فكر وثقافة

الجرح النرجسي: من “موت الإله” عند فريدريك نيتشه إلى “الدولة المستحيلة” عند وائل حلاق!

كان المفكر المسيحي الراحل جورج طرابيشي قد أشار في زمنٍ سابقٍ إلى منهجيَّة مطروقة يتم من خلالها التعامل مع التراث الإسلامي، وكانت ولا تزال طريقة يسلكها بعض المفكرين العرب، من ماركسيين وعلمانيين ومسيحيين. وقد فَسَّرَ جورج طرابيشي موقف أولئك من التراث العربي والإسلامي -شارحًا الأبعاد النفسيَّة والفكرية التي دفعتهم إلى ذلك- بأنَّه بـ“ذبح للتراث” وفقًا “للإسقاط الإيديولوجي”. هذا المنهج الذي عابه جورج طرابيشي على رفقائه وأصحاب دربه، عاد في آخر حياته ليُمارسه بنفسه (حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ)، وقد كنتُ كتبتُ حول ذلك مقالة بعنوان: (طرابيشي ومنهج الإسقاط الإيديولوجي!).

كان جورج طرابيشي يتحدث عن “تضميد الجرح النرجسي” الذي حدا بأولئك إلى اتخاذ منهج “الإسقاط الإيديولوجي” مع التراث الإسلامي، وكأنَّ طرابيشي يتحدث عن نفسه حينما قال إنَّه لا بُدَّ من عَلْمَنة دين الإسلام من أجل أن يكون صالحًا لهذا الزمان مُتَمَاشيًا مع نمطه العصريِّ وإيقاعاته الدنيويَّة، بل بالغ في دعواه حتى زعم: أنَّ “العلمانية مطلب إسلامي”! وهكذا عاد جورج طرابيشي لينضم بكل وضوحٍ إلى فئة كان ينـتقدها في كتابه (مذبحة التراث)، وهم أولئك الذين “اتخذوا التراث ساحة للصراع الأيديولوجي…وشاشة للإسقاطات الأيديولوجية التي لا تعدو هي نفسها في الغالب من الأحيان أن تكون شاشة للإسقاطات النفسيَّة التي يقوم لها الجرح النرجسي مقام المحرك”، أو يمكننا أن نزيد على كلام جورج طرابيشي، لنقول: أو هي الإسقاطات الإيديولوجيَّة التي تقوم لها “عقدة الأقلـيَّة” أو“عقدة المثال والتجربة المسيحيَّة”، الحاكمة والمهيمنة على عقول كثيرٍ من المفكرين العرب المسيحيين، مقام المحرك الحقيقي الذي يقف وراء مثل تلك الدعاوى. وهذا المحرك هو الذي جعل المفكر المسيحي جورج طرابيشي يستجلب ويسترجع تاريخ وتراث المسيحيَّة مع الدولة، وفشل المسيحيَّة في إقامة دولتها “المستحيلة”، وانحيازها إلى العَلمانيَّة في العصر الحديث بفصلها الدين عن الدولة، وإسقاط التجربة المسيحيَّة على الإسلام وشريعته ودولته!

يقول جورج طرابيشي: “ما وجدتُهُ في تاريخ الإسلام يعادل، بل يزيد بكثير عن هذه الجملة الإنجيلية المميزة بين الله وقيصر…الإسلام دين ولا شيء آخر سوى أنَّه دين”، و“إننا يجب أن نقرأ تاريخنا بأعين جديدة حديثة، حتى نكتشف هذه الأبعاد التي أصبحت اليوم محجوبة عن الأنظار”، “فعندما جاء أهل الحداثة في أوروبا وحتى يقنعوا المؤمنين المسيحيين بأن العلمانيَّة لا تتعارض مع الدين أعطوا أهمية كبيرة لهذه الجملة [أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله] التي أهملت طوال خمسة عشر قرنًا من تاريخ المسيحية”، و“كما طورت أوروبا العلمانية الإنجيليَّة، فنحن نستطيع أن نطور بذرة العلمانيَّة في الإسلام”، وذلك “هو مشروعي في العمل القادم”.

ذلك كان هو مشروع المفكر المسيحي جورج طرابيشي، الذي مات دون أن يحققه، وفشل في تشييد بنيانه القائم على فكرة أنَّ “العلمانية مطلب إسلامي”، وأنَّ الدين الإسلامي نفسه يحمل فكرة العلمانية في أعماق تراثه. لقد كان مشروع جورج طرابيشي يقوم على إنهاء مفهوم الدولة في الإسلام وجعلها “المستحيلة”، ليس من خلال تَخَيُّل تصادمٍ أو تناقضٍ بين الدولة في الإسلام وبين الواقع المعاصر الذي يُحَتِّم كونها “دولة المستحيلة”، بل من خلال إثبات أنَّ الإسلام دينٌ علمانيٌّ، وهو بهذا يتوافق ويتلاءم مع عصر الحداثة ولا يتعارض معه. النتيجة بطيعة الحال واحدة، وهي تَتَمَثَّل في كون الواقع (=العصر الحديث، والحداثة وأخلاقها) هو الثابت الرَّاسخ الذي لا يتغير، أما دين الإسلام ومفهوم الدولة فيه، فهو المتغير المتحول القابل لإعادة التَّشَكُّل، إما لأنَّه سيكتشف العلمانية في أعماقه؛ ولهذا سيقوم بالتماهي مع مقتضيات العصر الحديث، وإما أنَّه سيكتشف أنَّ مفهوم دولته مستحيل التطبيقي في الواقع الحديث، ومن ثَمَّ يكف عن اللهث وراء ما هو مستحيل، فالعقل بطبعه لا يُطارد المستحيلات.

لقد أظهر المفكر المسيحي جورج طرابيشي ‘حرصه الشديد على الإسلام والدفاع عنه’، وذلك من خلال إثباته أنَّه دين علماني لا يتعارض مع الحداثة، فدفاعه هذا ليس إلا “ردًا على النظرة الاستشراقية التي تريد أن تخرج العالم الإسلامي خارج دائرة التاريخ الحديث، وأنَّه لا مدخل له في هذه الحداثة لسبب ديني”، كما يقول طرابيشي.

تلك كانت خلاصة فكرة أو مرافعة المفكر المسيحي جورج طرابيشي من أجل تحديث وتطوير الإسلام؛ ليتلاءم ويتواءم مع الحداثة الغربيَّة. هناك فكرة أخرى -أيضًا- قَدَّمَها مفكرٌ عربيٌّ مسيحيٌّ، وهو الدكتور وائل حلاق، لكنَّه يختلف عن سلفه جورج طرابيشي، فوائل حلاق يرى أنَّ في الإسلام بالفعل دولة، لكنَّ هذه الدولة التي امتدت وعاشت لقرونٍ طويلةٍ قد انتهت صلاحيتها في عصر الحداثة، وهكذا أصبحت “دولة مستحيلة”. فالإسلام في نظره مناهض في جوهره للحداثة أو لمفهوم الدولة الحديثة، ومن ثَمَّ توصل إلى عدم صلاحية تطبيق مفهوم دولة الإسلام في العصر الحديث.

لماذا لا يصلح مفهوم الإسلام هذا للتطبيق في هذا العصر؟ بالنسبة إلى المفكر المسيحي وائل حلاق، فقد انتهى إلى عدم صلاحية الشريعة (الدولة الإسلاميَّة) لتمثيل مفهوم الدولة الحديثة (بمفهومها الغربي أساسًا)؛ لأنَّ دولة الإسلام دولة أخلاقيَّة، ومن ثّمَّ فهي “دولة مستحيلة”، لا تصلح لتمثيل مفهوم الدولة الحديثة أو مفاهيم الحياة في عصر الحداثة، ذلك المفهوم الوضعي غير المحايد، في هذا العصر. يقول وائل حلاق في كتابه (الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي): “أطروحة هذا الكتاب بالغة البساطة: مفهوم (الدولة الإسلامية) مستحيل التحقق، وينطوي على تناقضٍ داخليٍّ، وذلك بحسب أيِّ تعريفٍ سائدٍ لما تمثله الدولة الحديثة”. ويرى الدكتور وائل حلاق أنَّ أنموذجًا من الدولة في الإسلام صعب التحقق جدًا في الواقع، فهو يعتقد أنَّ “نمطاً من الحكم الإسلامي قد يأتي إلى الوجود [سنسلم جدلاً: كما يقول بنفسه]، على الرغم من كل الفرص الضعيفة والمعوقات القويَّة”. ويقف المفكر المسيحي وائل حلاق واثقًا بأنَّ وجود ذلك النَّمَط ليس إلا ضربًا من الخيال، فهو يقول: “سنحاجج بأنَّ الأشكال الحديثة للعولمة ووضع الدولة في هذه الأشكال المتعاظمة القوة، يكفيان لجعل أي صورة من الحكم الإسلامي، إما أمراً مستحيل التحقق، وإما غير قابل للاستمرار على المدى البعيد، هذا إذا أمكن قيامه أصلاً”. ثم يُطلق رصاصة الرحمة الأخيرة على مفهوم الدولة في الإسلام، ويقول: “النتائج الكلية لهذه النقطة وما تطرحه الفصول السابقة واضحة: إذا أخذنا كل العوامل في الاعتبار، فإنَّ الحكم الإسلامي لا يستطيع الاستمرار بحكم الظروف السائدة في العالم الحديث”.

إنَّ هذه النتيجة التي توصل إليها المفكر المسيحي وائل حلاق هي في حقيقتها استجلاب آخر لتجربة الديانة المسيحيَّة في الغرب، كما فعل قريـبًا من ذلك من قبله المفكر المسيحي جورج طرابيشي. ويبدو أنَّ وائل حلاق استورد مشكلة المسيحيَّة “كدينٍ مستحيلٍ” في عصر الحداثة الغربي، وقام بإسقاط ذلك -إسقاطًا إيديولوجيَّا- على دولة الإسلام، فأصبحت المقابلة هي: من “دينٍ مسيحيٍّ مستحيلٍ” في عصر الحداثة الغربي، إلى “دولةٍ إسلامٍ مستحيلةٍ”.

لم يكن فريدريك نيتشه يقصد من فكرة “موت الإله” أنَّ الله بالفعل قد مات، فهو قبل كُلِّ شيءٍ شخصٌ ملحدٌ لا يؤمن بوجود الله تعالى، وإنَّما يقصد بكل بساطة -وباستعارة لغة ومفردات وائل حلاق– أنَّ المسيحيَّة أصبحت مستحيلة التحقق كدينٍ في عصر الحداثة في أوروبا. يقول بيار هيبر سوفرين، تحت عنوان (موت الله) : “إنَّ موت الله -عند نيتشه- هو أولاً هذا الحدث الذي يلاحظه نيتشه، في حضارة القرن التاسع عشر”، و“في قرن العلم الوضعي، والفعالية الصناعية والثورات السياسيَّة، ضاقت مكانة الله أكثر فأكثر، واختفى الله شيئًا فشيئًا، وعمومًا، إنَّ موت الله هو إذن، قبل كل شيءٍ حدثٌ، وهذا الحدث يبقى على الفيلسوف أن يفسره. يمكن تفسير هذا الحدث مباشرة على أنَّه زوال مفهوم الآخرة من حقل ثقافتنا، إنَّ موت الله هو أولاً موت الآخرة، إلغاء الإيمان بعالم آخر”. ثم يعقد بيار هيبر سوفرين عنوانا آخر: (موت الله تدمير الأخلاق)، ليبين أنَّ موت الإله عند  نيتشه هي في الحقيقة شهادة واقعيَّة يشهدها ويشهد بها نيتشه -كمثقفٍ غربيٍّ-  على انهيار قيمة الإله في الغرب، بما تمثله تلك القيمة من الإيمان بالآخرة، وبالأخلاق، والرحمة، والشفقة، والإنسانيَّة.

وهكذا فإنَّ المسيحيَّة من خلال مفهوم (موت الإله) استحالة إلى (ديانة مستحيلة)، مستحيلة التحقق والحياة والاستمرار في عصر الحداثة الغربي. فـ(موت الإله) عند نيتشه لا يعني أكثر من تعذر وعدم إمكان الإيمان بالإله المسيحي، أو بالأحرى عالم الغيبيات كما يؤكد ذلك مارتن هيدجر. يقول نيتشه: “إنَّ الاعتقاد بالإله المسيحي أصبح شيئًا غير معقول”، وأنَّ هذه الاستحالة صارت حدثًا عظيمًا “بدأ مؤخرًا ينشر أوَّل ظلاله على أوروبا”، و“يبدو أنَّ شمسًا قد انحدرت إلى المغيب”، و“كم من الأشياء يجب أن تنهار لأنَّها بُنِيَت على هذا الإيمان، اتكأت عليه، نمت في داخله، على سبيل المثال، أخلاقنا الأوروبيَّة كاملة”؟

وهكذا، فإنَّ المسيحيَّة بفقدانها الإيمان في الغرب في عصر الأنوار والحداثة، وبوصفها ديانة أخلاقيَّة انهارت أخلاقها بانهيار الإيمان بإلهها، أصبحت ديانة متعذرة، يتعذر عليها الحياة في عصر الحداثة وأخلاق الحداثة وطبائع الحداثة، وهكذا صارت المسيحيَّة “ديانة مستحيلةٍ”، قد أعلن عن ذلك بشكلٍ جليٍّ حين أعلن عن “موت الإله”. ويؤكد مارتن هيدجر أنَّه بـ“موت الإله” قد بلغت الميتافيزيقا نهايتها المحتومة، بفقدانها أي فعاليَّة لها في الحياة الواقعيَّة المتصلة بحياة الإنسان في العصر الحديث في أوروبا؛ لأنَّها أصبحت مفاهيم عاجزة عن تحقيق السعادة الدنيويَّة للإنسانيَّة في عصر الحداثة، ولم يعد يتم اتخاذها كتفسيرٍ معياريٍّ للحياة في أنظمة علمانيَّة وضعيَّة مسيطرة، ولم تعد أخلاقها الدينية تتلاءم مع الأخلاق العصريَّة والنفعيَّة والماديَّة، وهكذا تحللت وتفسخت، وفي نهاية المطاف ماتت، وصارت مستحيلة.

إنَّ هذه الفكرة، أي الحكم بالاستحالة، تجربة مسيحيَّة واجهتها الديانة المسيحيَّة في الغرب في عصور الأنوار والعقلانيَّة والحداثة وما بعد الحداثة، وكانت أبرز فكرة تُجَسِّد “الدين المسيحيّ المستحيل” هي فكرة “موت الإله” التي أعلنها فريدريك نيتشه، ولعل المفكر المسيحي وائل حلاق استوردها واستلهمها من مخزون تراثه المسيحي، وطبقه على الإسلام، وهي محاولة تمثل أنموذجًا يُشير إلى “تضميد الجرح النرجسي”، ويعمل مبضعه في مفاهيم الإسلام وفق منهج “الإسقاط الإيديولوجي” أو وفق “عقدة المثال والتجربة المسيحيَّة”!

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى