عام

اختلاط أنساب القصائد

عند الحديث عن الانتحال في الشعر العربي، وصحّة نسب الأبيات، يتجه الاهتمام إلى الشعر الجاهلي، وكانت هذه المسألة من قضاياه الواسعة، غير أنّها في شعر العصر الأمويّ بحاجة إلى مزيد درس وتحقيق؛ إذْ تجاوز الشك نسبة بيت أو بضعة أبيات تتسرّب من شاعر إلى آخر -خاصة بين شعراء المعلقات- إلى قصيدة كاملة تثبّت في ديوان أكثر من شاعر، وليست قصائد متوسطة من نتاجهم بل من عيون الشعر الأمويّ.

 فهل يكفي المنهج التاريخي للفصل في نسب القصائد؟..

وما أثر القصّاصين والرواة  والمحقّقين في ترسيخ نسبة قصيدة إلى غير شاعرها أو إهمال العناية بهذا النسب؟

وفنيًا، القصيدة المتنازع عليها ألا يمكن إجراء (تحليل) لتكوينها العميق لإثبات صحة نسبها؟

 هنا، شتات حديث حول هذا الموضوع..

.

.

المالك الحزين.. لفقد الميميّة:

“هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأته

والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ

إذا رأته قريشٌ قال قائلها:

إلى عند هذا.. ينتهي الكرمُ”

(هذا) اسم إشارة لمعرفة، وهو من المعارف، ومع  هذا، لم يُعرَف على التحقق من المقصود ب(هذا)، ولا من القائل، الميمية الفاخرة التي تُعَدّ من روائع المديح العربي كلّه تُنسب إلى تسعة شعراء، وربما لشهرة الفرزدق، أو للنص الموازي (قصة القصيدة)، وملابسات الرواة، وحضور المتعصّبين، وتوثيق كبار المؤرخين الأوائل، ربما لهذا كلّه ألِف الناس -وفضّلوا- نسبتها للفرزدق، أمّا الخبراء فينسبونها لشعراء آخرين، من أرجحهم: الحزين الكناني واسمه عمرو بن عبد وهيب، حجازيّ مطبوع، كان مُحسنًا متمكّنا، يقول الأصفهاني: “والصحيح أنّها للحزين في عبدالله بن المبارك، وأبيات الحزين مؤتلفة، منتظمة المعاني، متشابهة، تُنبئ عن نفسها”.  لكنّها ما أنبأت عن أبيها، ومضى الحزين، وفاز بها الفرزدق.

.

.

العين العذبة مزدحمة:

“حننت إلى ريّا..ونفسك باعدت

مزارك من ريّا.. وشعباكما معا

كأنّك بَدعٌ.. لم ترَ البينَ قبلها

ولم تكُ بالأُلّاف.. قبلُ مُفجّعا

أمَا -وجلالِ اللهِ- لو تذكرينني

كذكريكِ.. ما كففت للعين أدمعا”

العينية السائرة أشهر آبائها الصمّة القشيري، افتتح بها أبو تمام نسيب الحماسة، وللمحققين بحوث عديدة في نسبها، الذي يتنازعه قيس بن ذريح، وابن الدمينة، ويزيد بن الطثرية.  وربما كان لوجود قصائد مشتركة بينهم على نفس الوزن والقافية أثره في لبس النسب، بالإضافة إلى أن مريدي الشاعر، أو قبيلته يحرصون على ضمّ الثمين إلى ديوانهم، ومن أشهر من درس نسب العينية حمد الجاسر رحمه الله، ورجّح أنها للصمّة القشيري.

.

.

آفة الأشعار :

“ولمّا قضينا من مِنى كلّ حاجةٍ

ومسّح بالأركان من هو ماسحُ

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا

وسالت بأعناق المطيّ البطائحُ”

تطرّف نقّاد الشعر القدماء في تقييم هذه الأبيات اللطيفة، ابن قتيبة أعطى معناها الرقم صفر، قال: “حتى إذا فتّشتَه لم تجد شيئًا”، وعبدالقاهر منحها التقدير ممتاز. وردت في عدد من كتب التفسير والأدب دون عزو، ويمكن القول: النسب السائب يُغري بالسرقة، فتُنسب لكثيّر عزة، ولنصيب، وليزيد، ثم تبنّى جمهورُ كلِّ مؤلّف أو ناقد وجهة نظر أستاذه يمينًا أو شِمالًا، ولو قد بحثوا في مسألة النسب لكانت قيمة مضافة لدرس الأبيات، التي لا يُعتنى بمن قالها. واستطرادًا، يمكن القول أيضًا: وما آفة الأشعار إلّا نقّادها، ومحقّقيها، ومترجميها، الذين يكتبون مقدّمات متعصّبة؛ لإثبات قيمة العمل الذي اشتغلوا عليه، ومركّزية النقاط التي عالجوها، فتجري الدراسات في الساقة تشرح المشروح، وتُفصِّل المفصَّل، ولا عزاء لجذور النص ولا لأفنانه الأخرى، على أنّ تلك قصة أخرى..

.

.

داليَة الرمز النجديّ:

“ألا يا صبا نجدٍ.. متى هِجتَ من نجدِ

لقد زادني مسراك.. وجدًا على وجدِ

هوايَ بهذا الغَور.. غور تهامةٍ

وليس بهذا الحيّ من مستوى نجدِ”

ما للمعارف لا تُعرِّف! لا نسب القصيدة لابن الدمينة موثوق ولا مواضعها متيقّنة..

يقولون لا تهامة هي تهامة، ولا نجد هي نجد، فليس بالضرورة -ولا دليل- أنّها الأقاليم الجغرافية القارّة المعروفة، بل (هذا الغور) مبهم لكل ما انخفض من الأرض، و(هذا الحي من نجد) كل ما ارتفع، فكأن التعريف يزيد التنكير، وأصبحت نجد رمزًا وارف الدوالي -والداليّات- للنزوح والارتفاع والبُعد، أمّا هذه الداليّة فتشتّت نسبها أكثر بين شعراء الغزل الأمويين، فتُدعى ليزيد بن الطثرية، ولنصيب، ولقيس بن ذريح.

ومثلث الشعراء الأمويين: ابن الدمينة، ويزيد، ومزاحم العقيلي، مثلث زاخر بالمشترك الشعري، ربما كان من العوامل لتداخل نسب القصائد بين الثلاثة مع الغرض وتماثل البيئة وتقارب الأسلوب، تشابه ظروف الحياة، والملامح النفسية للشخصيات، وأكثر من هذا تقارب أسماء المحبوبات في الوزن -سواءً كنّ حقيقةً أو مجازًا- مما يجعل القصيدة تروى بأكثر من اسم، كأنه تغيير طفيف في عنوان المرسَل إليها، مع نسخ نص الرسالة.

.

.

القافية الشاردة:

من أجمل المشترك بين الثلاثة -بعاليه- القصيدة القافيّة المثبتة في دواوينهم جميعًا، وإن كان الأرجح نسبتها لمزاحم العقيلي -بحسب المحقّقين- ومن القصيدة:

“عرضنا..فسلّمنا.. فسلّم كارهًا

علينا..وتبريحٌ من الغيظِ خانقُهْ

فسايرتُه مِيلَين.. يا ليت أنّني

-على سخطه- حتى المماتِ أرافقُهْ

ورُحنا.. وكلٌّ نفسُه قد تصعّدَت

إلى النحرِ.. حتى ضمّها متضايقُهْ

من الوجد.. إلّا مَن أفاض دموعَهُ

أراحَ.. وظِلُّ الموت تغشى بوارقُهْ”

يحقّ لجمهور كلّ شاعر الحرص على نسب تلك القطعة الفخمة لشاعرهم، قافية مختنقة ملائمة تمامًا لغرض النص ومعانيه، لا يختارها إلا شاعر مطبوع، اختناق القاف الحَلْقية المضمومة التي تنتهي بوصلِ هاءٍ ضعيفةٍ ساكتةٍ ساكنة.. إيقاع يناسب الجوّ المشحون في مقام العتب وسخط أحد الطرفين، عاصفة ورعود وبوارق، همى بينها الدمع فأجهى الأفق على أحدهما فقط، وفي سيرة الشعراء الثلاثة مواقف عديدة تناسب تركيب هذا النصّ عليها، فعند كلٍّ منهم شواهد على توتّر وصرم وتراجع وكتم، فتُدرَج الأبيات في الديوان باتّساق، دون نتوء.

.

.

أمومة مهمّشة:

من اختلاط أنساب القصائد أن يتنازع على النص شاعر وشاعرة، -والمفارقة أن الخصوم يُنسبون لأمهاتهم وفقدت الأبيات أمّها- والغلبة للأقوى، خاصة في غرض الغزل الذي قد يكون الفعل المعاكس لحرص القبيلة على تثبيت الشعر لابنها، فيأنفون ويفضّلون -في أحسن الأحوال- ألّا يُنسب الغزل لابنتهم، يفخرون بما قالت رثاءً أو فخرًا، أو شيء من نسيبٍ قليل، لكن لا يحرصون على توثيقه رسميًا باسمها.

من ذلك أبيات مثبتة في ديوان يزيد بن الطثرية، وابن الدمينة، وقيل إنّها لأمّ العلاء الغنويّة، وهي من حقبة زمنية مقاربة لهما، منها:

“ألهفَ أبي لمّا أدمتُ لك الهوى

وأصفيتُك الودَّ الذي هو ظاهرُ

وجاهرتُ فيك الناسَ.. حتى أضرّ بي

مجاهرتي القومَ الذين أجاهرُ

وأنتَ كَفَيْء الغصنِ.. بَينا يُظلُّني

ويعجبُني.. إذْ زعزعَته الأعاصِرُ

فصار لغيري.. ظلُّهُ وهواؤه

ودارت بجسمي بعد ذاك الهواجرُ”

ما رأيك أنت؟

لو قيل لمن تنسبها: له أو لها؟، بعيدًا عن الأسماء، وبعيدًا عن التاريخ.. لو فُحص أسلوب النص تحليلًا للفظ والمعنى والعاطفة، من حيث الملاءمة لطبيعة قائله، فأظنّ أنه سيُنسب لامرأة -أيّ امرأة-. لا يُستحسَن من رجل أن يقول إنّه في ظلالها، ولا أن يتحسّر أن مرفأه صار لغيره -هكذا بتسليم-. وجدير بالباحثين أن يستعينوا بأدوات البنيوية التكوينية لدراسة مثل هذه الفكرة بمؤثرات البنية اللغوية والعامل الاجتماعي.

على أنّه من الدقيق جدًا نقد الأسلوب بقراءة تحليلية معمّقة، شيء يمكن وصفه بتحليل الحمض الأسلوبي للنص لإثبات قائله، كما فعل المعرّي في رسالة الغفران،  عندما ميّز شعر تأبّط شرًّا من شعر غيره، فاستدلّ على أن القصيدة التي منها: “ولا الظليمُ به يبغي تِهبّادا” لتأبط شرًّا لأنه اختار وزن (تِفِعّال) -الغريب- في قصيدة أخرى منها:

 “طيفُ ابنةِ الحُرِّ التي كنّا نواصلها.. ثمَّ اجتُنِنْتُ بها.. بعد التِفرّاقِ”

صحيح أنه صعب على النقاد؛ لأنه خاص بالشاعر الذي صنع بصمته الخاصة، لكنّه ممتع، وليس مستحيلًا..

.

والخلاصة، من الظواهر في شعر العصر الأموي اختلاط نسب عدد من عيون القصائد، لا الأبيات كما هي في كل العصور، وربما أسهم في ذلك تقارب البيئة الجغرافية، أو تماثل الظروف الاجتماعية، أو طبيعة الغرض وجمهور الشاعر، جمهوره المعاصر له، وجمهوره بعد قرون.

ويبقى الثمين مطمَع أهل المجال، فلا يُتنازَع على هُويّة رخيص أو مألوف، أما المارّة بهذا المعرض -أمثالي- فلا يملكون إلا الوقوف والتأمل من وراء زجاجه المغلق، يتعجبون “لرائي الدرِّ منهم ولاقطُهْ”..

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى