فكر وثقافة

الرساليّة والمعرفة

  • أمين بن أحمد البدر، ومحمد المبارك
  • تحرير: محمود سيّد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعدُ:

ففي ظلّ انفتاح الفضاء العامّ لكل النّاس بشتى اختلافاتهم في العلوم والمعارف والعقول والأخلاق؛ ظهرت ساحات كانت فيما مضى حكرًا على أصحابها ولا يطّلع الأجنبي عنها على شيء من أحوالها إلا على نزرٍ يسيرٍ، ومن ذلك ساحة العلم والبحث العلمي حيث يسّرت وسائل التواصل الاجتماعي ظهور نوافذ لها قليلة القيود والتبعات والمعايير والاشتراطات، ومن ثَمَّ ظهرت مدارس واتجاهات وشخصيات لها نقد لما يروج في الساحة العلمية والبيئة البحثية تسعى إلى التصحيح، وتدعو إلى تطوير ميادين المعرفة والبحث.

وفي ظلّ هذا الواقع الجديد -أيضًا- انتشرت في أوساط عموم الناس ثقافة الاطلاع على كل جديد ومختلف ومثير، ومن تلك المجالات المثيرة مجال المعرفة والثقافة؛ فكثر جمهور المتابعين للسجالات العلمية والفكرية ممن لم يتأسّس بالعلم ولم يتحقّق به؛ فصار الحال لبعضهم فتنةً، وصارت منتديات ذلك الجمهور مكانًا لاستعمال مقولاتٍ نقديةٍ وعباراتٍ حِجاجيةٍ؛ لم يتأهّلوا لاستعمالها ولم يفهموا مدلولها على شكله التامّ، فصارت شعارات تُستعمل للمناكفة، والتشغيب بدل الفهم والانتفاع.

ومن تلك المقولات النقدية مصطلح “الرساليّة” وإشكاليته في عالم المعرفة، حيث يستعملها بعض الباحثين في تحليل البحوث العلمية والواقع العلمي وبيان أسباب الضعف وكثرة الأخطاء، فيعزو ذلك إلى سيطرة الهمّ الرساليّ على الباحثين والمؤسسات البحثية؛ بحيث يحملهم ذلك الهمّ على الانشغال بالدفاع والانتصار عمّا يعتقدوه حقًّا، فيؤثر ذلك على دقّتهم في توصيف المقالات والآراء والمذاهب فيقعون في خطأ التصوّر، ثمّ ينسحب ذلك إلى عدم جدوى المناقشة والنقد لها لفقدانها للتصوّر الصحيح ابتداءً.

وهنا نأتي إلى الإشكال في هذا المصطلح ودلالاته، فـ”الرساليّة” تعني الدعوة إلى الفكرة الصائبة عند أصحابها، والدفاع عنها والانتصار لها والسعي إلى تفنيد ما يخالفها، وإعطاء الأحكام القيميّة للأفكار والمقولات والآراء كالحق والباطل، والصواب والخطأ، والنافع والضار، والمقبول والمردود؛ وذلك صواب لا إشكال فيه بل هو مقتضى المعرفة الصحيحة، فمعرفة الحق وقبوله والخضوع له والاعتراف به، والعمل بمُوجبه، والدعوة إليه، والدفاع عنه؛ هو الغاية الصحيحة من العلم والمعرفة. ومصطلح “الرساليّة” مأخوذ من وظيفة الرسل -عليهم السلام- الذين بعثهم الله بالهدى ودين الحق ليعملوا به، ويبلّغوه للناس، ويدعوا إليه، ويذكّروا به، ويجادلوا عنه، ويردّوا على ما يخالفه من الخطأ والضلال.

وشرط تحصيل المعرفة الصحيحة: التصوّر الصحيح، ومعرفة الشيء على ما هو عليه في نفس الأمر، وإقامة الدليل والبرهان على المطلوبات، فلا يجوز الكلام على شيء بلا علم، ولا يصحّ إثبات الحقائق بلا بيّنات، ولا يحقّ لأحد أن يشترط على قبول الحق شرطًا زائدًا على إثبات الحق، فطلب الحق مقصود لذاته، وحقّه القبول المطلق بعدما يتبيّن.

فمن ردّ الحق لهوًى في نفسه، أو تكبّرًا عليه أو حسدًا لقائله، أو منعه جهلُه عن معرفته فقد خرج عن حيّز المعرفة إلى مواقع الجهل، ومواضع الضلال.

فالحق مقصود لذاته وبلوغ الحق لا يحصل إلا بالمعرفة الصحيحة، والمعرفة الصحيحة لا تحصل إلا بالتجرّد عن كل ما يحجب عنها في البحث والنظر والدرس والاحتجاج وتلك هي (الموضوعيّة).

ولمّا كانت الموضوعيّة شرطَ تحصيل المعرفة، ظنَّ بعض الناس أن الموضوعيّة والسعي إلى تحصيلها والاستمساك بها يتنافى مع الرساليّة، أو يُنقص من مستوى الموضوعيّة الذي يُفترض الالتزام به، وهنا يقع الإشكال ويتحوّل النّقد عن الخطأ والقصور في تحقيق شروط المعرفة -كالقول بلا علم ولا بيّنة، أو عدم التصوّر الصحيح- إلى نقد الرساليّة بذاتها، أو النّبز بها بمجرّدها؛ مع أنه لا تلازم البتّة بين الرساليّة وعدم تحقيق شرط المعرفة وعدم الموضوعيّة، فإنّ العلم والعدل أصل عند أهل الحق لا يجوز تجاوزه، والغايات لا تبرّر الوسائل الفاسدة.

 فإن قال قائل: إنا نجد ممّن ينتسب إلى أهل الحق من يتجاوز العلم والعدل والموضوعيّة في بحثه أو مجادلته فيستطيل على غيره فيظلمهم وينسب إليهم ما ليس فيهم، ويقوّلهم ما لم يقولوا، وربما أساء فهم خصومه، وفهم أصحابه؛ فاندفع يردُّ ما قاله أصحابه، أو أنكر ما أصاب به خصومه؛ جهلاً أو تعصباً أو رساليّةً أعمته عن الحق أو حملته على الاستعجال فيما حقه التأمّل والتروّي والاعتبار، فالجواب أن يُقال أولًا: إنّ هذا واقع  فعلاً وهو منكرٌ ومردودٌ لا يُقَرُّ، وخروج عن منهج الحق وشرط المعرفة الصحيحة وإن انتسب إليه، ولكنّ الخطأ في تطبيق الشرط والتزام المنهج لا يصلح أن يكون ردًّا للمعنى الصحيح، وهذا الخلل يقع فيه كثير من البشر بمقتضى خِلقتهم ونقص بشريّتهم، وأتباع الحق في هذا كغيرهم؛ و ما يقع فيه أهل الباطل من قبيل هذا الخطأ وذلك التجاوز أكثر، وهو فيهم أغلب.

هذا هو القول حول “الرساليّة” بهذا المعنى، لكن ماذا عمّن يستعمل “الرساليّة” وفق دلالة أخرى -ولا ينازع في الموقف من “الرساليّة” بالمعنى المتقدم- قيل: لا بأس؛ ما هي الدلالة التي يستعمل بها مصطلح “الرساليّة”، هل هو التعصّب لما يراه الإنسان صوابًا فيُفضي به إلى الردّ على المخالف أيًّا ما كان قوله وإلقاء التُّهم عليه جزافًا، أو عدم الفهم لكلامه أو إنكار ما أصاب به أو تقويله ما لم يقل أو غيرها من الأخطاء التي تعود في نهايتها إلى عدم القيام بشرط العلم، إذا كان هذا هو مفهوم “الرساليّة” المرفوضة؛ فإن استعمال المصطلح بهذا المفهوم مُشكِلٌ؛ بل لا يُسلَّم لأصحابه، ولو سُلِّم جدلًا أنّ هذا هو المراد بمصطلح “الرساليّة”؛ فإن الإشكال ليس في الرساليّة نفسها، وإنّما في الأخطاء التي ترتكب متوشّحةً بالرساليّة، وإذا كان كذلك؛ فإن كثيرًا من الأخطاء، وحتى الذين يقعون في خطأ الرساليّة بالمعنى الثاني وكان همّهم الرساليّ سبب أخطائهم؛ أولئك لو فتشت في حالهم لوجدت أنهم ينطَوُون على مشكلة أعمق منها، وهي إشكالية الجهل أو الهوى التي تخلّف عنها شرط العلم، وتلك المشكلة هي الحقيقة بالدراسة والنقد والبيان، دون تجاوزها إلى معنىً يقع فيه النزاع، وله أوجه صحيحة، فيتحول النقد من الخطأ الظاهر إلى المصطلح المجمل.

وحينئذٍ؛ فالتعصب للحقّ ليس مذمومًا بل ممدوح، والخطأ يتوجه إلى عدم معرفة الحقّ كما هو، فإذا ظهر للإنسان حقّ قاطع لا مرية فيه ولا تردّد فلا يجوز أن يتجاوز الحقّ ولا يخالفَه ليجعل الحقّ وغير الحقّ على حال سواء؛ ولذلك فالتعصّب للمنهج العلمي الصحيح، والتحيّز إلى ضرورة الالتزام بشروط تحقيق العلم في ميادين المعرفة أمر محمود لا يجوز التنازل عنه، والمقصود بالتعصّب هنا الجزم بصوابه والدعوة إليه، ومجادلة خصومه بالحجّة البالغة والبيّنة الظاهرة، ولربما كان هذا المعنى مُسلَّماً فيه في حقيقة معناه وإن نُوزِع في التعبير عنه بهذه الحروف.

وعلى سبيل المثال نجد كثرة نقد مؤرّخي الأفكار لفلسفة القرون الوسطى بسبب اعتمادها على الجدل الذي لا ينتج، وإنما يُبنى على المغالطات والتشغيبات لا على التجرّد للحقيقة، وهو في ذلك فرع عن إشكالية أساسات الفلسفة اليونانية، وامتدَّ ذلك إلى جملة المتكلمين من المسلمين الذين دخلت عليهم مواد من الفلسفة، فسعوا إلى إبطالها فوقعوا في شَرَكها ولم يتمكنوا من التخلّص منها، والمقصود أن النقد الموجه إلى هؤلاء وأمثالهم ليس متوجّهًا لقصدهم في نصرة الحق فيما يرونه وإنما هو فيما يرونه حقًّا وليس كذلك، وفي وسائل تحصيل ذلك الحقّ الموهوم، وفي وسائل الدفاع عنه التي لا تعتمد على البرهان والدليل وإنما تعتمد حُجَجًا موهومةً وظنونًا لا تُوصل إلى المطلوب ولا تُفحم الخصوم، فعاد الأمر من جديد إلى موضع الإشكال الأول وهو عدم معرفة الحق وإقامة البرهان عليه على الوجه الصحيح، وعدم دمغ الباطل و إزهاقه بالحجة البالغة.

وأُلْفِتُ نظر القارئ الكريم إلى أنّ المبالغة في الدعوة إلى الحياد تستعمل في بيئات تعتمد مرجعيةً مختلفةً عن المرجعية الإسلامية في الموقف من وجود (الحقيقة) وإمكانية الوصول إليها، وهي المرجعية التي تقول بـ(التعدّديّة والنّسبيّة)، والمرجعية التي تقول: إن الأديان من العلوم الإنسانية والعلوم الإنسانية ليست برهانيةً، ولذا يستعمل في دراستها مصطلح “المقاربة” إذ لا يمكن -وفق مرجعيتهم المعرفية- الوصول إلى حقيقة مطلقة فيها، وأيضًا ما كان من المعارف متعلّقًا بما ورائيات الطبيعة لا يمكن إثباته علميًّا -وفق نظريتهم أيضًا- فلا يصلح التعامل معه بثنائية الحق والباطل؛ وبناءً عليه فلا بدّ من اعتبار كل وجهة نظر مهما خَلَتْ من البينات لا من جهة تصويبها وإنما من جهة حقّها في الاختيار، وأنه لا بدّ من التنزّه عن ادّعاء الحقيقة المطلقة، وكما يعبرون عنها بعدم جواز احتكار الحقيقة، واعتماد الحقيقة المغلقة، والدوغمائية، وو إلخ .. من صيغ الاعتراض التي لا تبحث عن صوابيّة القول أو عدمه بقدر ما تحامي وتدافع عن أي وجهة نظر أخرى لا تُسلّم بهذا القول أو ذاك؛ ليس من جهة أدلتها بل من جهة حقّها في إبداء الرأي، وحقّها في الاعتراض وحقّها في التعبير، وأخيرًا في حقّها بعدم قبول الحق -ما دام الحق لا يمكن أن يثبته أحد-، فكانت نهاية صورة التجرّد عن الرساليّة القولُ بالنّسبيّة والتعدديّة -عندهم-.

إضافةً إلى اعتبار كل ما يصدر عن مرجعية عقائدية وهي ما يسمونها بالـ(أيديولوجيا) أنه منحاز ولابدّ، وهذا مصطلح مجملٌ، فلا نسلّم هذا الوصف لكل عقائدية، فليست كل عقيدة مبنيةً على مصادرة وتحيّز معرفيّ.

 وقد كان من بواعث اعتبار الـ(أيديولوجيا) منحازة دومًا السياق التاريخي في الفكر الغربي حينما ثاروا على مقرّرات النصرانية، وظنّوا أن الإشكال في كلّ عقيدة دينيّة وليس في الأديان التي عرفوها كاليهوديّة والنصرانية غيرها من الأديان الباطلة، فأطلقوا القول باعتبار عدم إمكان برهنة كل ما هو ديني، وسعوا إلى البحث عن طريق إجرائيّ يحقق الموضوعيّة ويستبعدُ ما ثبت بطلانه -عندهم- فأعادوا تعريف العلم وتعريف الدين وتعريف الحقيقة وفرّعوا عليها تعريف الموضوعيّة، ثمّ فرّعوا عليها الحكم على البحوث وفقًا لهذا المعيار، فصار نقد الرساليّة -بناءً على تقعيدهم- مستقيمًا لعدم إمكان تصوّر اجتماع الرساليّة والموضوعيّة حينئذ؛ تلك هي أوجه استعمالهم لهذا المصطلح وفق مرجعيتهم.

وظاهرٌ أنّ كثيرًا من الفضلاء لا يقول بهذا القول ولا يصدر عن تلك المرجعية، إلا أنّ تتابع الثناء على مقاومة “الرساليّة” في البيئات الغربية قد يغفل معه عن تلك المرجعيّة الحاملة عليها.

فالمقصود أن الرساليّة والحياد هي معانٍ ينطوي عليها القلب، لا تقتضي بذاتها تحقيق حقّ أو ردّ باطل، ويوجد فيمن يزعم الحياد والموضوعيّة في العلوم من ردّ الدليل بعدما ظهر، وجادل في الحقّ بعدما تبيّن، ونحن نعلم أن من تجرّد للحق وطلبه من وجهه ظهر له ولا بدّ، فإن الله أقام على الحقّ شواهده، وأتمّ بيانه بأدلة ظاهرة، ومن خفي عليه وجه الحقّ فلا بدّ أنه قصّر في تحصيل أسبابه، أو حجبه عنه مانع من الموانع التي تعود إلى المرء نفسه لا إلى الحقّ كما هو.

ومعلومٌ أن التوقّف فيما جهله الإنسان حتى يتبيّن له أمر محمود، وإنما كانت الإشارة إلى أن دعوى الحياد والموضوعيّة المطلقة لا يعني تحقّقها دومًا في نفس الأمر، فالموضوعيّة كثيرٌ مدّعوها، وإنما تثبت ببرهانها.

فتحصّل لنا أن (الرساليّة والموضوعيّة) ليسا ضدّين، وأن وقوع الخطأ في متبنّي الرساليّة يقع مثله في مدّعي الموضوعيّة؛ ولذا نجد فيمن ينتقد الرساليّة همًّا رساليًّا في نقدها، وفي هذا شاهد على عدم إشكاليّة الرساليّة بذاتها بل بما يحتفّ بها، وقد جمع الله -تعالى- بين من قصّر في قول الحقّ وبين من كذّب به بوصف الظلم المنافي للعدل -الذي هو جزء من الحقّ-، فقال:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِين}[العنكبوت:68].

وإنما جاء البحث في مصطلح “الرساليّة” نظرًا لوصف بعض الباحثين ممن ينتقد المقصّرين في تحقيق شروط المعرفة بـ”الرساليّة”، ومن يستعمل الرساليّة -خطأً- بمعنى تجاوز شرط العلم.

وهذا التفريق بين الصور الصحيحة والخاطئة؛ وإن كان لا يخفى على جملة المستعملين لهذه المصطلحات إلا أنّ كثرة إرجاع جملة من الأخطاء إلى هذا السبب قد تُشعر بعض القراء بذمّ هذا المبدأ في جملة أحواله وموارده.

والخلاصة:

  • أن الخطأ الذي يقع ليس على الرساليّة وإن سميّت رساليّة، وأنّ حصر تعريف الرساليّة على المعنى الخطأ قصور عن تحقيق معناه، وربطه بما هو منفك عنه.
  • أن الانسياق مع هذا الخطأ قد يؤسّس لخطأ آخر؛ وهو ظنّ إمكان خلوّ النفس من المقاصد، وفكّ العلم عن مقاصده من العمل والاعتقاد، وتلك أوهام فاسدة بَسَطَ العلماء القول فيها؛ إذن فالنقد موجّه للخطأ لا للرساليّة، وطلب الحق ونصرته ليس خطأً، ومن سلّم هذا صار الخلاف معه في التسمية لا في المعنى.

أعجبني المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى