العلم

استقالة أكاديمي بسبب التضييق والتحيز الفكري!

  • بيتر بوغسيان
  • ترجمة: عائشة الياسي
  • تحرير: فردوس سراج

“كلما تحدّثت أكثر عن عدم الحرية التي تجتاح جامعة ولاية بورتلاند؛ واجهت مزيدًا من الانتقاد! “.

بيتر بوغسيان-مدرّس الفلسفة في جامعة ولاية بورتلاند خلال العقد الماضي-،قدّم استقالته وكتب في الرسالة التالية المرسلة  إلى عميدة الجامعة سبب استقالته حيث قال فيها:

“سعادة العميدة: سوزان جيفوردز

أكتب لك اليوم طلبًا للاستقالة من عملي كأستاذ مساعد في الفلسفة بجامعة ولاية بورتلاند. شَرُفت بالتدريس في الجامعة على مدى العقد الماضي في تخصصات التفكير الناقد والأخلاق، والطريقة السقراطية، كما كنت أدرِّس فصولًا في فلسفة العلم والعلم الزائف وفلسفة التعليم. علاوةً على استكشاف الفلاسفة الكلاسيكيين والنصوص التقليدية، وقد كنت خلال الفترة دعوت جَمعًا من الضيوف المحاضرين لحضور دروسي بدءًا من الأشخاص العاديين إلى المسيحيين المدافعين إلى المشككين في الظروف العالمية، إلى دعاة احتلال وول ستريت. وأعتبر هذا العمل مصدر شرف واعتزازٍ لي .

غير أني أود أن أوضح لك أنني في الحقيقة لم أدعُ أولئك المتحدثين لاتفاقي مع وجهة نظرهم عن العالم، وإنما لاختلافي معهم كليًا. وقد كانت ثمرة تلك الاجتماعات والفوضى الذي سببته وصعوبة النقاشات بيننا أن يكون لدى طلبتنا مبدأ: التشكيك في المعتقدات مع احترام معتنقيها، البقاء ثابتين عند التحدّي، أو حتى عند تغيير آرائهم.

لقد سعيت خلال فترة تدريسي خلق ظروف تتيح التفكير الدقيق لطلبتنا لمساعدتهم على امتلاك الأدوات اللازمة؛ في تحقيق أهدافهم والوصول لاستنتاجاتهم. ولهذا أصبحت معلمًا ولهذا أحببت التدريس، ولم أعتقد يومًا -حتى هذه اللحظة- أن الغرض من التعليم هو توجيه الطلبة نحو نتيجةٍ معينة!.

أدركت مؤخرًا وللأسف أن الجامعة شيئًا فشيئًا جعلت هذا النوع من الريادة الفكرية مستحيلًا. فحوّلت معقل التفكير الحرّ إلى مصنع للعدالة الاجتماعية، مدخلاته الوحيدة العرق والجنس ودور الضحية، ومخرجاته هي التظلُّم والانقسام. إذ لا تُدرِّس الطلبة في الولاية التفكير بالشكل الصحيح. بل بدلًا من ذلك يتم تدريبهم على محاكاة الثبات الأخلاقي للأيديولوجيين. وعلى إثر ذلك تنازل أعضاء هيئة التدريس والإداريون عن مهمة البحث عن الحقيقة التي تضطلع بها الجامعة، وعوضًا عن ذلك دُفِعُوا إلى عدم التسامح مع المعتقدات والآراء المتباينة. وولَّد هذا نوعًا من ثقافة الإهانة، حيث بات الطلبة يخشون الحديث بصراحة وشفافية!.

وقد لاحظت في وقتٍ مبكر جدًّا خلال فترة عملي أمارات عدم الحرية، وقد شملت حاليًّا الأكاديمية كلها. وشهدتُ طلبةً يرفضون المشاركة ونقاش وجهات النظر المختلفة. وقد تم رفض أسئلة التدريبات المتنوعة من أعضاء هيئة التدريس لتحدّيها النمط السائد على الفور. بل واتُّهِمَ أولئك الذين طلبوا أدلةً لتسويغ السياسات المؤسسية الجديدة بالعدوانية. كما اتُّهِمَ أساتذةٌ بالتعصُّب بسبب إسنادهم نصوصًا مقدسة كُتِبت عن طريق فلاسفة صادف أنهم أوروبيُّون ذكور.

لم أدرك في البدء كيف أن هذا الأمر تم بشكل ممنهج، فاعتقدت أن بإمكاني مناقشة هذه الثقافة الجديدة. لذا بدأت طرح الأسئلة. ما الدليل على أن التحذيرات والمساحات الآمنة تُسهم في تعليم الطلبة؟ لماذا يجب أن يكون الوعي العرقي هو العدسة التي ننظر من خلالها إلى مهمتنا كمعلمين؟ كيف قرَّرنا أن “الاستيلاء الثقافي” غير أخلاقي؟

وعلى عكس زملائي، طرحت هذه الأسئلة علنًا وبصوتٍ عالٍ. وقرَّرت دراسة القيم الجديدة التي تجتاح ولاية بورتلاند والعديد من المؤسسات التعليمية الأخرى؛ القيم التي تبدو رائعة مثل التنوُّع والإنصاف والشمول، لكنها في الواقع عكس ذلك تمامًا. وكلما قرأت المواد المرجعية الأولية التي أصدرها المنظِّرون النُقَّاد شككت أن استنتاجاتهم تُظهر الفرضيات الأيديولوجية، لا الأفكار المستندة للأدلة، وبدأت التواصل مع مجموعات طلابية ذات اهتمامات مماثلة، وأحضرت متحدثين لاستكشاف هذه المواضيع من منظور نقدي. فاتَّضح لي بشكلٍ كبير أن عدم الحرية التي شهدتها على مرِّ السنين لم تكن مجرّد أحداث معزولة، بل كانت جزءًا من مشكلة مؤسّسية لها أهداف منظمة.وتأكد لي ذلك كلما تحدّثت أكثر عن هذه القضايا واجهت مزيدًا من الانتقام والهجوم.

في وقتٍ مبكر من العام الدراسي ١٧-٢٠١٦م اشتكى مني طالب سابق، فبدأت الجامعة التحقيق معي في البند التاسع (البند التاسع جزء من القانون الفيدرالي يهدف إلى حماية الناس من التمييز القائم على أساس الجنس في البرامج التعليمية أو الأنشطة التي تتلقّى المساعدة المالية الفيدرالية). وجَّه لي المُتَّهِم -وهو رجلٌ أبيض- عددًا كبيرًا من التُّهم التي لا أساس لها -والتي تمنعني اللوائح السِّرية الجامعية مناقشتها أو علنًا- . بيد أن ما يمكنني مشاركته هنا هو أن طلبتي الذين أُجريت معهم مقابلات خلال فترة التحقيق أخبروني أن محقِّق البند التاسع سألهم عمَّا إذا كانوا يعرفون أي شيء عن ضربي لزوجتي وأطفالي!. وسرعان ما أصبحت هذه التُّهمة المروِّعة إشاعة واسعة الانتشار.

ومع تحقيقات البند التاسع لا توجد إجراءات قانونية، لذلك لم أتمكن من الوصول إلى التُّهم المحدَّدة، أو أن أواجه المُتَّهِم، ولم تُتَحْ لي فرصة الدفاع عن نفسي. وأخيرًا كُشِفت نتائج التحقيق في ديسمبر ٢٠١٧. وفيما يلي الجملتان الأخيرتان من التقرير: “وجد التنوّع العالمي والشمولي أنه لا يوجد دليل كافٍ على انتهاك (بوغسيان) لسياسيتي التحرُّش والتمييز المحظورة في جامعة ولاية بورتلاند. وعلى ذلك يوصي التنوع العالمي والشمولي (بوغسيان) بتلقِّي التدريب والتوجيه”

لم يكن هناك أي اعتذار عن التُّهم الخاطئة، وعلاوة على ذلك أخبرني المحقِّق أنه لن يُسمح لي بإبداء رأيي عن “الفصول المحميَّة” مستقبلًا، أو التدريس بطريقة يمكن أن يُعرف بها رأيي حولها- نتيجة غريبة لتُهمٍ سخيفة باطلة! واكتشفت أنه يمكن للجامعات فرض الامتثال الأيديولوجي بمجرّد التهديد بتلك التحقيقات.

أصبحت مقتنعًا في نهاية المطاف بأن الهيئات الفاسدة للمنح الدراسية هي المسؤولة عن تسويغ التحوّل الجذري عن الدور التقليدي لمدارس الفنون الليبرالية والأخلاق في الحرم الجامعي. وأن هناك حاجة ماسَّة للبرهنة على إمكانية نشر أطروحة ذات طابع أخلاقي -بغض النظر عن غرابتها- فاعتقدت حينها أني إن كشفتُ عيوب النظرية لمجموعة الأوراق العلمية؛ فباستطاعتي تقديم المساعدة لمجتمع الجامعة بتفادي تشييد الصروح على مثل تلك الأرضيَّة المتهالكة.

في عام ٢٠١٧م، شاركتُ في نشر ورقة -راجعها الزملاء- تحوي عيوبًا مقصودة استهدفت العقيدة الجديدة، عنوانها: “القضيب المفاهيمي كبناء اجتماعي”. هذا المثال من المنح الدراسية الزائفة، والذي نُشِر في مجلة Cogent Social Science يقول: إن القضيب نتاج العقل البشري، وهو المسؤول عن تغيُّر الظروف. بعد ذلك مباشرةً كشفتُ أن المقالة كانت خدعة لتسليط الضوء على عيوب نظاميّ مراجعة الأقران والنشر الأكاديمي.

تبع ذلك بوقتٍ قصير بدء ظهور اسمي تحت الصليب المعقوف في دورتيّ مياه بالقرب من قسم الفلسفة. كما ظهرت في بعض الأحيان على باب مكتبي، مصحوبة في إحدى المرات بأكياس فضلات. التزمت الجامعة الصمت، وعندما تحرّكت كانت ضدي لا ضد الجُناة.

ما زلت أرى -ربما بسذاجة- أنني لو كشفت طريقة التفكير المُشْكِل الذي تستند إليه قيم ولاية بورتلاند الجديدة، كان بمقدوري إفاقة الجامعة من سكرتها.

في عام ٢٠١٨م شاركتُ في نشر سلسلة من المقالات العبثيَّة أو الممقوتة أخلاقيًّا والتي راجعها الزملاء في مجالاتٍ ركَّزتْ على قضايا العرق والجنس. ناقشنا في إحداها أن هناك وباء لاغتصاب الكلاب في حدائقها، واقترحنا تقييد الرجال بالطريقة نفسها التي نقيِّد بها الكلاب. كان هدفنا إظهارَ أنواعٍ معينة من “المنح الدراسية” التي لا تقوم على إظهار الحقيقة، وإنما على تعزيز المظالم الاجتماعية. وهذه النظرة الكونية ليست علمية ولا حتى صارمة.

أغضبت سلسلة المقالات الإداريين وأعضاء هيئة التدريس للحدِّ الذي دفعهم لنشر مقالةٍ مجهولة المصدر في الصحيفة الطلابية، وقدَّمت ولاية بورتلاند تُهمًا رسمية ضدي. عُنونَ اتهامهم بـ: “تجاوزات بحثية” استنادًا إلى فرضية سخيفة مفادها أن محرِّري المجلة الذين قبلوا مقالاتنا الممقوتة عمدًا كانوا عيَّنة بشرية. واتهمت بعدم حصولي على موافقة للتجريب على العينة البشرية.

في غضون ذلك استمرَّ التعصُّب الأيديولوجي في النمو بولاية بورتلاند. ففي مارس ٢٠١٨ م عطَّل برفسور مناقشةً عامةً كنت أجريها مع الكاتبة كريستينا هوف سومرز، وعلماء الأحياء التطورية بريت وأينشتاين وهيذر هينينغ. وفي يونيو ٢٠١٨م أطلقَ شخصٌ ما جرس إنذار الحريق أثناء حديثي مع الناقد الثقافي المشهور كارل بنجامين. وفي أكتوبر ٢٠١٨م قامت ناشطة بسحب أسلاك مكبِّر الصوت لمقاطعة نقاش مع مهندس جوجل السابق جيمس دامور. لم تفعل الجامعة شيئًا لمواجهة هذا السلوك، إذ لم تتم معاقبة أحد أو تأديبه.

اتَّسمت السنوات الأخيرة بالنسبة لي باستمرار المضايقات. فكنت أجد منشورات حول الحرم الجامعي لي بأنف بينوكيو مثلًا!. كما بصق عليَّ أكثر من مرة وهدَّدتُ من المارَّة أثناء ذهابي للفصل. وقد أبلغني الطلبة أن زملائي ينصحونهم بتجنُّب محاضراتي. وبالطبع خضعت لمزيدٍ من التحقيقات.

كنت أتمنى القول بأن ما وصفته عديم التأثير، لكنه أحدث الأثر المقصود؛ حياة عمل لا تُطاق على نحو متزايد، وبلا حماية وظيفية.

هذا ليس متعلقًا بي، وإنما بنوع المؤسسات التي نريدها والقيم التي نختارها. فكل فكرة عزَّزت حرية الإنسان تمت إدانتها بدون تراجع. وبوصفنا أفرادًا فغالبًا ما نبدو عاجزين عن تذكُّر هذا الدرس، لكنه هو بالضبط ما تهدف إليه مؤسساتنا: تذكيرنا بأن حرية التساؤل والتشكيك هي حقنا الأساسي. وينبغي للمؤسسات التعليمية تذكيرنا بأن ذاك الحق هو واجبنا أيضًا.

لقد فشلت جامعة ولاية بورتلاند في استيفاء هذا الواجب. وهي بذلك لم تخذل طلبتها فحسب، بل الجمهور الذي يدعمها. ولئن كنت سعيدًا بالفرصة التي أُتيحت لي للتدريس في ولاية بورتلاند لأكثر من عَقد من الزمان، فقد اتَّضح لي أن هذه المؤسسة ليست مكانًا للأشخاص الذين يعزمون على التفكير بحرية واستكشاف للأفكار.

لم تكن هذه النتيجة التي أردتها، لكنني ملزم أخلاقيًّا بهذا الاختيار. ولمدة عشر سنوات علَّمت طلبتي أهمية العيش وفق مبادئهم، وواحدة من مبادئي هي الدفاع عن نظام التعليم الليبرالي من أولئك الساعين إلى تدميره. فمن أكون أنا إن لم أفعل؟

اقرأ ايضًا: داروينية هيجلية: الداروينية كـ “ديالكتيك هيجلي” مطبق على البيولوجيا

أعجبني المقال

المصدر
bariweiss substack

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى