التربية والتعليم

كيف تعامل طفلك المُشاكس؟

إخفاقات التدريس هي مفتاح التعامل مع السلوكيات الحادة لدى الأطفال

هذا ادّعاءٌ جريء، لكن اقرؤوا للنهاية!

  • شيلا سِمْز
  • ترجمة: سعيد الغامدي
  • مراجعة: مصطفى هندي
  • تحرير: أمل عربي عبد الوهاب

لقد قضّيتُ العقدين الأخيرين في أكثر المعامل مثاليةً لدراسة السلوك الإنساني ألا وهو: الفصل الدراسي.

في البداية، أدّيتُ ما كان لأي أستاذ أن يؤديه: شاركتُ حكمتي ومعرفتي، بينت لهم “الصواب” من “الخطأ”، ضبطتُ سلوكياتهم بالقوانين تارة، و بالثواب والعقاب تارة، وبالمديح تارة.

نجحت هذه الطريقة مع أغلب الأطفال، لكن كان هناك دائمًا قِلّة ما كانت تنفع معهم هذه الحلول. و عندما يحدث هذا، ألوم الطفل، أو الوالدين، أو نفسي، و أظل أسير على نفس المنوال حتى بعدما ثبت فشله مع هؤلاء الأطفال “المشاكسين”.

أرجوكم لا تنتقدوني! هذا ما يفعله معظمنا عندما ينفد ما بأيدينا من حلول.

و مع مرور الوقت، اتّبعتُ عدة خِططٍ متقدمة مثل توفير البدائل، و الجداول المصورة، والمخططات البيانية، وأدوات إدارة تستثير العاطفة، وتقنيات تواصل إيجابية، وغيره. بالتأكيد تعرف ما أعنيه إذا كُنتَ قد عملتَ مع هؤلاء الأطفال أوكُنتَ أبًا لأحدهم. ولن تعجز في العثور على الخطط (أو الأساليب والأفكار) التي تستطيع معالجة هذه السلوكيات المستعصية.

لكن المشكلة هي أن بعض هذه الخطط آنيّة/مرحلية، في حين أن السلوك العدواني والصعب مستمر، والنتيجة هي أنني أشعر بالفشل أكثر فأكثر. أعود إلى البيت كل يوم تقريبًا مُنهَكًا و مُتشكّكًا بكل شيء. أصبحتُ مهمومًا بإيجاد طريقة مُثلى للتعامل مع هؤلاء الأطفال “المشاكسين” وأزيح عن نفسي هذا الهم.

أتذكر ذاك الصبي الصغير في روضة الأطفال الذي كان يمرّ بوقت عصيب، كان ينهار ويفقد صوابه عدة مرات في اليوم، يشطاط غضبًا متى ما خسر لعبة، أو لم يكن الأول في الصف، أو لم يحصل على اللعبة التي يريد. كُنت تسمعه يقول مرارًا : “هذا ليس عدلًا!”، حتى لو كانت الأمور أكثر من عادلة له.

ليس هناك من شروحات وإقناعات ومكافآت وعقوبات ولا حتى التجاهل أوالمراضاة لها أي تأثير على سلوكه أو كيف يلاحظ هو تجاربه .

بل في الواقع، كانت استجابة الآخرين له دائمًا ما تُعزز نظرته الأمور.

عندما يستاء الأطفال الآخرون من تجاوزه للصف= فهذا يثبت أن لا أحد يحبّه.

عندما يُطرَد من لعبة لأنّه لا يتقيّد بقوانينها= فهذا يؤكّد أنه مظلوم.

عندما يحصل على جائزة لحسن سلوكه، فهذا يدعم إيمانه أن الغلبة كانت هي الطريقة الوحيدة ليظفر بحاجاته.

خطر في بالي أن المشكلة ليست في سوء خططي أومستوى “صرامتي” في تطبيقها، المشكلة الحقيقة هي كيف كان يفسر هو أفعاله. كُنتُ مركّزًا على كيفية رؤيتي للأمور حتى لم أعُد أفهم لماذا “لم يفهم” هو ما أريده منه.

و حينها حدّدتُ ثلاثة فروق رئيسية حوّلت كُليًّا طريقة فهمي ونظرتي للسلوكيات الحادة التي تصدر عن الطفل المشاكس وهي:

1 – كُنتُ أستجيب لسلوكياته الظاهرية فقط، ولم أكن أبحث عن الدوافع الكامنة التي كانت تدفعه للاستمرار في أفعاله بطريقة لم تكن تجدي عليه نفعًا.

2 – كنت أقيّم كل موقف بناءً على وجهة نظري، دون محاولة رؤية الواقعة من نظرته هو.

3 – كنت مركزًا على خلق ظروف خارجية لتهذيبه، بدلًا من تهيئة الظروف الداخلية التي يمكنها أن تنتج السلوك الإيجابي من تلقاء نفسها.

كيف نعالج السلوكيات قلبًا وقالبًا (من الداخل إلى الخارج)؟

أؤمن أن المفتاح لتطوير سلوك الطفل المشاكس ليس في إيجاد طرق محسّنة للسيطرة على تجاربه الخارجية، بل في فهمٍ أفضل لما يحدث داخله، و لنفعل هذا يجب أن نكتشف و نستوعب ما أسميه “نظرتهم للعالم” .

ماذا أعني بنظرتهم للعالم ؟

كلٌ منا لديه نظرته الفريدة للعالم، والتي بدورها تؤثّر في كيفية استقبالنا واستجابتنا لكل موقف، وتتألّف تلك النظرة من أفكارنا الكامنة في اللاوعي حول مَن نحن، وكيف يسير الكون.

تطوّرت هذه الأفكار في اللا وعي منذ سنين عمرنا الأولى في وقت كُنّا نأخذ فيه كل موقف على محمل شخصي، عندما كُنّا لا نملك المقدرة المعرفية لنتساءل ونفكّر تفكيرًا ناقدًا وكان عقلنا اللا واعي عرضة للتأثيرات الخارجية.

عندما يطوّر طفل نظرة صحيّة إلى العالم، فإنّه سيتفاعل طبيعيًّا بما يحقق المصلحة المُثلى له وللآخرين، سيملك تصوّرات إيجابية عن مواقفه، و سيختار من البدائل ما يعكس إمكاناته القُصوى .

و لم ألتقِ بعدُ طفلًا أو بالغًا أفكاره لا تؤثر على سلوكه، لكن أولئك الذين يُعانون يُحتَمل أن لديهم نظرية عن العالم تعمل ضدهم بشكل أو بآخر.

عندما يكون للطفل نظرية غير صحيّة عن العالم، فإنّ هذا يدفعه إلى الحط من قدر نفسه، وأن يسخط عليها، ويحول علاقاته إلى علاقات حادة مليئة بالصعوبات، و يقلّص إمكانيّاته رغم الفرص المتاحة له والخطط التي يستخدمها والدَاه أو معلموه .

يغيرنا الاعتقاد بأن الفرص الأفضل و خطط الوالدَين المثلى و طرائق التدريس الجيدة ستقود الطفل إلى  للتفوّق، لكن إن كان الأطفال يستوعبون العالم من خلال ما لديهم من أفكار أكثر من اعتمادهم على هذه الأشياء= فإنّها سرعان ما تفشل. ما يحتاجه الطفل حقًّا هو أفكار أفضل!

ما لَم نعمل لنغيّر الأفكار غير الصحيّة التي تقود للوقوع في المصاعب، فإنّ أيّ نمط أو سمة دائمة في الطفولة ستطارد الطفل طيلة حياته. أنا لا أقول أنّه ما من عوامل نشطة تؤثّر في سلوك الطفل، لكن في رأيي، هذه الأفكار غير الصحيّة هي جوهر أغلب الاضطرابات وغالبًا ما تُغفَل لأنها ليست بارزة على السطح.

كيف نكتشف “نظرية الطفل عن العالم؟

لا يمكن أن تُكتشف بفحصٍ للدماغ أوسؤالهم ليخبروك ما هي نظرتهم للعالم. كما أنها ليست مكتوبة على جباههم! لكن عندما تعرف الإشارات والظواهر التي تبحث عنها، فلن يكون من الصعب أن تكتشف نظرتهم إلى العالم.

ما هي الإشارات التي يجب أن نبحث عنها؟

هناك نوعان من الأدلة يمكن أن تعيننا لنفهم جيّدًا ماذا يجري في مستوى العقل اللا واعي:

  1. المحفّزات اللحظيّة: هي تلك المواقف المحدّدة التي عادةً ما تسبّب بعض التوتّر أو التفاعل السلبي، مثل: ( الخسارة، أن يقلّده أحد، ألا ينال ما يكفيه، إلخ..)
  2. العبارات المتكرّرة: هي تلك الجمل القصيرة التي عادةً ما يردّدها الطفل، خاصةً في أوقات توتّره، لكنها ربّما تصدر عرضًا أو على سبيل الهزل، مثل ( “هذا ظلم”، “أنت لا تفهمني”، “لا أفعل شيئًا صائبًا أبدًا”، إلخ..)

ببساطة، عندما نحدّد المحفّزات اللحظية السائدة والعبارات المتكرّرة نستطيع عندها البحث عن أنماط تكشف السمات الخفيّة التي تحكم ردود الأفعال المضطربة.

كيف نغيّر الأفكار غير الصحيّة بعد أن اكتشفناها؟

ربما يكون هذا موضوعًا لمقالة أخرى، لكن باختصار إليك ما يلي:

  • تحديد ما يغذّي هذه الأفكار غير الصحيّة والحَدّ من التعرّض له.
  • تعمّد خلق فرص لتعزيز الأفكار الصحية.
  • التركيزعلى بناء الثقة الداخلية في مقابل الاستخدام المفرط “للإيجابية السطحية” الذي ينمّي الأطفال من الخارج فحسب ويمكن أن يدفعه للغطرسة وشعور الاستحقاق والاستعلاء الزائف.
  • استعمال طرائق تستهدف العمل مع العقل اللا واعي بدلًا من ميلنا لاستيعاب عقل الطفل الواعي فقط.

لأكون واضحًا، فأنا لستُ أهلًا لأقترح أن نتوقف عن تفعيل ما لدينا من قوانين وحدود وعقوبات، أوألّا نستخدم الخطط المساعدة العديدة المتاحة لنا، نحن نحتاج فقط أن نتأمل أكثر في كيفية تفسير الطفل لأفعالنا، و تعمّد إرسال رسائل لهم تعينهم على صياغة نظرية صحيّة للعالم .

وهنا فارق آخر مهم: لا تخلط بين ردة الفعل المختلّة والفكرة غير الصحيّة وبين شخصية الطفل.

فنحن نميل إلى تصنيف الأطفال على أنهم سيئين لأننا نرى أن سلوكيّاتهم المُستثارة تمثل جانبًا من شخصيّاتهم، وهذا يبعث لهم رسالة أن سلوكياتهم السلبية هي جزء منهم، ممّا ينمّي لاحقًا السلوكيات المرفوضة.

كما ترى، فإنّنا أخطأنا باعتقادنا أن سمات شخصياتهم هي التي تحتاج إلى إصلاح، فعندما نرى طفلًا عنيدًا، ونعتقد أننا نحتاج أن نتخلّص من هذه الصفة فيه= فإن هذا سيحدث فقط إذا كسرنا كرامتهم.

نعم، هذا صحيح، الطفل العنيد الذي لديه نظرية غير صحيّة للعالم هو عُرضة لمصاعب كبيرة. وعلى كلٍّ، فإنّ العناد المتوافق مع نظريّة صحيّة للعالم هو بذرة لنجاح عظيم!

لقد كُنتُ أستخدم هذه المقاربة في عملي مع الأطفال في السنوات القليلة الماضية وهي تصنع عالمًا مختلفًا (والتورية هنا مقصودة)! فجأةً بدأت السلوكيات التي لم أكُن أفهمُها من قبل تتّضح وما عُدتُ أشخصن الأمور. التغيير لن يحدث بين ليلة وضحاها، لأن تغيير الأفكار التي رسخت لوقتٍ طويل لا شك أنه يتطلب وقتًا، لكن التأثير قوي ودائم.

إنّ الطريقة المُثلى لتهيئة الطفل لحياة سعيدة ، هي أن نعينه على صياغة رؤية للعالم تدعم إرادته و تستخرج إمكانيّاته القُصوى.

أعتقد أن فهم هذه الفكرة البسيطة له من القوة ما يمكنه أن يغيّر مسار حياة الطفل، وإذا بدأنا في اتباع هذا الأسلوب مع كل الأطفال، فإنّ هذا يمكن أن يغيّر الكون! لذا في المرة المقبلة التي يحبطك فيها سلوك طفل (أو بالغ) اسأل نفسك: “ما هي نظرتهم للعالم؟”

ولن يضرّك أن تكتشف نظرتك أنت أيضًا.

المصدر
medium @shesims77

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق