الفلسفة

تجربتي مع دوستويفسكي مع ترتيب مقترح لقراءة أشهر أعماله

يُقال أنك إذا أردت لفكرة أن تسود فاجعلها قصة؛ وإذا ضممنا تلك الحكمة إلى حقيقة أن ثلث القرآن قصصٌ وأمثال= عرفنا أن الطريق الأقصر للتأثير في النفس الإنسانية يمر عبر بوابة الأدب.

قليلةٌ هي الأعمال الأدبية التي يمكنها أن تجمع شتات الأفكار التي تبدو في ظاهرها أبعد من تجتمع في قالب واحد، بل لن نكون مبالغين لو قلنا أن صعوبة مهمة الأديب -ومقياس نجاحه- تتمثل في مدى قوة وانسجام القالب الذي انصهرت فيه حزمة من أفكاره؛ وإذا كان بإمكاننا أن نختلف حول مدى نجاح هذا الأديب أو ذاك في تلك المهمة، فالأكيد أن أحدًا لن يستطيع أن ينازع في أن فيودور دوستويفسكي هو من هؤلاء الذين استطاعوا أن يتركوا بصمتهم ويخلدوا أسماءهم في ذاكرة التاريخ.

بالتأكيد لا يسعنا في هذه المقالة الصغيرة أن نقف على الكثير من جوانب عبقرية دوستويفسكي سواء الأدبية أو الفلسفية، لكن يكفي أن أشير إشارات عابرة ومختصرة جدا هي أشبه بإضاءات؛ ولما كان الحديث عن التفضيلات الأدبية بوجه عام به مساحة لا بأس بها لاختلاف الأذواق، رأيت من الأفضل أن أعبر عما عايشته بنفسي، وأن أسوق الكلام على وجه التجربة الشخصية التي لا تعبر إلا عن صاحبها مراعاة لاختلاف الأذواق.

قراءة دستويفكسي تأسرني حقا، لم أستطع يوما تجاوزه، ربما بسبب أنه من أوائل من قرأت لهم في الأدب، حتى أنني عندما أقرأ لغيره لا أستطيع أن أمنع نفسي من المقارنة، وإن كان الأمر لا يخلو غالبا من انحياز للأديب الروسي.

كان يمكنني إنهاء “الجريمة والعقاب” في يومين أو ثلاثة على أقصى تقدير، لكنني كنتُ أحجم نفسي عن مواصلة القراءة، فقط لأزيد من مدة معايشتي لها.

لا أتحدث هنا عن صنعة فلسفية ولا حبكة قصصية ألهمت عشرات المؤلفين والأفلام، فهذا أمر لا تخطئه عين القارئ على أية حال؛ بل أريد أن أتجاوز هذه القشرة لترى ذلك القالب الذي انصهرت فيه تلك الأفكار في حبكة روائية بديعة؛ إنه السرد الذي يقف بك كأنك أنت من يكتب الأحداث.

ربما يكون استرسال دوستويفسكي في تفاصيل عارضة واستغراقه عشرات الصفحات في وصف حالة نفسية لإحدى الشخصيات التي تكتشف بعد ذلك أنها شخصية عارضة= هو ما يمنع الكثيرين من مواصلة رواياته، كأنه يقول لك “قف، وتأمل”، ليكافئك إذا صبرت على تلك التفاصيل بمشهد يأسرُك ربما لأيام.

في بادئ الأمر: كنت أمسك القلم أثناء القراءة لالتقاط الجمل والعبارات التي تصلح أن تؤخذ كأفكار أو حكم، لكنني كففت عن هذا بعد أول جزء في “الإخوة كارامازوف”، لأنني أدركت أن عبقرية دستويفكسي ليست في “حشو” عبارات براقة، ولا استطرادات مقحمة ناشزة عن السرد -كما هي سمة أغلب الروايات الرائجة- بل إن عبقريته تكمن في تلك اللوحة التي يرسمها بقلمه؛ لوحةٌ منسجمة، متناسقة، لا تترك فيك انقطاعا ولا شذوذًا؛ سجالات فلسفية تستغرق كتبًا ضخمة ومكتوبة بلغة نخبوية مستغلقة، فإذا به يسوقها لك في قالب الحياة اليومية وفي قصص نستطيع أن نأتي على كلياتها وجزئياتها بألف مثال من الواقع. يكتب دوستويفسكي الرواية كأنها مقطوعة من الحياة منتقاه بعناية، يتحكم في إيقاع الزمن ليقف بك على أدق تفاصيل كل نفس، كيف يفكر هذا وكيف يشعر في كل موقف، عندها يزداد فهمك للناس وللعالم؛ كأنه بتلك التفاصيل يستحث وعينا، حتى لربما نعير الرواية وتفاصيلها اهتماما أكثر من ذلك الذي نعيره لحياتنا اليومية.

ليست الرواية مهلهلة، بحيث إذا انتزعتَ منها عبرة أواثنتين، وحكمة هنا وهناك، وعبارة جميلة كل خمسين صفحة= لم يبق لك حاجة بها، وبالنسبة لمن يهوى جمع الاقتباسات ربما يصدمه أنه لن يتمكن من التقاط الكثير كما هو الحال في الروايات السائدة؛ إن الرواية عند فيودور بنيةٌ متكاملة، الحكمة هي هذا الكل، بتناقضاته وتفاصيله وصراعاته؛ السر هو في الرحلة من العنوان إلى النهاية، من الصفحة الأولى إلى الأخيرة.

كثيرٌ من الروايات تناقش موضوعات فلسفية وأخلاقية، لكن الوصول إلى ذلك الانسجام والتناغم، وتلك المعالجة العميقة لخبايا النفس البشرية ليست بالأمر السهل؛ عليك أن تتجاوز قشرة الجزئيات لتضع يدك على ذلك اللب الذي تدور حوله الرواية، لم تكن الجريمة في “الإخوة كارامازوف” سوى غلاف لفيض من التحليل النفسي، كما لم يكن “الأبله” سوى مرآة لتحليل تصرفات عدد من البلهاء.

ثم لدوستويفسكي ميزة فريدة: فمن أين لنا بأديب يعود من سجون سيبيريا ليروي لنا “الجريمة والعقاب” و”ذكريات من منزل الأموات”؛ ومن أين لنا الآن بكاتب حُكم عليه بالإعدام ثم نجى منه! ولك أن تتخيل أن يصف لك أديبٌ فذ و فيلسوف قُح وخبير بتشريح النفس الإنسانية نجاته من الإعدام؛ بل لك أن تتوقع ما ستقرؤه عندما يصف لك تجربته مع القمار في “المقامر”؛ وإنني أضمن لك فهم الوجودية -أو على الأقل تكوين فكرة جيدة عنها- إذا فهمت “الإنسان الصرصار/رسائل من أعماق الأرض” ورموزها؛ وحريٌ بك أن تقضي أياما فقط لاستنتاج علاقة “الشياطين” باسم الرواية… تفاصيلٌ دقيقة ربما لا تسترعي انتباه عامة القراء؛ لكأني به يقول لقرائه: الشيطان يكمن في التفاصيل.

قبل أن أقرأ “الأبله” لم يكن في علمي أنه قد حُكِم عليه بالإعدام ونجا منه، حتى قرأتُ وصفه وحديثه عن الإعدام فقلت في نفسي قبل أن أعرف “هذا الرجل -قطعا- عايش تلك التجربة”، لم يكن ليكتب أحدٌ تلك السطور لو لم يكن هو نفسه من عايشها، لم يكن في استطاعة أحد أن يصف لك لحظات ما قبل سقوط المقصلة على رأس المحكوم عليه إلا من عايش تلك اللحظات.

التحليل النفسي، علم الإجرام، القيم والأخلاق، الفقر، نفسية المجرم، الخزي… كل هذا وأكثر يمكنك أن تدرسه فقط من “الجريمة والعقاب”؛ لازلتُ أذكر أنني كررت قراءة أحلام راسكولنيكوف عشر مرات، ولا أملّ منها، بل تكاد كل قراءة تكشف ما لم تكشفه سابقتها.

ولنصل إلى ذروة إنتاجه و واسطة عقد أعمال دوستويفسكي “الإخوة كارامازوف”… طويلة وعميقة ومرهقة؛ أشبهها دوما بتسلق جبل وعر؛

كارامازوف هي أول ما قرأت لدوستويفسكي -بالطبع لا أنصح أحدًا بذلك- وأتممتُها لآخرها من أول مرة، ومن قرأ دوستويفسكي يعرف جيدا أن هذا ليس بالأمر السهل -وهو لم يكن كذلك بالفعل- ورغم كثرة الأفلام والمسلسلات المقتبسة عنها، إلا أنك إذا قرأتها دون معرفة الحبكة فإنني أضمن لك أن تأسرك هذه الرواية إلى الأبد.

خمسون مرة هي عدد مرات قراءتي لهلوسة إيفان مع الشيطان؛ لا يتسع المقام لوصف هذا المشهد الرهيب، وليس عليك سوى أن تطّلع على الرواية وتصل إلى هذا الجزء لتدرك أن هذا الرقم ليس كبيرا مع مشهد كهذا.

عشتُ مع هذه الرواية أياما طوال، وكنتُ أمنع نفسي من المواصلة، وأحاول توقع الفصل القادم؛ ولن أكون مبالغا لو قلت أنه يمكن تصنيف كتاب متوسط الحجم فقط لمناقشة الأبعاد الفلسفية لهذه الرواية وحدها، وكتاب آخر لفلسفة دوستويفسكي عموما.

كثيرا ما تكون مرآة الأدب أصدق في التعبير عن روح المجتمع والوجدان الجمعي من مرآة الفكر، و في رأيي أن كتابة رواية جيدة أصعب بكثير من تأليف مصنف فكري؛

قد تكون مفكرا جيدا، لكنك لن تصبح أديبا جيدا إلا إذا كنت مفكرا مميزا.[*]

 

-ترتيب مقترح لقراءة أشهر أعمال دوستويفسكي من الأسهل للأصعب:

  • مذكرات من منزل الأموات
  • الليالي البيضاء
  • الفقراء
  • في قبوي
  • المقامر
  • مذلون مهانون
  • الأبله
  • الشياطين
  • الجريمة والعقاب
  • الإخوة كارامازوف

[*] لا يفوتني هنا الإشادة بجهود الدكتور سامي الدروبي -رحمه الله- في ترجمة أعمال دوستويفسكي إلى العربية.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أ.مصطفى، تحية طيبة وبعد.
    ألا تظن أن قراءتك لأعمال دوستويفسكي بطريقة عشوائية قد أثرت معارفك وأنارت رؤيتك ووسعت منظورك تجاه أعماله بشكل أكبر من القراءة المنهجية المرتبة من الأسفل وحتى الأعلى؟
    بصورة أخرى هل سينتفع القارئ لأعمال دوستويفسكي بطريقة منهجية مرتبة بالأسهل فالأصعب كما انتفعتم بقراءة أعماله بطريقة عشوائية أو عكسية بعض الشيء؟
    أم أن الترتيب مقصود لتيسير أعماله بأكبر قدر ممكن لا بأكثر نفع ممكن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى