النمو والانحلال غير الخاضعة لتحكم الإنسان في الطبيعة؛ قد نَقبَلُ كُلّ ما علينا أن نتخلى عنه بجدية أكبر، ونرى أنّه قد أُخذ منّا بمرور الوقت.

هناك قوانين طبيعية لا يمكننا مُقاومتها، ولا تَتَغَلَّبُ عليها لا الآلات ولا البلاغة ولا المال ولا السلطة. الإمبراطور والزعيم عرضة للخطر تماماً، مثل المُعْدَمِ أمام سُنن العالم الطبيعي التي تطحن كل واحد منا لتعيده إلى جُزيئاته الأولية؛ قد يبدو الأمر مأساوياً، ولكن هناك ارتياح من هوس صرامة الأنا في مشهد الطبيعة الفسيح، الأشجار المهيبة تُحَوِّلُ ما قد يبدو إهانة إلى استسلام نبيل لخصم مذهل.

في عام ١٨٥٣ تلقى الرسّام الأمريكي جورج انيس رسالة من رئيس شركة ديلور ولاكاوانا وشركة السّكك الحديديّة الغربية، الذي كان فخوراً جداً بِخَطٍّ جديدٍ قَطَعَهُ هو وفريقُهُ من الطبيعة البِكر لربط بافولو مع نيو جيرسي.

طُلِبَ من أنيس التأكيد في الرّسمة على اكتساح مسار السّكة الحديديّة وتسوية محطّة القطار الدائريّة، ولكنّ أنيس لم يكن متأكداً من هذه الأولويات؛ لقد كان مغرماً جداً بالأشجار ومكانتها وأناقتها، ولكنّ الأهم من ذلك هو حِكمَتُها الفلسفيّة، لهذا السّبب عندما جاء لرسم وادي لاكاوانا عام ١٨٥٥ أدْرَجَ الكثير من جذوع الأشجار المُتعارضة في مقدّمة رسمته الزيتية.

إنَّ الحضارة المُتحَمّسةَ لوصول القطار والتي لم تعبأ بنهاية الطبيعة؛ لهي حضارة قد ضَلَّت عن أولوياتها تماماً.

إنّها أيضاً حضارة يقودها أشخاصٌ نسوا أنّهم لا يزالون خاضعين لقوانين الطبيعة، حتى لو كان بإمكانهم الآن الوصول الى المدينة في بضع ساعات لشراء قُبعة أو نقل عربة الفحم، إلّا أنّهم لا يستطيعون الاختباء عن القيود المفروضة على جميع الكائنات الحية.

لم يكن من المستغرب قطع هذه الأشجار، لقد كانوا يتحدثون بصوت عالٍ جداً إلى بعض رجال سكك الحديد عن الغرور في كل شيء.

 

ثالثاً: الطمأنينة

قضى الفيلسوف فريدريك نيتشه سبعة فصول صيف – في عام ١٨٨١ ومرة ​​أخرى بين عامي ١٨٨٣ و١٨٨٨- في قرية جبال الألب العالية سيلس ماريا في الزاوية الجنوبية الشرقية من سويسرا، حيث استأجر غرفة في مزرعة متواضعة -بعيداً عن المُدن المزدحمة والعواطف الحضرية المضطربة التي كان يخشاها- وكَتب بعضاً من أشهر أعماله: هكذا تكلم زرادشت، والعلم المرح، وأفول الأصنام.

 

كان يستيقظ في وقت مبكر جداً، ويكتب إلى بعد الظهر، وبعدها يخرج من ساعتين إلى ثلاث ساعات يتمشى -حيث كان على دراية بالمَمْشى الجبليّ الرّمادي الذي تعيش فيه جماعة معروفة باسم برونافيه، وعثر على مجموعات منهم في معظم المراعي، ووقع نيتشه في حبهم.

 

كان مفتوناً بصبرهم وحكمتهم في الحياة التي غالباً ما تكون أقل مثالية، لم يُظْهِروا أيّ نفاد صبر أو غضب، لا يبدو أنّهم يعانون من الحسد أو الندم على الفرص الضائعة، وبدا أنّهم لا يملكون خططاً للانتقام أو الخوف من المستقبل، لقد تصرفوا بهدوء في المطر وتحت أشعّة الشمس، عندما يهبط الرذاذ على أنوفهم وتُغنّي أجراسهم الثقيلة في رقابهم.

 

شعر نيتشه أنّهم وصلوا إلى حالة الهدوء والتوازن التي كانت هدفَ كلّ فلسفة الرواقيّين القدماء، وهي إطار ذهني يعرفه الإغريق باسم الـ “طمأنينة”.  ربما لم يقرؤوا الكثير من كتب زينون أو سينيكا، لكنهم كانوا فلاسفة بحق، لقد أعطاهم نيتشه دوراً مركزيّاً في فلسفته الخاصة في كتابه: هكذا تكلم زرادشت، حيث قال: “ما لم نتغير (أو نتحول) ونصبح أبقاراً فلن ندخل أبداً مملكة السماء”.

 

رابعاً: التساؤل

قد يكون من السهل جداً أن تشعر بالملل والخمول في العصر الحديث، فغالباً ما تكون الأشياء المثيرة ماديّة ومكلفة وبعيدة المنال، لا شيء في حياتنا قد يبدو مثيراً ومُمَيَّزاً كما ينبغي؛ ما زلنا نفتقر إلى الكثير، لم نكن هكذا، بمجرد أن كُنّا في الثالثة من العمر كان كل شيء مدهشاً: مفتاح الضوء، والسحاب على سترتنا، وطريقة إغلاق الباب. منذ ذلك الحين انخفض حماسنا، ولكنّ التشجيع على عدم فقدان طعم الوجود يكثُر في مشهد الطبيعة.

حتماً، لم تتمّ دعوتنا إلى أطراف معينة، ونشعر بالتكرار كثيراً -ولكن في هذه اللحظة، في أجزاء من آسيا وأستراليا، تبني النمل مستعمراتها وتنسج أعشاشها، وتصنع الهياكل الأكثر غرابة والأكثر إثارة للإعجاب، أعدادٌ غير معقولة من هذا النمل، مئات عديدة، ستقف بدقة عسكرية على حافة ورقة كبيرة، وتتعاون مع الآخرين لرسم ورقة مجاورة لها بمساعدة خيوط من حرير اليرقات،  ثم سيقومون بخياطة الورقتين بشكل متناغم ودَؤوب مع خيط الحرير، ويَبنُون هياكل مختومة ومقاومة للماء بحجم رأس الإنسان أو أكبر، حيث تكون مستعمراتهم مرتبة بدقة.

يمكن أن نشعر بالملل لأننا في نفق نخطئ في رؤية الفتحة، يمكننا أن نشعر أنّنا قد اكتشفنا كل ما نحتاج معرفته،  لكن علينا -فقط- أن نتذكر أنّ الأمور أكثر غرابة وأكثر غباءً ما نميل للتفكير فيه في المدينة -لأننا نشارك الكوكب ليس فقط مع الأشخاص الذين درسنا معهم، والتنفيذيين التلفزيونيين ذوي القدرة العالية، ولكن أيضاً السناجب الطائرة والببغاوات وسرطان الدماء، والفراشات ذات الأجنحة الزجاجية، وسمكة الإنجلفيش الفرنسية، والحَمَام نيكوبار، والأوكابي، وصخور ألاغاما، ووزغة أبو بريص… كلهم يسهمون في دعوة عظيمة لنا لنلقي نظرة أخرى أقرب وأكثر عجباً وسِحْراً على ما يتنفس من حولنا.

 

خامساً: التواضع

واحدة من أكثر الميزات الغريبة للعصر الحديث؛ هو تزامنها مع ازدياد الاهتمام بالزهور، بحلول تسعينيّات القرن التاسع عشر، في ضواحي كل من لندن وباريس، قُدِّرَ أنّ ثلاثة أرباع أصحاب المنازل كانوا منخرطين بنشاطٍ في رعاية حدائقهم، كانت الأزهار الأكثر شعبية هي الزنابق والأقحوان والأرجوان والنرجس، الحديث عن زراعة الزهور مثير للسُّخرية لمعظم الناس ممن تحت سن الثلاثين، ومن المؤكد أنّ هناك أهدافاً أكثر إثارة وجوهرية لوضع أعيُنِنَا عليها من حَمْلِ المصابيح المؤقتة الصغيرة الملونة -عندما يكون لدينا، على سبيل المثال، حبٌّ رومانسيٌّ لاستكشافه، أو حياة مِهْنيّة أو لتحقيق النجاح، ولكن يكاد يكون من المستحيل العثور على أيّ شخص تجاوز السبعين لا يهتم بالبَسْتَنَة. بحلول ذلك العمر، ستحقّق مُعظم طموحات الناس نجاحاً كبيراً، لن يكون الحُبُّ أو العمل قد تحققا بحذافيرهما، ولكن عند هذه النقطة تبدأ التعزية التي تُقدّمها البَستَنة في الشعور بأهمية كبيرة للواقع، تصبح الزهور شيئاً نعتزُّ به على وجه التحديد، بسبب افتقارها إلى الضرورات أو العظمة العلنية.

العالم سيقاوم دائماً جهودنا ليُثني عزائمنا، ولكن في الحديقة، بالجهد والريِّ المُنتظم وبعض الحظ مع الشمس، يمكننا أن نكون القابِلات لأسابيع قصيرة لشيء مغرٍ بصرياً، كما أنّه يقدم لنا عزاءً، لقد تأثّرنا بجمال الأزهار الرقيقة لأنّنا نعرف في هذا العمر الكثير عن الألم وخيبة الأمل؛ نحن لسنا عاطفيين بقدر ما أننا مصدومون، لن نرفض إحدى هدايا الطبيعة، إنّها ليست الأكبر، ولكنها قد تكون في أمسية صيفية معتدلة كافيةً جداً.

أولئك الذين يرغبون في حماية الطبيعة من دمار الحداثة؛ غالباً ما وجّهوا نداءات قوية لاستنهاض إيثار الناس؛ لقد استثاروا معاناة الأنواع الأخرى واحتياجات الأجيال التي لم تولد بعد، ولكن نادراً ما تفوز استراتيجية قطع الأنانية من خلال مناشدات الضمير، قد يكون من الحكمة، ببساطة، أن تستهدف مصلحتهم الذاتية.

لسنا بحاجة إلى إلقاء خُطَب حماسيّة تتوسّل إلى عمال الحفر وقَطْعِ الأخشاب ليكونوا صالحين، نحتاج -فقط- إلى توضيح تكلفة ما يفعلون على أنفسهم، وبشكل أكثر تحديداً على سلامتهم العقلية، وقد تكون هناك طرق أخرى للحصول على الصّحة إلى جانب الذهاب إلى الحديقة، ولكن من الصعب تخيل نوعٍ ما يحافظ حتى على ما يشبه التوازن العقلي بدون بعض الأشجار العظيمة في مكان ما في الصورة، أو بعض الأشجار القوية جداً، أو بطة مالارد أو فريق من النمل الحائك.

اقرأ ايضاً: العدمية في فكر ما بعد الحداثة

المصدر
theschooloflife

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى